مركز الصدرين للدراسات السياسية || الدراسات السياسية

ولاية الفقيه بين الإطلاق والتقييد
عباس نيكزاد

دراسة في ولاية الفقيه المطلقة
البحث في صلاحيات ولاية الفقيه وحدودها ودائرتها من الدراسات الهامة بعد التسليم بأصل ولاية الفقيه والايمان بها أساسا، ولكن السؤال هنا إلى أي مدى تتسع هذه الولاية؟
ومن هنا يعد البحث في هذه المسألة ضرورة ملحة، نظرا للجدل القائم حولها واختلاف وجهات النظر لدى الفقهاء. يرى فريق من الفقهاء أن ولاية الفقيه وصلاحياته إنما تنحصر في دائرتي الافتاء والقضاء، وهي صلاحية تمنح للفقيه الحائز على الشرائط، إذ يقوم، ومن خلال مراجعة الأصول وممارسة عملية الاستنباط بإصدار فتوى تكون ملزمة للناس شرعا. وبالرغم من هذه الصلاحية في القضاء والفصل في الدعاوى، انطلاقا من الموازين الشرعية واعتبار أحكامه ملزمة شرعا، إلا أن هذا الفريق يمنع الفقيه من تجاوز هذه الدائرة إلى دائرة الاجراء والتنفيذ، فلا يجوز له التوسل بالقوة في تنفيذ أحكامه الصادرة، بل انهم يلزمون فقط طرفي النزاع بالانقياد إلى حكم القاضي. فحق الفقيه في القضاء والزامية أحكامه يمكن فهمها من مشهورة أبي خديجة ومقبولة عمر بن حنظلة. على أن فريقا آخر من الفقهاء يتوسع في دائرة الولاية لتتعدى الافتاء والقضاء إلى تنفيذ الأحكام القضائية، وقاعدته أن الأدلة التي تؤكد حق الفقيه في الولاية على القضاء تنهض نفسها لتؤكد له أيضاً ولاية الاجراء والتنفيذ. فللفقيه المبسوط اليد الذي لا يتهدده خطر ولا ضرر، والذي بيده قوة تنفيذية الحق في إجراء الأحكام وتطبيق الحدود الإلهية، وهكذا فإن الدائرة ستتمدد ليكون للفقيه ولاية وحق في معاقبة من يرتكب معصية ما تعاقب عليها الشريعة. فهناك حدود وأحكام بحق السارق والزاني، إذ تقطع يد السارق ويجلد الزاني إذا كان غير محصن أو يرجم إذا كان محصنا.
من هنا، فإن للفقيه في هذه الحالة، وانطلاقا من ولايته الشرعية الحق في تنفيذ أحكام الشريعة.
أما إذا ارتكب أحدهم ذنبا ما، ليس للشريعة فيه حكم واضح، فمن حق الفقيه هنا تعزيره بما يراه مناسبا.
يقول الشيخ المفيد: «فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم أئمة الهدى من آل محمد (ص) ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام قد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الامكان».
وهناك فريق آخر من الفقهاء يرى إضافة إلى تأييده لولاية الفقيه في الأمور الحسبية أن للفقيه، أيضا، ولاية تتعدى شؤون القضاء إلى أمور لا ينبغي إهمالها، كما هو الحال في التصرف بأموال اليتامى والمجانين والسفهاء ممن لا ولي شرعي لهم. فالفقهاء غالبا يرون للفقيه ولاية في شؤون القضاء والافتاء والاجراء داخل دائرة الأمور الحسبية، ولا يوجد اختلاف جوهري بينهم في هذا المضمار، مع التأكيد على الشرط الأساسي في ذلك، وهو أن يكون الفقيه مبسوط اليد، وأن تنتفي الأخطار التي قد تهدده أو تحول دون قيامه بهذه المهام.
ثم يأتي فريق آخر من الفقهاء ينهض بالدائرة إلى مجال أرحب، إذ يعتقد بإمكانية الفقيه في تشكيل حكومة تكفل للناس إدارة حياتهم اليومية والمعيشية، وإرساء قواعد نظام اداري وسياسي، فيكون بذلك قياديا وسياسيا له اليد الطولى في إدارة المجتمع والتصرف بالأموال والأنفس وبناء مؤسسات الدولة وفقا للموازين الإسلامية. فيكون من حقه مثلا تعيين محافظ في الأقاليم أو عزلهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بل والتصرف في الأموال العامة وتحديد الضرائب المالية، كما يكون من حقه أيضا، وفي بعض الظروف، ومن أجل تعزيز إدارة البلاد وأمنها، تشريع قوانين مناسبة وإصدار الأوامر الخاصة، وبكلمة واحدة، يكون من حقه جميع الصلاحيات التي تكون ضرورية في إرساء قواعد حكم صالح.
وهنا يتبلور المعنى العام لهذه الولاية، فتكون مطلقة كما هو الحال في موقف الإمام الخميني رضي الله عنه. فهل يكون الفقيه العادل نائبا عن النبي (ص) والأئمة المعصومين أم لا؟ وإذا كان «الفقهاء العدول» نوابا، فإلى أي مدى تمتد هذه المساحة؟ نيابة في جميع الشؤون أم في قسم منها؟
فالنبي (ص) كما نعرف يتمتع بثلاثة امتيازات: فهو رسول، نبي، مبلّغ لأحكام الله، وله المرجعية الدينية العليا، كما أنه كان قاضيا بين الناس يفصل في منازعاتهم وخصوماتهم، وأما شأنه الثالث، فيتجلى بوصفه رئيسا وقائدا وسياسيا. فالذين يعتقدون بولاية الفقيه المطلقة يجعلون للفقيه نيابة كاملة عن النبي (ص)، فهو المرجع الديني للناس، له حق الافتاء وله شأن القضاء، كما ويتحمل مسؤوليته السياسية أيضا.
يقول الإمام الخميني: «إن لرسول الله (ص) في الأمة شؤونا: أحدها: النبوة والرسالة، أي تبليغ الأحكام الإلهية والتكليفية حتى أرش الخدش.
وثانيها: مقام السلطنة والرياسة والسياسة لأنه (ص) سلطان من قبل الله تعالى، والأمة رعيته، وهو سائس البلاد ورئيس العباد، وهذا المقام غير مقام الرسالة والتبليغ، فإنه، وبما أنه، مبلّغ ورسول من الله ليس له أمر ولا نهي، ولو أمر أو نهى في أحكام الله تعالى لا يكون إلا ارشادا إلى أمر الله ونهيه، ولو خالف المكلف لم تكن مخالفته مخالفة رسول الله، بل مخالفة الله تعالى لأن رسول الله (ص) ليس بالنسبة إلى أوامر الله ونواهيه ذا أمر ونهي، بل هو مبلّغ ورسول ومخبر عنه تعالى. وأما إذا أمر رسول الله أو نهى بما أنه سلطان وسايس تجب اطاعة أمره بما أنه أمره، فلو أمر سرية أن يذهبوا إلى قطر من الأقطار تجب طاعته عليهم بما أنه سلطان وحاكم، فإن أوامره من هذه الجهة كأوامر الله واجبة الاطاعة، وليس مثل هذه الأوامر الصادرة عنه أو عن الأئمة ارشادا إلى حكم الله بل أوامر مستقلة منهم تجب طاعتها. وقوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:59]، ناظر إلى تلك الأوامر والنواهي الصادرة عن الرسول وأولي الأمر، بما أنهم سلطان وولي على الناس، وبما أنهم سائس العباد، قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا}[الاحزاب:36].
وثالث المقامات مقام القضاء والحكومة الشرعية، وذلك عند تنازع الناس في حق أو مال، فإذا رفع الأمر إليه وقضى بميزان القضاء يكون حكمه نافذا لا يجوز التخلف عنه، لا بما أنه رئيس وسلطان، بل بما أنه قاض وحاكم شرعي، وقد يجعل السلطان الامارة لشخص فينصبه لها والقضاء لآخر، فيجب على الناس إطاعة الأمير في امارته لا في قضائه، وإطاعة القاضي في قضائه لا في أوامره، وقد يجعل كلا المقامين لشخص أو لأشخاص. وبالجملة، إن لرسول الله مضافا إلى المقامين الأولين مقام فصل الخصومة والقضاء بين الناس، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلّموا تسليما} [النساء:65].
فولاية الفقيه المطلقة هي نفسها ولاية النبي (ص)، وتتألف من جميع صلاحيات النبي المفوضة إليه من قبل الله، سبحانه، من أجل تسيير شؤون المجتمع الإسلامي والزعامة والقيادة السياسية. فللفقيه، في زمن الغيبة، تلك الصلاحيات نفسها، فكما أن للنبي الحق في التدخل في جميع شؤون الأمة اجتماعيا، وعلى أساس المصلحة يكون للفقيه ذلك الحق نفسه.
شبهات وردود
أثيرت حول هذا الموضوع بعض الشبهات، وهي كما يأتي:
الأولى: كيف تكون للفقيه ولاية مطلقة، ومثل هذه الولاية تعني الغاءً كاملا لأي نقاش، وتكون لازمة التنفيذ في كل وقت ودونما تردد؟! وفي الرد على هذه الشبهة ينبغي القول: إن مفهوم الولاية المطلقة لا يعني الاستبداد المطلق دون قيد أو شرط، فمن المؤكد أن الشريعة في جوهرها وروحها ونصوصها ترفض هكذا ولاية حتى للنبي (ص) والأئمة (ع)، فولاية النبي وولاية الأئمة تنضوي في اطار القانون والأحكام الإلهية ومصالح العباد، وإن الخروج عن هذا الاطار مستحيل حتى بالنسبة للنبي (ص).
هذه نصوص قرآنية تخاطب النبي (ص) نفسه، كقوله تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين} [الحاقة:44 46]. وقوله عز وجل: {عفا الله عنك لما أذنت لهم} [التوبة:43]. وقوله عز وجل: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة:42]. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة:44]. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة:45]. {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة:47].
ويقول الإمام الخميني في هذا المضمار: «فالإسلام أسس حكومة لا على نهج الاستبداد المحكم فيه رأي الفرد وميوله النفسانية على المجتمع، ولا على نهج المشروطة أو الجمهورية المؤسسة على القوانين البشرية التي تفرض تحكيم آراء جماعة من البشر على المجتمع، بل حكومة تستوفي وتستمد في جميع مجالاتها من القانون الإلهي، وليس لأحد من الولاة الاستبداد برأيه، بل جميع ما يجري في الحكومة، بشؤونها ولوازمها، لابد من أن يكون على طبق القانون الإلهي حتى الاطاعة لولاة الأمر».
ومن الجدير ذكره أنه، ومن وجهة نظر امامية، حتى ولاية الله وقدرته تقيد بصفات أخرى هي الحكمة والرحمة والعدالة، وبعبارة أخرى: انه بالرغم من انتفاء أية حدود في قدرة الله وولايته فإن صفات أخرى، كالحكمة والرحمة والعدالة، تكون بمثابة دائرة تحد من تلك الولاية والقدرة. فرق آخر بين ولاية الفقيه والحكم الدكتاتوري يتبلور في مقومات الحاكم، فالولي الفقيه تحدده صفات ومقومات دقيقة في أبعاد شخصيته العلمية والشرعية والروحية ينتفي وجودها في شخص الدكتاتور. وفي هذه الفاصلة بين شخص الولي الفقيه والدكتاتور يكمن فرق هائل سوف يتجلى واضحا في الممارسة والآلية.
الثانية: كيف يمكن قبول فكرة أن للولي الفقيه كل ما للنبي والإمام المعصوم من صلاحيات، علما بأنه (الولي الفقيه) لن يصل إلى مرتبة النبي أو الإمام؟!
وفي معرض الجواب: يجب التأكيد على أن ما سبق ذكره لا يعني أن الفقيه يتمتع بكل مقومات النبي والإمام، كما أنه لا يعني أن للفقيه ولاية تكوينية، ذلك أن تلك المقومات التي يتحلى بها النبي والإمام إنما هي درجات حقيقية غير قابلة للانتقال إلى شخص آخر.
إن ما نعنيه هو أن للفقيه ولاية اعتبارية، فكما أن الله، سبحانه، جعل النبي والإمام حاكمين على الأمة، كذلك الفقيه مفوض من قبل النبي والإمام، وله الحق في تشكيل حكومة إسلامية تدير شؤون الناس اجتماعيا وسياسيا بالطريقة التي تمليها عليها مصالح الأمة، فتصح له عندئذ ولاية وفق ذلك في التصرف بالأموال والأنفس. يقول الإمام الخميني: «فيكون لهم في الجهات المربوطة بالحكومة كل ما كان لرسول الله والأئمة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين، ولا يلزم من ذلك أن تكون رتبتهم رتبة الأنبياء والأئمة، فإن الفضائل المعنوية أمر لا يشاركهم (ع) فيه غيرهم، فالخلافة لها معنيان واصطلاحان: أحدهما الخلافة الإلهية والتكوينية، وهي مختصة بالخلص من أوليائه، كالأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين (ع)، وثانيهما المعنى الاعتباري الجعلي، كجعل رسول الله أمير المؤمنين (ع) خليفة للمسلمين أو انتخاب فلان وفلان للخلافة».
الثالثة: كيف يكون لشخص، فقيها كان أم غير فقيه، ولاية على أرواح الناس وأموالهم ويكون له حق التدخل؟ أليس في مثل هذه الولاية شكل من أشكال العبودية، حيث يكون للمولى حق التصرف في عبده المسكين فلا يكون للأخير أي شأن أو كيان مستقل؟!
والجواب عن هذه الشبهة أن الولاية على الأموال والأنفس تكون في اطار ولاية النبي والإمام، ولا علاقة لها بنظام العبودية.. في مثل هذا النظام يكون لصاحب العبد حق في التصرف بعبده كيف يشاء، فكل ما يملكه العبد تعود ملكيته لسيده، وهو مباح له. ولكن ولاية الفقيه، كما هي ولاية النبي والإمام، إنما تنحصر في اطار من الضوابط والموازين والقوانين الإلهية والمصالح الاجتماعية، كما أن شرط العدالة والتقوى الدينية من أهم السمات التي يجب توافرها في شخص الولي الفقيه، وسيكون ارتكاب الأخير للظلم والمعصية ايذانا بنهاية ولايته وبطلانها، ومن ثم عزله عنها. فالمقصود من التصرف في الأموال والأنفس إنما يكمن في اطار آليات الحكم والإدارة فقط، أفلا يعني سن الضرائب أو تشريع القوانين واللوائح في ما يخص نظام المرور مثلا، أو تعيين نوع الغرامات المالية كعقوبات عند الخروج على بعض القوانين، أو اصدار أوامر بحبس بعض الأفراد الذين ينتهكون القانون، أو تحديد المدة القانونية للخدمة العسكرية الالزامية، أو تخريب بعض المنازل التي تقع في طريق شارع توجب المصلحة العامة للمجتمع تعبيده، أو سن بعض اللوائح القانونية في المجالس النيابية، شيئا غير التصرف في الأموال والأنفس؟
أدلة ولاية الفقيه المطلقة
يمكن لأدلة ولاية الفقيه، بوصفها أصلا، كأصل أن تنهض لتثبت الولاية المطلقة، وهي مجموع الأدلة العقلية والنقلية. فاستنادا إلى الأدلة النقلية يتضح أن لولاية الفقيه شكلا من الاطلاق والتعميم وعدم الآنحصار في دائرة خاصة، كما هو الحال في مقبولة عمر بن حنظلة التي تقول بعد الاستشهاد بالآية الكريمة التي تنفي ولاية الطاغوت: «فإني قد جعلته حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا ردّ، والراد علينا كالراد على الله، وهو على حد الشرك بالله». أو الرواية المرسلة عن الفقيه في قول رسول الله (ص): «اللهم ارحم خلفائي. قيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال:...». أو رواية أبي البطائني عن الإمام الكاظم: «إن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها». أو رواية السكوني في الموثقة عن الإمام الصادق (ع): «قال رسول الله: الفقهاء أمناء الرسل...». أو رواية اسحاق بن يعقوب عن صاحب الزمان: «أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله...». أو صحيحة قداح عن الإمام الصادق (ع): «إن العلماء ورثة الأنبياء...». أو رواية تحف العقول عن أمير المؤمنين (ع): «مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بأنهم الأمناء على حلاله وحرامه...».
أما الأدلة العقلية التي تنهض على ضرورة الولاية والحكومة، فإنها هي الأخرى تفيد الاطلاق والعموم. وأنموذجا يمكن الاشارة إلى الرواية الواردة في «علل الشرائع» عن الإمام الرضا (ع) في ضرورة الحكومة ونصب أولي الأمر.
1ــ اجراء الأحكام والحدود الإسلامية وتنفيذها، ومنع تجاوزات الأفراد في الحدود والحقوق التي حددها الإسلام.
2ــ ارساء قواعد لتنظيم الحياة الاجتماعية، وارساء دعائم العدالة واستتباب الأمن، ومنع كل أشكال الظلم ومكافحة الفقر.
3ــ الدفاع عن الدين وأحكامه، ومواجهة الشبهات والبدع، والحؤول دون اندراسه. ومن المؤكد أن القيام بهذه المهام يتطلب ولاية مطلقة بمعناها السالف الذكر.
وعلاوة على هذا، فإن أحد أهم الأدلة على أصل الولاية والحكومة هو ضرورتها العقلية. (ومن هنا يعد تشكيل الحكومة ووجود الحاكم ظاهرة اجتماعية يؤكد ضرورتها العقلاء).
وعلى هذا، فإن الإسلام أيضاً يعتقد بضرورتها ويقرها رسميا ويؤيدها. ومادام العقل يؤيد الولاية المطلقة، فإن الإسلام يقر ذلك ويعترف به، بل يمكن القول: إن الحكومة لا تنهض من دون صلاحيات واسعة، بل لا يمكن اعتبارها حكومة. فهل يقر العقلاء تشكيل حكومة لا يمكنها التصرف في الشؤون المالية ووضع الضرائب وسن القوانين وتعبئة الجيوش في حالات الحرب؟! وهل كانت صلاحيات النبي (ص) في سياسته وإدارة الشؤون الاجتماعية تنطلق من نبوته أو من زعامته الاجتماعية والسياسية؟
إن من المؤكد أن قيادته كانت تفترض هذه الصلاحيات، وإلا كان للأنبياء جميعا مثل هذه الصلاحيات التي لا يحق لغيرهم التمتع بها.
آراء فقهية حول الولاية المطلقة
وهذه طائفة من آراء أبرز الفقهاء حول اطلاق ولاية الفقيه:
يقول الإمام الخميني رضي الله عنه: «للفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة (ع) مما يرجع إلى الحكومة والسياسة ولا يعقل الفرق، لأن الوالي أي شخص كان هو مجري أحكام الشريعة والمقيم للحدود الإلهية، والأخذ للخراج وسائر الماليات والمتصرف فيها بما هي صلاح المسلمين، فالنبي (ص) يضرب الزاني مئة جلدة، والإمام (ع) كذلك، والفقيه كذلك، ويأخذون الصدقات بمنوال واحد، ومع اقتضاء المصالح يأمرون الناس بالأوامر التي للوالي، ويجب اطاعتهم».
وكذلك قوله: «للوالي أن يعمل في الموضوعات على طبق الصلاح للمسلمين أو لأهل حوزته، وليس ذلك استبدادا بالرأي بل هو على طبق الصلاح فرأيه تبع للصلاح كعمله». ثم يقول رضي الله عنه بعد دراسته الروايات الواردة في باب ولاية الفقيه: «فتحصل مما مر ثبوت الولاية للفقهاء من قبل المعصومين (ع) في جميع ما ثبت لهم الولاية فيه من جهة كونهم سلطانا على الأمة، ولابد في الاخراج عن هذه الكمية في مورد دلالة دليل دال على اختصاصه بالإمام (ع)..».
ومن بين الفقهاء المعاصرين يمكن الاشارة إلى صاحب «الجواهر» الذي يعد من المؤيدين بحماسة لولاية الفقيه المطلقة، يقول في كتاب الخمس حول مساحة ولاية الفقيه: «لكن ظاهر الأصحاب عملا وفتوى في سائر الأبواب عمومها، بل لعله من المسلمات أو الضروريات عندهم».
ويقول في كتاب الصوم حول ثبوت رؤية الهلال عن طريق حاكم الشرع وحرمة نقض حكمه: «.. كما أن الظاهر ثبوته بحكم الحاكم المستند إلى علمه لاطلاق ما دل على نفوذه، وأن الراد عليه كالراد عليهم من غير فرق بين موضوعات المخاصمات وغيرها، كالعدالة والفسق والاجتهاد والنسب نحوها».
وفي معرض تفنيده للآراء المخالفة يقول: «إذ هو كما ترى مناف لاطلاق الأدلة وتشكيك في ما يمكن تحصيل الاجماع عليه، خصوصا في أمثال هذه الموضوعات العامة التي هي من المعلوم الرجوع فيها إلى الحكام، كما لا يخفى على من له خبرة بالشرع وسياسته وبكلمات الأصحاب في المقامات المختلفة، فما صدر من بعض متأخري المتأخرين من الوسوسة في ذلك، فلا ينبغي الالتفات إليه».
ويقول في بحث الزكاة مؤكدا وجوب صرفها للإمام في حال طلبه: «لاطلاق أدلة حكومته (الفقيه)، خصوصا رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر (ع) يصيره من أولي الأمر الذين أوجب الله علينا طاعتهم. نعم، من المعلوم اختصاصه في كل ما له في الشرع مدخلية حكما أو موضوعا، ودعوى اختصاص ولايته بالأحكام الشرعية يرفعها معلومية توليه كثيرا من الأمور التي لا ترجع للأحكام، ويمكن تحصيل الاجماع عليه من الفقهاء، فإنهم لا يزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة لا دليل عليها سوى الاطلاق الذي ذكرناه، المؤيد بمسيس الحاجة إلى ذلك أشد من مسيسها في الأحكام الشرعية».
ويقول في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في معرض بحثه إقامة الفقيه الحدود، وبعد استعراضه الروايات الخاصة بولاية الفقيه ودلالاتها الأخلاقية: «فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئا، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمرا، ولا تأمل المراد من قولهم: إني جعلته حاكما وقاضيا وحجة وخليفة، ونحو ذلك مما يظهر منه ارادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة اليهم، ولذا جزم في ما سمعته من المراسم بتفويضهم (ع) لهم في ذلك... وبالجملة، من الواضحات التي لا تحتاج إلى أدلة».
ومن المدهش أن صاحب الجواهر رحمه الله يرى في الولاية العامة والمطلقة اجماعا، ومن المسلمات والضرورات فقهيا ولا يعوزها في ذلك الدليل. يقول النراقي في كتابه «عوائد الايام »: «إن كلية ما للفقيه العادل توليه وله الولاية فيه أمران:
أحدهما: كل ما كان للنبي والإمام الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام فيه الولاية، وكان لهم، فللفقيه أيضاً ذلك إلا ما أخرجه الدليل من اجماع أو نص أو غيرهما.
وثانيهما: إن كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم، ولابد من الاتيان به، ولا مفر منه إما عقلا أو عادة من جهة توقف أمور المعاد والمعاش لواحد أو جماعة عليه واناطة انتظام أمور الدين أو الدنيا به، أو شرعا من جهة ورود أمر به أو اجماع أو نفي ضرر أو اضرار أو عسر أو حرج أو فساد على مسلم أو دليل آخر، أو ورد الاذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفة لمعين واحد أو جماعة ولا لغير معين، أي واحد لا بعينه، بل علم لابدية الاتيان به، أو للاذن فيه، ولو لم يعلم المأمور به ولا المأذون فيه فهو وظيفة الفقيه وله التصرف فيه والاتيان به.
أما الأول، فالدليل عليه بعد ظاهر الاجماع، حيث نص به كثير من الأصحاب، بحيث يظهر منهم كونه من المسلمات، ما صرحت به الأخبار المتقدمة من كونه وارث الأنبياء أو أمين الرسل وخليفة الرسول وحصن الإسلام ومثل الأنبياء وبمنزلتهم والحاكم والقاضي والحجة من قبلهم، وانه المرجع في جميع الحوادث، وان على يده مجاري الأمور والأحكام... وأما الثاني فيدل عليه، بعد الاجماع أيضا، أمران أحدهما...».
أما المرحوم الطباطبائي فيقول في هذا المضمار: «كما أن للفرد في المجتمع الإسلامي حقا اكتسبه من القانون الديني يخوله التصرف في حياته الشخصية (وفي ظل التقوى ورعاية القانون)، حيث يمكنه تنمية أمواله بما يوافق مصالحه والتنعم بالحياة بارتداء الأفضل من الثياب وتناول الأطيب من الطعام وتأثيث منزله بما يحب، وربما غض النظر عن بعض حقوقه الحقة، وربما هب لمواجهة عدوان ما دفاعا عن حياته، وقد يقرر وحفاظا على مصالحه السكوت وعدم الدفاع عن بعض حقوقه، وكما يحق له العمل ليل نهار سعيا وراء الكسب، وقد يقرر الانصراف عن العمل كلية في بعض الأحيان لظرف ما والاشتغال بأمر آخر... كذلك «ولي أمر المسلمين» فإنه من وجهة نظر إسلامية يمثل، وانطلاقا من ولايته وحكومته، المركز الفكري للمجتمع الإسلامي الذي يجسد مشاعره وارادته.
فما يقوم به الفرد من مواقف في حياته الاجتماعية، يكون لها انعكاس على حياته الشخصية، فإن الولي يتصرف، وفي ظل التقوى واحترام الثوابت الدينية في الحياة الاجتماعية العامة بما يراه مناسبا.. فهو يأمر بتعبيد الطرق واستحداث المعابر وانشاء الأسواق وايجاد قوانين وضوابط لتنظيم علاقات الأفراد بعضهم ببعضهم الآخر... إنه يستطيع أن يعلن حالة النفير والدفاع ويجهز الفرق العسكرية ويعبئ الجيوش، وكذا يمكنه توقيع وامضاء معاهدة سلام ويتصرف بما يراه مناسبا. يمكنه اتخاذ قرارات مناسبة لتنمية الثقافة الدينية أو تنمية الحالة الاقتصادية للمجتمع، وتعطيل بعض حقول العلم، والتأكيد على حقول أخرى ونشرها بين الناس.
وبكلمة واحدة، ان اتخاذ الاجراءات التي تهم تقدم المجتمع وتنسجم مع مصلحة الإسلام ومنافع المسلمين هو من صلاحيات الولي، ولا توجد موانع تحول دون سن القوانين في ذلك وتنفيذها.
وبطبيعة الحال، فإن هكذا اجراءات في الإسلام، إذا كانت ملزمة التنفيذ ويكون «ولي الامر» مكلفا بتطبيقها، فإنها ستكون ملزمة، إلا أنها، وفي الوقت نفسه، لا تشكل جزءا من الشريعة ولا تعد حكما إلهيا... ولكن المصلحة هي التي أوجبت ذلك، وستزول بمجرد زوال المصلحة، وفي هذه الحالة سيعلن ولي الأمر الجديد على الأمة ويبلغها نسخ الحكم السابق.
أما الأحكام الإلهية في النصوص الشرعية فإنها تتصف بالثبات الأبدي، ولا يحق لولي الأمر تغييرها وفقا لمصلحة ما، أو يكون له الحق في الغائها في ضوء ذلك».
والجدير ذكره أن بعض الفقهاء المعاصرين بدأ يطرح مسألة اشراف الفقيه بدلا من تدخله في الأمور، وهم بذلك يعارضون اطلاق الولاية، ومع ذلك فإنهم عندما يتحدثون عن مساحة الولاية فإنهم يجعلون من صلاحياته حقا في تعيين رؤساء السلطات الثلاث، بل ويمكنه، حسب رأيهم، تعيين النواب مباشرة.
وخلاصة القول، إن جميع المسؤوليات بعهدة ولي الأمر والإمام، وإن جميع مسؤولي النظام الإسلامي ينصبون من قبله مباشرة أو غير مباشرة.
يقول آية الله المنتظري: «إن المسؤول في الحكومة الإسلامية هو الإمام، والسلطات الثلاث أياديه وأعضاده. اعلم أن المستفاد من الآيات والروايات التي مرت في بيان تكاليف الحاكم، وكذلك من سيرة النبي (ص) وأمير المؤمنين (ع) هو أن الإمام والحاكم في الحكومة الإسلامية يكون هو المكلف والمسؤول لحفظ كيان المسلمين وتدبير أمورهم واصلاح شؤونهم على أساس ضوابط الإسلام ومقرراته. فهو المكلف باصلاح الملك، والمسؤول عن فساده، ولكنه إذا اتسعت حيطة ملكه والاحتياجات والتكاليف المتوجهة إليه احتاج قهرا إلى تكثير المشاورين والأيادي والعمال في شتى الدوائر المختلفة، ولا محالة يفوض كل أمر إلى فرد متخصص أو دائرة تناسبه، ومن هنا تنشأ السلطات الثلاث. فليس وزان الحاكم الإسلامي وزان الملك في الحكومة المشروطة الدارجة في عصرنا في بعض البلاد، كانكلترا مثلا، حيث ترى أنه لا يكون إلا وجودا تشريفيا يتمتع من أعلى الامكانيات واغلاها من دون أن يتحمل أية مسؤولية عملية أو نشاطية نافعة، وإنما تتوجه المسؤوليات والتكاليف من أول الأمر إلى السلطات الثلاث.
وبالجملة، فالمسؤول والمكلف في الحكومة الإسلامية هو الإمام والحاكم، والسلطات الثلاث أياديه وأعضاده، ويكون هو بمنزلة رأس المخروط مشرفا على الجميع اشرافا تاما».
أو قوله: «قد عرفت أن المسؤول والمكلف في الحكومة الإسلامية هو الإمام والحاكم، وأن السلطات الثلاث بمراتبها أياديه وأعضاده. وعلى هذا، فطبع الموضوع يقتضي أن يكون انتخاب أعضاء مجلس الشورى بيده وباختياره، لينتخب من يساعده في العمل بتكاليفه. نعم، لما كان الغرض من مجلس الشورى، التشاور واتخاذ القرار في الأمور العامة المتعلقة بالأمة، فلو أمكن أن يفوض إليها انتخاب الاعضاء وتكون السلطة التشريعية منبثقة عن ارادتها واختيارها كاختيار الوالي نفسه عند عدم النص، كان ذلك أولى وأوقع في نفوس الأمة، وادعى لهم إلى الاحترام بالقرارات المتخذة والتسليم في قبالها، بل يجري ذلك في انتخاب بعض الوزراء والأمراء أيضا، كما هو المتعارف في بعض البلاد... ولكن الإمام العادل لو رأى عدم تهيؤ الأمة لانتخاب الأعضاء، أو لم يكن لهم رشد ووعي سياسي لانتخاب الرجال الصالحين أو كانوا في معرض التهديدات والتطميعات واشتراء آرائهم بذلك، كان للإمام، الذي فرض علمه وعدله وحسن ولايته، انتخاب الأعضاء بنفسه...».
الفرق بين الولاية المطلقة والحكم الدكتاتوري... وجهة نظر الدستور
إذا أردنا أن ننظر إلى ولاية الفقيه، من خلال دستور الجمهورية الإسلامية في ايران، فإننا سنجد المادة (57) تشير أليها وتؤكدها، اضافة إلى وجود نقاط في مجموع المواد تبين الفرق بين ولاية الفقيه المطلقة والحكم الدكتاتوري:
1ــ تعد المادة الرابعة من الدستور الشريعة الإسلامية الأساس والمنطلق الوحيد للنظام والحكم، ومن هنا، فإن ولاية الفقيه ستقيد بطبيعة الحال وستكون خاضعة للشريعة.
2ــ يؤكد البند الأول من المادة الثانية من الدستور بأن الحاكمية لله وحده، وهو سبحانه المطاع، ومن هنا، فإن حكومة الوالي في الإسلام، حتى النبي والإمام، إنما تستمد شرعيتها لانها خاضعة ومنقادة لحاكمية الله، فهو سبحانه المالك، وما الوالي إلا مجرد أمين وخليفة. {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} [ص:26]. {لا ينال عهدي الظالمين} [البقرة:124].
3ــ إن شروطا محددة وثابتة قد وضعها الدستور مقومات للحاكم، وهي توضح بجلاء الفرق الأساس بينه وبين الدكتاتور. جاء في المادة الخامسة: «وفي زمن غيبة ولي العصر عجل الله فرجه تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة بعهدة الفقيه العادل، التقي، العارف بزمانه، الشجاع، الذي يتحلى بحسن الإدارة والتدبير، ووفقا لما ورد في المادة (107).
كما جاء في المادة (109) أن شروط القائد ما يأتي: قابلياته العلمية التي تؤهله للاجتهاد في أبواب الفقه المختلفة. عدالته وتقواه اللازمة في قيادة الأمة الإسلامية. رؤيته السليمة سياسيا واجتماعيا وحسن تدبيره وشجاعته وادارته وقدراته الكافية في القيادة. وفي حالة توافر عدة ممن يتحلون بهذه المقومات ستكون الارجحية لمن يمتلك رؤية فقهية وسياسية أقوى.
4ــ يقوم خبراء عدول ومتقون، وممن لهم رؤية سليمة سياسيا واجتماعيا، بانتخاب القائد والولي الفقيه.
5ــ يكون انتخاب القائد شعبيا وعن طريق مجلس الخبراء المنتخب من قبل الشعب مباشرة.
6ــ للخبراء (الذين يمثلون الشعب) حق الاشراف على توفر مقومات القيادة لدى الولي واستمرارها، بحيث يؤدي فقدان أحدها لديه أو عجزه في أداء بعض واجباته مبررا لعزله. كما أن ارتكابه لذنب ما يخل بعدالته، فإن مجلس الخبراء سوف يقوم باقصائه.
7ــ وجود جهاز اداري رفيع يحدد مصلحة الدولة ويكون جهة استشارية للقائد تعزز من قدرته في أدائه الواجبات واستخدام الصلاحيات من قبيل تحديد السياسات العامة للنظام والفصل في المشكلات.
8 ــ أصالة وقانونية الاشراف الشعبي والمشاركة العامة ودور الشعب المنصوص عليها في المواد الدستورية (3، 6، 7، 8).
نظرة أخرى في ولاية الفقيه المطلقة
كما مر سابقا، فإن المراد من الولاية المطلقة هو امتياز الفقيه (الجامع للشرائط) بجميع صلاحيات النبي والإمام، بدءا من الافتاء والقضاء، وصولا إلى حق تشكيل الحكومة وقيادة الأمة الإسلامية وتمتعه بجميع الصلاحيات التي تتطلبها إدارة الدولة وقيادة المجتمع.
انطلاقا من هذا، فإن المصلحة العامة قد تملي أحيانا تحريم بعض المباحات، ويكون هذا التحريم وقتيا يزول بزوال أسبابه وبواعثه، كما هو الحال في واقعة «التنباكو» عندما أصدر الشيرازي فتواه المشهورة في تحريم التبغ، أو سن قوانين لمواجهة التضخم والاحتكار ووضع عقوبات خاصة بها.
كما يمكن، وانطلاقا من هذه الولاية، اعتبار الأحكام غير الملزمة واجبات تلزم بها الأمة أو شريحة منها من قبيل وضع بعض الضرائب واعتبار دفعها واجبا تعاقب القوانين كل من يتخلف عن أدائها. ويسحب الأمر أيضاً على سن قوانين لتنظيم حركة المرور، وأداء الخدمة العسكرية، أو الحضور إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات.
وأنموذجا يمكن الاشارة إلى تحريم الإمام الخميني الحج بسبب بعض الظروف والمصالح الأهم. يقول الإمام الراحل: «إذا كانت صلاحيات الحكومة في اطار الأحكام الفرعية الإلهية فقط، فإن مثل هذه الحكومة والولاية المطلقة المفوضة للنبي (ص) ستكون ظاهرة لا معنى لها. إن الحكومة شعبة من ولاية النبي (ص) المطلقة، وهي من الأحكام الأولية للإسلام، وهي مقدمة على جميع الأحكام الفرعية بما في ذلك الصلاة والصوم والحج. إن باستطاعة الحاكم هدم مسجد أو منزل يقع في مسير شارع والتعويض على صاحبه ماليا. كما يمكنه تعطيل مسجد إذا كان «ضرارا»، واذا توقف ذلك على هدمه فإنه بامكانه هدمه. إن بمقدور الحكومة الغاء العقود الشرعية مع الشعب ومن طرف واحد، إذا توقفت مصلحة البلاد والإسلام على ذلك. إن باستطاعتها مواجهة منع بعض الأمور، عبادية كانت أم غير عبادية، إذا كان ذلك مخالفا لمصلحة الإسلام. إن الحكومة تستطيع منع الحج مؤقتا، وهو من الفرائض الإلهية المهمة، إذا توقفت مصالح الدولة الإسلامية على ذلك».
وفي مضمار تسويغ ولاية الفقيه، بوصفها نظرية، تندرج في اطار تنفيذ الأحكام والقوانين الإسلامية والدفاع عن الشريعة وعما حولها ورفع التزاحم بين الأحكام، ولا تتدخل، أبدا في أصل التشريع، يمكن الاشارة إلى أحد دعاة هذه النظرية، وهو آية الله جوادي آملي الذي يقول: «ان دائرة الأنبياء والأولياء تنحصر في تنفيذ كليات القوانين واجرائها وتطبيقها في الشؤون الجزئية، وتعيين المنفذين لها ونصبهم، كما هو الحال في التشكيلات التي يحدد مجموعها شكل الحكومة.
وإذاً، فإن دائرة الولاية هي الحكومة في التنفيذ لا في أصل التشريع، ذلك أن المشرع الوحيد هو الله سبحانه، وابلاغ الشريعة يعني الرسالة. أما تنفيذ هذه القوانين والأحكام فهي مهمة الحكومة، من قبيل تعيين أئمة الجمعة والجماعة ونصبهم، استحصال ضريبة الزكاة، بعث وارسال المدافعين عن ثغور الدولة، تنظيم العلاقات الخارجية والداخلية ومئات البرامج التنفيذية الأخرى على أصعدة الجيش والسياسة والثقافة والاقتصاد. فالإسلام هو مجموع القوانين التي تم تشريعها، واستكملت يوم الغدير لحظة اعلان الولي ونصبه، ولذا فإنه لا زيادة في الواجبات ولا المحرمات والمكروهات والمباحات في الإسلام، وهي ثابتة لا تقبل التغيير.
أما حفظ الشريعة ومصلحة المسلمين فيعني الدفاع عن القوانين الإسلامية، وعملية الدفاع هذه تنحصر فقط في العمل بها وتنفيذها. وأحكام الإسلام لن تواجه مشكلة ما دامت موجودة بوصفها نظريات محررة ومدونة، ولكنها لدى الاجراء والتطبيق سوف تواجه مشكلة التزاحم.
ومن هنا يأتي دور ولي المسلمين الذي يتعين عليه، ولدى دفاعه عن أحكام الإسلام وبروز حالة التزاحم، أن يتصرف، وفي ضوء علمه بالأوامر الإلهية، بوعي كامل محكما الأرجحية لحكم على آخر وعلى أساس تقديم الأهم على المهم، ولا يعني هذا نسخ حكم ما أو تغييره، وإنما يعمل على رفع حالة التزاحم في تنفيذ الأحكام. وعندما يحكم الولي، أي يصدر حكما ما، فإن طاعته ستكون ملزمة للجميع ولن يكون هناك فرق حينئذ بين شخص وآخر من أفراد المجتمع، ومعنى هذا أنه لا يوجد، وفي النظام الإسلامي، حاكم ومحكوم، بل الإسلام هو وحده له الحاكمية».
وفي تفصيل هذه النقطة يقول في مناسبة أخرى: «عندما يحكم الولي بتقديم حلية حلال ما أو حرمة حرام ما، فإن هذا لا يعني تخصيص حكم إلهي أو اطلاقه، إنه يندرج في باب ترجيح حكم إلهي ما على غيره، ومثالا على ذلك الحكم الذي أصدره المرحوم الشيرازي حول حرمة استعمال «التنباكو» في فتواه: اليوم استعمال «التنباكو» بأي نحو كان يعتبر محاربة لإمام الزمان».
إن هذا الحكم لا يقيد قاعدة الحلية ويخصصها بل انه يأتي مصداقا للآية الشريفة في قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء:5]، إنه من باب ضرورة طاعة أولي الأمر وتقديمه على غيره من الأحكام. فالحكومة استجابة لحكم يقضي بطاعة أولي الأمر على غيره من الأحكام، ونظير هذا في قاعدة: «المؤمنون عند شروطهم»، إذ يجب الالتزام بالشروط. فالخياطة عمل مباح، ولكنه قد يتحول إلى واجب ضمن عقد معين، ولكن هذا العقد لا يمكن أن يحول جوهر الخياطة ويعدها عملا واجبا في ذاته.
ومن هنا، فإن كل شرط يتعدى حدود العمل إلى دائرة التشريع فإنه يصبح باطلا لأنه يصطدم مع الكتاب والسنة، ويعد تدخلا في دائرة التشريع. مثالا على ذلك، لو أن شخصا أدرج ضمن العقد اعتبار الخياطة أو الكتابة حراما أو واجبا، أي انه يحاول الزام الطرف الآخر اعتبار هذين العملين واجبا أو حراما، ففي هذه الحالة يعد العقد باطلا لتدخله في أصل التشريع الذي يبيح كلا العملين.
ومثال آخر يمكن الاشارة إليه، وهو الأحكام الثانوية، لأنه تدخل في الاجراء وليس في التشريع، فالمريض الذي يصف له الطبيب دواء نجسا وحراما، ويحصر طريق العلاج بتناول هذا الدواء، إن الطبيب، وهو يجوز له تناول هذا الدواء، لا يمكنه أبدا أن يقول له: إنني أحل تناول هذا الدواء. كما أنه لا يحق للمريض أن يستلم حكم الحلية من الطبيب، إن ما يحق للطبيب والمريض هو الكشف عن ضرورة تناول هذا الدواء وطريقة تناوله. إن ولاية الفقيه كذلك تتحرك في دائرة مثال الأحكام الثانوية، إذ لا يحق له أبدا التدخل في دائرة التشريع، وصلاحيته تنحصر في تطبيق الأحكام وتنفيذها. فإذا ما برزت حالة التزاحم في التنفيذ فإن ولي الفقيه، وحفاظا على النظام الإسلامي، يحكم للأهم من الأحكام رجيحا، مع التأكيد على بقاء الحكم الأصلي لكل واقعة على حاله خارج ظاهرة التزاحم وفي الحالات العادية».
إن ما تلزمه نظرية ولاية الفقيه هو تحويلها إلى منظومة فكرية وفقهية واضحة بعيدة عن أسلوب الشعارات، وهذا ما نجده في النص السابق الذي يعبر عن تناسق فكري لدى مؤلفه. ولا يعني هذا أن النظرية غير خاضعة للنقد والمناقشة والسجال، بل ان هناك من المنطلقات ما يسوغ ذلك: إن الآية الكريمة {إن الحكم إلا لله} [الأنعام:57]، تحصر الحاكمية والتشريع بالله سبحانه، ولذا نجد النص أعلاه يؤكد بشكل مكرر أن الولاية تعني الحكومة في التنفيذ لا في أصل التشريع لأن التشريع لله.
الجدير قوله: إن الآيات القرآنية التي تحصر مبدأ الحاكمية بالله سبحانه لا تنفي الحاكمية لغيره إذا كانت باذنه، إن ما تنفيه الآيات هو وجود حاكمية لغير الله اصالة واستقلالا، ولذا فلا منافاة في وجود حاكمية لغير الله باذنه، فيكون لأنبيائه ورسله الحق في التشريع باذنه. فهناك من الآيات الكريمة ما يؤكد هذه النقطة بجلاء: قوله تعالى مخاطبا رسوله عيسى بن مريم: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني وتبرئ الأكمه والابرص باذني وإذ تخرج الموتى باذني} [المائدة:110]. وهذه الآية تفويض للنبي في التكوين.
أما في التشريع فقوله تعالى مخاطبا داود (ع): {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} [ص: 26]. ويقول تعالى مخاطبا نبينا الكريم (ص): {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة:49]. وقوله تعالى عن ذاته القدسية: {أحكم الحاكمين} [التين:8]، و {خير الحاكمين} [الأعراف:87]. وعن هذه الآيات وآيات أخرى يقول العلامة الطباطبائي: «وضمها إلى القبيل الأول يفيد أن الحكم الحق لله سبحانه بالأصالة، وأولا، لا يستقل به أحد غيره، ويوجد لغيره باذنه، وثانيا...».
إن آية الله جوادي، كسائر المفسرين والفقهاء، يقول لدى تفسيره آية {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول...}: «إن تكرار فعل «أطيعوا» يؤكد أن طاعة الله ليست من سنخ طاعة الرسول وأولي الأمر، ولو كان الأمر غير ذلك لانتفت ظاهرة التكرار. وفي ما يخص طاعة أولي الأمر فإنها لن تكون إلا سنخا من طاعة الرسول. كما وجوب طاعتهم إنما يستمد الزامه من الولاية والقيادة وزعامة الأمة ومسؤوليتهم عن تنفيذ أحكام الله وتطبيقها وبيان أوامره ونواهيه».
وعندما تصرح الآية بوجود ولاية الأمر ووجوب طاعتها فإنها تتضمن أيضاً وجود أوامر لازمة الامتثال، وإن هذه الأوامر تختلف عن الأحكام الإلهية، لأن أوامرهم لو كانت تنحصر، مثلا، بطلبهم من الناس إقامة الصلاة والصيام واجتناب الحرام وأداء الواجبات، فإن هذا يعني، في الحقيقة، ابلاغا للأوامر الإلهية.
إن نشاط الفقيه إذا انحصر في حل مشكلة التزاحم، فإن ذلك يشبه منصب الافتاء فقط، كما هو الحال بترخيص الافطار للمريض في شهر رمضان، وتجويز تناول الحرام (إذا توقف العلاج على ذلك). لكننا نعلم أن نشاط الفقيه الولي يختلف عن الفقيه المفتي. إن تعميم مسألة التزاحم لتشمل المباحات أمر غير منطقي، لأن التزاحم إنما ينجم عن وجود أمرين الزاميين في الامتثال بحيث يصعب الجمع بينهما، من هنا، فإن المباحات لا تنجم عنها هذه الحالة، وكذا الأمربين الواجب والمكروه، وأيضا بين الواجب والمستحب.
يشبه آية الله جوادي ولاية الفقيه بولاية الأب والجد على الأبناء. والسؤال هنا: ما هي هذه الولاية؟ هل تأتي في حل مسألة التزاحم عند ممارسة العمل والاجراء؟ أو أنها ولاية تخول صاحبها التصرف بأموال الابن وفقا للمصلحة، وكما هي الحال في صلاحية الفرد بالتصرف بأمواله؟ وبعبارة أخرى، إن ولاية الفرد في التصرف بأمواله الشخصية تتجاوز مسألة رفع ظاهرة التزاحم وحلها لدى تنفيذ الأحكام، وولاية الأب والجد ليست هكذا. إذا كانت ولاية الفقيه تنحصر فقط في حل مسألة التزاحم عند التنفيذ، فإن ذلك يعني انحصارها في الشؤون الاجتماعية والمالية للناس، وفي الحالات التي يحصل فيها التزاحم حيث تبرز الحاجة القصوى والاضطرارية التي تهدد النظام.
مثالا على ذلك، إن الوالي يستطيع، فقط وعند بروز الحاجة إلى تعبيد شارع جديد، تخريب منزل والاستيلاء عليه من أجل أهداف أخرى من شأنها تيسير الحياة في المدينة واضفاء حالة من الجمال عليها، وهذه القدرة لا تتأتى للولي الفقيه إلا بعد ظهور الضرورة القصوى التي تمكنه من التصرف، وتجاوز القاعدة الأصلية في حرمة التصرف بأملاك الآخرين. غير أن القائلين بالولاية المطلقة لا يخضعون لذلك، ويعتقدون بأن كل ما يصلح المسلمين ينضوي داخل دائرة الولي الفقيه وأن له الحق في اتخاذ القرار اللازم.
في رأيي ان ما ورد في صدر الحديث لا ينسجم مع آخره، فقد ورد، أولا، أن عمل الفقيه، بوصفه وليا وحاكما، هو حل مشكلة التزاحم بين الأحكام الشرعية الإلهية (مثلا بين ضرورة انقاذ غريق وحرمة التصرف في ملك الغير)، فما دام تشخيص الحكم، انطلاقا من ترجيح الأهم على المهم، حجة، فإنه يتوجب ترتيب أثر على ذلك باتباع أمره ورأيه. ولكن ما ورد في آخر الحديث، انه يجب مواجهة الحكم الشرعي الأولي مع الحكم الشرعي في وجوب طاعة الرسول وأولي الأمر والفقيه، كما هو الحال في اباحة عمل ما مع وجوب الوفاء بالشرط، إذ يجب تقديم حكم الحاكم على الحكم الشرعي الأولي.
وفي ضوء هذا، ووفقا لما ورد في بداية الحديث من أنه يتوجب ألا يوجد نزاع بين حكم شرعي لفعل ما والحكم الشرعي في وجوب طاعة الحاكم، ولكن عندما يظهر التنازع بين حكمين شرعيين ومن ثم يدخل الحكم الشرعي في وجوب اطاعة الولي ميدان التنازع للفصل في القضية. الرؤية الصحيحة وفي تصوري ان الرأي الثاني هو الصحيح، وتوضيح ذلك: نفترض أن الشارع الحاكم قد جعل، وإلى جانب جميع الأحكام الشرعية والواجبات والمحرمات، ولاية للنبي والإمام والفقيه في عصر الغيبة، إي إدارة شؤون الشعب ونظم اقتصاده وسياسته وجعلهم قيّمين ورؤساء. وعدّ ذلك حقا وتكليفا للنبي والإمام والفقيه، وجعلهم بذلك مسؤولين عن التدخل وسن القوانين المناسبة التي تمليها الضرورات، وألزم الناس بالانقياد لهم. وبالضبط، كما جعل للجد والاب ولاية في أموال الابن، حيث يكون للأب حق التدخل والتصرف بما تقتضيه مصلحة الابن، ولا يمكن للقاعدة الشرعية: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» أن تسلب الأب حقه الولائي هذا، لأن ولايته في التصرف بأموال الطفل تعني شرعية عمله ونافذيتها حتى لو لم يكن ذلك عن طيب نفس الطفل. وبعبارة أخرى، ان جعل الولاية هنا يعني الغاء رضا الطفل، وبالتالي الغاء حكم حرمة التصرف في أموال الغير دون رضا. وبتعبير فقهي، ان ولاية الأب والجد حاكمة على دليل حرمة التصرف في مال الآخر في ما يخص مال الطفل. وهذا البحث ينسحب على ولاية النبي (ص) والإمام (ع) والفقيه، أي ان جعل الولاية {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} حاكمة على أدلة حرمة التصرف بأموال الناس دون رضاهم، كما أن لها الحاكمية على جميع الأحكام التي سنها الشارع للناس وألزمهم بها حرمة وتكليفا.
وخلاصة القول: إذا كان لولي الأمر ولاية على الناس في دائرة الأموال والشؤون الاجتماعية، فمعنى هذا أنه يستطيع أن يأمر وينهى وأن يسن القوانين انطلاقا من رؤيته السليمة وتشخيصه للمصلحة.
ودليل ذلك أن أدلة جعل الولاية حجة نافذة وملزمة. شهادات فقهية هناك شواهد فقهية تؤيد ما ذهبنا إليه في مسألة الولاية، فالطباطبائي رحمه الله شبّه ولاية الحاكم في الشؤون الاجتماعية بولاية الفرد في أمواله وأحواله وحقوقه، حيث قال: «إن ولاية أمر المسلمين من وجهة نظر إسلامية هي ولاية عامة في دائرة الحكومة». ويمكن الاستشهاد أيضاً برأي الإمام الخميني كما مر آنفا: «إذا كانت صلاحيات الحكومة في اطار الأحكام الفرعية...». وهناك شواهد فقهية معاصرة، كما هو الحال في رأي آية الله «مؤمن قمي»: «لا محالة إذا جعله الله وليا على هذه الأمة كانت تصميماته نافذة في حقهم، وارادته ورضاه حاكمة عليهم، ولا أمر لهم معه أصلا، مثلا إذا أدت تفكيراته وتأملاته إلى أن الأصلح لهذه الأمة أن يوسع لهم تلك الشوارع في بلادهم ولو لمجرد ترفيه أمرهم وكان في مسير هذه التوسعة أملاك لأشخاص من هذه الأمة، فاستعمال هذه الأملاك لمصلحة الأمة حيث اقتضته ليس أمره موكولا إلى طيب نفس ملاكها، وذلك لما عرفت من أن ما كان راجعا إلى مصلحة الأمة فهو راجع إلى ولي أمرهم، وأمر تشخيص مصلحة الأمة وأعمالها مفوض إلى ولي الأمر...
إن الغاء رعاية رضا ملاك الأراضي، بل الأبنية، في مثل توسيع المعابر والشوارع، وفي مثل احداث دائرة جديدة تقتضيه مصلحة المجتمع، وفي مثل احداث الأمور الباقية وأمثالها ليس بعنوان الاضطرار والضرورة، بمعنى أنه ليس التكليف الأولي الشرعي تحصيل رضاهم، ثم إذا امتنعوا يقدم عليه ولي الأمر بلا رعاية رضاهم، بل ان طيب نفوسهم ورضاهم بهذه التصرفات والاستعمالات غير معتبر شرعا من أول الأمر... والملاك هنا عزم ولي الأمر على هذا الاستعمال عزما ناشئا عن تفكير وتروٍّ أدى إلى أنه مصلحة الأمة. فارادة ولي الأمر في هذا الاستعمال والمصرف عدل لارادة المالك نفسه وقائمة مقامه. فكما أن تصرف ولي الطفل في أمواله ليس حكما ثانويا بل هو حكم أولي في مورده، وتقوم ارادة الولي مقام ارادة الطفل المالك ولا يعتنى برضا المالك وارادته، فهكذا الأمر هنا حرفا بحرف... لا مجال لأن يقال بانحصار اختيار ولي المسلمين في النظارة لاجراء الأحكام والرقابة عليها وتعيين الأهم منها في ما وقعت بينها مزاحمة ليكون تعيينه هو المتبع في المجتمعات الإسلامية. وذلك أن هذه النظارة والرقابة، وإن كانت داخلة في اطلاق ولاية ولي الأمر، إلا أنه لا يمنع عن دخول غيرها أيضاً بعدما كان مقتضى الاطلاق دخوله».
الولاية المطلقة والقانون
من البحوث الهامة في اطلاق ولاية الفقيه هو ما نجم عن الفهم المبتسر لمعنى الاطلاق. فمن الاشكالات الواردة على الولاية المطلقة هو كيف يمكن التحدث عن القانون والحدود القانونية في وجود ولاية مطلقة؟ ألا يعني اطلاق الولاية مصادرة القانون؟وهل ان الولي الفقيه ملزم بالخضوع للقانون؟ وإذا كان ذلك فما معنى الولاية المطلقة؟ وإذا كان غير ذلك فما جدوى القانون؟
الجواب:
1ــ كما ذكرنا آنفا أن الاطلاق في الولاية لا يعني عدم وجود ضوابط وحدود، فمن المؤكد أن دائرة ولاية الفقيه لا يمكن أن تتجاوز ما هو محدد لولاية النبي والإمام، فإذا عرفنا أن ولاية النبي والإمام محدودة التحرك ضمن الأحكام والموازين الشرعية أدركنا مفهوم الاطلاق. وهذه آيات القرآن تكاد تصرح بالحدود المرسومة:
{وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا اليك} [الاسراء:73]. {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة:49]. إن اطلاق الولاية يعني عدم انحصارها في دائرة الافتاء والقضاء والشؤون الحسبية، بل يعني التدخل في الشؤون الاجتماعية والسياسية وإدارة المجتمع الإسلامي وتشكيل حكومة إسلامية بكل ما للحكومة من مهام وصلاحيات.
وفي رأيي ان هناك اشكالية في الافادة من مفردة «الاطلاق»، ومن الأفضل الاستفادة من اصطلاح آخر هو «الولاية العامة» على أساس عدم اثارته لوهم التناقض بين القانون والولاية المطلقة.
2ــ إن الفقيه يتحمل مسؤولية إدارة الأمة الإسلامية بما يعزز من استقرار البلاد وارساء دعائم الأمن، والحؤول دون وقوع الفوضى واختلال الأوضاع العامة. ولذا فإن من مقومات القيادة والزعامة وشروطهما، كما يحددها مفاد الآيات والروايات، الكفاءة وحسن التدبير والإدارة، وتوفر هذا الشرط الذي يؤكده الدستور سيوفر للمجتمع الجو الأنسب لارساء دعائم العدل والاستقرار والتقدم نحو الكمال. يقول الإمام علي (ع): «الله الله في نظم أمركم واصلاح ذات بينكم».
3ــ إن شرط الكفاءة وحسن الإدارة يقتضي اتباع أساليب جيدة وعقلائية يساندها الشعب والحكومة، ذلك أن الشعب هو ركن النظام والأساس في قوته واستمراره، ولا يمكن لحكومة أن تحقق أهدافها ما لم تعضدها ارادة شعبية. فالحكومة القوية هي الحكومة المحبوبة من قبل الشعب والتي تتمتع بقاعدة واسعة من التأييد الجماهيري... حكومة يعدها الشعب منه وإليه، ووديعة إلهية ينبغي صيانتها والدفاع عنها وتأييدها.
4ــ الالتزام بالموازين والمعايير الدينية وما يستلزم حسن الإدارة، من تدابير صحيحة تملي على الحكومة الإسلامية الالتزام الكامل بالمواثيق الرسمية داخليا وخارجيا. وفي غير هذه الحالة، فإن الخروج عليها أو التساهل فيها لا يعد انحرافا عن القيم الدينية واخلالا بحسن الإدارة فحسب، بل ان ذلك سيعرض هيبة الدولة ومحبوبيتها لدى الشعب للخطر، وسينحسر اعتبارها لدى دول العالم. كما أن اعتبار القائد والمرشد قدوة للمجتمع الإسلامي سوف يؤطر سلوكه ومواقفه وقراراته من الدائرة الشرعية الملهمة، وإن أي اخلال في صورته التي ينبغي أن تظل مشرقة، ستسلب عنه هذا الاعتبار.
وانطلاقا مما ورد يمكن القول: إنه لا يوجد تناقض ما بين الولاية المطلقة والقانون بما في ذلك الدستور والقوانين العادية، لأن ولاية الفقيه المطلقة لا تعني الحكم المطلق. ففي الوقت الذي يؤكد فيه القرآن ولاية النبي (ص) في قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب:6]. {ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر:7]. {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول} [النساء:59]. فإنه يؤكد الاطار العام لهذه الولاية في آيات أخر: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله} [المائدة:49]. {ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين} [الحاقة:44 ــ 46].
وعلى هذا، فإن الولاية سوف تتحرك في دائرة الموازين العقلية والعقلائية سواء كانت محررة أو غير محررة. إن تشكيل دولة ما وادارتها، وبخاصة في هذا العصر حيث تتعقد النظم، يستلزم وجود أصول وضوابط محددة، ولا يمكن أن نتوقع نهوض شخص بمفرده بهذه المهمة. كما لا يمكن أن نتوقع أيضاً نهوض فريق بذلك من دون الاعتماد على أسس ومبان تعين صلاحيات الإدارة، بحيث يدرك المسؤولون في أركان الحكومة واجباتهم وصلاحياتهم.
وفي عالم اليوم، هل يمكن لمسؤول ما أو للمسؤولين، وحيث تتسارع الأحداث بشكل مدهش، تشكيل حكومة صالحة وعقلائية، وهل يمكن لحكومة أن تتبلور من دون ضوابط سابقة تحدد مؤسساتها؟ وهل يمكن أن نتوقع حكومة صالحة بمجرد تحديد مؤسساتها ومن دون تعيين واجباتها وصلاحياتها؟
إنه من المستحيل تشكيل حكومة تتمتع بدعم الشعب وتأييده ومساندته لها من دون تحديد أطرها القانونية وتشكيلاتها السليمة والواضحة التي من شانها تعزيز امن البلاد وارساء دعائم الاستقرار فيها.
من جهة أخرى، إذا أخذت الحكومة في بناء مؤسساتها المصلحة العامة، وبنت أركانها على أساس ذلك، بحيث تكون مطاليب الشعب وطموحاته في اطار القوانين والأصول والضوابط، فإن على الطرفين (إدارة البلاد والشعب) أن يعتبر االقوانين والضوابط ميثاقا وطنيا يتوجب الوفاء له والعمل به وحمايته. وبهذه المناسبة نشير إلى عهد الإمام علي {ع) إلى مالك الاشتر، كما ورد في «نهج البلاغة»، حيث يجسد شكلا دستوريا لإدارة البلاد.
لقد عهد الإمام إلى مالك إدارة الاقليم «المصري»، وبهذا تكون ولاية مالك كولاية الإمام علي مطلقة (لأنه فوض إليه إدارة مصر). ولكنه في الوقت نفسه قد وضع من خلال العهد الاطار العام لهذه الولاية والإدارة، وهو اطار قانوني ملزم. فما هو الفرق بين الفقيه، في عصر الغيبة، بوصفه منصوبا عاما للإمام مخولا إدارة البلاد وبين مالك الاشتر بوصفه منصوبا خاصا؟ وهل لدى الذين يأخذون بولاية الفقيه في عصر الغيبة عقائد وأفكار أخرى تختلف عن ولاية مالك الذي نصبه الإمام لحكومة مصر؟!
وفي ختام هذه الدراسة نشير إلى بعض الفقرات التي وردت في دستور الجمهورية الإسلامية، وهي تؤكد بجلاء ضرورة حضور القانون بوصفه اطارا عاما للحكم: «دستور الجمهورية الإسلامية هو الذي يحدد المؤسسات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمع الايراني على أساس الأصول والضوابط الإسلامية التي تمثل طموحات الأمة الإسلامية وماهية الثورة الإسلامية المجيدة في ايران وكفاح الشعب المسلم من بدئه وحتى انتصاره والذي بلورته الشعارات الحازمة مختلف طبقات الشعب». «يجب على دستور الجمهورية الإسلامية الايرانية، باعتباره مبينا للمؤسسات والعلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية والاجتهادية، أن يرسي دعائم الدولة الإسلامية ويبني نظاما حكوميا جديدا على أنقاض النظام الطاغوتي البائد». «يوفر الدستور، وانطلاقا من مضمون الثورة الإسلامية الايرانية كحركة لانتصار كل المستضعفين على المستكبرين، أرضية تضمن استمرار الثورة في الداخل والخارج، خاصة في تنمية العلاقات الدولية مع سائر الحركات الإسلامية والشعبية من أجل تشكيل الأمة العالمية الواحدة، واستمرار الصراع من أجل انقاذ الأمم المحرومة الرازحة تحت نير الظلم في أية نقطة في العالم». والدستور، أساسا، ينفي كل اشكال الاستبداد الفكري والاجتماعي، ويسعى إلى أن يكون للشعب حقه الكامل في تعيين مصيره.
كما أنه يؤكد أن تكون إدارة البلاد في أيدي الصالحين من أبنائها، ويجعل من القرآن والسنة المحور الأساس في تحديد الشريعة والضوابط الادارية الاجتماعية.
ومن هنا، فإن وجود اشراف دقيق من لدن خبراء في الشريعة الإسلامية عدول وثقات وملتزمون (فقهاء عدول) أمر لا مفر منه. ذلك أن الهدف من الحكم هو ترشيد الإنسان في حركته نحو النظام الإلهي كي تتوفر الأرضية المناسبة لنمو روح التكامل في ذاته وازدهارها، وهذا لا يتم إلا بمشاركة عامة في عملية التغيير الاجتماعي، مع التأكيد على أن الدستور يوفر أرضية مثل هذه المشاركة في جميع مراحل القرار السياسي المصيري لكل أفراد المجتمع. ويكون كل فرد مسؤولا في عملية الترشيد والرقي والتكامل، وهو ما يضمن تحقيق حكومة المستضعفين في الأرض. ومن الضروري الاشارة إلى أن وجود القانون، بما في ذلك الدستور والقوانين العادية، يجب ألا يشكل سدا في الظروف الحرجة، بحيث يجد الولي الفقيه نفسه عاجزا عن فعل شيء خارج نطاق القانون في الظروف الاستثنائية. إنه لمن المؤكد وجود صلاحيات استثنائية خاصة في الظروف الخاصة. وهذه الحالة موجودة في دساتير كثير من الدول من أجل تجاوز الأزمات التي تواجهها.
وخلاصة القول: كما أنه يمكن للولي الفقيه، وانطلاقا من ولايته المطلقة، إعمال ولايته في مقابل الأحكام الأولية للشريعة وفقا لرؤيته للمصلحة في ذلك، فإنه يمكنه أيضاً ممارسة ولايته في مقابل القوانين الموضوعة. وقد التفت الدستور إلى هذه الحالة فوضع للحالات الطارئة والظروف الخاصة صلاحيات أعلى من القانون لتتخذ شكل القانون.
ومن هنا جاء تشكيل «مجمع تشخيص مصلحة النظام» ليكون ساعدا استشاريا للقيادة في القانون، وهو، في جوهره، حل لبعض الأزمات التي تبرز في الطريق.
جاء في المادة (112) من الدستور: «يفصل "مجمع تشخيص مصلحة النظام" في القضايا التي يعتبر فيها مجلس صيانة الدستور أن لائحة قانونية ما المجلس الشورى الإسلامي تخالف موازين الشريعة أو تتعارض مع الدستور. ويعين القائد جميع أعضاء المجمع الدائمين والمؤقتين». هذا، وقد ورد في المادة (110)، في البند الثامن منها ما يأتي: «تحل معضلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية عن طريق مجمع تشخيص مصلحة النظام».

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية