ذكر المحقق احمد النراقي في مقدمة مبحثه لولاية الفقيه في كتابه
العوائد (العائدة 54) جملة من الأسباب التي دفعته لهذا البحث،
فقال:
"إني رأيت المصنفين يحيلون كثيرا من الأمور إلى الحاكم في زمن
الغيبة ويولونه فيها ولا يذكرون عليه دليلا، ورأيت بعضهم يذكرون
أدلة غير تامة ـ ومع ذلك كان ذلك أمرا مهما غير منضبط في مورد خاص.
وكذا نرى كثيرا من غير المحتاطين من أفاضل العصر وطلاب الزمان إذا
وجدوا في أنفسهم قوة الترجيح والاقتدار على التفريع يجلسون مجلس
الحكومة ويتولون أمور الرعية فيفتون لهم في مسائل الحلال والحرام
ويحكمون بأحكام لم يثبت لهم وجوب القبول عنهم كثبوت الهلال ونحوه،
ويجلسون مجلس القضاء والمرافعات ويجرون الحدود والتعزيرات ويتصرفون
في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء والغياب ويتولون أنكحتم
ويعزلون الأوصياء وينصبون القوام ويقسمون الأخماس ويتصرفون في
المال المجهول مالكه ويؤجرون الأوقاف العامة إلى غير ذلك من لوازم
الرئاسة الكبرى.
ونراهم ليس لديهم في ما يفعلون دليل ولم يهتدوا في أعمالهم إلى
سبيل بل اكتفوا بما رأوا وسمعوا من العلماء الأطياب فيفعلون تقليدا
بلا اطلاع لهم على محط فتاويهم فيهلكون ويهلكون أذن الله لهم أم
على الله يفترون"[1].
فالأسباب التي ذكرها هنا هي:
أولا ـ هناك أمور يعتبرها المصنفون من وظائف الحاكم من غير أن
يذكروا دليلا على ذلك.
ثانيا ـ ذكر أدلة ناقصة تحتاج إلى تكملة.
ثالثا ـ مع أن هذا الأمر مهم لأنه يتعلق بالأموال والأعراض والدماء
وباقي الحقوق، لم نجد المصنفين ضبطوا هذا الأمر في مورد خاص وباب
واضح.
رابعا ـ تصدى لهذا الأمر (وظائف الحاكم) من هم ليسوا أهلا له
ويتصرفون تصرفات ليست من صلاحياتهم كالافتاء والحكم والقضاء
والتولي وإجراء الحدود والقصاص وغيرها، وكما هو واضح فهي من وظائف
الإمام أو الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة بينما تصدى لها
بعنوان شيخ الإسلام والصدر بأمر من السلطان في كثير من الأحيان من
هم ليسوا أهلا لها، إما لأنهم غير مجتهدين أو غير كفوئين ولا
متقين، فأراد أن يبين من هو المأذون للتصدي لمثل هذه المسائل، وهذا
يكشف أيضا عن صراع سياسي بين المجتهدين من جهة وبين كادر السلطة في
ذلك الزمان من جهة أخرى، وعندها أراد المحقق النراقي أن يعلي بعمله
هذا كعب العلماء الربانيين على غيرهم ممن تسنم هذا المنصب من هو
أهلا له بل أعلى شأنا أمثال المحقق الكركي والمجلسي والبهائي
وغيرهم، لكن في نفس الوقت هناك من تصدى لهذا المنصب من هو دون ذلك
بكثير وخاصة زمن الدولة القاجارية بعد أن أصبح التعيين لهذه
المناصب من قبل السلطان مباشرة ولعله بدون استشارة العلماء
الربانيين وإنما يعتمد في ذلك على بطانته، بينما كان للعلماء زمن
الدولة الصفوية دورا أكثر فاعلية في التعيين لهذه المناصب وخاصة
للمدن غير العاصمة؛ فإنهم كانوا يعينون الأشخاص المناسبين لهذه
المناصب بصورة مباشرة ومن غير تدخل السلطان وخاصة في الأيام الأولى
للدولة الصفوية.
ولعل هذا التغير دفع العلامة أحمد النراقي لأن ينظر لولاية الفقيه
ليوضح الدور المناسب الذي يجب أن يؤديه الفقيه والصلاحية التي
يتمتع بها وما هو مصدرها ليضع حدا لتجاوزات السلاطين وحكامهم.
وليبين للأمة من هو القائد الحقيقي الذي يجب عليها أن تطيعه وتأخذ
بأوامره.
ويمكن تلخيص هذه الدوافع إلى نقطتين:
الأولى: الدوافع السياسية.
والثانية: الدوافع العلمية.
باعتبار أن هذا الموضوع لم يأخذ حقه المناسب من البحث والدراسة لدى
العلماء السابقين قدس الله أرواحهم، مع العلم أن المحقق الكركي في
جامع المقاصد تعرض لهذا المطلب لكن ليس بالمستوى والشكل الذي تعرض
له المحقق النراقي. وأما الجانب السياسي فبعد أن تأرجح موقف
السلاطين القاجاريين بين من يدعي ويقول إن سلطتنا هي نيابة
المجتهدين لزماننا حيث وفقنا بسعادة خدمة الأئمة الهادين
المهتدين[2] وبين من ينتدب بعض المنسوبين على العلماء للدفاع عن
السلطان مقابل من يؤمن بالولاية للفقيه، كما حدث ذلك في قصر گلستان
بين المولى محمد تقي البرغاني الملقب بالشهيد الثالث والملا محمد
علي المازندراني المعروف بجنگي وهو من المقربين للبلاط والذي دافع
عن الدور القيادي لفتح علي، فاستاء الشاه من البرغاني لأنه يؤمن
بولاية الفقيه ولا يؤمن بولاية السلطان مما أدى إلى إبعاده وأخويه
إلى العراق[3]. وأصبح الصراع واضحا بين العلماء والشاه؛ فالشاه لا
يريد أن ينافسه العلماء في دوره القيادي وإن أبدى لهم الاحترام
الظاهري وادعى نيابته عنهم ليتستر على الحقيقة.
__________________________________
[1] العوائد، ص530.
[2] الدين والدولة، ص113.
[3] قصص العلماء، للميرزا محمد التنكابني.