مركز الصدرين للدراسات السياسية || المقالات السياسية

ولاية الفقيه وفقهاء الشيعة
الشيخ مالك وهبي


بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على رسوله الكريم أبو القاسم محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين. سادتي العلماء، إخواني المؤمنين أخواتي المؤمنات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
إنّ الحديث عن ولاية الفقيه وفقهاء الشيعة من جهة تاريخية حسب ما هو العنوان المطلوب يتطلّب بحثاً معمّقاً في كلمات الفقهاء وأقوالهم المنتشرة في أبواب فقهية متعددة وهو بحث ليس باليسير إنتاجه أو تحقيقه، خاصّة وأننا لا نجد في كلمات الفقهاء السابقين عنواناً مختصاً لولاية الفقيه، وهذا ما يستدعي منّا نبش الكتب في أبوابها المتفرقة حتى نعثر على ما يدل على التزام الفقهاء بمسألة ولاية الفقيه، بالتأكيد إذا فتحنا الكتب قد يصعب على بعضنا وليس على كلّنا أن يصل إلى نتيجة حول هذا الموضوع، إلا أنّ هناك شائعة منتشرة بين طلاب العلوم الدينية أولاً وعند الناس ثانياً وهي أنّ مسالة ولاية الفقيه مورد خلاف سابق وأنّ الفقهاء على مدى ألف عام كانوا بين أخذ ورد حول ولاية الفقيه وأنّ أول من أظهرها المحقق الكركي على قول ومنهم من يقول أنّه المحقق النراقي صاحب عوائد الأيام أو مستند الشيعة ومنهم من يُرجع التفصيل فيها أو إثباتها بالشكل المعروف للإمام الخميني(قدس سره).
المدعى من قبلنا أنّ ولاية الفقيه مسألة قديمة متفق عليها ولا خلاف فيها، والخلاف حادث، أعني حادث بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة، وقبلها لم يكن هناك أيّ خلاف في مسألة ولاية الفقيه، طبعاً إثبات هذه النقطة أو نفيها كما أشرت في بداية الحديث يحتاج لمراجعة النصوص الفقهية. وقبل المراجعة لهذه النصوص هناك عدة وقفات من الضروري أن نقف عندها لنستكشف هذه المسألة بشكل مباشر أو غير مباشر.
أولاً: نتحدث عن أصل نشوء المرجعية: تاريخياً ليس لدينا في المنشأ الفقهي للمرجعية أي تمايز بينها وبين الولاية أي في الأصل عندما نشأت في تاريخنا الفقهي فكرة المرجعية نشأت فكرة الولاية، وهذا كان جلياً في بدايات المرجعية بالمعنى المعروف أعني بعد الغيبة الصغرى، فإنّ هذه المرجعية لم تكن تعني ما تعنيه الآن من رجوع إلى الفقيه لأخذ الفتوى فقط، كانت المرجعية تعني الولاية وهذا أيضاً إثباته ونفيه يحتاج إلى مراجعة تاريخية وليس من خلال تساؤلات تحصل في الصالونات لأنّ هذا كلّه بحث تاريخي وأزعم أنني قمت ببحث تاريخي مطوّل ومعمّق للوصول إلى هذه النتيجة، وبالتالي فكانت المعايير التي على أساسها يتم اختيار المرجع معايير ولاية أكثر مما كانت معايير مرجعية، وعلى هذا الأساس نفهم مرجعية الشيخ المفيد ومرجعية السيد المرتضى ومرجعية الشيخ الطوسي رغم شهرة الشيخ الطوسي في المجال الفقهي إلا أنّ الشيخ المفيد لم تكن له ذات الشهرة في المجال الفقهي بل ربما قيل أنّه من الجانب الفقهي كان ضعيفاً (طبعاً هذه أذواق والحكم على قوة الفقيه أو ضعفه تختلف باختلاف الآراء والخيارات).
إذاً علينا أن نسترجع التاريخ لنبحث عن نشوء المرجعية. النصوص التي بين أيدينا والتي يرجعها بعضهم إلى المرجعية هي في الواقع نصوص متشابكة بين المرجعية والولاية خاصة إذا نظرنا إلى التوقيع المشهور عن الإمام الحجة(عجل الله فرجه الشريف) والذي رواه إسحاق بن يعقوب والذي وصله عبر أحد السفراء الأربعة والذي جاء عنه «أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» ومع غض النظر عن النقاش القائم في صحة سند هذا التوقيع وعدم صحته، هناك مجموعة نصوص أو مجموعة أدلة تذكر في باب المرجعية سواء كانت أدلة عقلائية (أعني السيرة العقلائية) أو كانت أدلة تاريخية (أعني النصوص) وسواء كانت الأدلة عقلية باعتبار أنه لا يمكن لنا جميعاً الاشتغال لتحصيل الاختصاصات كلّها ولأنّ هناك اختصاصات متعددة فاللازم أن يعود الجاهل بالاختصاص إلى العالم به. كل هذه الأدلة في الواقع متلازمة مع فكرة الولاية، هذه نقطة.
نقطة أخرى أننا لا نجد تاريخياً في ارتكاز المتشرّعة وفي المجتمع المتشرّع الشيعي أي تمايز بين المرجعية والولاية بمعنى أنّهم عندما كانوا يرجعون إلى مرجع كانوا ينظرون إليه على أنّه ولي، هكذا ارتكز لديهم، وهذا المرتكز موجود منشأه تعليم وتوجيهات كانت تصدر من المعصومين عليهم السلام تارة في عصر حضورهم ومن الفقهاء تارةً أخرى. نستكشف من هذا الارتكاز أن مقام المرجعية هو مقام الولاية وبالتالي كانت الدعوة للمرجعية دعوة للولاية، نستكشفه أيضاً من قراءة معمّقة للسيرة المتشرّعة ولهذا لم تستطع أن تمنع الناس كما لم نتمكن سابقاً أن ننظر إلى المرجع كمنفك عن الولاية، لأنّ المرتكز في أذهانهم هو أنّ المرجعية ولاية ومن هنا كان المرجع يضطر حين الحاجة للتصدّي وللتدخل في ما هو من شأن الولاية. هذا هو تاريخياً.
نستكشف من ذلك أنّ فكرة المرجعية وفكرة الولاية واحدة وبالتالي التوافق حول المرجعية توافق حول مقام الولاية، هذا من حيث التاريخ.
في المرتكز الفقهي (هذا قبل أن نصل إلى النصوص) الولاية الفقهية متسالم عليها يظهر ذلك في كل مورد نحتاج فيه إلى وليّ، في كل مورد تثبت فيه الحاجة إلى وليّ نجد أنّ الفقهاء من دون نظر إلى الأدلة ينساقون بشكل مباشر وبسيط إلى إسناد تلك الولاية إلى الفقيه ومن هنا عندما نجد بحثاً لهم حول الخمس، يقولون الخمس (طبعاً هناك خلافات كثيرة في موضوع الخمس) لكن كل من يرى أنّ المكلف غير قادر على التصرّف بالخمس من نفسه كل هؤلاء يقولون بأمر الخمس إلى الفقيه وبالتالي إذا عزلنا الأمر عن ولاية الفقيه لا نجد لهذا الرأي الفقهي أيّ معنى، لا يمكن لهذا الرأي الفقهي المنتشر والمعروف بين الفقهاء أن يكون له أيّ قيمة بمعزل عن مبدأ ولاية الفقيه، إذا يختزن في نفسه ولاية الفقيه. ولهذا لا يجدون أنفسهم مضطرين لذكر دليل.
في المرتكزات الفقهية، شروط المرجعية! إذا نظرنا إلى المرجعية على أنّ المرجع هو مجرد خبير فقهي، عالم يعطي الجاهل الرأي الفقهي كما هو المفسّر به حالياً، من باب رجوع الجاهل إلى العالم، كرجوع الجاهل بالهندسة إلى المهندس ورجوع الجاهل بالطب إلى الطبيب، إذا كان هذا هو مقام المرجعية هناك جملة شروط تحتاج إلى إعادة نظر، لا داعي لها، مثل شرط العدالة. ولهذا لن تجد شرط العدالة في أي خبير بأي اختصاص إلا في مجال القضاء والشهادة، أما في مقام غير القضاء والشهادة مثل رجوع الجاهل إلى العالم فهذا لم يشترط أحد في أهل الاختصاص إلا الأمانة والوثاقة، أما العدالة فهي ليست شرطاً. عندما يستدلون على اشتراط العدالة بالمرجعية ماذا يقولون، يقولون بأن المرجعية إمامة وزعامة وهي شرط في إمامة الصلاة وإمامة المرجعية أولى من إمامة الصلاة فإذا كانت العدالة شرطاً في إمامة الصلاة فبالأولى أن تكون شرطاً في إمامة المرجعية أي زعامة، إذاً عندما تكون المسألة مسألة إمامة وقيادة وزعامة وهي دليلنا على شرط العدالة في المرجعية، إذاً نحن نتحدث بشكل مرتكز عن الولاية، لأنّ الخبرة وحدها منفكة عن الولاية . لا تتطلب عدالة يكفي أن يكون مورد ثقة، مورد أمانة . هناك كثير من الشروط التي تذكر على هذا الأساس تسقط عن الاعتبار. مع أنّ الفقهاء يفترضون أنّ ولاية الخمس للفقيه، تعرفون أنّ مبدأ الولاية يتطلّب كفاءةً في إدارة ما يولى عليه ومع ذلك يغفلون ذكر شرط الكفاءة في إدارة المال. لا يمكنك أن تسلم ولاية لشخص في مورد دون أن يكون له كفاءة إدارة ذلك المورد، الكفاءة شرط عقلي وليس شرط شرعي، شرط الموقع، شرط ممارسة الدور، فإذاً من هنا يوجد مجموعة مواقع أعطيت للفقيه وفيها غض نظر عن جملة شروط. وهناك جملة شروط ذكرت للمرجع لاختزان الولاية في موضوع المرجعية، لا لأجل أنّ المرجعية بمعناها الحاضر المتداول هي نفسها تتطلب شرطية العدالة، أقول هذا لاستخراج مرتكزات وإلا وبالتأكيد فالمرجعية لا يمكن أن تكون من دون عدالة لأنّ المرجعية هي رجوع الناس إلى من يقوم مقام الإمام(سلام الله عليه) كل ما يحتاجون إليه من شؤون. أيضاً نجد في البحوث الفقهية المتفرقة بحثاً متعلقاً في صلاة الجمعة في عصر الغيبة، هناك قول مشهور أو غير مشهور لا يهم هنا، أنّه لا يصح إقامة الجمعة في عصر الغيبة (البعض يقول لا يجب والبعض يقول لا يجوز) إلا بحضور السلطان العادل والإمام الحجة(عجل الله فرجه الشريف) غائب عن الأنظار وبالتالي لا تقام الجمعة، كان الرد عند كل الفقهاء تقريباً عدم الموافقة على هذا الشرط، وانّه لو تم الشرط فالفقيه سلطان، هذا في كلماتهم المنتشرة، في بحث صلاة الجمعة، من هنا يأتي المحقق الكركي ليدعي الإجماع ويقول إنّ علمائنا أجمعوا على أنّ الفقيه وليٌ وسلطان لأنهم يعبرون عنه بموارد متفرقة بنائب الإمام السلطان، ولهذا فالعلامة الحلي من علماء القرن الثامن تقريباً كان عندما يأتي بكلمة سلطان يوضح أن مرادنا بالسلطان يعني الإمام المعصوم والفقيه، مصطلح سلطان يعني ليس قاضياً فقط، هذا مصطلح لديهم في المباحث الفقهية . من المصطلحات أيضا الناظر على أمور المسلمين على المصالح العامة يقولون الناظر هو الفقيه، ليس لديهم مصطلح ولاية الفقيه، عندهم مصطلحات كانت متداولة هي مختلفة لكن المؤدى واحد. نجد أيضاً دليل حسبة الدليل هو بالنهاية كمصطلح متأخر لأنه لم يكن معروفاً عند الشيعة سابقاً لأنه عرف من زمن العلامة الحلي، ولم يكن دليل الحسبة قبل العلامة الحلي موجود أساساً، موجود في الروايات ولكن في رواية أو روايتين وبالمعنى اللغوي، لمعنى احتساب الأجر فقط، أما بالمعنى الذي أصبح معروفاً لاحقاً صار هذا الدليل يستخدم في كل مورد. نعلم في هذا المورد رضى الله تعالى وإرادته لتحقيق ذلك الفعل ولم ينصب ولم يجعل طريقاً محدداً أما إذا حدد طريقاً معينا فالعمل من خلال ذلك الطريق، وان لم يحدد يأتي دليل الحسبة ليحسم الآمر . وفي مسألة الولاية يثبت دليل الحسبة أنَّ القيادة والولاية للفقيه. ليست الحسبة مختصة بالأيتام والقصّر، هذه شبه شائعة أخرى، العلماء يصرحون أن دليل الحسبة مورده كل موارد الحاجة إلى القيم، والحاجة إلى ولي سواء كان مورد أيتام وقصر أم كان مورداً اجتماعياً عاماً أو مصالح عامة، ولهذا نجد السيد محسن الحكيم عندما يناقش مسألة ولاية الفقيه، فقهياً في شرحه على المكاسب وموارد أخرى متعددة متشتتة، يعترف بولاية الفقيه في مورد الحاجة للولي. وبالتالي فهذا عام، وبعض علمائنا كالإمام الخميني(قدس سره) يستخدم مصطلح البداهة، أي إنه في مورد الحاجة إلى ولي فالولاية بالبداهة للفقيه بعضهم يقول ما هو اشد من ذلك مثل السيد عبد الأعلى الذي ذهب إلى فطرية ولاية الفقيه مبسوط اليد. وقال السيد البروجردي أستاذ الإمام الخميني(قدس سره) نحن فقط نحتاج لإثبات الحاجة إلى ولي أما أنه فقيه فهذا إجماعي، ماذا يعني إجماعي هل يتكلم عن عصره ما عندنا إجماع في عصرنا، فعندما يقال إجماع إما أن يكون شاملاً للمتقدمين أو مختصاً بالمتقدمين، أما الإجماع في الزمن الحاضر لا قيمة علمية له هذا معروف، وبالتالي طبعاً هذا له بحث مرتبط بالإجماع، طبعاً في بعض المباني في الإجماع ممكن أن يتحقق في هذا العصر ممكن وهذا بحث أصولي لا نستطيع الخوض فيه. إذاً ولاية الفقيه في المرتكز عند الناس بالمرتكز الفقهي في نشوء المرجعية في طيات المسائل الفقهية، هي مسألة معروفة متسالم عليها، حتى الشيخ الأنصاري الذي ظُلم ونُسب إليه القول بإنكار ولاية الفقيه، ومن نسب إليه هذا القول لم يقرأ كلامه، له تصريح بأن هناك حدوداً من الصلاحيات، هي للفقيه الولي، وهذه الحدود تشمل الحكم والإدارة وبالتالي فهو إذا أنكر فينكر شيء آخر، كما ربما تقرءون في النصوص الموجودة بين أيديكم، إذا وزعت. والسيد الخوئي عُرف عنه القول بإنكار ولاية الفقيه، والمعلوم أن السيد الخوئي ينكر ولاية الفقيه في القضاء، مع ذلك عندما يأتي بحث القضاء يقول إن حفظ النظام من الضروريات (هنا ينفع بحث المقاصد للذي يريده) وبالتالي لا يمكن للشريعة أن تترك للناس فض الخصومات وحل النزاعات فيثبت الولاية للفقيه في القضاء من باب الدليل الحسبي، من باب حفظ النظام ولكن لا يسميها ولاية لأنه عنده بعض التحفظ على مصطلح الولاية إذا لم تكن ناشئة من نص، نحن نتسامح بالتعبير فنعطي الولاية معناها السلطة . السيد الخوئي ينكر ولاية القضاء ويثبتها بطريقة أخرى، ينكر ولاية الفقيه بالمعنى النصي لكنه يعود إليها من طريق أخر، طريق دليل حسبة، نجد إذا قرأتم كتاب الجهاد الذي طبع مؤخراً والحق بمنهاج الصالحين خالف المشهور فيها السيد الخوئي(قدس سره) وهي هل الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة ساقط وننتظر ظهور الحجة(عجل الله فرجه الشريف)؟، أم أن الجهاد الابتدائي واجب فعلي إن تمكنا، والمشهور، والشيخ صاحب الجواهر المعروف بقوته بمسألة ولاية الفقيه قال ليس من صلاحيات الفقيه الجهاد الابتدائي، لأنه يرى في الأصل فكرة الجهاد خاصة بالمعصوم بما هو معصوم وليس بما هو حاكم، السيد الخوئي يقول «لا» إطلاقات الأدلة تعطي أن الجهاد الابتدائي ثابت في عصرنا. إذاً السيد الخوئي يقول بالجهاد الابتدائي ويشتغل بدليل حسبي لإثبات ولاية الفقيه على قيادة الجيش وتجهيزه بكل مقدماته، نلاحظ عندما نقرأ أنه في كل مورد نحتاج فيه لشخص له حق طاعة، له التصرف يعترفون أن هذا الشخص الذي له هذا الحق هو الفقيه لا غيره.
حتى الإخباريين إذا تقرؤون الحدائق النضرة للشيخ البحراني وهو إخباري وإن كان ليس من الإخباريين الحادين، إلا أنه يعترف في مورد الحاجة للولاية بولاية الفقيه، كان دائماً وأبداً البحث الفقهي ليس حول ثبوت الولاية للفقيه، البحث كان دائماً هل هنا مورد ولاية أو ليس مورد ولاية فإذا ثبت أن المورد مورد ولاية فالنتيجة كانت عندهم هو ولاية الفقيه.
ولا يتعبون أنفسهم بالاستدلال ولكن هناك عبارات من الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد المرتضى وتلاميذه وتلاميذ الشيخ الطوسي والسرائر . طبعاً الكلام هنا (في الأوراق الموزعة) عن مراحل تاريخية متباعدة، المحقق الحلي في السرائر المحقق في المعتبر والشرائع، العلامة الحلي في كتبه المختلفة، الأردبيلي، الشهيد الأول، الشهيد الثاني صاحب المدارك كل العلماء، إن قرأتموهم في أبوابهم الفقهية المتفرقة تجدون تصريحات تدل على التزامهم بولاية الفقيه، وإنما لم تتميز مسألة ولاية الفقيه في باب لأنه ربما كانت الحاجات هي التي تفرض فهرست الأبواب، ولم تكن هناك حاجة لإفرادها في رسالة مستقلة أو موضوع مستقل، المحقق النراقي عندما وجد حاجة لها عنونها وأفرد لها رسالة. الإمام الخميني(قدس سره)، لما أراد التركيز عليها عنونها وأفردها برسالة مستقلة إلا أن هذا لا يعني أن الآخرين إذا لم يفردوها برسالة مستقلة إنهم غير قائلين بها، هذا يحتاج إلى رجوع إلى النصوص بشكل معمق. فكرة أخيرة أقولها لن أقول نصوص لأن النصوص بين أيديكم تقرءونها، فكرة أخيرة تقول هل هذا يعني أنه لا خلاف أساساً في ولاية الفقيه، نعم هناك خلاف ولكن ليس بمبدأ ولاية الفقيه، ولا في ثبوت ولاية الفقيه حتى على مستوى الحكم والإدارة، مبدأ أن الولي للحكم والحكومة هو الفقيه متسالم عليه إنما الخلاف في أمور: أولاً هل ولايته ثابتة بجعل تشريعي أم نستكشفه من حفظ النظام، من باب الضرورات والمقاصد المعروف إنكار أن الولاية ثابتة بالنص هذا مشهور، وبعضهم يقول ودون إثباته خرط القتال مثل الشيخ الأنصاري، ولكن هذا له تعقيب يثبتها من باب الحاجة, نفسه بكتاب المكاسب يعقب عليها ويثبتها من باب الحاجة والحسبة.
ثانياً: الخلاف في الصلاحيات هل له ما للإمام عليه السلام؟ أم أن الصلاحيات تكون مقدار الحاجة، هنا هذا الاختلاف نعترف به تاريخياً وسيبقى هذا الخلاف، لأنه لا يقف عند أحد، وهنا أيضاً نجد أن القدر المتفق عليه هو أن السلطة والولاية للفقيه بمقدار الحاجة، أما ما زاد على ذلك فهو مورد خلاف، والإمام من القائلين بالولاية المطلقة وكلك كثير من الفقهاء الآخرين حتى من الفقهاء السابقين هذا خلاف. خلاف ثالث في بعض تفصيلات لا علاقة لها بمبدأ الولاية، مثل الخلاف في صلاة الجمعة هل يشترط فيها المعصوم الولي أو لا يشترط ويكفي الفقيه. هنا نقاش صغروي وهذا لا دخل له بمبدأ الولاية نقاش صغروي يعني هل الاشتراط قائم أم ليس قائماً، مثال آخر هل الاجتهاد الابتدائي بعصر الغيبة ثابت للمعصوم بما هو معصوم أو بما هو حاكم، إن قلنا بما هو حاكم فهذه الصلاحية تثبت للحاكم مطلقاً ولو كان فقيهاً، ولو قلنا أنها صلاحية ثابتة للإمام المعصوم(عليه السلام) لأنه معصوم، فهنا لا يمكن تعميمها للفقيه ولو قلنا بالولاية العامة، ولهذا كان للإمام الخميني شك في ثبوت هذه الصلاحية وله احتياط في ثبوتها للفقيه، ليس من باب شكه بولاية الفقيه، بل من باب أن أصل الصلاحية لا تصل إليه عملاً بقاعدة أنه يثبت للفقيه ما يكون للإمام بما هو حاكم، أما ما كان للإمام بما هو معصوم فلم يكن لأحد غيره فقيها كان أو غيره.
الفكرة الأخيرة :هناك شبه عامة قد توجب جدلاً أو نقاشاً، وهى أنَّ ولاية الفقيه ليست نظرية كاملة في الفقه الإسلامي. هي نظرية ناقصة لا تعوض غيبة الإمام الحجة(عجل الله فرجه الشريف) النظرية في الحكم والإدارة والنظرية في الأساس تدعو إلى حكم المعصوم، وبالتالي في ظل غيبة الإمام(عليه السلام) عندما يتصدى غير المعصوم للحكم، فهناك هامش من الخطأ يقع وليس لدينا نظرية تامة في ظل غيبة المعصوم. لو أزحت ولاية الفقيه لا يعني أن لديك بديلاً أكمل، أكمل النظريات في عصر الغيبة هي ولاية الفقيه. إلى أن يأتي الكمال المطلق وتأتي الحقيقة الكاملة خلافاً لمن يقول لا أحد يملك الحقيقة الكاملة، الإمام المعصوم يملك الحقيقة كاملة فإلى أن يأتي الحجة(عجل الله فرجه الشريف) علينا أن نتحمل، إلا أن هذا لا يعني أن لا ندعو التسديد لمن يستحق، ونسأل الله تعالى تسديدنا وتأييدنا ودعمنا، لكن لا ينطلق أحد لمحاكمة ولاية الفقيه من باب الكمال المطلق. نحن نطلب حضور المعصوم، إلى أن يهيئ الله تعالى لنا الفرصة المناسبة لظهوره (عجل الله فرجه الشريف) ونكون أهلاً للقائه.
نسأل الله تعالى التوفيق والتسديد ودعمنا وتأييدنا وأن نصبر على طاعة ولاية الفقيه إذا كان عندنا مشكلة في هذه النظرية إلا أن الطاعة أفضل من الخلاف وتبقى الحرية الفكرية ليس لها علاقة والحمد لله رب العالمين...
 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية