يعتبر الإمام الخميني مبحث ولاية الفقيه من أهم المباحث المفروض
بحثها من قبل الفقهاء، كما أن ولاية الفقيه من المواضيع التي يوجب
تصورها التصديق بها؛ فهي لا تحتاج لأية برهنة، ويرى أن السبب الذي
جعلها بحاجة إلى استدلال هو الأوضاع الاجتماعية للمسلمين بشكل عام
والحوزات العلمية بشكل خاص وذلك بسبب ما ابتلت به النهضة الإسلامية
من الدعاية المضادة منذ انطلاقتها ابتداء باليهود الذين بدأوا
الدعاية ضد الإسلام ووصل الدور بعدهم إلى طوائف أخرى ومنها
الاستعمار الذي دخل البلاد الإسلامية منذ ثلاثة قرون أو أكثر،
فقاموا بالدعاية والدس ضد الإسلام بمختلف الوسائل. وقد تعاضد في
العمل على تحريف حقائق الإسلام رجال الدين الذين أوجدوهم في
الحوزات العلمية والعملاء الذين كانوا يعملون لهم في الجامعات
والمؤسسات الإعلامية والحكومية أو مراكز النشر والمستشرقون الذين
هم في خدمة الدول الاستعمارية.[1]
هذا مما جعل الإسلام يعرض بشكل ناقص في الحوزات العلمية بعد أن
سلبت منه الخاصية الثورية والحياتية أو منع المسلمين من السعي
والتحرك والثورة لتطبيق الأحكام الإسلامية واكتفى المسلمون في
حياتهم السياسية والاجتماعية بقوانين مستوردة غريبة عن الإسلام.
ويلفت الإمام (قدس) النظر إلى الفرق بين الإسلام وما يعرض أنه
الإسلام بضرب مثل لذلك وهو التفاوت الموجود بين القرآن وكتب الحديث
من جهة وبين الرسائل العميلة التي تكتب من قبل مجتهدي العصر ومراجع
التقليد، فإننا نلاحظ أن نسبة الاجتماعيات في القرآن الكريم من
الآيات تقدر بمائة مقابل الواحد من العباديات، وأما كتب الحديث
فالدورة الواحدة التي تتألف من خمسين كتاباً أو فصلاً نجد أن ثلاثة
أو أربعة كتب تخص العبادات ووظائف العبد تجاه ربّه مع شيء من
أحكام الأخلاق والباقي كله فيما يتعلق بالأمور الاجتماعية
والاقتصادية والحقوق، بينما تتكرس معظم الرسائل العملية في خصوص
الأمور العبادية وشيء يسير بخصوص الأمور الاجتماعية[2]. ثم يضيف
(قدس): فإن الأجانب قد هيّأوا الأساس منذ عدة قرون لمطامعهم
السياسية والاقتصادية وقد نجحوا نتيجة الإهمال الموجود في الحوزات
من قبل علماء الدين، ولقد كان بيننا أشخاص ساعدوهم في تحقيق
أهدافهم دون ما علم بذلك حتى وصل الوضع إلى ما هو عليه الآن.
وإذا أردنا أن نقارن ما قاله (قدس) اليوم مع ما كتبه العلامة أحمد
النراقي بالأمس، نفهم قيمة البحث الذي تطرق إليه المحقق النراقي في
يومه في خصوص ولاية الفقيه؛ فقد بعث الوعي عندما حمل الفقيه في
بحثه مسؤولية الولاية التي كانت للمعصوم (ع) واعتبره نائبه ونظيره
في الصلاحيات، وأردف ذلك بالأدلة العقلية والنقلية التي تثبت
نظريته في ولاية الفقيه، فهذا يعتبر نقلة مهمة من الوعي والمسؤولية
بالنسبة للحوزة العلمية كي تتحمل مسؤوليتها وتؤدي الدور المطلوب
منها وبعث التفكير لدى الفقهاء عن كيفية إقامة دولة إسلامية على
رأسها الفقيه الجامع للشرائط وتجاوز الحالة السائدة قبل النراقي
والتي يكتفي فيها الفقيه للتعرض للفتوى وبعض الأمور الحسبية وإذا
أراد أن يتقدم خطوة أكثر يسعى لإقناع سلطان الزمان أن يعمل على
تطبيق بعض الأحكام الشرعية أو منع بعض المنكرات من باب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر. إن التنظير الذي قام به المحقق النراقي
لولاية الفقيه وما تبعه من بحوث وحوار حول هذه المسألة قد مهد
للإمام الخميني (قدس) أن يتقدم بالحوزة في نقلة جديدة كبرى وهي
السعي الجاد لإقامة حكومة إسلامية يتزعمها الفقيه العادل فضلاً عن
التنظير لها والاستدلال عليها.
وإذا كان من أهداف المحقق النراقي ترجيح ميزان القوة لصالح الفقهاء
على سلاطين الزمان لينزلوا عند إرادتهم لتنفيذ مشاريعهم الاصلاحية،
وإذا كان الشيخ النراقي الأول انطلق في بحثه عن ولاية الفقيه بدافع
الدفاع عن الفقهاء وإظهار دورهم ومكانتهم في المجتمع في قبال مواقع
الملوك الذين عاصرهم وبسبب وجود التنافس الضمني ومحاولة الملوك
التقليص من دور العلماء بعدما شعروا أن سلطتهم على قلوب الناس
اتسعت وأخذت تشكل خطراً على سلطانهم، فبادروا لإضفاء الشرعية على
سيرتهم وعرشهم وأوامرهم ونواهيهم وأنهم ينفذون أوامر الشريعة
ويسيرون وفق الضوابط الشرعية، وأراد النراقي من إعطاء الولاية
العامة للفقيه أن دورهم دور المعصوم (ع) إلا ما خرج بالدليل ليوقف
الملوك عند حدهم وأن لا يتجاوز العلماء ويثبت أن الملوك يحتاجون في
شرعية أوامرهم ونواهيهم وغيرها إلى شرعية من العلماء وأنهم القادة
الحقيقيون.
وكذلك أراد التخلص من أولئك الذين تمظهروا بمظهر العلماء واخذوا
يفتون ويتصرفون بما لا يناسبهم وشكلوا خطراً على الدين والمذهب،
ولعله أراد كذلك وحدة مشايخ الإسلام تحت راية فقهية واحدة وأن لا
يتصدى للمشيخة غير الفقيه. والواقع أن المحقق النراقي دفعه للتنظير
لولاية الفقيه علاجاً لحالة عاصرها، ومع ذلك فقد كان بحثه انطلاقة
جديدة لولاية الفقيه وحدها تحت نظرية متكاملة مهدت لمن جاء بعده من
الفقهاء أن يأخذوا هذه النظرية مأخذ الجد؛ فكثرت البحوث حولها وإن
لم نجد من توسع بها أكثر مما جاء به إلا ما جاء به الإمام الخميني.
وإذا كان المحقق النراقي يدعو بشكل ضمني إلى دولة الفقيه، نجد أن
الإمام الخميني (قدس) يصرح وبشكل علني وواضح أنه يقصد في ذلك إقامة
حكومة إسلامية يشرف عليها الفقيه الجامع للشرائط تقوم على عاتقها
بإصلاح كل فاسد من أمور المسلمين وإعادة الحيوية والفاعلية
للإسلام، مستعرضاً وظائف الفقيه وصلاحياته ومنبع تلك الصلاحيات
ورسم حدودها.
ونجد في بحثه لولاية الفقيه أنه انطلق من قواعد عقلية تقضي بضرورة
إقامة حكومة لكل مجتمع ثم بين أنواع الحكومات الممكنة، وأثبت أن
الحكومة الإسلامية التي على رأسها الفقيه هي الأفضل والمناسبة
لمجتمعنا الإسلامي.
وبذلك فهو في بحثه هذا اعتمد الطريقة الثانية[3]. بعدما بيّنا أن
هناك طريقين لبحث ولاية الفقيه، الأول فرض الولاية ثم سرد الأدلة
عليها، وهذا هو الطريق الذي سلكه المحقق النراقي. والبحث الآخر
ينطلق من ضرورة إقامة حكومة في نطاق الإسلام ثم بيان شرائط الحاكم
والعنوان المناسب له وكيفية تعيينه وما هي وظائفه. فجاء القسم
الأول من بحثه في لزوم إقامة الحكومة سارداً الأدلة على ذلك بشكل
تفصيلي العقلية والنقلية منها.
وبعد ذلك بحث نمط الحكومة الإسلامية واختلافها عن باقي الحكوماتن
معتبراً حكومة الإسلام هي حكومة القانون وتنحصر الحاكمية فيها لله
والقانون منه تعالى، فالنبي وخلفاؤه جميعاً تابعون للقانون النازل
من قبل الله والصلاحيات التي حدّدت للنبي وللولاة من بعده من الله.
وبعد أن استعرض شروط الحاكم، وصل (قدس) إلى هذه النتيجة وهي قوله:
والآن في عصر غيبة الإمام وحيث تقرر أن أحكام الإسلام ذات الارتباط
بالحكم باقية ومستمرة وأن الفوضى أمر غير جائز فيكون تشكيل الحكومة
أمراً واجباً[4]. ثم راح يتابع (قدس) هذا التسلسل المنطقي، قائلاً:
والآن حيث لم يعين شخص محدد من قبل الله عز وجل للقيام بأمر
الحكومة في زمن الغيبة، فما هو التكليف؟ هل يجب التخلي عن الإسلام؟
ثم يستمر بمجموعة من التساؤلات، إلى أن يقول: ولئن كان الله تعالى
لم يعين شخصاً معيناً للحكومة في زمن الغيبة لكن تلك الصفات التي
كانت شرطاً في الحاكم من صدر الإسلام إلى زمن الإمام صاحب الزمان
(عج)، هي كذلك لزمان الغيبة أيضاً. وهذه الصفات التي هي عبارة عن
العلم بالقانون والعدالة موجودة في عدد لا يحصى من فقهاء عصرنا لو
اجتمعوا مع بعضهم لاستطاعوا إقامة حكومة العدل الشامل في
العالم[5]. ثم لو قام الشخص الحائز لهاتين الصفتين بتأسيس الحكومة
تثبت له نفس الولاية التي كانت ثابتة للرسول الأكرم ويجب على جميع
الناس إطاعته، والكلام في الوظيفة وليس في المقام والمرتبة. وبعد
أن تعرض (قدس) إلى طبيعة ولاية الفقيه واعتبرها من الأمور
الاعتبارية العقلائية، استعرض الروايات التي يستفاد منها إثبات
الولاية للفقيه في وجه من الوجوه وفي الجملة هي نفس الروايات التي
استعرضها النراقي (قدس) بغض النظر عن الاختلاف فيما يثبت به
المطلوب عند طرف دون طرف آخر.
ولاية الفقيه من خلال الروايات:
لم يكتف الإمام الخميني (قدس) بالاستدلال العقلي والمنطقي على
الولاية، وإنما استدل كذلك على الولاية من خلال الروايات على أصلها
وحدودها وشروطها.
ولم يكتف بما فعله المحقق النرافي الثاني (قدس) من سرد الروايات
جملة ثم أخذ النتيجة، وإنما تعرض لها رواية رواية معالجاً لسندها
ودلالتها ومبيّناً مقدار ما يثبت بها من الولاية، وغالباً ما يتضمن
بحثه تعبئة نحو إقامة حكومة إسلامية لتنفيذ الأحكام الشرعية ناقداً
الحالة التي يعيشها العلماء من السكوت والانعزال والاقتصار على
الأمور الجزئية للشريعة.
وعلى ما يظهر لم يسلك الطريق الذي أخذه النراقي الثاني من تقسيم
وظائف الفقيه إلى أمرين الولائية والحسبية، واستدل على الأمر الأول
بصورة مستقلة عن الاستدلال عن الأمر الثاني، ولم يفعل ما فعله
النراقي من الاستدلال على فروع الأمر الثاني من الإفتاء والقضاء
واحداً واحداً كل بمفرده وجعل لكل واحد منها بحثاً مستقلاً. وإنما
كما بيّنا صبّ الإمام الخميني (قدس) جهده على ضرورة إقامة حكومة
إسلامية بإشراف الفقيه وإيجاد القناعة في ذلك من أجل السعي الجدي
لها وخاصة بعد أن لم يجد خلافاً بين الفقهاء في الأمور الحسبية
وإثبات ولاية الفقيه عليها مما أجمع عليه الفقهاء، وإنما صبّ جهده
على الأمور التي اختلف فيها الفقهاء وخاصة حدود ولاية الفقيه، وعلى
ما يظهر أنه متفق مع المحقق أحمد النراقي في حدودها.
ثم ذكر الإمام الخميني (قدس) مجموعة من الروايات المؤيدة، بينما
المحقق أحمد النراقي لم يفصل بين المؤيد والدليل.
وينقل الإمام الخميني (قدس) رواية عن أحمد النراقي في العوائد التي
ينقلها عن فقه الرضا الذي يقول عنه الإمام نحن لا نستطيع القول بأن
الفقه الرضوي صادر عن الإمام الرضا (ع) لكن يمكننا التمسك به
كمؤيد[6]، والرواية هي: "منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة
الأنبياء في بني اسرائيل"[7]. ثم ذكر الإمام الخميني المؤيدات
الأخرى وكلها سردها النراقي في بداية بحثه للاستدلال بها جملة على
المطلوب.
وختم الإمام الخميني (قدس) كلامه عن بحث ولاية الفقيه بقوله: لقد
انتهينا من البحث في موضوع ولاية الفقيهن ولن نتكلم بعد في هذا
المجال، ولا حاجة أيضاً للبحث في فروع المطلب كالبحث عن كيفية
الزكاة وإجراء الحدود. مثلاً لقد بحثنا في أسس الموضوع أي ولاية
الفقيه (الحكومة الإسلامية)، وبيّنا أن الولاية التي كانت للنبي
الأكرم (ص) والأئمة (ع) هي ثابتة للفقيه ولا شك في هذا المطلب
أيضاً، إلا أن يقوم دليل على خلاف في بعض الموارد, وبذا فإن الإمام
في بحثه هذا وجّه دعوة صريحة لإقامة حكومة إسلامية على رأسها
الفقيه الجامع للشرائط، وإذا عجز أو تردد غيره من الفقهاء للسعي
لإقامتها فقد شمر (قدس) ذراع الجد وتحققت على يده المباركة أول
دولة إسلامية عرفها التأريخ وعلى رأسها فقيه عادل.
____________________________
[1] الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني، ص19.
[2] الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني، ص20ـ 22.
[3] الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني، ص79.
[4] هناك طريقتان لبحث ولاية الفقيه، الأولى سلكها المحقق أحمد
النراقي، والثانية جاء بها الإمام الخميني.
[5] الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني، ص80.
[6] الحكومة الإسلامية، الإمام الخميني، ص 156.
[7] العوائد، ص532، فقه الرضا، ص338.