بسم الله الرحمن الرحيم
إن
إمامة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في المعتقد الشيعي ثابتة
بالنص الشرعي، حيث أن رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) أقامهم
مقامه بأمر من الباري عزَّ وجلَّ، ونصّبهم لولاية الأمة في أمور
الدين والدنيا، فكان لهم ما له (صلى الله عليه وآله) بنص القرآن
الكريم (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم).
ومن الأبعاد التي ترتبط بالإمامة وشؤونها وتتفرّع عنها هي مسألة
الحُكم، والمعتقد الشيعي يثبت بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد
عيّن حاكماً للأمة من بعده، وهذا الحاكم الذي عيّنه النبي (صلى
الله عليه وآله) ينص على الذي يليه، وهكذا يمضي الحال إلى قيام
الساعة، بحيث تكون الحكومة الإسلامية من هذه الزاوية، حكومة
تعيينية ـ تنصيصية على الدوام.
فالحكومة هي من تفريعات الإمامة العامة وداخلة في شؤونها، ولا يمكن
التمييز بينها وبين الولاية العامة.
وعلى الرغم من بداهة ما تقدّم في المعتقد الشيعي، فإن بعض الأبحاث
المعاصرة في نظرية الحكم عند الشيعة الإمامية أفرزت لنا مسألة
جديدة ترتبط بدور الأمة في انعقاد الإمامة أو تحقق الولاية، وذهبت
الآراء في هذه المسألة في اتجاهات مختلفة، إلا أنها تركّزت على
محور واحد يفضي في النهاية إلى تحويل الحكومة إلى شأن دنيوي، كما
يفضي إلى اختزال قضية الإمامة وحصرها في الحكم والحكومة، بحيث تصبح
الإمامة مساوية للحكومة فحسب. وهو تصوّر بسيط وساذج من قِبَل بعض
الشيعة لأننا نرى ـ بناءً على هذه النظرة الاختزالية للإمامة التي
تساوي الحكومة في نظرهم ـ أن نظرية أهل السّنة وما يذهبون إليه في
هذه المسألة تتحلّى بجاذبية أكبر من نظرية هؤلاء الشيعة وما
يعتقدون به.
فأهل السنّة لا يرون من حق الحاكم تعيين الذي يليه، بل يجب على
الأمة أن تنهض بذلك، وينبغي لأهل الحل والعقد المبادرة إليه، كما
يجب أن يتم انتخاب الحاكم وفق أصول ديمقراطية. فاختيار الحاكم هو
حق الأمة في نظرهم، وللأمة حق ممارسة الانتخاب.
فالأمر الوحيد الذي يفرّق بين الشيعة وأهل السنّة في أمر الخلافة
أن الشيعة يعتقدون بأن الإمام (عليه السلام) لا بدّ أن يكون
معصوماً منصوباً من قبل الله عزّ وجلّ بيد النبي (صلى الله عليه
وآله) أو بتنصيص إمام قبله، وأهل السنّة معتقدون بأنه (صلى الله
عليه وآله) لم ينص على أحد، وعلى الناس انتخاب الإمام والخليفة،
فهذا هو الفارق بين الفريقين، فاختيار الناس لا دخل له ـ لا قليلاً
ولا كثيراً ـ في الخلافة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند
شيعة أهل البيت (عليهم السلام).
فالمسألة إذن ليست بهذه البساطة والسذاجة. وما نريد التأكيد عليه
هو أن الولاية المطلقة للأئمة المعصومين (عليهم السلام) كولاية
النبي (صلى الله عليه وآله) تماماً، هي تشريع إلهي ثابت وفعليّ،
ولا يحدّ من فعليّتها اعتراض أحد حتى ولو رفض ذلك كل الناس.
وهذا هو حال وشأن الولاية المشرّعة من قِبل المولى عزَّ وجلَّ في
كل موضع وفي كل مجال، فولاية الأب العاقل على أبنائه الصغار ثابتة
بأصل الشرع حتى عند عجزه عن إعمالها أو تمرد أبنائه عليه أو منع
ظالم له من القيام بلوازمها من التصرف والحفظ والأمر والنهي.
حضور الأمة
الحق أن الأمة تقوم بدور كبير ومؤثر في تحقيق ثمرات الإمامة، وفي
تمكين الإمام من إعمال ولايته، وقيامه بالأمر، وأين هذا من فعلية
الولاية! نعم قد يكون ذلك هو مراد من عبّر بالتحقق العيني للولاية.
فالإمام المعصوم له حق التصرّف والأمر والنهي بما يرتبط بوظائف
الإمامة كقيادة الأمة وحفظ الدين وهداية الناس وأمثال ذلك، بل هو
مكلّف بذلك، ليس له أن يتخلى عنه أو يترك القيام بالأمر، وهو
المعصوم الذي لا يخلّ بالتكليف ولا يترك العمل بالواجب حتماً، إلا
أن هذا التكليف ـ كأي تكليف ـ مشروط بالقدرة والاستطاعة، وهي تتوقف
هنا على حضور الأمة معه وانقيادها له واستعدادها للوقوف بجانبه
ونصرته وتبنّي مشروعه والاستجابة لأمره ونهيه، فإذا وجد الإمام
أمته كذلك قام بالأمر وإلا فلا.
ومن القواعد الابتدائية المقرّرة عند الفقهاء: تمكين الإمام من
مقاتلة المشركين أو أعداء الدّين. حيث تقرّر هذه القاعدة بأن
المسلمين يتعيّن عليهم تمكين الإمام من القتال، وهو حكم ابتدائي في
سبيل إقامة الحق ودفع الباطل.
فهذه القاعدة وأمثالها تختص بالأمة، وواجباتها تلقاء الإمام
المعيّن والمنصوص عليه، ولا دخل لها في تعيين الإمام (عليه السلام)
لا من قريب ولا من بعيد. والبيعة المتعارفة هي إعلان من الأمة عن
هذا الاستعداد، وتعهّد منها بالانقياد والنصرة والتأييد، ولذا كانت
البيعة في مواردها واجبة عندما يتوقف عليها قيام الولي بشؤون
الإمامة.
وما نجده في تاريخ أئمتنا (عليهم السلام) من امتناعهم في بعض
الظروف عن القيام بالأمر في خصوص شؤون الحكم وأمور الدولة فهو
مرتبط مباشرة بتخلي الأمة عن وظيفتها وفقدان الناصر، وانتفاء
القدرة بسبب ذلك، كما أن غصب الظالمين لحق أهل البيت (عليهم
السلام) في واقعه ليس غصباً للإمامة التي لا تُغتصب ولا تُمنح،
وإنما هو غصب للوازمها، وادعاء لها، والقيام بموجباتها من غير
أهلها، والحيلولة بين أهلها وبين القيام بالأمر.
يعبّر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن ذلك بأكثر
من طريقة وفي أكثر من مناسبة، منها ما ورد في الخطبة الشقشقية
المعروفة: « أما والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر،
وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ اللَّه على العلماء أن لا
يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها،
ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة
عنز » (نهج البلاغة، ج3).
ويشهد لنا أيضاً تلك القصة التي ينقلها مأمون الرقي. قال: كنت عند
سيدي الصادق (عليه السلام) إذ دخل سهل بن الحسن الخراساني فسلم
عليه ثم جلس فقال له: يا ابن رسول الله لكم الرأفة والرحمة، وأنتم
أهل بيت الإمامة ما الذي يمنعك أن يكون لك حق تقعد عنه!؟ وأنت تجد
من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف!؟ فقال له عليه السلام:
اجلس يا خراساني رعى الله حقك، ثم قال: يا حنيفة اسجري التنور
فسجرته حتى صار كالجمرة وابيض علوه، ثم قال: يا خراساني! قم فاجلس
في التنور، فقال الخراساني: يا سيدي يا ابن رسول الله لا تعذبني
بالنار، أقلني أقالك الله. قال: قد أقلتك، فبينما نحن كذلك إذ أقبل
هارون المكي، ونعله في سبابته فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله
فقال له الصادق (عليه السلام): ألق النعل من يدك، واجلس في التنور،
قال: فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور، وأقبل الإمام (عليه
السلام) يحدث الخراساني حديث خراسان حتى كأنه شاهد لها، ثم قال: قم
يا خراساني وانظر ما في التنور قال: فقمت إليه فرأيته متربعاً،
فخرج إلينا وسلّم علينا فقال له الإمام (عليه السلام): كم تجد
بخراسان مثل هذا؟ فقال: والله ولا واحداً فقال (عليه السلام): لا
والله ولا واحدا، فقال: أما إنّا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة
معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت. ((المناقب: ج4 ص237 فصل في خرق
العادات له (عليه السلام))).
محور الولاية
في عصرنا الحاضر تتفشى رؤية علمانية الجذور، تعتبر أن الإنسان هو
المحور في الوجود، وهو الأساس في منح الحاكمية للحاكم والولاية
للولي، أصحاب هذه الرؤية يغفلون عن خالق الإنسان ويهملون حاكميته،
أو على الأقل يسقطون الارتباط بين حاكمية غير المعصوم وحاكمية
المولى عزَّ وجلَّ، فمن يريد الانطلاق من رؤية إسلامية أصيلة، فإن
الإسلام يعتبر اللَّه عزَّ وجلَّ محور الوجود ومحور كل شيء في هذا
الوجود، فهو الخالق والمالك الحقيقي بيده ملكوت كل شيء، فأي تصرف
لا يجوز إلا بإذنه، وأي أمرٍ يجب أن يتفرع عن أمره، وأي ولاية فلا
بد من رجوعها إليه، فإذا كان المحور والمدار في الأمر والنهي
والتصرف هو اللَّه عزَّ وجلَّ، فعندئذ تختلف الرؤية بشكل كامل،
وعندئذ يرجع البحث في الولاية والحاكمية وفي صفات الولي وفي كيفية
تنصيبه إلى النص الشرعي، وإلى الدليل الدال على الإذن والتكليف
الإلهي.
وعلى هذا الأساس يمكن أن ننظر إلى بيعة الأمة للولي من زاويتين:
الزاوية الأولى: أنها عهد الطاعة، ولا يعطى عهد الطاعة إلا لمن أمر
اللَّه بطاعتهم أو أذن بذلك، «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»،
فلا قيمة للبيعة عندما تعطى لطاغية أو ظالم أو فاجر أو فاسق منحرف
عن شرع اللَّه تعالى أو جاهل...
أما إذا كانت البيعة لمن أمر اللَّه بطاعتهم وأتباعهم والتمسك بهم
فتصبح تكليفاً شرعياً واجباً.
«وأما حقي عليكم: بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة
حين أدعوكم، والإطاعة حين آمركم... » (نهج البلاغة، ج24).
الزاوية الثانية: البيعة لا تؤسس الولاية، ولا تعطي الشرعية للولي،
بل هي فرع على الولاية الشرعية، نعم هي تمكن الولي من إعمال
ولايته، وهي تقيم الحجة عليه للقيام بالأمر بعد توفر القدرة، كما
هو صريح كلام أمير المؤمنين علي (عليهم السلام) في المقطع المتقدم
«وقيام الحجة بوجود الناصر».
فالسعي لبناء شرعية ولاية الأمر على أساس تفويض الأمة مخالف
للصواب، وبعيد عن طريقة الشريعة، وإن أعجب أصحاب الذوق العلماني.
ولعل المشكلة تكمن في الخلط بين إعطاء القدرة وإعطاء الشرعية، أو
بين التشريع والتمكين، وشتان بينهما.
نصوص أسيء فهمها
بعض ما يعتمد عليه القائلون بمحورية الأمة وتفرع الولاية عنها نصوص
رويت عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أسيء فهمها، أهمها ما ورد
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في كتاب بعث به
إلى معاوية يردّ فيه على اعتراض الأخير على خلافة علي (عليه
السلام) بأنها لم تأتِ استجابة لرضا الناس: «أما بعد فإن بيعتي
بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا
بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا
للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا على
رجل وسموه إماماً كان ذلك للَّه رضاً...».
وهذا النص لا يدلّ على أن البيعة تمنح الولاية الشرعية للأسباب
التالية:
1: إن ولاية علي (عليه السلام) ثبتت بالنص الشرعي عن رسول اللَّه
(صلى الله عليه وآله) يوم نصبه ولياً بأمر من اللَّه تعالى في
واقعة الغدير المشهورة وأمر الناس بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين،
وفي غير نص الغدير مما ملأ الخافقين، وإن أنكره المنكرون.
2: في الكتاب المتقدم كان علي (عليه السلام) في مقام الاحتجاج على
منكري النص، ومنهم معاوية، فاعتمد أسلوب الاحتجاج المعروف (ألزموهم
بما ألزموا به أنفسهم)، وهم قبلوا خلافة الخلفاء الثلاثة ببيعة من
بايعهم من المهاجرين والأنصار، وهذا يفرض عليهم قبول ذلك مع علي
(عليه السلام).
3: إن تخصيصه (عليهم السلام) الشورى بالمهاجرين والأنصار يبتني
أيضاً على ما التزموا به هم، وذكرها هنا له فائدتان:
الأولى: إخراج معاوية من دائرة أهل الحل والعقد أو الشورى، حيث أن
ليس من المهاجرين فلا هجرة بعد الفتح، ولا من الأنصار كما هو
معروف. وبالتالي فليس له أن يعترض حتى على منطقه هو.
الثانية: أن المهاجرين والأنصار عنوان ينطبق على جماعة محدودة
معلومة، وهو غير قابل للتوسعة ولا للتعميم، وهؤلاء فيهم من لا يرضى
للإمامة والخلافة بغير علي (عليه السلام)، مهما كانت الظروف ومهما
بلغت العواقب، وهم معروفون، وعليه فلن يتحقق إجماع تام من
المهاجرين والأنصار على غير علي (عليه السلام) الذي هو للَّه رضاً.
فلا يمكن لنا أن نستخرج من هذا النص قاعدة للتعميم والتطبيق في غير
هذا المورد.
ومثل هذا النص نصوص أخرى ورد فيها نسبة التولية إلى الناس، وقد
أشرنا إليها آنفاً، حيث أنها لا تتنافى مع ثبوت الولاية بالنص، لأن
تولية الأمر كما تطلق على جعل الولاية والتنصيب، كذلك تطلق على
إعطاء الحق لأهله وتمكينه من القيام بالأمر.
بطلان انتخاب الأمة للولي الفقيه بناء على القول بثبوتها
استعرض المثبتون لولاية الفقيه العامة روايات عشر، وقالوا بناء على
دلالتها أو دلالة بعضها بأنها لا تدلّ إلاّ على نصب الفقيه بعنوان
ولي الأمر من ناحية الإمام المعصوم (عليه السلام) أو النبي (صلى
الله عليه وآله)، وهو يرجع بالمآل إلى نصبه من قِبل الله تبارك
وتعالى.
واستدلوا بأن قوله (عليه السلام): «إني جعلته حاكماً» الوارد في
المقبولة، أو «إني جعلته قاضياً» الوارد في المشهورة، وقوله «أمّا
الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» أو «أن مجاري
الأمور بيد العلماء»، يدلّ على ثبوت هذا المنصب لهم من غير حاجة
إلى انتخاب الناس، أو بيعتهم، أو ما شابه ذلك، فهذا الأمر ثابت لهم
ثبوتاً إلهياً كما هو ظاهر واضح، وليس فيها من أمر الانتخاب عين
ولا أثر.
أمّا قوله «فليرضوا به حكماً» معناه وجوب الرضا بحكومتهم، وهو على
خلاف القول بالانتخاب أدل، بل صريح فيه، لاسيّما مع تعليله بقوله
فإني قد جعلته حاكماً، فالنصب الإلهي يفرض على الناس الرضا
بحكومته.
وأمّا قوله «فإن كان كلّ واحد اختار رجلاً من أصحابنا» فهذا إنّما
يرجع إلى قاضي التحكيم أو التوكيل في أمر خاصّ، ولا دخل له
بالانتخاب في أمر عام، لأنه لا معنى لانتخاب كلّ إنسان من يراه
صالحاً للحكومة العامّة، حتّى يكون كلّ منهم حاكماً عاماً ولو كان
المنتخِب (بالكسر) فرداً واحداً، وإلاّ تعددت الحكّام بعدد
الخلائق!
وأمّا الدليل العقلي المؤيد بسيرة النبي (صلى الله عليه وآله)
والولي (عليه السلام) فلا يدلّ أيضاً إلاّ على النصب من ناحية الله
سبحانه، أو النصب من جانب النّبي (صلى الله عليه وآله) والإمام
المعصوم (عليه السلام).
أما فيما يرتبط بولاية الفقيه في عصر الغيبة فالأمر لا يختلف، وإن
جاء التعيين الشرعي عاماً، أي بالصفات وليس للأشخاص المحدّدة
أسماؤهم، فالمهم أن الولاية أيضاً ثابتة بأصل الشرع للفقيه الحائز
على شرائط الولاية (العالم العادل الورع الشجاع المدبّر...)، وعلى
الأمة إذا عرفت فيه ذلك أن تبايعه وتمنحه قيادها، وتبذل طاعتها
ونصرتها ليتمكن من التصدي والقيام بالأمر، وإعمال ولايته الشرعية،
فيقيم بذلك حكومة العدل الإلهي وفق الشريعة المقدسة.
أضف إلى ذلك كلّه أنه لا يُرى في روايات الأصحاب وتاريخهم من أمر
الانتخاب بالنسبة إلى ولاية الفقهاء عين ولا أثر، ولو كان ذلك
لبان، وكم تكلموا في الأبواب المختلفة عن ولاية الفقهاء إثباتاً
ونفياً، ولم يتفوه بالانتخاب أحد من الأعاظم وغيرهم ولو بشطر كلمة
في ذلك، ولم يتكلم أحد منهم إلاّ بكون ذلك نصباً إلهياً بعنوان
النيابة عنه (عليه السلام)، ولذا شاع في كلماتهم تسميته بنائب
الغيبة، وتقسيمهم لنوابه (عليه السلام) إلى النواب الخاصّة وهم
أربعة أمجاد، والنواب العامّة وهم غيرهم، ومن المعلوم أن النائب
سواء كان عاماً أو خاصّاً إنّما يعيّنه المنوب عنه لا آحاد الناس،
وقد كان للأئمّة المعصومين (عليهم السلام) وكلاء منصوبين من قبلهم
في كثير من الأزمنة من غير دخل للناس وكذا الحال في وكلائهم
العامّين.
ومن العجب العجيب، إصرار البعض على كون فعلية الولاية للفقهاء إنما
يكون عبر انتخاب الناس، مع أنه لم يرد في أثر صحيح، ولا في رواية
ضعيفة، ولا في أي تاريخ من تواريخ أصحابنا.
ومن عجيب الكلام (وما عشتَ أراك الدهر عجباً) اجتراء البعض في
زماننا على القول بأن نصب علي (عليه السلام) للخلافة في يوم الغدير
لم يكن نصباً إلهياً، بل كان اقتراحاً من النبي (صلى الله عليه
وآله) ثمّ أجابه الناس بالبيعة له (يعني كان للناس أن لا يبايعوه)
مع أن آية التبليغ تنادي بأعلى صوتها بأنه لم يكن لرسول الله (صلى
الله عليه وآله) أيضاً خيرة في هذا الأمر، فكيف بغيره، نعوذ بالله
من سوء الفهم.
وتفريع الأولى مردود على الثانية من وجهة نظرنا.. فالذي يقول
بالانتخاب في حق الولي الفقيه فإنه مفتون بذلك في خصوص الولي
الأعظم صلوات الله عليه..
وبالجملة، فإن كون الإمام المعصوم (عليه السلام) منصوب من قبل الله
عز وجل من ضروريات مذهب الشيعة، وقد طفحت كتبهم في علم الكلام
والحديث والتفسير والتاريخ بذلك فمن أنكره أنكر ضرورياً من ضروريات
هذا المذهب.
ثمّ يجري هذا الكلام بعينه في ولاة الأمر من غير المعصومين من
بعدهم، فهم منصوبون من قبلهم، لا من قبل الناس، مأمورون بأمرهم، لا
بأمر الناس، فالولاية إنّما هي لله ولمن جعلها له، فتعيّنها من
العالي لا من الداني.
وهذا الذي قدمناه يتناول شرعية الولاية ومنشأ الإلزام في أمر الولي
ونهيه، وهو لا يمنع من إقامة أطرٍ للحكم وتشكيل مجالس تمكّن الناس
من المشاركة في عملية الرقابة والتقنين واختيار بعض مستويات القوى
التنفيذية، فهذا يدخل في أنحاء التدبير وإدارة البلاد والعباد، وهو
يتيح فرصة الاستفادة من كل الطاقات والإمكانات والخبرات، حتى في
مجال سنّ القوانين ذات العلاقة بالشؤون الإدارية والتنظيمية شرط أن
لا تخالف الشريعة.
ومن الجدير بالذكر أن نتائج الانتخابات وما يقننه المجلس يأخذ
شرعية من إمضاء الولي وليس العكس كما في الحكومات العلمانية التي
تقوم على محورية الإنسان في مقابل محورية الباري عزَّ وجلَّ.
خاتمة
هذه الرؤية التي قدمناها، لا تلغي بحال من الأحوال الدور الفاعل
للأمة بكل أفرادها وبكل طاقاتها وإمكاناتها، بل تعوّل كثيراً على
حضورها ومشاركتها، كما أن هذه الرؤية لا تسمح بانجرار الولاية إلى
السلطة التحكمية كما قد يتوهم أو الدكتاتورية، فإن الشروط المطلوبة
في الفقيه الولي يأتي على رأسها "التقوى"، وهي شروط يجب توفرها
ابتداءً واستمراراً، والتقوى ملكة إذا تأصلت لا يزلزلها عَرَض
دنيوي زائل مهما عظم ومهما بلغ، ولو فرضنا جدلاً زوالها فأساء
الولي استخدام السلطة وخلد إلى مطامع الدنيا، فإن الولاية تزول عنه
وتسقط، وهنا يأتي دور الخبراء الذين ائتمنهم الناس لتشخيص هذه
الصفات ابتداءً، فعليهم تشخيص استمرارها والإعلان عن فقدانها إذا
زالت.
إن مشكلة الكثير من المعاصرين هو مقايستهم للأمور الدينية طبقاً
لموازين أهل الدنيا، والشورى المزعومة هي نوع من التدبير الدنيوي
لم يأخذ في حسبانه الموازيين الإلهية التي لا تختص بزمان دون آخر،
فكان تدبيرهم قاصراً لم يبلغ في أقصى مراتبه أقل ما أراده الله
تبارك وتعالى من رسالته الخالدة، وتبعهم على ذلك بعض المتفقهين
والمفكرين الشيعة في ردّهم موضوع ولاية الفقيه إلى انتخاب الأمة.