المنصب الأول: الصدر
أول مانح لهذا المنصب بالنسبة للدولة الصفوية هو الشاه اسماعيل.
وكان منصب الصدر في البداية يمثل دور الفقيه والمرجع الذي يرجع
إليه في الأحكام الشرعية للتعرف على الحكم الشرعي لكل واقعة. ألا
أنه بمرور الزمن اتخذ طابعا إداريا خاصة في مسألة متابعة أمور
الوقف.
وعلى ضوء ذلك وجد نوعان من الصدر، صدر يتولى الأوقاف الملكية، وصدر
يتولى أوقاف العامة، فيسمى الأول صدر الخاصة، والثاني صدر الأوقاف.
ومن وظائف الصدر تعيين الرواتب الشهرية للمتصدين والموظفين والخدم
والطلاب والوعاظ ورجال الدين من جميع الدرجات والمستويات.
وكذلك من وظائف صدر الممالك رئاسة المحاكم المدنية والمحاكم
الشرعية ومساعدة ديوان السيادة، وهو الذي يقوم بتعيين العلماء
والمدرسين وشيوخ الإسلام وأئمة الجماعات والقضاة والمتصدين والحراس
وسائر خدام المزارات والمدارس والمساجد وبقاع الخير ووزراء الأوقاف
والمشرفين وسائر أعمال الأوقاف والمحررين والحفارين.[1]
وكان البلاط يحاول أن يختار لهذا المنصب أفرادا من المقربين له أو
أشخاصا يعمد إلى إيجاد قرابة معهم ولو عن طريق المصاهرة.
ومع ذلك على ما يظهر وإلى حد ما تمكن هذا المنصب منع غير الأكفاء
للوصول إليه في فترة معينة، واقتصر على من كان متفوقا علميا ويمتاز
بدرجة مهمة من التقوى، هذا إلى أيام طهماسب، وبعدها تغيرت الحال
وأصبح هذا المنصب عرضة للنقد من الخاصة والعامة.
المنصب الثاني: شيخ الإسلام
المنصب الآخر الذي منحه السلطان للعلماء هو منصب شيخ الإسلام.
ومن وظائفه القضاء فينظر شيخ الإسلام في الدعاوى المقدمة إليه في
بيته. ويتم بحضوره الطلاق ويقوم بأخذ مال الغائب واليتيم ويسلمه
فيما بعد للقضاة[2].
ومن مهمات شيخ الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتدخل
شيخ الإسلام شخصيا في حل وفصل أغلب الدعاوى والاختلافات، وهو مدرس
العلم والحقوق حيث يدرس جميع القضاة وذوي المناصب التابعين له يومي
الأربعاء والسبت[3].
ولكون شيخ الإسلام ينصب من قبل الصدر أو يكون خاضعا لتدخلاته تحصل
تقاطعات بين المنصبين وأحيانا يكون شيخ الإسلام أعلى مرتبة ودرجة
وكفاءة من الصدر كما في الحالات التي نال فيها منصب شيخ الإسلام
أمثال المحقق الكركي أو الشيخ البهائي أو العلامة المجلسي أو
الكاشاني وغيرهم.
وعندما يلاحظ الشاه ذلك يعمد إلى أن يعطي صلاحيات إلى شيخ الإسلام
تفوق أو تقطع الطريق أمام تدخلات الصدر كما فعل ذلك طهماسب مع
الكركي.
فيقول طهماسب: جرت في هذا الوقت بحوث علمية بين مجتهد الزمان الشيخ
علي بن عبد العالي الكركي ومير غياث الدين منصور الصدر. ورغم أن
الغلبة كانت لمجتهدي الزمان إلا أنهم لم يذعنوا باجتهاده وأصروا
على العناد، ولكن أخذنا جانب الحق وأثبتنا له الاجتهاد[4].
وأضف إلى ذلك نص تنصيبه للكركي لتعرف كيف قطع الطريق أمام تدخلات
الصدر، فيقول: لقد قررنا أن يتخذ السادة العظام والأكابر والأشراف
والأسراء والوزراء وسائر أركان الدولة المعظمون ومن المشار إليه
قدوة وأسوة، فينقادون إليه في جميع الأمور ويطيعونه، وما يأمر به
فهو مأمور به، وما ينهى عنه فهو منهي عنه، وكل من يعزله من متصدي
الأمور الشرعية في الممالك المحروسة والعساكر المنصورة فهو معزول،
وكل من ينصبه فهو منصب ولا يحتاج عزله وتنصيبه للمذكورين إلى أمر
آخر، وكل من يعزله لا ينصب ما دام ذلك الشخص المحترم لم ينصبه (ذي
الحجة 939هـ)[5].
ونلاحظ أن الشاه طهماسب بهذه الصلاحيات التي منحها للمحقق الكركي
قطع الطريق أمام الصدر ولم يترك له شيئا يمكن أن يضغط به، وكذلك
بقية المتصدين. ويبدو أن هذا الموقف من الشاه طهماسب جاء بعد أن
تعرض الشيخ الكركي لضغوط كبيرة من البلاط اضطرته إلى أن يغادر
ايران عدة مرات ويعيده الشاه إليها حتى يقال إن المحقق الكركي
(قدس) قد قضى نحبه مسموما.
أضف إلى ذلك أن المحقق الكركي تحت هذه الظروف يعتبر أول من تعرض
لمسألة ولاية الفقيه وصلاحيات المجتهد زمن الغيبة، حتى جاء أحمد
النراقي ليكمل دوره ويعطيها الصورة كنظرية متكاملة.
ومما يلاحظ أن طرح مسألة ولاية الفقيه من قبل الكركي أثر على ثقافة
البلاط والشاه، حتى إنها انعكست في نصوص التنصيب التي يكتبها الشاه
لشيخ الإسلام. وأوضح نص في ذلك ما قدمه طهماسب إلى المحقق الكركي
لأن المحقق الكركي كما قلنا غادر ايران عدة مرات وكلما يعيده الشاه
يعيده بتنصيب جديد وصلاحيات أكثر كما يظهر من نص التنصيب التالي:
"بسم الله الرحمن الرحيم: لما كانت حقيقة كلام الإمام الصادق (ع)
واضحة حين يقول "انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في
حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فأرضوا به حكما فإني قد جعلته حاكما،
فإذا حكم بحكم فمن لم يقبله منه فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد
وهو راد على الله وهو على حد الشرك". وهذه الحقيقة هي أن مخالفة
حكم المجتهدين الذين هم حفظة شرع سيد المرسلين والشرك في درجة
واحدة، فإن كل من يخالف حكم خاتم المجتهدين ووارث علم سيد المرسلين
ونائب الأئمة المعصومين الذي لا زال كاسمه عليا عاليا ولا يكون
تابعا له فإنه دون شك ملعون مطرود من ساحة هذا الملك ويؤاخذ
بالسياسة العظيمة والتأديب البليغ... وكتب طهماسب بن الشاه اسماعيل
الصفوي الموسوي"[6].
فمن يدقق في هذا النص يفهم مقدار الثقافة العالية التي تمكن المحقق
الكركي من إيصالها بخصوص ولاية الفقيه للملوك فضلا عن باقي
المجتمع.
فإن استدلال السلطان على موقع العلماء بمقبولة عمر بن حنظلة والتي
هي العمدة في الاستدلال على ولاية الفقيه التي يستدل بها الفقهاء
إلى اليوم هو تعبير واضح على مدى تمكن هذه المسألة على جو البلاط
والجو العام، وعندها لا نعجب أن تكون في أيام الدولة القاجارية
التي هي امتداد للدولة الصفوية، موضع نقاش وحوار داخل قصر الملك.
ففي أيام الشهيد الثالث المولى محمد تقي البرغاني، فقد طرح مسالة
ولاية الفقيه بشكل علني، مما دعا الشاه القاجاري أن يستدعي كبار
العلماء إلى قصر گلستان واجتمع بهم، وكان بينهم الشهيد الثالث،
فطرح ولاية الفقيه في عصر الغيبة الكبرى، وايده في ذلك بعض
العلماء، ولكن الشيخ الملا محمد علي المازندراني المعروف بجنگي وهو
من المقربين إلى البلاط انتدب للدفاع عن البلاط والدور القيادي
لفتح علي شاه، واستاء الشاه أيما استياء من الشهيد وأمر بنفيه
وأخويه الشيخ محمد صالح والملا علي البرغاني إلى العراق[7].
فهذا هو الجو السائد في عصري الدولتين الصفوية والقاجارية.
فمسألة ولاية الفقيه طفحت إلى السطح وأصبحت هناك حاجة ماسة لمن
يتصدى لتوضيحها ودراستها دراسة منهجية موضوعية، فشمر لهذا الأمر
الشيخ احمد النراقي ذراع الجد وأبرزها في كتابه العوائد (العائدة
54)، بشكل نظرية متكاملة.
____________________
[1] دائرة المعارف الإسلامية الشيعية لحسن الأمين، ج8، ص28، عن
تذكرة الملوك، ص2.
[2] تذكرة الملوك، ص3.
[3] كتاب سفرنامه لسانسون، ص22.
[4] دائرة المعارف الإسلامية الشيعية لحسن الأمين، ج4، ص30.
[5] رياض العلماء، ج3، ص456، روضات الجنات، ج4، ص464.
[6] روضات الجنات، ج4، ص362.
[7] آراء في المرجعية الشيعية، ص 566، عن قصص العلماء الميرزا محمد
التنكابني، ص19.