مركز الصدرين للدراسات السياسية || المقالات السياسية

التعددية الإجتهادية في خدمة ولاية الفقيه
الشيخ عفيف النابلسي (*)


إن أطروحة ولاية الفقيه التي تركت بصماتها بثقل على واقع الفكر السياسي الشيعي لم تكن قيمة نظرية فقط، وإنمّا شكلت حدثاً نوعياً على مستوى السلوك الحركي الإسلامي العام، وعلامة على تطور البنية الثقافية عامودياً وأفقياً في إبداع موقف على الصعيد العملي بين ما هو عقيدي – إيماني وبين ما هو سياسي.
وبمعنى آخر، إن استنباط مسلكية في الحكم تؤول إلى إفراز آليات واستحداث مؤسسات تهتم بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية العامة، يعد إنجازاً واعياً داخل الحق الدراسي الشيعي، وامتداداً حياً وفاعلا لما كان على عهد رسول الله (ص)، بما يعزّز من وجود الإسلام في ساحة الحياة، ويؤكد أصالة حضوره في موازاة الأنظمة السياسية الأخرى التي تعتبر نفسها نموذجاً ومقياساً للنظام السياسي الكامل.
من هنا، كانت هذه الأطروحة، التي مظهرها الإمام الخميني الراحل بمظهريته الخاصة وأخرجها من حيّز القوة إلى حيز الفعل، ومنحها أرجلا لتسهيل وتسريع حركتها، نقلة نوعية على مستوى العقل الاجتهادي الشيعي. فبعدما كانت النصوص المتعلقة بالحكم والسياسة والسلطة نماذج مدرسية وتنتمي الى الفقه التجريدي النظري، ولا تخرج عن إطارها الدراسي، أصبحت مع الإمام هندسة، وصيغاً، ومنظومة تقارب مفردات العصر والحداثة وكل ما يتعلق بالاجتماع الإنساني والمعطى السياسي بأبعاده كافة.
يضاف إليه هذا الاتساع في العلاقة بين الفرد – الأمة بالإمام "الولي"، من المبادلات الاجتماعية والدينية الضيقة، إلى الشمولية في وعي الواجبات والحقوق، بما يوائم بين مصالح الأفراد بالمعنى الفردي ومصالح الأمة بالمعنى الاجتماعي العام.
وقد يكون هذا التبلور الخفي في عامود الزمن، والمخاض البطيء في تفتح هذه النظرية مرده الى مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية التي رافقت حركة الاجتهاد الديني، مما جعلها تتأخر الى حين خطت الحركة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني خطوات جبارة في ساحات العمل السياسي والجهادي، وجعل خروجها مناسباً ومراعياً لشروط الواقع الجديد، وعاكساً لتطور الموقف الفقهي من المسائل السياسية والاجتماعية من التقليدية الهادئة الى الثورية الهادرة. فلم تعد الكوابح التقليدية قادرة أمام المتغيرات المجتمعية والتحولات الدولية، على الصمود أكثر من ذلك. فجاءت أطروحة الإمام معطى دراماتيكياً في لحظة تاريخية حاسمة تميز بين نهجين: أحدهما يسعى للتأسي بقيادة رسول الله (ص) الحركية والمنفتحة على الحياة، وأخرى تتمسك بالزهد والورع والاحتياط وهي تنطلق في علاقتها بالسلطة والحكم والسياسة، وهو الأمر الذي أدى الى عزوف القيادات الدينية عن قضايا المجتمع ومصالح الأمة. ولعل هذا الحذر المبالغ فيه والخوف من الوقوع في الفتنة وشرك الدنيا وحبائلها من جانب بعض الفقهاء على مدى عقود طويلة من الزمن، هو الذي قلل من ا لاهتمام بالسياسة لدى النخب والعامة على حد سواء، وهو الذي أضعف من فرص وجود دولة إسلامية تستند الى أصالة الدين الإسلامي في الحكم.
وفي هذا كله، حرصت على القول انه، حينما توافر النضج العقلي، وهو حصيلة مراكمات اجتهادية فكرية تأملية في النص الديني، وفي دور الدين بشكل عام، ووظيفته في تفسير الحياة، والإجابة عن التساؤلات والإشكاليات المطروحة فيها، مع الظروف الاجتماعية الملائمة والمتولدة من حراك إيجابي يعبر عن نفسه تارة بالتحرر وتوكيد الذات، وطوراً في تحقيق العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، وغيرها من الفضائل والقيم التي يطمح إليها كل فرد واع. حينما توافر كل ذلك، أمكن للإمام الخميني بإرادته القوية إعادة الإسلام الى ساحة الحياة بحركة تجاوزت الأطر التقليدية التي كانت متبعة عند العديد من الفقهاء الذين سبقوه أو عاصروه.
وعلى هذا، فيجب الاعتراف والإقرار بان أطروحة ولاية الفقيه هي احد نتاجات التعددية الاجتهادية. فلولا ذلك ما بلغنا هذا المبلغ من الفكر السياسي الذي يحتاج اليوم الى جهد مضاعف لتطوير هذه الأطروحة، من دون أن يكون هناك خروج عن الأصالة الفقهية في كل ما يتصل بالبنية الدينية والسياسية، وفي ا لوقت نفسه تعبّر عن الحيوية في التكيف مع التجارب الإنسانية والمحركات الحضارية.
فالتعددية الاجتهادية هي مصدر غناء وإلهام لمركز الولاية والقيادة، سواء على مستوى الأحكام الإلهية، أو على مستوى الأحكام الولائية. ومع أن فهمنا يلحظ بإيجابية تحقق الأعلمية فيما يشمل الأحكام الإلهية والولائية معاً في شخص واحد، فإن عدم وجودهما معا في مستوى واحد وفي شخص واحد لا يلغي مطلقاً موقع الولي، ولا يضعف من رمزيته ودوره ووظيفته، ولا نواجه مشكلة كأداء في انفكاك القيادة عن المرجعية في التقليد. بل على العكس من ذلك، فإننا نفهم المسألة على أساس اعتبار المجتهد في موقع المستشار للولي سواء على صعيد الأحكام الإلهية عند اجتماع المنصبين "المرجعية والقيادة" بالولي. فيشكل اجتهاد المجتهد في موارد الاختلاف مصدراً للولي لتنبيهه الى بعض الإشارات التي قد تغيب عنه. أو لجهة الأحكام الولائية، فان المجتهد أيضاً يتعاطى الشؤون العامة ويرصد طبيعة المجريات السياسية التي تتحرك على ساحته، فيقدم على أساس ذلك رؤية متقدمة للأوضاع السياسية والاجتماعية للولي ليصدر حكمه النهائي والنافذ الذي يلزمه ويلزم المكلفين كافة.
وبناء على هذا، فان التعددية الاجتهادية سواء انحصرت القيادة والمرجعية بشخص واحد أو انفصلت عنه، فأنّها واقعة في خدمة الولاية، وهي – بمعزل عن كونها مسألة مفتاحية لازدهار وإبداع العقل الإنساني على مختلف الطبقات والمجالات – تتيح للولي أن يكوّن صورة أكثر شمولا عن القضية التي يريد البت بها وفهما اقرب اكتمالا.
_________________________
(*) رئيس هيئة علماء جبل عامل
 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية