مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه

الفصل الأول: ضرورة البحث حول الحكم الإسلامي

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، لا سيما بقية الله في الأرضين عجل الله تعالى فرجه وجعلنا من أعوانه وأنصاره، قال الله تعالى في كتابة: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز}[1].
إسلامية نظام الحكم:
الصفة الرئيسة لنظامنا الإسلامي الذي طوى عقداً من عمره وأقيم بالدماء الزاكية للآلاف من الشرفاء والمضحين، هي إسلاميته.
وقد تركت عوامل وظروف كثيرة تأثيرها في إقامة هذا النظام، لكنها كانت جميعاً تدور حول محور الرغبة في الإسلام، وطبيعي أن بقاءه كنظام إسلامي لن يتم إلا باستمرار الحفاظ على هذه الصفة. ولكن ماذا يعني كون النظام إسلامياً، وامتلاكه لهذا المقوّم؟
إن أي نظام اجتماعي وسياسي لن يكتسب الصفة الإسلامية إلا إذا قام في بعدي (التشريع) و (التنفيذ) على أساس المبادئ والقيم الإسلامية، ولن يطول بقاء هذه الصفة إلا إذا حمل أفراد المجتمع والذين يؤمنون بهذا النظام، المعتقدات الإسلامية وتمسّكوا بقيم الإسلام.
ولو قدّر ـ لا سمح الله ـ للمعتقدات والأفكار الإسلامية أن تنسى في المجتمع، أو يطرأ انحراف في محتواها، أو حدث على صعيد القيم أن نسي الناس قيم الإسلام الأساس، وبرزت ميول منحرفة، فإن دعائم النظام الإسلامي ستتزعزع شيئاً فشيئاً ولن تبقى هناك أية ضمانة لاستمراره على المدى الطويل، وقد يبقى اسم الإسلام لفترة طويلة، لكن مضمونه وحقيقته سوف يسدل عليها ستار النسيان.
وهذه تجربة مر بها المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام، إذ لم يمض على رحيل النبي الأكرم (ص) زمان إلاّ وتحوّل نظام الحكم الإلهي والإسلامي إلى حكم طاغوتي وملكي أموي وعباسي، ولم يبق من الإسلام إلا اسمه، وتعرضت المعتقدات الإسلامية للانحراف، وتعرضت القيم الإسلامية لدى المجتمع للنسيان. أما الجهاز الحاكم فقد كان وضعه في هذا المجال أدهى وأمرّ.
كانت هناك حكومة إسلامية بالاسم فقط، حيث جلس بعضهم على عرش السلطة باسم خلافة النبي الأكرم (ص)، وهذه التجربة المرة ينبغي أن تكون عبرة للأجيال القادمة.
وبعد أربعة عشر قرناً اندلعت ثورة أخرى في هذا العالم مقتدية بالثورة الإلهية التي أشعلها النبي الأكرم (ص) فأرست دعائم نظام اجتماعي وسياسي جديد قائم على المبادئ الإسلامية، وبما أن أصل نظام الحكم الإسلامي الذي شرّعه النبي الأكرم (ص) لم يكن مصوناً من الآفات حيث لم يمض زمان حتى برزت عملياً انحرافات في المجتمع، فإن هذه لثورة لن تتمتع بالحصانة الأكيدة إلاّ إذا أخذنا العبر من الماضي ومارس أبناء شعبنا المسلم قدراً كافياً من العمل الجاد من أجل الحفاظ على هذا النظام، وبلغت رغبتهم في المعتقدات والقيم الإسلامية درجة تجعلهم يقفون في وجه كل الآفات والعوامل المدمرة، ويبذلون أنفسهم وأموالهم من أجل الحفاظ على هذا النظام الإسلامي المقدس.
الحفاظ على النظام رهين بمعرفة الإسلام:
من الواضح تماماً أن الحفاظ على هذا النظام واستمراره رهينان قبل كل شيء بأن يعرف الناس الإسلام معرفة صحيحة ويتمسكوا بالقيم الإسلامية.
وقد يسأل سائل: من أين يمكن أن يبدأ الانحراف؟
وللإجابة نقول: إن الانحراف يظهر أولاً في مجال معارف الناس، أي حين يغفل الناس عن المعرفة الصحيحة بالأسس والمبادئ الإسلامية، وتنخفض درجة وعيهم، فسوف تبدأ الأيدي الماكرة عملها وتنشر أفكاراً خاطئة بدلاً من المعارف الإسلامية، وتلبسها ثوب الإسلام ثم تستخدم وسائلها الإعلامية فتحرف أفكار الناس عن المسار الصحيح تدريجياً، وهنا يجب على الذين يؤيدون هذه الثورة ويخشون من تعرضها للآفات، أن يعملوا بيقظة تامة للحفاظ على أفكار الناس ومعتقداتهم الإسلامية، ويحولوا بشكل جدي دون أن تؤدي أية آفة إلى الانحراف الفكري والعقائدي.
ولا تكون الحيلولة دون هذه الآفات بمنع طرح أفكار الآخرين ومعتقداتهم منعاً تاماً، إذ لا يمكن أبداً أن نضرب أسواراً حول أذهان الناس لكي لا تنفذ إليها الأفكار المنحرفة، فهذا ما لم يتيسر ولن يتيسر أبداً، وحتى لو فرضنا أنه متيسر فهو ليس صحيحاً، حيث تنفذ الأفكار والمعتقدات الخاطئة إلى أذهان الناس وتحدث الشبهات شئنا ذلك أم أبينا.
والسبيل الرئيس والصحيح هو أن يدعم الناس من حيث الفكر والمعرفة الإسلامية بدرجة تجعلا الأفكار المنحرفة لا تؤثر فيهم، بحيث يبلغ عندهم الوعي الديني درجة تجعلهم لا يتأثرون بالشبهات، بل يبلغون درجة أسمى فيردّون على الشبهات ويعرفون الإسلام الصحيح لكي لا يتمكن مخالفو الرسالة الإسلامية من زرع الأفكار غير الإسلامية بدلاً من الإسلام لديهم، على هذا الأساس فأهم عوامل (حفظ الإسلام) و (حفظ إسلامية نظام الحكم) هو انتشار الثقافة الإسلامية في المجتمع وتعزز معرفة الناس بالإسلام وزيادة تمسّكهم بالمبادئ والقيم.
ومما يؤسف له أن المشاكل الداخلية والخارجية الكثيرة لم تدع للساسة المشرفين على شؤون البلاد مجالاً خلال الأعوام العشرة المنصرفة لكي يولوا هذه البرامج القدر الكافي من الاهتمام، والآن حيث بدأت مرحلة إعادة بناء البلاد نأمل أن تولى هذه الأمور قدراً كافياً من الاهتمام وتبذل المساعي اللازمة للرقي بمعرفة المجتمع وثقافته. ونحن بدورنا يجب علينا بقدر مساهمتنا في هذا المجتمع والمسؤولية التي تحملناها أن نسعى للمساهمة في إنجاح هذه البرامج. ومما يجدر قوله إن مثل هذه الأمور تحتاج إلى نشاطات علمية وثقافية واسعة ولا يمكن معالجتها ببرنامج يستغرق ساعات أو أياماً، لكن ذلك أفضل من لا شيء والعدد (واحد) يعد عدداً مقابل الصفر مع أنه يبعد كثيراً عن اللانهاية. وخلاصة القول إننا لا عذر لنا إن عجزنا عن أن نترك تأثيراً في المجتمع أن نمتنع عن التأثير المحدود والجزئي أيضاً، بل يجب علينا أن لا ندّخر أي وسع في هذا المجال.
الحكم الإسلامي:
من أهم القضايا التي ينبغي طرحها ومعالجتها في المجتمع وعلى نطاق واسع، وتوسيع معرفة الناس ووعيهم وتعميقهما تجاهها قضية (أصل شرعية هذا النظام) أو بتعبير آخر قضية (الحكم الإسلامي).
ونحن نعلم أن هذه الثورة قامت من أجل إقامة الحكم الإسلامي، فأبناء الشعب كانوا قد اقتنعوا بأنه لابدّ من حكومة أولاً، وينبغي أن تكون تلك الحكومة إسلامية ثانياً، وكانت قد انطبعت في أذهانهم فكرة عن إسلامية الحكومة فسعوا إلى تحقيقها وبذلوا الدماء حتى أقيم هذا النظام، إلاّ أن هذا الانطباع كان مؤثراً بالمقدار الذي أدى إلى تغيير النظام وإسقاط الطاغوت، ولكنه لا يكفي لأن يطبق نظاماً إسلامياً ويحافظ عليه بدقة ويحفظ هذه الفكرة حية لقرون في قلوب الناس والأجيال القادمة، بل ينبغي السعي من أجل زيادة توضيح هذه المفاهيم لكي يحمل أبناء الشعب تصوراً أصح وأدق عن الحكومة الإسلامية ويدركوا ضرورة وجودها فيتمكنوا من الدفاع عن أفكارهم تجاه المذاهب والنظريات المضادة ولا يكتفوا بالشعارات فقط.
وللمساهمة في تحقيق هذا الهدف في المجتمع، ولكي يزداد عمق معرفة الناس بهذه القضية وأن تشمل هذه المعرفة من حيث المساحة قدراً أكبر من فئات المجتمع، ويحمل الجميع إلى حد ما تصورات واضحة عن الحكومة الإسلامية وركائز النظام، فإننا نطرح هذه البحوث بعون الله تعالى.
وسوف نسعى في هذه الدروس إلى أن تحظى المواضيع بقدر كاف من الاتقان أولاً، وتكون مبسطة قدر المستطاع ثانياً لكي يتمكن عامة الناس من الاستفادة منها وتكون ذات طابع تعليمي لهم، لا أن تختص بالذين اجتازوا المقدمات العلمية الكافية.
والعبارة التي تقول: إننا أنصار الحكم الإسلامي وينبغي أن تدار شؤون مجتمعنا على الإسلام، تعني: أنه ينبغي وجود جهاز حكم قائم على أساس الإسلام، وقد سعى الدستور من أجل توطيد دعائم هذا النظام على التأكيد عليه، وأهم مبدأ في هذا المجال هو مبدأ "ولاية الفقيه" الذي أدخل في الدستور من أجل استمرار النظام الإسلامي.
سيادة الإسلام في التشريع والتنفيذ:
وهنا نريد التوسيع قليلاً في شرح الموضوع لكي يتوضح ما نعنيه من قولنا ينبغي أن يكون نظام الحكم إسلامياً.
فكون نظام معين رسالياً وقائماً على أساس مبادئ وقيم معينة يتجسد في بعدين على أقل، سواء كان إسلامياً أو ذا اتجاه فكري آخر، وبتعبير آخر تتجسد تبعية نظام معين لمجموعة من المبادئ والعقائد والأفكار والمعارف المعينة في بعدين على الأقل هما: "التشريع" و"الحكم والتنفيذ".
ويمكننا أيضاً أن نضيف هنا بعداً ثالثاً بعنوان البعد "القضائي"، إلا أن هذا البعد لا يتمتع بالأصالة التي يتمتع بها كل من السلطة التشريعية والجهاز التنفيذي، والخلاصة أن هناك بعدين رئيسين وهما: (التشريع والتنفيذ) والبعد القضائي تابع لهما.
فلو كانت القوانين التي يقرّها النظام ويدافع عنها هي القوانين الإسلامية، وكان مسؤولون عن تنفيذ هذه القوانين قد تقلدوا هذا المنصب على أساس المبادئ والقيم الإسلامية فسوف يكون ذلك النظام "إسلامياً"، أما لو انحرفت القوانين عن مسار الإسلام أو لم يتقلد المسؤولون عن القضاء أو التنفيذ هذه المناصب على أساس المعايير الإسلامية، بل تقلدوها بأساليب غير إسلامية، فلا يمكن اعتبار مثل هذا النظام إسلامياً.
فنحن إذاً لا يمكننا أن نعتبر حكومتنا إسلامية حقاً إلا إذا طابقت القوانين التي تسودها القانون الإسلامي وكان القضاة ومنفذو القوانين تقلدوا تلك المناصب على أساس الأساليب التي يرتضيها الله تعالى، فلو أصيب أحد هذين الأمرين بآفة بمعنى أن جهاز التشريع انحرف عن مسار الإسلام أو أن الذين تقلّدوا مناصب القضاء والتنفيذ قد تقلدوها بأساليب غير إسلامية، لم تبق حينئذ ضمانة لاستمرار النظام الإسلامي، بل ستنحرف الأفكار والاتجاهات عن المسار الصحيح شيئاً فشيئاً، وقد يحصل هذا الانحراف بمنتهى الهدوء والبطء فلا يلقى ردود فعل لدى الشعب المسلم لا سيما الجماهير التي تتمتع بقدر قليل من المعلومات، لكنه سينتهي في كل الأحوال إلى الانحراف عن المسار الصحيح. ولكي نحول دون الإصابة بهذه الآفة التي برزت دائماً في المجتمعات السابقة وظهرت في العالم الإسلامي بشكل قبيح جداً ونمنع تكرار مثل هذه الحوادث المريرة، ينبغي زيادة يقظة جماهير الشعب وحرصها على حفظ المبادئ والمعتقدات والقيم الإسلامية بما يجعلهم يفهمون العقائد الإسلامية ويؤمنون بها أفضل من ذي قبل ويتمسكون بقوة بالقيم التي تقوم على أساس تلك العقائد.
وسنطرح في هذه السلسلة من البحوث ـ إن شاء الله ـ أموراً حول المواضيع الآتية:
ـ ما هي ضرورة القانون للمجتمع أساساً؟ ومتى يكون هذا القانون إسلامياً؟
ـ لماذا ينبغي أن يكون القانون إسلامياً؟
ـ متى يمكن لجهاز التنفيذ والحكم أن يحكم بصفته جهازاً إسلامياً؟
ـ وأية شروط تجب مراعاتها؟
ـ وأية صلاحيات يتمتع بها جهاز الحكم في المجتمع الإسلامي؟
وسوف نسعى لشرح هذه الأسئلة بأتقن الأدلة القرآنية والبراهين العقلية وتوضيحها بعبارات مبسطة نسبياً لعلنا نخطو بذلك قدر استطاعتها خطوة في طريق تنمية ثقافة المجتمع وتعزيز الرؤى الإسلامية لأبناء الشعب فنؤدي بعض ما علينا من حق تجاه الإسلام والشهداء الكرام.
الخلاصة:
إن السمة الرئيسة لهذا النظام هي كونه إسلامياً ولا تتحقق هذه السمة إلا حين يقوم التشريع والتنفيذ وكذلك القضاء على أساس المبادئ والقيم الإسلامية.
ومن أجل استمرار هذه "الإسلامية" ينبغي أن يحرص أبناء الشعب على المبادئ والقيم الإسلامية لكي يمنعوا حدوث أي انحراف، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت معرفة الشعب بالإسلام معرفة صحيحة وعميقة وبعيدة عن الانحراف، لكي لا تهزهم الشبهات بل وليردّوا عليها أيضاً.
لهذا فمن الضروري طرح قضية "الحكم الإسلامي" لتظهر لدى الناس نظرة واضحة عنه.
ولن تكون هناك ضمانة للحفاظ على "إسلامية النظام" واستمرارها دون الارتقاء بمستوى الثقافة الإسلامية لدى أبناء الشعب وتعزيز تمسكهم بمبادئ الإسلام.
أسئلة:
1ـ ما هي السمة الرئيسة للنظام الذي يحكم مجتمعنا؟
2ـ كيف يمكن الحفاظ على إسلامية النظام؟
3ـ تحدث عن دور الشعب وتمسكه بالإسلام في الحفاظ على إسلامية الثورة والنظام.
4ـ لماذا ينبغي البحث حول الحكم الإسلامي؟
5ـ عن أي طريق تتحقق سيادة الإسلام؟

السابق || التالي 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية