مركز الصدرين للدراسات السياسية || الدراسات السياسية

موقع العلاقات العربية ـ الايرانية في اطار العالم الاسلامي
د. محمد علي آذرشب


أولاً: واقع الاُمّة الإسلامية بين الوحدة والتجزئة
قبل ان نتناول موقع العلاقات الايرانية ـ العربية في اطار العالم الاسلامي لابد ان نلقي الضوء على هذا الاطار الجغرافي ـ الحضاري لنرى اهم ما فيه من معالم الاشتراك والافتراق، فهي مقدمة لازمة لتبين موقع العرب والايرانيين من المنظومة الإسلامية لسنا بحاجة إلى كثير من الاستدلال على وجود هوية مشتركة بين ابناء هذه المنظومة غير انها تضعف وتقوى تبعاً لمدى ما يسجله المسلمون كأمّة من حضور على الساحة العالمية. هذه الهوية المشتركة نجدها على الصعيد النظـري تتجلى في الايمان بالغيب، ويرى المفكر الاسلامي الكبير السيد محمد باقر الصدر ان هذا الايمان بالغيب «عبّر عن نفسه على المستوى الفكري في حياة المسلمين باتجاه الفكر في العالم الاسلامي إلى المناحي العقلية من المعرفة البشرية دون المناحي التي ترتبط بالواقع المحسوس» ويرى ان «هذه الغيبة في مزاج الإنسان المسلم حددت من قوّة اغراء المادة للانسان المسلم وقابليتها لاثارته، الامر الذي يتجه بالانسان في العالم الاسلامي حين يتجرد عن دوافع معنوية للتفاعل مع المادة واغرائه باستثمارها إلى موقف سلبي تجاهها يتخذ بشكل الزهد تارة والقناعة اخرى، والكسل ثالثة»[1]
ثم يرى ان عملية لا يمكن ان تعطي ثمارها إلاّ إذا اخذت هذه الاخلاقية الغيبية بنظر الاعتبار وألبست الارض لباس السماء.
وعلى الصعيد النظري أيضاً يشترك المسلمون في الايمان بنبوة محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» وبقدسية القرآن وقدسية سنّة الرسول وقدسية المعابد الإسلامية ومن هنا نرى اتخاذ الاُمّة على مرّ التاريخ وفي عصرنا هذا موقفاً واحداً تجاه اي عدوان على هذه المقدسات[2] كما انهم يقدّسون كل ما ينبثق من القرآن والسنّة من أحكام تربط الإنسان بالله أو تربط الإنسان بأخيه الإنسان وهناك أيضاً الاداب المشتركة التي قامت على اساس القرآن والحديث وقواعد اللغة العربية وعلومها المختلفة واتسعت لتطبع شعر الشعوب الإسلامية فنونها الادبية الاخرى بطابع متميز. واستطاعت حركة الترجمة في القديم وفي العصر الحديث ان تقدم الادب الاسلامي إلى كل الشعوب الإسلامية بل ان عالمية اللغة العربية في المنظومة الإسلامية جعلت الادب العربي لا يعرف حدوداً جغرافية داخل المنظومة[3] اضف إلى ذلك انّ الطابع الإنساني في هذه الآداب جعلها تتجاوز اطار العالم الاسلامي لتؤثر في الآداب الاوروبية[4] وثمّة الفكر الاسلامي المشترك الذي ظهر على مر التاريخ في حقول الفلسفة والعرفان والكلام وعلم التاريخ، وفي هذا الحقل ظهر رجال تجاوزوا كل الحدود الجغرافية في داخل العالم الاسلامي وخارجه مثل ابن سينا وابن رشد والفارابي وابن خلدون والغزالي[5] والروح الإسلامية المشتركة تركت اثرها أيضاً في فن العمارة وسائر الفنون الإسلامية كما يقول رتشارد اتنغهاوزن: «على الرغم من الاختلافات التي يمكن وصفها بأنها اختلافات في «اللهجة المحلية» فان جميع الفنون في «دار الإسلام تتكلّم اللغة نفسها اساساً»، ويقول: «ان الشخية الإسلامية ظاهرة في الفنون والصناعات إلى درجة انها تتجلى حتى بعد ان تكون المنطقة التي صنعت فيها، مثل الاندلس أو صقلية، قد عادت إلى السيطرة المسيحية، بحيث تغير الاتجاه الفني في المنطقة المذكورة تغييراً كاملاً، وهكذا يتضح ان الإسلام كان له اثر قوي جدا، بل كانت له قوّة حيوية انعكست على جميع الفنون التي نشأت في عالم الإسلام»[6]
والظاهرة المشتركة المهمة اليوم في العالم الاسلامي هي «الصحوة الإسلامية واقصد بها عودة الروح الإسلامية إلى الجسد الذي اريد له ان يُشل، وتحركه لاستعادة هويته وعزّته وكرامته. وهذه الصحوة مشهودة اليوم من طنجة إلى جاكرتا وتكاد تتحدث بلغة واحدة، وتتطلع إلى آمال واحدة وان اختلفت في أساليب التحرّك.
كل هذه المشتركات جعلت شعوب العالم الاسلامي على الرغم من كل ما بينها من تجزئة سياسية وقومية وطائفية تتخذ موقفاً واحداً من القضايا المصيرية، كما ان التحديات التي تواجهها في نهوضها تكاد تكون واحدة أيضاً.
اما مظاهر التجزئة في العالم الاسلامي فتتمثّل اولاً في التجزئة السياسية، ولا أقصد بذلك تعدد الحكومات والاحزاب والتجمعات الفئوية بل اقصد الصراع المصلحي بينها وهو صراع ينطلق اما من «ذاتية» مستفحلة أو من «عامل اجنبي» فرض نفسه على الساحة السياسية أو من الاثنين معاً وما استطاعت منظمة المؤتمر الاسلامي ان تضع حداً لهذه الصراع لانها كانت افرازات لهياج جماهيري اريد امتصاصه عقب حريق المسجد الاقصى.
ولقد ظلّت الشعوب الإسلامية لسنين تتابع بأمل اجتماعات القمة واجتماعات الوزراء واجتماع الخبراء. لكن الواقع السياسي يتدهور باستمرار. وسيبقى متدهوراً حتى ترتفع الارادة إلى ترجيح المصلحة الإسلامية العليا على المصالح الذاتية ومصالح القوى الكبرى، عندئذ فقط سيزول هذا الصراع القبلي، وستلتحم الشعوب بحكوماتها لتسجل الموقف المناسب لمكانة العالم الاسلامي ونأمل ان يكون ذلك بأذن الله وبفضل الصحوة الإسلامية قريباً.
ونحن في هذا الاجتماع لا نستطيع إلاّ ان نوصي اصحاب القرار السياسي من رؤساء الحكومات والاحزاب والجماعات بالارتفاع إلى مستوى طموح الاُمّة الإسلامية في الوحدة والعزة والكرامة، وندعو لهم بالخير.
أمّا مظاهر التجزئة الاخرى في العالم الاسلامي فيستطيع هذا اللقاء العربي ـ الايراني ان ينهض بدور فاعل في التغلب عليها، وأهمها:
1 ـ التجزئة القومية.
2ـ التجزئة الطائفية.
وسأُخصص لكل عنواناً مستقلاً، ان هذا اللقاء يستطيع أيضاً ان يحاول وقاية الاُمّة من تعميق حالة التجزئة هذه عن طريق تصحيح صورة العالم الاسلامي امام الرأي العالمي، كي تأخذ المنظومة الإسلامية مكانتها المناسبة في ظل النظام الدولي الجديد. وسأخصص لهذا الموضوع عنواناً أيضاً ولكنني ابدأ بخصوصية العلاقة الايرانية ـ العربية في اطار العالم الاسلامي، كي اسلط بعض الضوء على قدرة اجتماع الايرانيين والعرب على تحقيق الآمال الإسلامية.
ثانياً: خصوصية العلاقة بين ايران والعالم العربي
لا اقصد بالعلاقات طبعاً المراودات السياسية والتجارية والسياحية، فهذه لا تشكل إلاّ السطح الظاهر من العلاقات التي يجب ان يكون لها عمق انساني يضمن لها الديمومة واستمرار العطاء.
ان الاقتراب بين أي جزء من اجزاء العالم الاسلامي من الممكن ان يكون له هذا العمق الإنساني إذا لم يقتصر على المؤسسات ذات الاهداف المحدودة وإذا استع ليشمل البعد الشعبي أيضاً ومن الممكن ان يكون اللقاء الشعبي عبر النخبات المثقفة شرط ان تكون النخبات معبّرة عن الضمير الشعبي وعن عمق وجدان الإنسان في المنظومة الإسلامية... وأرجو ان يكون لقاؤنا المبارك هذا كذلك، لكن العلاقات العربية ـ الايرانية لها خصوصيتها بين اية علاقة اخرى في اطار العالم الاسلامي. فالعرب والايرانيون يمثلون السدى واللحمة في صرح الحضارة الإسلامية ومن هنا فأنهما في حوارهما يقفان على ارضية صلبة قد لا تتوفر لأي لقاء بين جانبين في المنظومة الإسلامية بل في الاسرة الدولية اجمع.
واسمحوا لي هنا أن اقف قليلاً عند مسألة صاحب السهم الاوفى في بناء الحضارة الإسلامية اهم العرب ام الايرانيون؟ ان هذا النقاش يدور عادة في دراسات الباحثين العرب والايرانيين. لقد ذهب بعض القوميين الايرانيين إلى ان ما أسموه «الغزو العربي» قد اباد حضارة عالمية كبرى شيّدها الايرانيون منذ ان اقاموا امبراطوريتهم وقالوا: ان هؤلاء الايرانيين عادوا فأشادوا حضارة ايرانية اخرى بعد ظهور الإسلام اتخذت اسم الحضارة الإسلامية[7] أي ان هؤلاء القوميين الايرانيين عزوا النشاط العلمي والثقافي الاسلامي لدى الايرانيين على مرّ عصور التاريخ الاسلامي إلى اسباب قومية. ومن المؤسف ان بعض الباحثين العرب ايدوا هذا الاتجاه في فهم الدور الايراني في الحضارة الإسلامية واضفوا عليها طابعاً شعوبياً مؤكدين ان الروح الشعوبية هي التي دفعت الايرانيين إلى هذه المساهمة الجادة في بناء صرح العلوم والثقافة الإسلامي[8]. وذهب بعض الباحثين العرب والايرانيين إلى تقليل اهمية دور الجانب الآخر في بناء الحضارة الإسلامية[9] وأنا في مثل هذه المناقشات ذات المنطلق القومي أطرح رأياً ازعم انّه رأي الإسلام والقرآن والتاريخ وأقول: ان الفضل في بناء الحضارة الإسلامية يعود إلى الإسلام نفسه لا إلى أية قومية من القوميات... ذلك لان الإسلام هو الذي اوجد التفاعل بين الايرانيين والعرب وهذا التفاعل أو «التعارف» بالتعبير القرآني هو الذي أدى إلى هذا النماء الحضاري والرشد الفكري والنضج الثقافي. لقد شاءت سنّة الله في الارض ان يستمر النماء في خلقه البشر عن طريق التعارف بين الذكر والانثى، كما شاءت ان يكون استمرار النمو الحضاري من تعارف الشعوب ذوي الانتماءات المختلفة.
والقرآن الكريم قرن تعارف الشعوب بالتعارف بين الذكر والانثى في اشارة مهمة إلى ان استمرار النماء البشري رهين بهذين الاقترانين: «يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا..»[10]
ولئن قامت الحضارات العالمية بل حتى الحضارة الإسلامية بعد هجرات بشرية فلأن البناء الحضاري يتطلب اقتران شعوب مختلفة.
اردت بهذه الوقفة ان أقول: ان أي لقاء بين الايرانيين والعرب سيعيد للجانبين الدور في المسيرة الحضارية. وإذ شاهدنا عطاء هذا اللقاء من قبل في البصرة والكوفة وبغداد وخوارزم ونيشابور واصفهان وهمدان والري وعشرات مراكز اللقاء الحضاري الاخرى، فنحن بفضل وسائل الارتباطات الحديثة نستطيع باذن الله ان نجد خير هذا العطاء يعم كل العالم الاسلامي من المحيط إلى المحيط لو تم اللقاء العربي ـ الايراني في اطاره الرسالي المطلوب.
وعلى الرغم من واقع التجزئة الاليم بين العرب وايران في العصر الحديث والحساسيات المفتعلة على لصعيدين القومي والطائفي بينهما. فان خصوصية هذه العلاقة بقيت متواصلة وانّ ايران تحتل مكان الصدارة في تبني القضايا العربية، بل حتى في زمن الشاه الذي سعى لاسباب معروفة ان يخلف عزلة بين ايران والعرب، كان الشعب الايراني يعيش هموم العرب وآمالهم وآلامهم.
حين بدأت طلائع الصحوة الإسلامية الحديثة في العالم العربي تجاوب معها الشعب الايراني عبر مواقف كثيرة جسّدها نواب صفوي وآية الله الكاشاني وحين هبّ الشعب الايراني بقيادة آية الله الكاشاني والدكتور مصدق لتأميم النفط تجاوب معه الشعب العربي ايما تجاوب[11]، كما ان اتحاد الموقف الشعبي الايراني العربي تجاه قضية فلسطين والتفاعل العربي مع الثورة الإسلامية الايرانية هو مما لا يحتاج إلى بيان.
والاغرب من ذلك ان عبدالناصر ذا التوجه القومي العربي كانت له مكانة كبيرة في ساحة الوعي الاسلامي الايراني، وكان السجناء الاسلاميون يتابعون مواقفه وخطاباته بدقة عبر مذياع يصلهم خفية إلى السجن. وقال لي قائد كبير من قادة الثورة الإسلامية: لقد بكيت وأنا في زنزانة السجن الانفرادية عندما سمعت بنبأ وفاة عبدالناصر وسادني همّ كبير. وكانت سلوت الوحيدة آنئذ ما بثته اذاعة صوت العرب من تلاوة مستمّرة للقرآن الكريم عندما سألته عن السبب، خصوصاً انّه من المعجبين جدا بسيد قطب وممن بكاه بعد وفاته، اجاب: يهمّنا عزّة العرب، لانّ عزة العرب لا تنفك عن عزّة المسلمين، وكان عبدالناصر، رمزاً لهذه العزّة وتلقّينا وفاته وكأنها بداية لأفول تلك العزة[12] بقي أن اقول في خصوصية العلاقة العربية ـ الايرانية في اطار العالم الاسلامي ان كلا الجانبين يمتلك رصيداً ضخماً في مد جسور اللقاء مع سائر اجزاء المنظومة الإسلامية عبر الاشتراك اللغوي والثقافي والتاريخي والحوار والمؤسسات التعليمية ومراكز البحث العلمي اضافة إلى ا لقنوات الرسمية التي تحكمها المصالح السياسية والاقتصادية والامنية.
هذه الخصوصيات تجعل العرب والايرانيين اقدر على التحرك على ساحة العالم الاسلامي كما تجعلهما مستهدفين اكثر من غيرهما في عملية الغزو الثقافي وتشويه الصورة أمام الرأي العام العالمي، كما سأبيّن تحت عنوان تصحيح الصورة.
اعود إلى مظاهر التجزئة في العالم الاسلامي، وأبدأ بالظاهرة القومية.
ثالثاً: الظاهرة القومية
الروح القومية إذا اتجهت نحو الدفاع عن عزّة قوم من الاقوام فهي ايجابية من دون شك، لكنها قد تنحو منحى سلبياً إذا اصطدمت بالقوميات الاخرى.
وتأخذ المسألة في اطار المنظومة الإسلامية طابعاً آخر إذا اتجهت نحو احياء التراث الجاهلي الذي سبق الإسلام والتفاخر والاعتزاز به، لان عملية الاحياء هذه تصطدم مباشرة بالاسلام وخصوصاً لدى القوميات غير العربية، وتتحول الاُمّة الواحدة إلى امم بعد ان تضمر المشتركات بينهم، وهذه الحالة عمق واقع التجزئة المفروض على العالم الاسلامي وتهيء الفرص لاصحاب الاطماع الدولية ان يخلقوا بؤر صراع في العالم الاسلامي متى شاءوا.
واحياء الروح القومية في العالم الاسلامي يخلق اول ما يخلق انفصالاً عن العالم العربي وابتعاداً عن القضايا الإسلامية العربية، وعن التراث المكتوب بالعربية، بل حتى عن الحروف العربية، وهي خسارة كبرى للاسلام عموماً، وللعرب بشكل خاص.
نحن في ايران عاصرنا فترة ازدادت خلالها مخاوف الشاه من المد القومي العربي فجند الطاقات الاكاديمية لتأجيج الروح القومية الايرانية، وتحركت الاقلام لتبحث وتحقق في العظام النخرة ولتحي امجاد كوروش وداريوش ولتلصق بالفتح العربي لايران الوان التهم والطعون[13]، ولئن فشلت الخطة في محو الحرف العربي في ايران فقد نجحت في تركيا، وفي مناطق مختلفة من افريقيا.
ومن المضحك المبكي ان الثورة الإسلامية التي قضت بشدة فائقة ومنذ اللحظات الاُولى من انتصارها على كل هذه الضجة القومية وأزالت آثارها حتى من النقوش المرسومة على المؤسسات الرسمية ومن الشعار الرسمي والعلم الرسمي والكتب الدراسية، واجهت حرباً شعواء تحت عنوان ضرورة القضاء على الفرس المجوس. وهذه الظاهرة تبين من جهة أخرى مدى اهمية المسألة القومية في توجيه أحداث المنطقة الإسلامية.
إن اللقاء العربي ـ الاسلامي سجل على مر العصور أروع صور تجاوز الحساسية القومية وخلق جواً رائعاً من التفاهم بين القوميات المختلفة في اطار حضاري مرموق.
العرب المهاجرون إلى ايران في العصـور الإسلامية المختلفة تعلمـوا الفارسية ونشأ أبناؤهم على هذه اللغة[14] والعلماء الايرانيون على مر العصور اقتصروا غالباً في تدوين علومهم على العربية[15]، والايرانيون أنفسهم حولوا لغة ديوان الخراج الاسلامي من الفارسية إلى العربية[16]، وامتزجت اللغتان ليصبح هذا المزيج لغة المسلمين في شرق آسيا وآسيا الوسطى، وليكون علماء واُدباء هذه الاصقاع، بل عامتهم، على معرفة باللغتين العربية والفارسية. ومن الصور التاريخية الرائعة في اللقاء الاسلامي بين العرب والمسلمين دافعوا عن الايرانيين تجاه ما أنزله بعض الولاة العرب المتعصبين من ظلم وتمييز عنصري[17]،
وقضى الايرانيون انفسهم على بعض التحركات القومية الايرانية التي ظهرت في فترات تاريخية[18]، ولا يزال التوجه الاسلامي في ايران يقف حتى اليوم بوجه كل طعن بالعرب وبالفتح العربي الاسلامي لايران[19]
واضح ان اثارة العصبيات القومية في العالم الاسلامي وتعبئتها ضد الإسلام وضد الثقافة العربية الإسلامية ما كان مقتصرا على ايران، بل امتد إلى اندونيسيا شرقاً والى تركيا شمالاً، هذا إلى جانب من حاول ان يعبىء القومية العربية ايضاً ضد الإسلام وهو من عجائب الأمور! البلدان العائدة أخيرا إلى الحضيرة الإسلامية بعد تحررها من ربقة السيطرة السوفياتية السابقة تعيش اليوم هي الأخري ازمة صراع بين الهوية القومية والهوية الحضارية الإسلامية وسجل العالم الاسلامي موقفا مؤسفاً من هذه الازمة، فقد غلب واقع التجزئة القومية بين المسلمين على توجههم الحضاري في أتخاذ الموقف. هناك جهود مكثفة انصبت لإبعاد الجمهوريات الست المستقلة عن الاتحاد السوفياتي السابق عن الأبجدية العربية، ونجحت في اعتماد أبجدية جديدة تقوم على الحرف اللاتيني بحجة ان الأبجدية اللاتينية ضرورية للانفتاح على العالم والتقانة المتطورة![20] وهناك موقف آخر من هذه الجمهوريات ذو بداية طيبة ونهاية مؤلمة، البداية تتمثل بتعاون تلقائي ايراني ـ عربي، كما ذكرت التقارير لنشر الحرف العربي في هذه الجمهوريات، ولهذا التعاون التلقائي غير المنسق مسبقاً دلالاته التي لا تخفى، ولكنه انتهى إلى نهاية مؤسفة. فالمشروع العربي في إرسال آلات طباعة عربية إلى الجمهوريات الإسلامية التركية عن طريق بنك التنمية الإسلامي قد توقّف، وذكرت التقارير ان سبب توقفه يعود إلى انّ الأتراك اوعزوا إلى العرب ما يفيد بأن جهود الحض على نشر الأبجدية العربية تخدم التوجهات الايرانية في آسيا الوسطى![21].
هذا نموذج من مشاكل التجزئة القومية في العالم الاسلامي ورقم واحد من خسائرها الفادحة. كما انّه نموذج جيد على إمكان اللقاء الايراني ـ العربي أن يقدم النموذج الأفضل لتجاوز الحساسيات القومية، وان يقدم اطار عمل حضاري مشترك بين القوميات الإسلامية المختلفة.
رابعاً: التجزئة الطائفية
العالم الاسلامي يرث تجزئة طائفية إلى سنة وشيعة، وهذه التجزئة بدأت في القرن الأول الهجري وتعمقت واتسعت على مر التاريخ، وتحولت إلى اختلاف بعضه يعود إلى اختلاف في الرؤية إلى أحداث تاريخية وبعضه يود إلى خلاف في بعض أصول الدين وفروعه. ولو اقتصر الامر على هذا الحد لهان، لأنه سيكون خلافاً علمياً يتناوله العلماء والمتخصصون بالنقاش، وقد يتفقون في النهاية أو يختلفون، وهذا هو الشأن في كل حقول العلم والمعرفة، ولكن المسألة تتعدى الاطار العلمي لتأخذ على الصعيد الشعبي طابعاً نفسياً عشائرياً، فثمّة العشيرة الشيعية والعشيرة السنية، والانتماء حينئذ لا يكون قائماً على اساس فكر وعقيدة قدر ما يكون مستمداً من حالة نفسية وانتماء طائفي. عندئذ لا تعالج الحالة بالنقاش الفكري والعلمي والمعرفي فقط، بل تحتاج إلى علاج نفسي ايضاً. وأعتقد ان الايرانيين والعرب أقدر من غيرهم ـ لما سأذكره ـ على معالجة الموقف.
لابد من أن أذكر أولاً ان بعض الدراسات القومية المتعصبة ايرانية كانت أو عربية، ذهبت إلى ان نشأة التشيع إيرانية. من قال ذلك من العرب قصد به الاساءة إلى التشيع باعتباره ذا نشأة بعيدة عن جو الرسالة وأصحابها، ومن ذهب إلى من الايرانيين استهدف به الاشادة بالروح القومية الايرانية التي تحايلت فحافظت على نفسها وقوتها ووجودها في اطار ديني صنعه الايرانيون على نهـج الثقافة الساسانية واتخذ صفة التشيـع[22]. ومنهم من قال ان ولاء الايرانيين لآل البيت اما كان بسبب انتماء علي بن الحسين نسبياً إلى الايرانيين، اذ ان اُمه أميرة ايرانية هي شهربانو بنت آخر الملوك الساسانيين يزدجرد[23]. ليس هنا موضع اجابة تفصيلية عن هذه الادعاءات، بل نشير اليها فقط بقدر ما يوضح ان الانقسام المذهبي لم يكن ذا طابع قومي.
أوّلاً - ان الشواهد التاريخية الكثيرة تدل على ان اقبال الايرانيين على الإسلام كان تدريجياً وعن رضا وقناعة منهم، ولم يكن بحد السيف والاجبار كي يضطروا إلى التحايل على الدين[24].
ثانياً - ان آخر الأكاسرة الايرانيين يزدجر فرّ من عرشه منتقلاً بين المدن الايرانية فلم يؤوه أحد، دلالة على رفض الشعب الايراني هذا الحاكم الظالم[25].
ثالثاً - لو كان الايرانيون مجبرين على إخفاء هويتهم خلال القرنين الأوّلين، فلماذا واصلوا خدماتهم للاسلام وتعميق هويتهم الإسلامية بعد ضعف الخلافة المركزية؟![26]
رابعاً - ان قضية زواج شهربانو من الحسين بن علي(ع) مشكوك فيها لا تسندها الحقائق التاريخية[27].
خامساً - لو كان احترام الايرانيين لآل البيت يعود إلى انتسابهم إلى العائلة الساسانية لكان من الأولى ان يتجه ولاؤهم إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك وابنه يزيد بن الوليد لأن هذا الخليفة تزوج من أميرة ايرانية ولدت له يزيد هذا، ولاتجه ولاؤهم إلى عبيد الله بن زياد لأن اُمّه ايرانية شيرازية هي «مرجانة» ولاتجه ولاؤهم ايضاً إلى الخلفاء العباسيين لأن اكثر اُمهاتهم ايرانيات[28].
سادساً - الأهم من كل ما تقدم ان أكثرية الايرانيين الساحقة كانت قبل العصر الصفوي سنية، بل كانت فيها توجه ناصبي معاد لآل البيت، وهذا التوجه أبى أن يمتنع عن سب علي بعد ان منعه الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز. وكبار العلماء الايرانيين قبل العصر الصفوي من المفسرين والفقهاء والمحدثين والمتكلمين والأدباء واللغويين كانوا على مذهب أهل السنة[29].
ومن الظريف في هذا المجال ان أهل مصر كانوا يتبعون فتوى فقيه ايراني هو الليث بن سعد، بينما جلّ الايرانيين كانوا على مذهب فقيه عربي هو الشافعي، وكان بعض العلماء الايرانيين يناصرون مذهب الشافعي العربي بشدة ويعارضون مذهب أبي حنيفة الايراني بشدة مثل إمام الحرمين الجويني والغزالي[30].
ومن الطريف أيضاً في هذا المجال ان أبا حنيفة الايراني يفتي بأن الايرانية ليست كفوا للعربية انطلاقاً من ترجيح العنصر العربي، فلا يجوز ان يتزوج العربي من ايرانية بينما مالك بن أنس العربي يرفض هذه الفتوى ويرى عدم وجود تفاضل بين الجنسين![31].
يطول بنا البحث لو أردنا إحصاء كل هذه المفارقات، لكننا أردنا ان نخلص إلى نتيجة هي ان مسألة التسنن والتشيع ما كانت ذات طابع قومي، لكنها اتخذت هذا الطابع بعد النزاع الصفوي ـ العثماني فأصبحت ايران في العصر الصفوي تمثل الدولة الشيعية، بينما الدولة العثمانية بما فيها البلدان العربية تمثل الجانب السني.
وكان للدول الطامعة في العالم الاسلامي دور في تغذية هذه التجزئة، ومن المؤسف فان التوجه القومي في ايران والعالم العربي، وهكذا الاستشراق، راح يبحث عن كل المفردات التاريخية التي تزيد الحساسيات الطائفية اضطراماً، ثم ان الموجة العالمية السائدة اليوم لمواجهة ما يسمى بالخطر الاسلامي تتجه في ما تتجه إلى تمزيق العالم الاسلامي، وربما لا يمكن في القريب العاجل تبديل فكرة الصراع الحضاري إلى الحوار الحضاري بين الإسلام والغرب، ولذلك فان الاحتمال كبير في ان ينفذ خطة التمزيق بشكل متقن سريع كما أوصى بذلك مفكروه من أمثال هانتنغتون[32].
وسواء عزونا الصراع الطائفي المشهود في العالم الاسلامي إلى عوامل داخلية أو أجنبية، فان الواقع القائم يشهد في الاطار الطائفي مذابح في باكستان وافغانستان، كما يشهد صراعاً بين المؤسسات الإسلامية العاملة في أفريقيا وشرق آسيا وفي آسيا الوسطى. والمعلومات تذكر ان هذا الصراع يترك أثاراً سيئة في المسلمين العائدين أخيراً إلى حضيرة العالم الاسلامي، كما يترك آثاراً سيئة في أتباع الأديان المختلفة في شرق آسيا، فهناك طوائف دينية أرادت ان تعتنق الإسلام فلما وقفت أمام مفترق طريقين ورأت النزاع بين الفريقين آثرت البقاء على نحلتها حفظاً لوحدة طائفتها.
من الممكن ان يتخذ الحوار الايراني ـ العربي من مسألة التفاهم المذهبي محوراً من محاورة، وسواء توصل إلى نتيجة أم لم يصل، فان الحوار المذهبي نفسه يدفع بقضية الاختلاف من الحالة النفسية العشائرية إلى حالة علمية فكرية.
ولقد كان للعرب والايرانيين تجربة ناجحة في هذا المجال عبر «دار التقريب من المذاهب الإسلامية» في القاهرة[33]، وتجري المحاولات اليوم في ايران لمواصلة هذه التجربة عبر «المجمع العلمي» للتقريب بين المذاهب الاسلامية[34] وعسى ان يكون الحوار العربي ـ الايراني عبر المثقفين والجامعيين خطوة أخرى على طريق تجاوز سلبيات التمذهب في العالم الاسلامي.
خامساً: تصحيح الصورة
يواجه العالم الاسلامي حرباً إعلامية وثقافية مركزة تستهدف تشويه صورته أمام الرأي العام العالمي عامة وأمام بلدان آسيا الوسطى بشكل خاص، كي تحول دون انتمائها إلى المنظومة الإسلامية وتركز هذه الحملة الاعلامية على ثلاثة محاور هي:
1 ـ التخلف عن ركب الحضارة.
2 ـ الإرهاب.
3 ـ التهديد الحضاري.
وعلى الرغم مما بين المحور الأول والثالث من تناقض، وما انكشف من تضليل وخداع في المحور الثاني، فان الحملة الاعلامية مستمرة عبر المحاور الثلاثة.
ليست عملية التشويه هذه جديدة، بل صورة العرب والمسلمين المنطبعة في ذهن الأوربي من أقدم العصور انما هي انهم مجموعة من السراسنة[35] والبرابرة الذين يمتهنون النهب والسلب، ويلاحظ ان العقلية الأوروبية كانت إبان انتصاراتها على المسلمين تطلق العنان لـ«جهل الخيال المنتصر» كما جاء في كلمات ر.و. ساوثرن[36]، فتنسب كل رذيلة إلى المسلمين. أما إذا اُصيبت بهزيمة تعود إلى رشدها وتقترح أجراء حوار مع المسلمين، كما حدث في زمن خوان دي سيغوفيا (حوالي 1400 ـ 1458) الذي اقترح بعد فتح القسطنطينية إجراء سلسلة من المؤتمرات مع الفقهاء المسلمين، وأكد ان تلك الطريقة مفيدة حتى ولو لم تؤد إلى جعل المتنازعين يغيرون دينهم[37]. وهذه الحقيقة قائمة حتى يومنا هذا، فما لم يحترم المسلمون أنفسهم ويحرصون على عزتهم لا يحترمهم الآخرون، ولا يقيمون لهم وزناً من هنا فأنّي آمل ان يخرج هذا اللقاء بما يثبت العزة ويصون الحرمة امام الرأي العام العالمي، خصوصاً أننا في ظروف داخلية وخارجية تجمعت لسحق كرامة المسلمين وعزتهم.
ومع اعتقادي ان العالم الاسلامي سيبقى معرضاً للهجوم والاستهانة مازالت مظاهر الضعف ماثلة فيه، فاني أعتقد أيضاً الصحوة الإسلامية بحاجة إلى العمل على تصحيح الصورة أمام الرأي العام العالمي وأمام المسلمين المتحررين من السيطرة السوفياتية السابقة، فهي عملية لا يمكن من دونها إبراز الوجه الصحيح المشرّف للعالم الاسلامي على الساحة العالمية، كما انها عملية لازمة لتأخذ المنظوم الإسلامية - كما ذكرت - مكانتها المناسبة في ظل النظام الدولي الجديد.
ولا أقصد بتصحيح الصورة طبعاً تقديم الإسلام بشكل يتناسب مع ذوق الغرب، فهذه عملية بعيدة عن الموضوعية وعن الالتزام وتدل على ذيلية وتبعية وهزيمة نفسية، بل أقصد إزالة ما ران على الصورة الصحيحة من غبار نتيجة تصرفات داخلية خاطئة أو مواقف خارجية مغرضة أو واهمة. وسأتناول موضوع تصحيح الصورة تحت ثلاثة عناوين:
1 ـ تصحيح الخطاب الاسلامي.
2 ـ الكشف عن الوجه الإنساني للاسلام.
3 ـ الدعوة إلى حوار حضاري.
سادساً: الخطاب الإسلامي
تميز الخطاب الاسلامي في مختلف عصور ازدهار الحضارة الإسلامية بمواكبة التطورات الفكرية والاجتماعية، واستشراف الفكر العالمي، واتخاذ موقف أصيل منه، وتقديم الإسلام بلغة العصر، وولوج كل ساحات المعرفة، واعتماد العقل في معالجة القضايا مع رعاية حدود القدرات العقلية غير ان هذه الميزة أصيبت بنكسات ادت إلى غلق باب الاجتهاد، والى ظهور مدارس ترفض العقل والمنطق، وتتخوف من الانفتاح على الرأي الآخر، وتحصر الإسلام في مظاهر خالية من الروح والمحتوى، ولا تستطيع هذه المدارس طبعاً ان تقدم الصورة الحضارية الحقيقية للاسلام، بل تقدم صورة ناقصة مشوهة لا تتناسب مع تطلعات الإنسان المسلم الذي يستهدف ان يكون له دور في المسيرة الحضارية. وظاهرة الجمود في الخطاب الاسلامي تسربت حتى إلى المناطق التي بدأت تفتح عينيها من جديد على السلام. والمعلومات الواردة من بلدان آسيا الوسطى تذكر ان بعض الدعاة يركزون في تلك المناطق على اطالة اللحي ولبس الثياب القصيرة وترك زيارة قبور الأولياء... ومع كل ما في هؤلاء من إخلاص للدعوة يصطدمون بالواقع ويتركون آثاراً سلبية... وهذا ما يحدث بالفعل.
ومن جهة أخرى، ظهرت في العالم الاسلامي ردود فعل تجاه هذا الجمود تمثلت في الدعوة إلى الحداثة والتجديد، لكن هذه الموجهة أصيبت بكل ما تُصاب به ردود الفعل عادة من إفراط وتفريط... فابتعدت غالباً عن الأصالة من أجل المعاصرة، ووقعت في التقاط وتمييع.
ولا سبيل لتصحيح الصورة، ولوقاية المسيرة من الجمود والالتقاط إلاّ إذا سلكت الدراسات الإسلامية طريق الاجتهاد وفق ضوابطه واصوله الإسلامية وحركة الاجتهاد هذه قائمة في الحوزات الفقهية الشيعية، وتمتلك ايران رصيداً فخماً في هذا المجال يؤهلها في عملية التفاعل واللقاء لأن توجه الخطاب الاسلامي وجهة صحيحة بعيدة عن سلبيات الالة الراهنة. كما ان انفتاح العالم العربي على التيارات الفكرية العالمية بشكل واسع يستطيع ان يعمق محتوى الخطاب ويجعله أكثر معاصرة، وأكثر انسجاماً مع متطلبات الحياة المعصارة. وكل المحاولات الحديثة التي جمعت بين الأصالة والمعاصرة في تقديم الإسلام لقيت احتراماً في الأوساط الفكرية العالمية.
سابعاً: الوجه الإنساني للإسلام
ان الحديث الذي يدور في الغرب اليوم عن الإسلام يجعل الإسلام والارهاب غالباً وجهين لعملة واحدة ومسألة انتشار الإسلام بالسيف طرحها المستشرقون منذ أمد بعيد، وغذّتها عوامل عديدة، منها الروايات المكذوبة المنتشرة في التاريخ الاسلامي[38]، ومنها روح التبعية لأقاويل الاستشراق، ومنها ايضاً الروح القومية في البلدان الإسلامية غير العربية، المعادية عادة للفتح الاسلامي. مثل هذه الاحاديث تغض الطرف عادة عن المجازر الوحشية التي تعرض لها المسلمون من قبل الحروب الصليبية وفي عمليات الغزو العسكري الأوروبي للعالم الاسلامي ويتعرضون لها الآن في البوسنة والهرسك على يد الصرب المتعصبين. ولكنها تركز على عمليات المقاومة الفلسطينية واللبنانية وعلى بعض التصرفات التي تنسب إلى الاسلاميين هنا وهناك تجاه الجاليات الاوروبية.
وأود هنا أن أقول: ان الاعلام العربي بعد انتصار الثورة الإسلامية وخلال سنوات الحرب الايرانية ـ العراقية كان له دور كبير في تركيز فكرة لصق الارهاب بالثورة الإسلامية الايرانية. ولما كانت هذه الثورة في أنظار المؤيدين والمعارضين تعتبر اهم مكاسب الصحوة في العالم الاسلامي فان لاصقة الارهاب قد انطبعت على كل الصحوة الإسلامية، واصبحت هناك قناعة عند بعض القطاعات الداخلية بالتوأمة بين الارهاب والتحرك الاسلامي. ومن المفارقات العجيبة ان هذه القناعة تركت في هذه القطاعات أثرين متفاوتين:
الأول: التخوف من الصحوة الإسلامية ورموزها واعتبارها عناصر خطرة مخيفة.
الثاني: تبنّي بعض المجموعات الصغيرة العمليات الارهابية لتحقيق أهدافها ظانة انها تسير على خطى الثورة الإسلامية في ايران. ويستغرب هؤلاء حين يقال لهم ان الثورة الإسلامية لم تتبن العمليات المسلحة أبداً، بل ان الامام الخميني رضوان الله تعالى عليه أبعد عن الحركة كل الذين كانوا يمارسون العمل المسلح، وتبنى التحرك الجماهيري السلمي، وأمر حتى آخر لحظة ان يقابل رصاص الجنود برش الزهور، وكان شعاره دائماً ان الدم سينتصر على السيف.
يستغرب هؤلاء لأن الاعلام لقنهم لسنوات عديدة ان الثورة الإسلامية انتصرت وتواصلت عبر مجازر دموية. ولاشك في أن موجة توأمة الارهاب والإسلام وراءها هدف استراتيجي هو تمهيد الجو لقمع الهوية الإسلامية وسحق كرامة المسلمين، فليس من المعقول أبداً ان يكون محرّكو هذه الموجة واهمين، بل انهم عموماً يعون ما يقولون. ويبدو من أقوالهم بوضوح تركيزهم على إثارة الرأي العام الأوروبي ضد المسلمين نظير ما يقوله روفيل في كتابه انتعاش الديمقراطية، إذ جاء فيه «لايمكن ان نصف بالسماحة ديانة يتساوى فيها الاختلاف مع الإعدام... ان الإسلام هو مصدر تسعة أعشار الارهاب العالمي الرسمي» ثم يضيف: «هل يتعين علينا ان نحرس مكاتبنا ومسارحنا ومتاحفنا من هذا التعصب الذي يريد فرض الرقابة على ثقافتنا مع مفعول رجعي»[39]، ويبدو منها أيضاً إثارة ما في ذهن الأوروبيين من صورة الارهاب الداخلي الذي عانوه في تاريخهم الحديث واستثماره لتعبئتهم ضد الإسلام. فقد جاء في مقال كلير هولينغورث، الصحافية البريطانية المتخصصة بالشؤون العسكرية تحت عنوان: «مذهب تسلّطي آخر يحاول التسلل إلى الغرب» قولها: «الاُصولية الإسلامية تصبح بسرعة التهديد الرئيسي لسلام العالم وأمنه، وايضاً سبباً للاضطرابات المحلية، وعلى الصعد الوطنية من خلال الارهاب انّه خطر مشابه لخطر النازية والفاشية في الثلاثينيات، والشيوعية في الخمسينيات»[40].
إن الحوار الايراني ـ العربي قادر ان يراجع حقيقة السلام في نصوصه في تاريخه ليكشف عن الجوانب الإنسانيّة من هذا الدين في ما يرتبط بقضايا الجهاد والفتح وقضية ممارسة القوة، والجانبان أقدر من غيرهما على ذلك لما بينهما من تراث مشترك وتاريخ مشترك يبدأ من اسلام الايرانيين في اليمن عن طريق الدعوة بالكلمة ويتواصل عبر التعاون الايراني ـ العربي في فتح ايران. كما انهما لمكانتهما العالمية ومكانتهما في العالم الاسلامي، أقدر على تصحيح الصورة بشكل نظري وعملي في هذه القضية بالذات... قضية الارهاب.
ثامناً: الحوار الحضاري
ثمة اختلاف حقيقي وجاد بين الحضارة المادية الغربية والحضارة الشرقية التي امتزجت بدعـوات الأنبيـاء[41]. وهذا الاختلاف اتخذ على مر التاريخ طابع حروب دموية امتدت عبر الحروب الصليبية وتواصلت إلى يومنا هذا في الممارسات الاستعمارية والاستكبارية، وها هي اليوم تأخذ في ظل طموح العالم الاسلامي للعودة إلى هويته وفي ظل ما يسمى بالنظام الدولي الجديد طابعاً آخر هو التخوف والتحذير من سيطرة الثقافة الإسلامية على الغرب.
يصرّح صاموئيل هانتغتون من جامعة هارفارد في مقاله المشهور «صدام الحضارات» ان المصدر الرئيسي للنزاع في العالم الجديد سوف يأتي من الثقافة وان الحرب العالمية الثالثة ـ اذا حصلت ـ سوف تدور رحاها بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية المعادية لها[42].
وتظهر هذه المخاوف من ظـاهرة العودة الإسلامية حتى في ابسط مظاهرها بشكل موقف عملي كالذي حدث في قضية حجاب الفتيات المسلمات في مدارس فرنسا، لقد بلغ الامر بأحدهم أن يقول: لو فسحنا المجال لهذه الظاهرة لفرض المسلمون علينا الحجاب في المستقبل القريب.
وتعرب سياسية سويدية عن قلقها من انتشار الإسلام في اوروبا الاسكندنافية بقولها: «كم سيستغرق الامر قبل ان يركع اطفال السويد باتجاه مكّة؟»![43]
ويبين المحللون الغربيون اسباب تخوفهم من انتشار قيم الإسلام في اوروبا ويعلنون ان الخطر يأتي من وجود نقاط فراغ تعود إلى «انهيار ايمان مثقفي الغرب وساسته بقيمهم»[44].
ان الروح الاستكبارية السائدة في الدوائر الغربية تأبى ان تعترف بوجود الرأي الآخر وتحاوره بل تعكف على رسم الخطط لحذفه واقتلاعه، يقترح نيكسون الرئيس الاميركي السابق لمواجهة ما يسميه الخطر الاسلامي دعم مصالح أهل التحديث في العالم الاسلامي[45]. ويعني بذلك طبعاً مصالح الداعين إلى الاعراض عن الهوية الإسلامية والاندماج في الثقافة الغربية.
أما هانتغتون فيرى ان الديمقراطية سوف تكون لمصلحة القوى السياسية المعادية للغرب. ويعني بذلك ان الارادة الشعبية ستكون لصالح التوجه نحو العودة الإسلامية ويدعو إلى خيارات تستنزف طاقات العالم الاسلامي[46]. ولو كانت مثل هذه الدعوات فردية لهان الامر ولكن المشهود انها مؤثرة في صنع القرار تجاه العالم الاسلامي.
من هنا فان العالم الاسلامي بحاجة إلى اعلان مبدأ «الحوار بين الحضارات» بدل «الصراع بين الحضارات» الذي يلوح به رموز الفكر الغربي والحوار ينطلق من مبادىء الإسلام التي تقرر ان تكون الدعوة بـ «التي هي أحسن» وبـ «الحكمة والموعظة الحسنة» وتخاطب الرأي الآخر وتقول له «تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم» وتبدأ في الحوار من منطلق «أنا أو ايّاكم لعلى هدى أو في ظلال مبين».
لقد كان لايران عقب انتصار الثورة الإسلامية حوار جاد هادف مع مسيحيي الغرب ومفكريه كما ان العرب لهم ارتباطهم الفكري بالغرب عبر قنوات الاكاديميين والمستشرقين والمفكرين وعسى ان يتوجه الحوار الايراني ـ العربي إلى وضع خطة حوار مع رموز الثقافة الغربية على امل تصحيح مكانة العالم الاسلامي في النظام العالمي الجديد وتجنيب المسلمين كوارث الصِّدام واحلال اسلوب جديد للتعامل بين الشرق والغرب.
تلخيص واستنتاج
1ـ ان العالم الاسلامي على الرغم من كل عوامل التجزئة الماثلة فيه يشكل وحدة ثقافية حضارية ذات معالم وخصائص واضحة وذات موقف يكاد يكون موحداً تجاه المؤثرات الخارجية والداخلية.
2ـ بسبب هذه الوحدة الحضارية نرى وحدة في الموقف العالمي تجاه المسلمين كما نرى العالم الاسلامي مستهدفاً بأجمعه في ظل النظام الدولي الجديد.
3ـ لا يمكن للعالم الاسلامي ان يأخذ مكانته الطبيعية على الساحة الدولية إلاّ إذا عمّق هويته وازال الحواجز التي تحول دون اثبات شخصيته واسماع كلمته الموحدة.
4ـ العرب والايرانيون يمثلون بسبب جذورهم الحضارية وموقعهم من الصحوة الإسلامية واسطة العقد في المنظومة الإسلامية، كما يحتلّون نقطة الوسط في مرمى الهجوم الحضاري الغربي.
5ـ الحوار الايراني ـ العربي قادر ـ ان كان منطلقا من ارادة حرة وعزم رسالي ـ على ان ينهض بدور كبير في تحقيق طموح الاُمّة الإسلامية إلى حياة حرة كريمة مستقلّة والى استعادة دورها على الساحة العالمية والى المساهمة الجادة في مسيرة الحضارة البشرية.
---------------------------
[1] اقتصادنا «د.م»: مجمع الشهيد الصدر العلمي والثقافي، «د. ت» ص 21.
[2] نظير ما حدث ابان العدوان على المسجد الاقصى والحرم الابراهيمي، والعدوان على شخصية الرسول في قضية سلمان رشدي.
[3] كان شعر المتنبي، على سبيل المثال ينتشر في ايران وينقد في حياته، وفي حياة المتنبي كتب الصاحب بن عباد في ايران كتاباً نقدياً سماه الكشف من مساوىء المتنبي.
[4] انظر: فرانز روزنتال في: تراث الإسلام، تصنيف شاخت وبروزورث: ترجمة حسين مؤنس واحسان صدقي العمد، مراجعة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة: 12،2 ج، ط 2 «الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1988» ج2، الفصل 7: الادب.
[5] انظر: جورج قنواتي في: المصدر نفسه، ج2، الفصل 8: الفلسفة وعلم الكلام والتصوّف.
[6] انظر: تراث الإسلام تصنيف شاخت وبوزورث: ترجمة محمد زهير السمهوري، حسين مؤنس واحسان صدقي العمد، تعليق وتحقيق شاكر مصطفى، مراجعة فؤاد زكريا سلسلة عالم المعرفة: 8، 2 ج، ط 2«الكويت المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1988» ج1، الفصل 6: الفن والعمارة، ص 406 ـ 408.
[7] انظر. فريدون ادميت، امير كبير وايران. ج1، ص 74 ـ 75، ومرتضى مطهري: خدمات متقابل اسلام وايران ط 12 «طهران: منشورات صدرا، 1362 هـ ش» ص 384.
[8] انظر. حسين عطوان، الزندقة والشعوبية في العصر العباسي الأوّل.
[9] نظر مطهري، المصدر نفسه، ص 384 وما بعدها: عمر فروخ، تاريخ الفكر العربي إلى ايام ابن خلدون «بيروت: دار العلم للملايين 1972»: علي حسني الخربوطلي، الدولة العربية الإسلامية «القاهرة: دار احياء الكتب العربية، 1960»، سميرة مختار الليثي، الزندقة والشعوبية وانتصار الإسلام والعروبة عليهما «القاهرة: مكتبة الانجلو المصرية، 1968»، محمد نبيه حجاب، مظاهر الشعوبية في الادب العربي حتى نهاية القرن الثالث الهجري «القاهرة: مكتبة نهضة مصر، 1961».
[10] قرآن الكريم، «سورة الحجرات» الآية 13.
[11] انظر على سبيل المثال قصيدة «الطليعة» لاحمد زكي ابو شادي، في رثاء الدكتور
حسين فاطمي، احد وزراء الدكتور مصدق الذي اغتيل سنة 1954 ومطلعها:نعم الرصاص جزاء خادم شعبه***ما دام يوقظ من ونوا عن دأبهفي: محمد عبدالمنعم الخفاي، رائد الشعر الحديث «مصر: د. ن»، 1995»، ج2، ص 361.
[12] . يؤسفني الاّ اذكر اسمه لعدم علمي بموافقته على ذلك، ولكن أرجو ان تصدر مذكراته باللغة العربية «اللغة الاصلية» عاجلاً وهي تتضمن هذه المعلومات.
[13] قام الشاه احتفالاً بمناسبة مرور خمسة وعشرين قرناً على اقامة الشاهنشاهية
قرب قبر كوروش وغيّر التاريخ الهجري إلى التاريخ الشاهنشاهي، تحركت الاوساط الاكاديمية الايرانية بعد ذلك لبحث تاريخ ايران ما قبل الإسلام.
[14] . الأبيوردي، الشاعر العربي الأموي المولود بأبيورد في خراسان، شاعر عربي فحل، لكن لغته الاصلية فارسية، يقول: كنت ببغداد عشرين سنة حتى امرن طبعي على العربية، وبعد أنا أرتضخ لكنة أعجمية. انظر: شوقي ضيف، تاريخ الادب العربي، ط2 (مصر: دار المعارف، (د.ت.)، القسم 5، ص600.
[15]. ولا يزالون حتى اليوم كذلك، على سبيل المثال دون العلامة الطباطبائي في تفسيره «الميزان» باللغة العربية ودون الإمام الخميني الرسالة الفقهية «تحرير الوسيلة» باللغة العربية.. وأمثالهما كثير.
[16] . نقلها من الفارسية إلى العربية صالح بن عبد الرحمن، وهو ايراني، في زمن الحجاج. انظر أبو الفرج محمد بن اسحق بن النديم، الفهرست في أخبار العلماء المصنفين من القدماء والمحدثين وأسماء كتبهم المقالة السابعة (مقالة الفلاسفة)، ص252 ـ 253.
[17] . انظر الطبري 9/1352 حول شكالية ابي الصيداء إلى عمر بن عبد العزيز حين قدم إليه من خراسان، وتظلم ان عشرين ألفاً من الموالي يغزون مع العرب من دون عطاء ولا رزق، وان مثلهم قد أسلموا من اهل الذمة تؤخذ منهم الجزية، كما استغاث به من جفاء الأمير وعصبيته.
[18] . انظر: مطهري، خدمات متقابل اسلام وايران، ص115.
[19] . انظر مثلاً: المصدر نسه. وفيه يدافع الاستاذ الشهيد مطهري بشدة عن الفتح الاسلامي العربي والحضارة الإسلامية امام شبهات القوميين الايرانيين امثال بورداود وريدون أدميت.
[20] آسيا الوسطى: صراع الأبجديات والمبضع التركي» شؤون تركيا، العدد 8(199)، ص66.
[21] المصدر نفسه، ص68.
[22] انظر: مطهري، المصدر نفسه، ص140 وما بعدها.
[23] انظر: برويز صانعي قانون وشخصيت (طهران: منشورات جامعة طهران)، (د. ت.) ص17، وأدوارد براون، الترجمة الفارسية لـتاريخ أدبيات ايران، ص195.
[24] ظر مطهري: المصدر نسه، فصل «أرام وتدريجي = الانتشار الهاديء المتدرج» ص103 ومابعدها.
[25] الترجمة الفارسية لكتاب أرثر كريستنسن، ايران في عهد الساسانيين، ص528.
[26] الترجمة الفارسية لكتاب ارثر كريستنسن، ايران في عهد الساسانيين، ص528.
[27] انظر: مطهري، المصدر نفسه، ص145 ومابعدها.
[28] انظر جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تاريخ الخلفاء.
[29] مطهري المصدر نفسه، ص134.
[30] المصدر نفسه، ص134.
[31] المصدر نفسه، ص134.
[32] صدام الحضارات» مجلة المنطلق، العدد106 (شتاء 1994)، نقلاً عن: شؤون الأوسط، العدد 34 (تشرين الأول/أكتوبر1994).
[33] عبد المجيد سليم، «بيان للمسلمين» مجلة رسالة الإسلام، العدد 1. والشيخ عبد المجيد سليم هو رئيس لجنة الفتوى بالأزهر ووكيل جماعة التقريب الذي تولى مشيخة الأزهر في مابعد، خلال الأعوام(1950 ـ 1952) ومن أعضاء الجماعة المصريين: الشيخ محمود شلتوت (شيخ الازهر 1958 ـ 1964)، والشيخ محمود أبو زهرة، والشيخ محمد محمد المدني والشيخ عبد العزيز عيسى.
[34] مركز هذا المجمع طهران، ويصدر مجلة فصلية باسم «رسالة التقريب» ويضم في مجلسه الأعلى علماء ومفكرين من المذاهب الإسلامية المختلفة، ويتبنى الدراسات المقارنة وفق المذاهب الستة: الشافعي، والحنبلي، والحنفي والإمامي، والزيدي والأباضي.
[35] السراسنة Les Sarrazins من الكلمة اللاتينية Saracenus (نقلاً عن اليونانية Sarakenos) وتعني في اليونانية ساكني الخيام.
[36] انظر: مكسيم رودنسون، «الصورة الغربية والدراسات الغربية الإسلامية في: تراث الإسلام ج1، الفصل 1، ص27 ومابعدها.
[37] المصدر نفسه، ص54.
[38] ناقش مرتضى العسكري هذه الروايات وبين زيفها وأعتبرها من مختلقات سيف بن عمر، انظر كتاب عبد الله بن سبأ، ج2.
[39] جوزيف سماحة «نهاية التاريخ وردود الفعل» الاجتهاد، السنة 4 العددان 15 ـ 16 (ربيع وصيف 1992) ص303 نقلاً عن: شؤون الأوسط العدد، 34 (تشرين الأوّل/ أكتوبر 1994).
[40] فريد هاليدي «أيديولوجيا أم أيديولوجيات العداء للمسلمين» الحياة 11/5/1994، نقلاً عن: شؤون الأوسط العدد 34 (تشرين الأول/أكتوبر 1994).
[41] انظر: اقتصادنا، المقدمة.
[42] صِدام الحضارات» نشر اولا: في «1993» Foreign Affairs، نقلاً عن: شؤون الاوسط، العدد 34 تشرين الاول اكتوبر 1994.
[43] هاليداري «ايديولوجيات ام ايديولوجيات العداء للمسلمين».
[44] المصدر نفسه.
[45] كتاب اقتناص اللحظة Seize the Moment، نقلاً عن: شؤون الشرق الاوسط، العدد 34 «تشرين الاول / اكتوبر 1994» ص 38.
[46] «صِدام الحضارات» ص 195.
 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية