كان الإمام الخميني (رحمه الله) يتمتع بعلم فقهي وأصولي واسع،
علاوة على الذكاء السياسي, وكان سلوكه (قدس سره الشريف) فلسفياً
وعرفانياً، لكن حزمه السياسي والاجتماعي لم يمنعه من الإهتمام
بالعرفان الذي تجده متناثراً في دروسه وخطبه.
وخلال 15 سنة قضاها في مدينة النجف الاشرف، واظب الإمام على قراءة
الزيارة الجامعة الكبيرة ليلياً، وهي تستغرق ساعة كاملة يقضيها إلى
جوار مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
الخطبة التالية تشير الى أن شيوع الفُرقة والاختلاف بين أوساط
المؤمنين من أكبر أسباب البلاء الذي يحل بالأمة والواجب هو الحلم
والصبر وتقوى الله تعالى وتوحيد الكلمة. إنَّها دروس لنا للدنيا
والآخرة.
اللهم وحّد قلوب المؤمنين واجمع كلمة المسلمين على أعدائهم للتصدي
لهجمة التكفيريين.
مكان الخطبة: العراق/النجف/ مسجد الشيخ الأنصاري، بين تشرين الثاني
1965 وحتى أيلول 1967.
ـ الحاضرون: العلماء والفضلاء وطلاب العلوم الإسلامية في الحوزة
العلمية في النجف.
نص الخطبة منقولاً من كتاب الكوثر الجزء الأول ولمزيد من الإطلاع
يمكن مراجعة "دراسة وتحليل لنهضة الإمام الخميني" (فارسي) مباحث
"الإمام الخميني في منفى العراق"، ج2، ص117ـ148، و"بدء رسالة في
النجف"، ج2، ص151ـ227.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت أعتزم اليوم أن يكون درسنا "مباحثة" إلاّ أنّ اثنين من الإخوة
المحترمين قصداني بالأمس، وذكرا لي أموراً تدعو للأسف، مما حدا بي
إلى جعل موضوع اليوم تذكير الإخوة ببعض الأمور، فقد بلغ الأمر درجة
من التدهور أنّ بعضهم أسرّ قائلاً: إن لم يَنبرِ أحد لإصلاح الأمر
فمن المحتمل وقوع اختلاف شديد واشتباك وصدام في بعض الحالات. وإنّي
لفي حيرة في سبب هذه الاختلافات؟ أعَلى الدنيا؟! إنكم لا دنيا لكم،
فنحن وإياكم ليس لدينا دنيا نختلف عليها. إنّ جميع ما نملكه من
أسباب الحياة لو جُمع كله فلن يعادل ما يملكه أحد المرفَّهين
لوحده. فهل يستحق أمر تافه ورخيص جداً أن يدفع الإخوة المحترمين
إلى القيام وتشكيل جبهات متضادة؟! وأن يبلغ الأمر إلى الخشية من
اقتتال ثلاث مجموعات منّا في بعض الحالات؟! ألا تحتملون وجود يد في
الأمر تهدف إلى إسقاط هيبة ومكانة هذه الحوزات أكثر مما هو حاصل
لها؟ ألا تحتملون حضراتكم أنّ العدو يهدف إلى هذه النتيجة، وأنّ له
يداً في ما يحدث دون أن تشعروا بذلك؟ فيكمن مستتراً ويثير هذه
الأمور بما عُرف عنه من دهاء وسياسة ومكر ـ بواسطة أياديه القذرة ـ
هادفاً إلى إلحاق الخزي بكم أمام المجتمع، والقضاء عليكم بعد ذلك،
ثم يكون ذلك سبباً في شكر الجماهير لتخلّصها من هكذا معمّمين؟ ألا
تحتملون هذا المعنى؟
يندسّ بينكم بعض الأشخاص باسم التدين، أو بلباس بعض المقدسين أو
ظاهري الصلاح، أو يقوموا باستغفال البعض منكم، ليقوموا بنشر بعض
الأمور التي تؤدي إلى ظهور مفاسد فوق المفاسد التي يراها الإنسان
في الحوزات.
كم هو عددنا أصلاً؟ كم هو عددكم ـ سواء الموجودون هنا في النجف أو
في سائر العتبات المقدسة، وفي إيران وباقي البلدان التي تعتبر
مناطق شيعية؟ ـ هل يبلغ عددكم العشرين الفاً؟ هل تضمّ حوزاتنا
عشرين ألفاً؟ لنفترض أنّ عددكم يبلغ مئتا ألف معمّم ممن ينتشرون في
القرى وغيرها، فلنقل إنكم مئتا ألف نفر، فلو كان هؤلاء المئتا ألف
مجتمعين ومتّحدين وملتزمين بتعاليم الإسلام لتمكنوا من إنجاز
الكثير. ولكن إذا لم نقل إنّ هؤلاء المئتي ألف يحملون مئتي ألف
رأي، فهم حتماً يحملون آراء مختلفة ومتباعدة. كل واحد منهم، وكل
جبهة ـ على زعمكم ـ لها رأي مستقل تسفّه على أساسه آراء الجبهات
الأخرى.
إذا كان المقرر لجماعتنا أن تكون هذه حالها من الداخل، بحيث نقوم
بتسقيط بعضنا البعض، ويقوم الشيوخ بهتك الشبان، ويقوم الشبان بهتك
الشيوخ، وتقوم العجائز بهتك الشابات، علاوة على وجود أيادٍ تهدف
إلى تصعيد الخلافات لتثير في الحوزات فوق ما هو موجود فيها تدهوراً
واضطراباً باسم الجبهة الفلانية، والجبهة الكذائية، وما يستتبع ذلك
من نتائج سيحصلون عليها أولئك الذين يهدفون إلى القضاء على الحوزات
التي يعتبرونها ضارة بمصالحهم. إذا كان هذا هو وضع جماعتنا، فإنّ
الشعب لن يأسف على ما سيحدث لكم، ولسوف يقولون: إنّ وضع هؤلاء كان
هكذا، فوصلوا إلى هذا الحد الذي ترَون.
أحد الشبان الذي كان قد قدم من أوروبا[1] جاء وبقي هنا حوالى
الأسبوع، بقي هنا مدة قصيرة جداً، جاء للقائي مرة أو مرتين، قال
لأحدهم ـ لم يقل لي أنا، بل قال لأحد الروحانيين ـ: حسناً كان أنّ
الذي جاء للنجف هو أنا، فأنا ابن أحد العلماء، وأستطيع أن أقدّر
الموقف، ولو أنّ شخصاً غيري جاء وأبصر هذا الوضع فماذا سيكون رد
فعله؟ يا للأسف!
إني لا أعلم ما الذي عاينه هذا الطالب الجامعي، الدارس في الخارج،
في هذه الحوزة المباركة، وهو ليس روحانياً مثلنا ـ وإن كان أبوه
عالماً ـ ما الذي رآه خلال هذه الأيام القلائل؟ وبأي أشخاص اتصل؟
وما الذي نقله إليه هؤلاء؟ حتى جعله ـ وهو الطالب الغريب عن
أجوائنا ـ أن يبدي أسفه على وضع النجف، ويتساءل عن علّة هذا الوضع؟
إذا كان في الأمر ثمة أيادٍ هي التي دفعتكم إلى القول: "أنا من
الجبهة الكذائية" و"زيد من جبهة كذا" و"ذلك من جبهة كذا"، وهي التي
جعلتكم جبهات مختلفة، حتى في المدرسة الواحدة، إذا صح هذا الأمر ـ
لا سمح الله ـ فإنّ انفجاراً سيقع في إحدى المدارس ذات يوم، ويسري
منها إلى المدارس الأخرى، ومن هذه الفئة إلى الفئات الأخرى،
والأيادي الآثمة هي التي تضرب نار الفتنة تلك، وتزيد من اشتعال هذه
النيران، وبالنتيجة فإننا علاوة على أننا سنبدو كذلك في الدنيا،
وعلاوة على انهيار النجف واضمحلالها، الأمر الذي لن يقتصر عليّ
وعليكم، بل سيشمل حوزة دينية ناهز عمرها الألف عام[2] وسيشمل
أشخاصاً متدينين ـ وهم بحمد الله كثر ـ أولئك أيضاً يسقطون في نظر
المجتمع أيضاً، وفوق كل ذلك فما سيكون عذرنا أمام الله تعالى؟!
ورد في الرواية أنّ "أهل النار يتأذَّون من ريح العالِم التارك
للعمل بعلمه"، فما السبب في ذلك؟ لا بد أنّ ذلك بسبب الفرق بين
العالم وغير العالم، ومن عدّة جوانب. فالعالِم إذا انحرف ـ لا سمح
الله ـ فإنه يتسبب في انحراف أمة بكاملها. أنا شخصياً رأيت هذا
المعنى في بعض المدن التي كنا نذهب إليها أيام الصيف، فقد كنت أرى
أهالي بعض المدن يتمتعون بمستوى رفيع من التمسك بآداب المجتمع
هناك، وآداب الشرع، كما في مدينة "محلات" التي كانت كذلك في تلك
الأيام. وبقليل من التأمل يكتشف الإنسان أنّ السبب في ذلك هو وجود
عالِم جيد في تلك المدينة.
إنّ وجود مجموعة من المعممين الجيدين المهتمين بأمر الدين، العقلاء
العاملين بعلمهم في أي مجتمع أو مدينة، يكون بذاته موعظة، حتى وإن
لم يقوموا بوعظ الناس. رأينا أمثال هؤلاء ممن كان نفس وجودهم يؤثر
في الناس، كما في "قم" فقد كان هناك بعض العلماء ممن كان مجرد
النظر إليهم يترك أثراً وعظياً في النفس. وترى في إحدى المناطق أنّ
شخصاً منحرفاً أصبح معمماً أو إمام جماعة، فأدى إلى انحراف طائفة
من الناس. فما هو مقدار الريح النتنة لهذا الشخص؟ إنّ مقداره
بالضبط هو ذلك الذي تدركه المشام في جهنم. فتلك الريح النتنة نحن
الذين تسببنا بها في الحياة الدنيا، وليست أمراً خارجاً عنّا ألحقه
بنا أحد هناك. إنّها ريحنا نحن، وكل ما يجري في الآخرة علينا أساسه
عملنا في هذه الدنيا، عملنا الذي لحقنا في الآخرة، فلا نجزى هناك
بغير أعمالنا.
فحينما يكون أحد المعممين مفسداً بحيث يعرّض حوزة بكاملها إلى
الخطر، فإنّ ريحه النتنة ستنتشر على رقعة تعادل حوزة بكاملها، بل
أمة كاملة، وهي ذات الريح النتنة التي تعجز شامتنا الآن عن تحسسها،
في حين أنّ المشام ستتحس بها حينما نُلقى في جهنم ـ لا سمح الله ـ
بحيث تصبح هذه الريح ـ التي صعدت من هذا العالِم بسبب أعمالنا ـ
مؤذية لأهل جهنم.
في نفس الرواية ورد أنّ "أشد الناس حسرة"[3] هم أولئك الذين يدعون
الناس إلى الخير والصلاح فيستجيبون لهم، ويعملون بقولهم، حتى ينتهي
بهم الأمر إلى الجنة والى النعيم المقيم[4] في حين ينتهي الأمر
بذلك العالِم الذي لم يعمل بعلمه إلى جهنم! ولعله يرى هؤلاء في
الآخرة. يرى مثلاً أنّ هذا كان بقّالاً ووصل بفضل إرشاده وأوامره
ونواهيه إلى الجنة، في حين أنه هو لم يعمل بعلمه فدخل النار، ويا
لها من حسرة حينئذ!
إنّ مسؤوليات العالِم كثيرة جداً، كثرة المديح الوارد في الروايات
الشريفة والقرآن الكريم لمقام العالم.. راجعوا ما وردت الإشارة
إليه من مسؤولياته في رواياتنا الشريفة، راجعوا كتاب "الكافي"[5]
وكتاب "الوسائل"[6]، وتأملوا في الأبواب والفصول التي خصصت لهذا
الموضوع. راجعوا بالأخص "الأصول من الكافي" وانظروا المسؤوليات
التي أُنيطت بالعالِم، وبأهل العلم، واطّلعوا على الآداب التي سنّت
للمفيد والمستفيد.
إخواني، إنّ هذه "المصطلحات"[7] التي نقرأها وبالٌ علينا. يعلم
الله أنها كذلك.. يعلم الله أنّ هذه "المصطلحات" كلما كثرت دون أن
يرافقها تهذيب للنفس، فإنها ستؤدي إلى ضياع الدنيا والآخرة لكل
المجتمع الإسلامي دون أن يكون لها وحدها أثر يذكر.
علم التوحيد بحد ذاته إذا.. اقترن بهوى النفس فإنه سيصبح وبالاً
على الإنسان، وما أكثر أولئك الذين أتقنوا علم التوحيد، ثم أضلوا
الخلائق! وحرّفوا الآخرين، في حين أنهم كانوا علماء بعلم التوحيد!
ما أكثر أولئك الذين فاقوكم علماً، لكنهم تسببوا في انحراف المجتمع
كلياً ـ بمحض اتصالهم به ـ لما كانوا يحملونه من الإنحراف في
داخلهم.
من الأمور التي ينبغي عدم الغفلة عنها، حساسية وضع العالم بالنسبة
لغيره، والسر في ذلك هو أنّ الناس يحكمون هكذا، فهم يقولون عن
"البقّال" إنه إنسان سيئ لو ارتكب معصية ما أو مخالفة ما، وهكذا
بالنسبة للعطّار أو الموظفي أو ما شابههم، لكنهم إذا رأَوا مخالفة
من معمّم فإنهم يقولون: المعمّمون كلهم هكذا! لا يقولون بأنّ هذا
المعمّم كذا.. فهم في هذه الحالة لا يميّزون ولا يفرّقون بين
المعمّمين. لا يقولون مثلاً إنّ هؤلاء المعمّمين هم بشر أيضاً،
وفيهم الصالح والطالح ـ نعوذ بالله ـ أبداً، لا تمييز في النظر إلى
المعمّمين. إذا اقترفت أنا عملاً سيئاً قالوا: إنّ المعمّمين
كذا..! والضرر في هذا يعود على الإسلام، وعلى الحوزات العلمية
الدينية، وعلى أحكام الإسلام.
إذا قمتم بتسقيط البعض هكذا، وإذا اشتبكت الجامعات العلمية فيما
بينها، وحاولت إحداها تسقيط الأخرى، وقام البعض بقذف البعض الآخر
بشائن الألفاظ، وفسّقه وكفّره، وثار الهرج، وعمّت الفوضى. إذا
حطّمنا أنفسنا بأنفسنا، وقضينا على أنفسنا، فلا يبقى لكلامنا
الفاعلية في ترسيخ الإسلام في المجتمع، ولن نتمكن من نشر الإسلام.
إنها أمانة بأيدينا يا إخوة، إنّ الله (تبارك وتعالى) وضع دينه
أمانة بأيدينا نحن ـ الموجودين هنا، ومَن يتواجد منا في أماكن أخرى
ـ إنّ الله وضع هذا الدين أمانة بأيدينا، فلا تخونوا هذه الأمانة.
إنّ هذه التحزّبات خيانة، وإلاّ هل أنتم أهل ديانتين؟ هل أنّ في
دينكم أقساماً مختلفة؟ أم هل يدعو كل واحد من علمائكم إلى دين
مختلف عن الآخر؟ ما معنى هذه التكتلات؟ هذا يتبع ذلك العالِم، وذاك
يتبع هذا.. إنّ هذا خطأ وكفر، هذا من الكبائر، بل من أكبر الكبائر.
لا تتصرفوا هكذا، إنها اختلافات جانبية جداً، وأمور غاية في
التفاهة وغاية في السطحية. حتى لو حُسبت من الناحية المادية، فلن
تكون منافعها المادية شيئاً ذا بال، وإلاّ فماذا سيعطيكم الكبار؟!
ثمن سجائر!
قرأت في صحيفة أو مجلة ذات مرة ـ لا أذكر الآن أين قرأت ذلك ـ قرأت
أنّ المخصصات التي يدفعها "البابا" إلى "القسيس" الذي يمثله في
واشنطن أذكر أني حسبتها حينها فكانت تلك المخصصات التي يدفعها لذلك
القسيس وحده أكثر من جميع ما يُصرف على جميع الحوزات العلمية لدى
الشيعة. أنتم لا تملكون شيئاً حتى تختلفوا عليه؟ فهل أنّ نزاعكم
على الدين؟ الدين لا نزاع فيه.
أنتم أهل دين ـ ولله الحمد ـ غير أنّ الدين لا نزاع فيه! إنّ السبب
الأساس في كل هذا النزاع يعود إلى الدنيا، ويخدع نفسه مَن يقول:
"إني صرت في الجبهة الفلانية لما اقتضاه مني التكليف الشرعي!"،
وإلاّ كيف يقتضي التكليف الشرعي من الإنسان أن يوجه الإهانة
للمسلمين؟ أن يوجه الإهانة للعلماء ولزملائه؟ أهذا تكليف شرعي؟!
إنها الدنيا يا إخوة، وأهواء النفس. لو أنّ الطالب المشغول بتحصيل
العلم تقدّم خطوة باتجاه تهذيب النفس تقارناً مع العلم، لبقيت
الحوزات في منأى عن أمثال هذه الأحداث.
"دعنا! فلان ليس سوى أحد أهل المنبر!" [8]، ما الضير في أنّ فلاناً
من أهل المنبر؟ لقد كان أمير المؤمنين من أهل المنبر أيضاً! إنهم
إنما يحاولون إسقاط هذه المعنويات عن الحوزات التي لا تمتلك القدرة
المادية أيضاً، وذلك لأنّ هذه الحوزات لها موقع متميز في المجتمع،
والحكومات تخشى من موقعها الاجتماعي المتميز هذا. فهم لا يخشَونني
أنا أو أنت، أنا أو أنت لا قدرة لدينا نخيفهم بها، إنهم إذا كانوا
يخشَون أحد المعمّمين أو أحد المراجع، فليس ذلك لأنهم يخافون دعاءه
أو لعنته. فمتى كان لهؤلاء اعتقاد بالدعاء أو اللعنة! إنهم يخشَون
الشعوب ويخافونها. يخافون أنهم لو أهانوا فلاناً فإنّ الشعوب
ستنتفض بوجههم.
فإذا اشتبكنا فيما بيننا، وكفّرت أنا فلاناً، وكفّرني هو، فإنّ
كلينا سنسقط في نظر الشعوب، وستنفضّ عنا الجماهير، كما هو حالها
معنا الآن، إذ لم يبقَ معنا منها سوى القليل، وأما القسم الأعظم،
فقد تفرّق عنا وابتعد. وطبيعي حصول هذا عندما يكثر سماعهم عن
المشكلات الكثيرة، وعن وضع المعمّمين كذا وكذا.. وخصوصاً في النجف
التي تمتاز بأمور تميّزها عن الأماكن الأخرى. فالحوزة في النجف
قديمة يناهز عمرها الألف عام، في حين أنّ الحوزات الأخرى حديثة
النشأة، والحوزة في النجف تجاور مرقد الإمام علي ، في حين تُحرم من
ذلك بقية الحوزات.
أفلا ينبغي أن نطّلع قليلاً على شكل الحياة التي كان يحياها هذا
الرجل العظيم ؟! نحن ندّعي أننا شيعة، أي شيعة نحن؟ لقد كان أمير
المؤمنين زاهداً، في حين أني لست كذلك، فهل أنا شيعي؟ هو كان
تقياً، نحن لا تقوى لدينا؟ أوَنحن شيعة أيضاً؟ كانت حياته كذا..
نحن لسنا كذلك، أفنحن شيعة رغم ذلك؟ إنّ الشيعة ينبغي أن يتّصفوا
بالمشايعة له ، وأن يكونوا متّبعين له حتى ينطبق عليهم وصف
"الشيعة".
إنني أخشى أن تدركنا المنيّة في وقت نكون فيه قد خرجنا من هذا
التشيّع تماماً وخرجنا من الإسلام، فنغادر الدنيا على ذلك ـ لا سمح
الله ـ فلو بقيت أعمالنا على هذه الشاكلة، وإذا استمر وضع حياتنا
كما هو الآن، فلتحذروا حلول الموت ـ لا سمح الله ـ وأنتم كذا..
ورد في إحدى الروايات "أنّ النَفَس إذا بلغ ها هنا، أو النفْس إذا
بلغت ها هنا [مشيراً إلى الحلقوم] فلا توبة حينها للعالِم"[9]، ذلك
لأنّ الله (تبارك وتعالى) يقول: (إنما التوبة على الله للذين
يعملون السوء بجهالة)، والعالِم لديه المهلة والمتّسع من الوقت لكي
ينوب، فهو عارف بالذنب قبل حلول الوفاة، ولكن هل أعطي أحدكم ضماناً
للخروج من هذا المجلس بسلام مثلاً؟ فقد تحلّ بنا صاعقة! ليس من
ضمان. هل ضمنوا لكم البقاء حتى الغد؟ يُحتمل أن لا تبقَوا أحياءً
إلى الغد! هل أُعطينا ضماناً للبقاء على قيد الحياة عشر سنوات
أخرى؟ لعلنا نبقى!
إنّ الشبان إذا لم يفكروا في ذلك، وإذا لم يشغلهم هذا الأمر فهي
مصيبة. نحن ندركها، الذين تقدّمت أعمارنا. فأنا الذي جئت أعظكم
الآن لم أفعل ذلك لأني إنسان كامل، فبلوغ الكمال محال كما يقول
"الشيخ"[10]، ولكني ذكرت لكم بأني أكبركم قليلاً، ولذا فإنّ عليكم
الإصغاء لحديثي حينما تحضرون مجلسي، ولهذا السبب أقول لكم بإنكم ما
دمتم شباناً فإنكم تستطيعون أن تفعلوا شيئاً، فجذور الفساد ضعيفة
في قلب الشاب، ولكن كلما تقدّم سنّه.. لا بد أنكم قرأتم هذه
الرواية، أنا رأيتها فيما سبق، مؤداها "أنّ قلب الإنسان صفحة
بيضاء، وما أن يرتكب ذنباً، حتى تظهر فيه نكتة سوداء تزداد اتساعاً
بازدياد الذنوب"[11]. إنّ قلب الشاب لطيف وملكوتي، لكنه حينما يدخل
هذه المجتمعات، ويتدخل في هذه الأمور فإنه يتعلم شيئاً فشيئاً ـ لا
سمح الله ـ ويتعوّد القيام ببعض الممارسات، وما يمرّ عليه ليل
ونهار إلاّ ويكون قد ارتكب ذنباً ـ نعوذ بالله ـ فتظهر في قلبه تلك
النكتة السوداء، وتدخل في هذا القلب، بل في ذلك القلب النفسي
الروحي، وقليلاً قليلاً تزداد تلك النكتة السوداء، وحينما يشيب
ويكون قلبه قد اسودّ تماماً، فلن يتمكن من إعادته إلى حالته الأولى
بيسر. في حين أنكم أيها الشبان تستطيعون ذلك، فلديكم القدرة، لديكم
قدرة الشباب ـ قدرة الشباب من جهة، وضعف هذه الأمور فيكم من جهة
ثانية ـ يسهل الأمر. ولكن كلما تقدّمت أعماركم، ومع كل خطوة
تخطونها ونخطوها، فإننا ندنو من الآخرة، وتزداد هذه الأمور
المنافية لسعادة الإنسان، كما أن التوبة ليست أمراً يتحقق للمرء
بمجرد قوله: "أتوب إلى الله". فالندم، هذا الندم لا يأتي بسهولة
لأولئك الذين أمضَوا خمسين عاماً وهم يسبّون ويفحشون بالقول
للآخرين، فمثل ذلك الإنسان قد سقط في الكفر والغِيبة، ولن يستطيع
الخلاص، وسيظل مبتلياً بذلك حتى آخر عمره. أما الشباب، فحينما يحدث
لهم ذلك.. ولا تسمحوا بحدوث ذلك، فإذا رأيتم أهل مجلس يقعون في
الغِيبة، كأني قرأت رواية يقول المعصوم فيها لأحدهم: "أُترك ذلك
المجلس"، فيجيبه: "لا أستطيع"، فيقول : "لو كان قد سبّ أباك ألا
تنهض لمنع ذلك؟" ستنهض حتماً. نعم كأنّ هناك رواية هكذا. فلا تدع
أحداً يغتاب أحداً أمامك "إنّ السامع أحد المغتابين"[12] فلا
تسمحوا بحدوث هذه المفاسد، إنصحوا أنفسكم. فأنتم طائفة من الشبان
كرّستم أعماركم في تحصيل علوم الشريعة، وإذا لم يعد عليكم هذا
الإتجاه بالنفع والفائدة فإنكم بذا تبدّدون أعماركم، في حين أنكم
إذا كرّستم شبابكم في سبيل الله، فإنه سيحفظ لكم، ولن يذهب سدى.
أما إذا صرتم مثل سائر أهل الدنيا ـ لا سمح الله ـ فإنكم ستخسرون
شبابكم دون أن تحصلوا على شيء، فأهل الدنيا لهم الدنيا، في حين
أنكم لا دنيا لكم (خسر الدنيا والآخرة)[13]. أما أولئك فهم يملكون
الدنيا على الأقل.
إذا سمحنا لحب الدنيا وحب النفس أن يطغى فينا هكذا، ويحول بيننا
وبين رؤية الحقائق وإدراك الواقع، فسيصبح سداً في طريق هدايتنا،
وسوف تزداد هذه الحالة تدريجياً إلى الحد الذي يطمح فيه الشيطان
بسلبنا إيماننا، فكل هذه الأمور وسائل يتوسل بها الشيطان ليسلب
الإنسان إيمانه. وسيسلبنا الشيطان إيماننا آخر الأمر، وليس لدى
أحدنا ضمانة ببقاء إيمانه على صفائه، فقد يكون إيماناً مستودعاً.
عليّ أن أسعى جاهداً، وعليكم أن تسعَوا جاهدين، هذّبوا أنفسكم، كما
أنكم مكلّفون ـ علاوة على تهذيب أنفسكم ـ بتهذيب رفاقكم، وذنوبكم
ليست كذنوب الآخرين، ففي الرواية إذا ارتكب العالِم معصية فإنّ ذلك
سيفسد المجتمع بأسره "إذا فسد العالِم فسد العالَم"[14]. وإنه لأمر
جلي أنّ العالِم سيفسد بفساده بمقدار سعة تأثيره في المجتمع. فقد
يوجد علماء في مكان ما، في طهران أو في أماكن أخرى يفسدون محلّة
بكاملها. حسناً، عندما يعمّ فساد هذا المعمّم محلّة بكاملها، فلا
شك أنّ المجتمع سيتأذى من نتن ريحه في جهنم؟ أفلسنا مسؤولين؟!
هذا القرآن يا إخوة، هذا القرآن الكريم أمانة بين أيدينا، أوَليست
علينا مسؤولية المحافظة عليه؟ ألسنا مسؤولين عن حفظ الأحكام
الإسلامية؟ هل إنّ مسؤوليتنا تنحصر في دراسة بضعة موضوعات في "علم
الأصول" إلى آخر أعمارنا، ثم ـ وبعد خمسين عاماً ـ يجد الطالب نفسه
وقد ألمّ بالمطالب الأصولية تماماً، دون أن تكون آدابه أخلاقية أو
تديّنية.
عليكم الإهتمام بهذا الجانب منذ البداية، فأنتم شبان وتستطيعون
ذلك، حاولوا منذ البداية أن تخطوا باتجاه التقوى، وباتجاه تهذيب
النفس، وباتجاه الحد من هوى النفس بنفس المقدار الذي تخطونه باتجاه
تحصيل العلم.
فيمَ التنازع فيما بينكم؟! ماذا دهاكم؟! ما سبب العداء فيما
بينكم؟! كل واحد منكم من مدينة، وجميعكم أهل علم، جميعكم على خير ـ
إن شاء الله ـ فلماذا تسمحون أن يبلغ الأمر حداً يقال معه: إنه إذا
لم يتحدث أحد مع الإخوة، وإذا لم يقم أحد بوعظهم فإنّ انفجاراً
سيحصل؟ وإن الإخوة يمكن أن يقتتلوا فيما بينهم! لماذا؟ حول ماذا
أنتم تتناحرون؟ هل تتخيلون أنّ نزاعكم فيما بينكم هو نزاع بين
اثنين من أبطال الرياضة؟ إنّ تنازعكم فيما بينكم أعظم عند الله من
جميع المعاصي، أعظم من الكثير من المعاصي، لأنكم بعملكم هذا تفسدون
مجتمعاً بأسره. إنكم تدمّرون النجف بأسرها، وفي نظر الناس فإن
الإسلام سيسقط بسقوط النجف.
عليكم أن تدركوا أنكم حينما تعزمون الذهاب إلى مدينة ما، فإنّ
أهالي تلك المدينة يجب أن يستفيدوا من علمكم، من أخلاقكم، من
أعمالكم، يستفيدون من كل ذلك، ويتعظون بكل ذلك، بما في ذلك أعمالكم
حينما كنتم هنا، حينما تكونون موجودين هنا، لا تتوهموا أنكم
تستطيعون تمشية أموركم إلى آخر العمر مع الناس بالتظاهر بالصلاح
وبالرياء، فذلك مجرد هراء "أعمل أنا ما شئت، ثم اذهب هناك، وأتظاهر
بالصلاح!" لا يمكنكم الإعتماد على ذلك حتى النهاية، فلا بد أن
ينكشف الفساد يوماً، طيب لنفترض أنك استطعت ذلك، فكم ستعمّر؟ بضع
سنين تقضيها بالرياء والخداع والتزوير وقذف الآخرين والفحشاء؟ مئة
وعشرين سنة؟! ليس بيننا من يعمّر مئة وعشرين سنة، ليس بيننا نحن
فقط بل إنه أمر قليل ونادر جداً حتى بين سائر الناس، ولكن لنفرض
أنك عمّرت مئة وعشرين سنة بالخداع والغش، وأية حياة هي حياة طالب
العلوم الدينية البسيطة المضنية؟ فلنقل إنها كحياة هارون
الرشيد[15] لنفرض هكذا، إنك ستعيش مثلاً مئة وعشرين سنة متمتعاً
بحياة كحياة هارون الرشيد، لكن ما نسبة المئة وعشرين سنة إلى
الحياة اللامتناهية؟ ما نسبتها لو كنت ستعذّب بعدها عذاباً لا
نهاية له؟! هذا إذا كنت تعتقد بالإسلام، فلو بقي الإنسان محتفظاً
بعقيدته مثلاً فإنّ الله يمحّصه ويبتليه.
إنّ الله (تبارك وتعالى) ذو عناية بعبده، أعطاهم العقل، وأعطاهم
القدرة على تهذيب أنفسهم، ولم يكتفِ بذلك، بل أرسل إليهم الأنبياء،
وأنزل عليهم الكتب، وأرسل الأولياء، أرسل المهذبين. وإذا لم يحقق
كل ذلك أثراً على العباد، فإنّ الله تعالى يعرض عبيده إلى ضغوط
وابتلاءات، وهذه عناية من الله تعالى بأن يضيّق على عباده، ويشدد
عليهم القيد والخناق، ويعرّضهم للسجن، فيمنعونهم من بعض الأعمال،
ويُخلعون عمائمهم، ويهينونهم آلاف الإهانات. إنّ ذلك كله عناية من
الله بكم، غير أننا لا ندرك مدى اللطف في ذلك. ومع كل ذلك، إذا لم
يصلح أمر الإنسان فإنّ الله تعالى يبتليه بالأمراض، وإذا لم يؤثر
ذلك أيضاً، فإنه تعالى يضيّق عليه كثيراً "عند النزع" وإذا لم تنفع
تلك الأمور أيضاً، فإنّ هناك مهالك وعقبات[16] في البرازخ، إن لم
تنفع هي الأخرى يتعرض في يوم القيام إلى ضغوط عظيمة، كل ذلك من أجل
ألاّ ينتهي به الأمر إلى جهنم. ولكن ماذا لو لم ينفع معه كل ذلك؟
حينها سينتهي به الأمر إلى "آخر الدواء الكيّ" ـ لا سمح الله ـ.
ورد في رواية أنّ (لابثين فيها أحقاباً)[17] تصف حال أولئك الذين
هم من أهل الهداية، أي من أمثالي وأمثال سماحتكم، هؤلاء يلبثون في
جهنم أحقاباً، كل حقبة من تلك الأحقاب[18] عدة آلاف من السنين.
إخواني، إنّ أحدكم اليوم لا يمكنه الإمساك بحجر محمي، فكيف هناك!
إنها النار، فاحذروا النار، أخرجوا هذه النيران من الحوزات، أخرجوا
هذه الاختلافات من قلوبكم، هذّبوا أنفسكم، فأنتم تهدفون العودة إلى
المجتمع لتهذيبه، ولن يأتي منكم التهذيب، فهل يتمكن مَن لا يستطيع
السيطرة على نفسه أن يسيطر على الآخرين؟!
إنّ هذه الإصطفافات خطأ وفسق، هذه الممارسات تدمّر الحوزات، كفّوا
عن أمثال هذه الأمور الشائنة، إني دائم الخشية من احتمال ظهور بعض
الأشخاص، أو من احتمال أنهم قد ظهروا في أوساطنا، فلعلهم موجودون
هنا، قد لا يكونون في المدارس، قد ينعدم وجودهم في المدارس أصلاً،
فالجميع في المدارس مهذّبون وصالحون، غير أنهم يصلون إليكم عبر
وسائط، واسطة بواسطة حتى يصل الأمر إلى أن يحدّدوا لنا تكليفاً
شرعياً "تكليفي الشرعي أنا أن أفعل كذا.." و"تكليفه الشرعي هو
أيضاً أن يفعل كذا.." وبهذه التكاليف الشرعية يوجدون الفساد في
حوزة النجف.
إنّ هؤلاء يخشَون الإنسان الصالح، يريدون إسقاط الأفراد الصالحين،
فتلك الأيادي تقصد الحوزات، وتفعل هكذا، للقضاء على مَن عسى أن
يوجد من شباب تحتمل فائدتهم لمستقبل الإسلام في المجتمعات، يفعلون
ذلك حتى يمنعوا هؤلاء الشباب من تحقيق أي نفع للإسلام والمسلمين،
فالمفروض أنكم ستحقّقُن فائدة ما للإسلام، وإلاّ ما هي فائدة مَن
يتواجد هنا دون أن يترتب على وجوده أي نفع، لا يدرس ولا يدرّس، ولا
يمارس أي عمل؟!
إنّ على هؤلاء إذا كانوا قد درسوا كما ينبغي، وأتمّوا استعدادهم،
وأضحى لا ضرورة في وجودهم هنا، أن يذهبوا لأداء دور ما، والقيام
بتهذيب الناس.
أما أنتم أيها الشبان، فعليكم أن تُعدّوا أنفسكم للمستقبل،
ومستقبلكم أسوأ من مستقبلنا، فنحن قد انتهى مستقبلنا، فكم سنة أخرى
سأظل أنا على قيد الحياة؟ لي من العمر الآن سبعون عاماً، لم يبقَ
لنا شيء، نحن نعدّ أنفاسنا الأخيرة، وما هي إلاّ بضعة أيام أخرى،
وينتهي كل شيء.
والمفروض أن تكونوا أنتم النافعين لمستقبل الإسلام، والمستقبل الذي
ينتظركم مستقبل سيئ، عليكم أن تستعدوا له، هناك أيادٍ لأعداء
كثيرون تكمن لكم من كل الفئات. إستعدوا وهذّبوا أنفسكم، وحسّنوا
أخلاقكم، أخرجوا حبّ الدنيا من قلوبكم، هذه الدنيا الفانية، فأولئك
أسرى لحبّ الدنيا وعندهم دنيا، أما أنا وأنتم فلدينا حب الدنيا
ونصاب بمفاسدها دون أن نكون متمتعين بمنافعها، فنحن محرومون منها
ولكن حبّها موجود لدينا و"حبّ الدنيا رأس كل خطيئة"[19] "ما ذئبان
ضاريان في غنم ليس لها راعٍ، هذا في أولها وهذا في آخرها بأضرّ من
جمع المال والشرف في دين المؤمن"[20].
وحتى لو لم تفسّر حالنا بذلك، فإنّ واقع الحال هو كذلك، فالإسلام
يفسده حبّ النفس هذا، حبّ الجاه، حبّ السلطة، هذه الأمور تدمّر
ديننا.
تأملوا قليلاً في سبيلٍ إخراج هذا الحبّ من قلوبكم، وليس بأمر صعب،
كما أنه ليس من الصواب أن تنطوي هذه القلوب على حبّ الدنيا، وأية
دنيا هذه الدنيا الدنيئة؟!
كان تكليفي اليوم أن أستعرض هذه الأمور أمامكم، وأن أقوم بإبلاغ
السادة المحترمين بما عندي لكي ينتبه الإخوة إلى أنّ تلك الممارسات
التي وقعت، أو التي ستقع، لينتبهوا أنها ستؤدي إلى ضياع حيثية
واعتبار مجتمع بأسره، وشعب بأسره، بل إنها ستؤدي إلى ضياع حيثية
وهيبة الإسلام كلّه. وسوف تتعرضون إلى مسألة شديدة إذا لم تهبّوا
لمنع وقوع هذه المفاسد، كفّوا عن هذه الاختلافات الجانبية والجزئية
وأمثالها مما هو تافه جداً، تافه إلى أقصى حد، نحن لا ندرك كم نحن
تافهون، نحن تافهون.. نحن مجموعة من..
واقول انا الفقير: لقد وقع ماتنبأ به السيد رضوان الله عليه قبل
أربعون عاماً من المصائب التي حلّت علينا وهذا كلّه نتيجة التشرذم
والقطيعة وحب الدنيا. قال الله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له
مخرجاً، ويرزقه من حيث لايحتسب). هذا كلام الله تعالى الذي لايأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه وليس قول أحد من البشر، وهو سبحانه
وتعالى إذا قال فإنّ قوله الحق. هذه الآية العظيمة جاءت على سياق
شرطي فعل شرط وجواب شرط: من يتق الله يكون جزاؤه أن يجعل الله له
مخرجاً وأيضاً يرزقه من حيث لايعلم ولايحتسب. فمتى ماتحقق فعل
الشرط وهو التقوى تحقق جوابه وجزاؤه. وياله من جزاء عظيم ومكسب
كبير.
وإذا كان الظالم يتحمل مسؤولية القيام بالجريمة والمباشرة لها، فإن
باقي الناس بتصديقهم إياه وعذرهم له يتحملون مسؤولية الرضا
بالجريمة، لأنهم قد صدّقوا من لا ينبغي تصديقه، وعَذروا من لا
ينبغي عذره. وبذلك تعمّ المسؤولية، ويستحق الجميع غضب الله تعالى
ونكاله.
وفي حديث عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق (عليه السلام): «قال:
من عذر ظالماً بظلمه سلّط الله عليه من يظلمه، فإن دعا لم يستجب
له، ولم يأجره على ظلامته » .
وفي حديث طلحة بن زيد، عنه (عليه السلام) قال: «العامل بالظلم،
والمعين له، والراضي به شركاء ثلاثتهم». وفي حديث السكوني عنه
(عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه
السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلًم): من شهد
أمراً فكرهه كمن غاب عنه، ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده».
ختاما أسال الله العلى الاعلى أن يجعل شهداؤنا في أعلى عليين وأن
يخلف على أهليهم ويؤجرنا على هذه المصائب الجليلة وأن يقطع دابر
الوهابيين والسلفيين والصداميين وأعوانهم والحمد لله رب العالمين.
____________________
[1] السيد صادق الطباطبائي، نجل آية الله سلطاني، الذي كان يدرس
آنذاك في ألمانيا.
[2] يجب في الحقيقة نسبة تأسيس الحوزة العظيمة والتاريخية في النجف
إلى الشيخ الطوسي (رحمه الله)، فبعد أن قام "طغرل" وبمساعدة
المعارضين للشيعة بالهجوم على الشيعة والمراكز الدينية والعلمية في
بغداد، وأحرق مكتبة بغداد الكبيرة التي كانت تضم آلاف المجلدات
النفيسة والنادرة والفريدة، هاجر الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف
بعد أن تيقّن من عدم إمكانية ممارسة النشاط العلمي والاجتماعي في
بغداد. وما أن استقر في النجف حتى اجتمع حوله عدد كبير من الطلاب
بالتدريج، وبذا تأسست الحوزة العلمية الكبيرة في النجف الأشرف.
كان الشيخ الطوسي عالماً مبتكراً ومحيطاً بمختلف العلوم والفنون،
ترك مؤلفات علمية كثيرة، وهو من أبرز رجال العلم في تاريخ الشيعة،
فإلى اليوم لم يزل تأثيره واضحاً في الحوزات العلمية الشيعية، حتى
أنه يلقّب "شيخ الطائفة". وبعد وفاة الشيخ الطوسي، تزعم الحوزة
ابنه الشيخ أبو علي حسن بن محمد بن حسن الطوسي، الذي أصبح فيما بعد
من مشاهير العلماء ورواة الحديث. ولقّب أبو علي بـ"المفيد الثاني"
بسبب زهده وسعة علمه.
بعد الشيخ أبي علي وابنه، بدأ عصر ازدهار وترسّخ الحوزة العلمية
بعد أن ظهر فيها علماء كبار في الفقه والأصول و.. ثم إنها تعرضت
للإنحسار لفترة من الزمن، واستمر هذا الوضع حتى عهد المرحوم آية
الله وحيد البهبهاني الذي ساهم بدعم حوزة النجف من خلال إيفاد
طلابه إليها، ومنذ ذلك الوقت بدأ عصر النهضة العلمية لهذه الحوزة
بظهور نوابغ كالسيد بحر العلوم، والمحقق المعروف كاشف الغطاء،
ومحمد حسن النجفي (صاحب "جواهر الكلام") والشيخ مرتضى الأنصاري،
فارتقت الحوزة خلال فترة قصيرة إلى أعلى مستوياتها.
[3] قال الإمام الصادق : "أشد الناس حسرة يوم القيامة مَن وصف
عدلاً، ثم عمل بغيره". "أصول الكافي"، ج2، ص299.
[4] إقتباس من الآية 21 من سورة التوبة (يبشرهم ربهم برحمة منه
وضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ).
[5] "الكافي" أحد كتب الحديث عند المسلمين الشيعة، من مؤلفات
المحدّث الشهير أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، المتوفى سنة 328
هـ.ق. يضم "الكافي" 16099 رواية عن أهل البيت، تشمل مختلف المباحث
العقائدية والأخلاقية والفقهية وغيرها.
إنّ قرب الكليني إلى عصر الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، ونوع
الجمع والترتيب، وبيان سلسلة سند الأحاديث أعطى كتاب "الكافي"
أهمية إستثنائية، حتى عُدّ "الكافي" ـ مع الكتب الثلاثة الأخرى ـ
أهم الكتب الروائية للمسلمين الشيعة، والتي اشتهرت فيما بعد
بـ"الكتب الأربعة". يقسم كتاب "الكافي" إلى ثلاثة أقسام: الأصول من
الكافي، والفروع والروضة. يضم الأصول من الكافي مباحث عقائدية
وأخلاقية، تشمل كتب: العقب والجهل، فضل العلم، التوحيد، الحجة،
الإيمان والكفر، القرآن والدعاء. أما الفروع فتشمل أبواب الفقه
المختلفة، وله أهمية كبيرة، وهو من المراجع المعتبرة لدى فقهاء
المسلمين الشيعة في الإستنباط والإجتهاد. أما الروضة فتضم أحاديث
مختلفة في مسائل متنوعة. حظي "الكافي" الشريف باهتمام علماء وفقهاء
الشيعة لقرون عديدة بوصفه مصدراً أساسياً، وكتب العلماء المسلمون
شروحاً وهوامش كثيرة عليه، منها: شرح الملاّ صدرا الشيرازي، وشرح
المجلسي وغيرهما.
[6] كتاب "وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة"، تأليف محمد بن
حسن الحر العاملي (1033 ـ 1104) من أحسن جوامع الحديث التي دوّنت
في القرون الأخيرة. حظي باهتمام كبير من قِبل علماء المسلمين
الشيعة، وكتبت عليه شروح وتعليقات عديدة حتى الآن. يضم "الوسائل"
الأحاديث التي رويت عن رسول الله والأئمة المعصومين في الكتب
الأربعة وكثير من جوامع الحديث الأخرى. ويتميز هذا الكتاب بخاصية
ترتيبه، وطريقة تبويب الأحاديث. ويضم 51 كتاباً ـ من كتاب الطهارة
حتى كتاب الديّات ـ وهو دورة كاملة من المباحث المتعلقة بالفقه
وآداب وسنن المذهب الجعفري الحق.
[7] إشارة إلى المصطلحات والعلوم التي يبحث فيها العلماء في
الحوزات العلمية في مجال المباحث الفقهية والأصولية والفلسفية
والقرآنية وغيرها.
[8] إشارة إلى جو الحوزة في النجف حيث يُستعمل مصطلح "أهل المنبر"
للتحقير، وإشارة إلى أنّ المومى إليه ليس بعالِم في الفقه والأصول.
وفي حوزة النجف لا يعتبر حتى تفسير القرآن ونهج البلاغة علماً، بل
فضل ونافلة، وهم يحصرون العلم في الفقه والأصول.
[9] قال الإمام الصادق : "إذا بلغت النفس ها هنا [وأشار بيده إلى
حلقه] لم يكن للعالِم توبة" ثم قرأ (إنما التوبة على الله للذين
يعملون السوء بجهالة). يقوم المرحوم الفيض: عندما تبلغ النفس إلى
الحلقوم لا تُقبل توبة العالِم الذي يعرف علامات الموت، والذي ييأس
من البقاء حياً. أما الجاهل فتُقبل توبته، لأنه يأمل حتى تلك
اللحظة البقاء حياً. ("الوافي"، ج1، ص218).
[10] يقول المرحوم الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري (ره) (أستاذ
سماحة الإمام (س) ومؤسس الحوزة العلمية في قم): "من الصعب أن تصبح
عالم دين، ومن المحال أن تصبح إنساناً!".
[11] جاء في رواية عن الإمام الباقر : "ما من عبد إلاّ وفي قلبه
نكتة بيضاء، فإذا.. (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (سورة
المطففين، آية 14، راجع "بحار الأنوار"، ج73، ص332).
[12] روي عن الرسول الأكرم : "المستمع أحد المغتابين". لمزيد من
التفصيل حول الحديث راجع "المحجة البيضاء"، ج5، ص260، وكتاب
"الأربعون حديثاً" للإمام الخميني (س)، ص270.
[13] مقطع من الآية 11 من سورة الحج المباركة (ومن الناس مَن يعبد
الله على حرف، فإن أصابه خي اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على
وجهه، خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ).
[14] يقول الإمام علي : "زلة العالِم تفسد العوالم" ("غرر الحكم"
للآمدي. مادة "زلة"). وسئل الرسول الأكرم : مَن هم أسوأ الناس؟
فقال: "العلماء إذا فسدوا" ("بحار الأنوار" للمجلسي، ج74، ص138).
[15] هارون الرشيد (148/ 150ـ193 هـ.ق) خامس وأشهر الخلفاء
العباسيين، تولى الخلافة في بغداد سنة 170 هـ.ق، وقد أثارت أساليب
الزُّخرف والبهرجة في بلاطه الأنظار.
[16] "نهج البلاغة"، فيض الإسلام، خطبة 167، ومن الأمثال المشهورة.
[17] الآية 23 من سورة النبأ، وروي عن الإمام الصادق في تفسير
الآية (لابثين فيها أحقاباً) أنه قال ما معناه: الأحقاب ثمانون
حقبة، وكل حقبة ثمانون سنة، وكل سنة 360 يوماً، وكل يوم مثل ألف
سنة من التي تحسبونها. ("معاني الأخبار"، ص220، باب معنى الأحقاب.
[18] يقال للزمان غير المعلوم "حقبة"، في بعض الروايات ذُكر أنّ
مدتها 80 سنة من سنوات القيامة التي يعادل كل يوم منها ألف سنة من
الدنيا. ("مفردات الراغب"، ص12).
[19] روي عن الإمام الصادق : "رأس كل خطيئة حب الدنيا". ("أصول
الكافي"، ج2، ص131 و 315.
[20] رواية عن الإمام الباقر.