مركز الصدرين للدراسات السياسية || الدراسات السياسية

المرجعية رؤية لقيادة معاصرة
السيد لؤي نور الدين


دراسة في تصور الشيخ التسخيري للمرجعية ودوره
لا يشك باحث عارف بالفقه الإمامي في أهمية الدور الذي تلعبه المرجعية الشيعية والمقام الذي تحتله في المجتمع الإمامي عبر التاريخ؛ بحيث إن الاجتهاد الفقهي هو أحد الوجوه البارزة لدور المرجعية العلمي يضاف إلى دورها الذي تؤديه على الصعيد السياسي، لدى هذه الطائفة من المسلمين. ولا يخفى أن الاجتهاد أسس لحركة فقهية وفتح الباب واسعاً لإعادة فهم النصوص الشرعية الأمر الذي أدى إلى تطور حركة الفقه لينسجم مع تطورات الحياة ما أثر في تشكيل الوضع الحالي لهذه الطائفة في العالم. ولا نقصد من ذلك التخفيف من تأثير العامل السياسي وغيره من العوامل التاريخية على تطور واقع الشيعة الإمامية بل على حركة الاجتهاد نفسها.
العامل التاريخي:
يمكن العودة بعلاقة الشيعة بالمرجع إلى علاقتهم بالإمام المعصوم، تلك العلاقة التي تجاوزت التشريع وحده لتدخل إلى تفاصيل الحياة الإنسانية كافة على الصعد الاجتماعية والأخلاقية وغيرها. وأما تأثير التاريخ على تطور الاجتهاد, فيمكن أن يشار إلى أن علاقة الاجتهاد الفقهي بالتاريخ تبدأ من نظرة الشيعة إلى مصدر التشريع, وهذا الأمر بدأ بعد وفاة الرسول الأكرم(ص) عندما تبنت فئة من المسلمين فكرة إمامة الإمام علي(ع) إثر الانقسام حول خلافة رسول الله (ص). ومعه بدأت تتشكل حركة فقهية لها مميزاتها الخاصة. وأهم تلك المميزات الاعتقاد بعدم غلق باب التشريع بوفاة النبي؛ حيث يعتقد الشيعة بأن هذا الباب ما زال مفتوحاً طالما كان المعصوم موجودا بين الناس ولو كان هذا المصدر التشريعي غير مستقل بل هو واسطة مأمونة في النقل عن النبي. وفي ظل الحراك السياسي الناشئ عن وفاة النبي الأكرم(ص) نشأ حراك فقهي, ابتداءً من مسألة تدوين الحديث والمواقف المتخذة بهذا الصدد. وكان لهذا الموضوع التأثير الكبير على حركة الفقه الشيعي. ينقل الشيخ محمد مهدي الآصفي في مقدمته على الكتاب الفقهي المعروف المسمى بـ: رياض المسائل عن السيوطي قوله: "كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم, فكرهها كثير منهم, وأباحتها طائفة منهم وفعلوها، منهم: علي, وابنه الحسن[1]، فكتب الجامعة وهي من إملاء رسول الله (ص) وخط علي (ع) وكان يبلغ سبعين ذراعا..."[2]. وتتجلى أهمية هذا السلوك تجاه الحديث في كونه حدد الوجهة المطلوبة في التعاطي مع السنة الشريفة.
وإن العقيدة الإمامية كما تقدم ربطت المسلمين بالإمام (ع) فكانت تصرفات الموالين للإمام مرتبطة بموقفه. ومع توالي الأحداث على الساحة, تجذرت هذه العلاقة بشخص الإمام(ع), وابتدأت بتشكيل وعي عام عند الموالين بالرجوع إلى الإمام(ع) في الشأن الخاص وأعني الأمور العبادية, كما في الشأن العام وأعني هنا ما يرتبط بحياة الأمة, من أمور سياسية واجتماعية واقتصادية؛ استمرت هذه العلاقة مع الإمام المعصوم(ع) حتى آخر إمام وهو الإمام المهدي(عج), لكن هذه العلاقة أخذت أشكالاً عدة كانت تختلف باختلاف الظروف السياسية والأمنية لحياة الأئمة(ع). وبمرور الزمن وتوالي الأحداث حصل أيضاً نوع آخر من الارتباط بالمعصوم(ع), ولنقل أن الأئمة(ع) أوجدوا طرقاً للتواصل خصوصاً في زمن الإمام الخامس والسادس من أئمة أهل البيت(ع), حيث أرجعوا الناس إلى بعض الفقهاء المعروفين, كمحمد بن مسلم وزرارة وغيرهم. وقد ظهر تدبير واضح في زمن الصادق جعفر بن محمد(ع), فكان يرجع الناس في المسائل الفقهية إلى شخص خاص مثل محمد بن مسلم.
وهنا أيضاً لا بد من أن نُلفت النظر إلى المناظرات العامة والخاصة التي كانت تحدث في تلك الحقبة من الزمن, حيث طالت جميع العناوين الأساسية من عقيدة, فقه, اجتماع, حتى الصحة... وكان الناس يرجعون في كل ذلك إلى الإمام(ع) والفقهاء, حتى في أمورهم الخاصة كما تقدم. وقد كان لهذا الأسلوب الأثر البالغ في الاجتهاد.
هذه الطرق للتواصل أيضاً شكلت مع الأيام أساسا لوعي ضرورة نشوء المرجعية, حيث نقلَ الإمام(ع) ارتباط الناس من الارتباط المباشر به إلى الارتباط بحملة الحديث وأهل الفقه في الدين. وعبر هاتين الخصوصيتين من الناحية العلمية كان يشير الإمام(ع) إلى مسألة جد مهمة وأساسية وهي وثاقة الإمام(ع) بشخص هذا المكلف للقيام بهذه المهمة. وهذه النقطة مهمة, وتحتاج إلى تحليل أكثر. فهل أن الإمام بهذا الإرجاع قد أوجد مرجعية تحت إشرافه؟ وهل يعتبر هذا من المرجعية أم لا؟ هذا يحتاج إلى بحث مستقل, إلا أنه بالحد الأدنى شكل نواة أساسية في الوعي لدى اتباع أهل البيت إلى من يرجعون في مسائلهم وأمورهم المستجدة خصوصاً في الأماكن التي بعدت عن المعصوم(ع).
بقيت العلاقة على هذا المنوال تقريباً إلى زمن غيبة الإمام(عج) الصغرى, حيث ترقى الدور الذي يلعبه الفقهاء بواسطة السفراء, بعد أن لم يعد هناك إمكانية لدى عامة الموالين للتواصل المباشر مع المعصوم(ع), وأصبح الاعتماد محصوراً بالسفراء.
وهنا نشير إلى أن هذه العملية الطويلة في تدريب الموالين على كيفية التعاطي مع الشريعة المقدسة وكيفية مواجهة المستجدات والحوادث, تعتبر من خصوصيات التعدد في الأئمة, والسير الزمني لحضور المعصوم(ع)؛ ابتدأت بالولاية على الأماكن ومراكز القضاء مع أمير المؤمنين(ع), ثم أضيف إليها عنصر آخر في زمن الصادق(ع) بإرجاع الناس كما تقدم إلى بعض الأشخاص ممن يحمل صفات معينة, لتتوج فيما بعد بعلاقة مباشرة مع سفراء الأمام(عج).
ومن جهة أخرى من المهم أن نشير هنا إلى قضية أعتقد أنها مهمة جداً, وهي أن المرجع الأساس للناس في وعيهم مع طول الزمن وتعدد الأئمة كان واحداً؛ إذ إن إيكال الأئمة(ع) لبعض الناس في تصديهم كما تقدم لم يكن ليلغي دور الإمام(ع) بل كان تحت إشرافه(ع), وأهمية هذه النقطة أنها شكلت وعياً داخلياً ظهر فيما بعد في زمن الغيبة الكبرى, أو كان له تأثير كبير بالحد الأدنى في وحدة المرجعية.
المجامع الروائية:
فيما تقدم ذكرنا أن التدوين عند الشيعة الإمامية بدأ مع المراحل الأولى مع أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب(ع) وهذه الحركة أكملت مسيرتها مع بقية الأئمة(ع), وفي أدنى مراجعة سوف نجد أن هناك كماً هائلاً من الكتب الحديثية والفقهية في جميع أبواب الفقه كانت مستمرة حتى زمن الإمام الثاني عشر(عج) وأعتقد أنه من المهم جداً قراءة الحالة الفقهية وتطورها في بقية المدارس الإسلامية ودراسة العامل التاريخي, الذي ظهر بدخول ثقافات جديدة على الساحة الإسلامية, وتَفْتُّح الأفق المعرفي عند المسلمين من جهة, والاختلاط الاجتماعي بين مجموعة كبيرة من العادات والتقاليد والأعراف تحضنها الأمم والشعوب التي انفتحت على الإسلام من جهة أخرى.
وفوق ذلك كله هناك العامل السياسي الذي أراد أن يسخر الحديث والفقه بما يتلائم مع السياسات المتبعة من قبل من تصدى وحكم المسلمين. في ظل هذه التطورات كانت الحركة الفقهية تكمل مسيرها في النمو والازدهار, ولا يخفى على قارئ كيف تجلت عملية النمو في زمن الإمام جعفر الصادق(ع).
هنا لا بد من ملاحظة أمر لـه نوع ارتباط بموضوعنا, وهو أنه مع كثرة الكتب الحديثية والتي كانت تتناول ربما نفس الموضوع نجد أن هناك كتباً اشتهرت وذاع صيتها وكانت محل اهتمام لدى المتشرعة في تلك الأزمنة بخلاف بعض الكتب الأخرى, وواحد من الأسباب المهمة في هذا المجال ناتج عن شخصية الكاتب وقد أشرنا إلى ذلك في ما تقدم, إلى مدح الإمام(ع) لبعض الأشخاص؛ كما نضيف هنا أن الإمام(ع) نهى البعض أن يحدثوا في بعض الأبواب وأوكلها إلى آخرين كما في هشام ابن الحكم.
مما تقدم نجد أن المرجعية الشيعية في شكلها الراهن لم تصل إليه فجأة بل تطورت مع الزمن, ومما لا شك فيه أن الوضع الراهن للاجتماع الإسلامي العام وخصوصيات الراهن الشيعي ما بعد الثورة الإسلامية المباركة في إيران, وطرح نظرية ولي الفقيه من قبل مؤسس الدولة الإسلامية, كل ذلك أعطى المرجعية بعداً آخر وحساسية عالية للموقع والمكانة الذي تشغله المرجعية؛ وبعد سلسلة استحقاقات سواء على مستوى المرجعية بالمعنى الذي كان معمولاً به فيما قبل الدولة, أو ما فرضه رحيل مؤسس الدولة الإسلامية في إيران, أثيرت العديد من الأسئلة حول المرجعية وكيفية تعيين المرجع خصوصاً بعد رحيل الرعيل الأول من المراجع أو الطبقة الأولى, كما عبّر الشيخ التسخيري في كتابه "نظرات حول المرجعية"[3]. ويشار هنا إلى أن رحيل مؤسس الدولة الإسلامية وضع الشيعة وخصوصاً في إيران أمام استحقاق تعيين الولي, ونشّط البحث مجدداً حول المرجعية والولاية؛ لقد كانت المرجعية تتعين عادة وتنبثق من داخل الحوزات العلمية, يعني في الحقل الاختصاصي الخاص بالحوزة, وهو على علاقة مباشرة عموماً مع المرشح لهذا المنصب. هذا وإن لم يكن على الشكل المتعارف عليه حالياً, إلا أنه لا يخلو من هذا في حقيقته ومضمونه وكيفما كان فإن الواقع الخارجي فرض نفسه, وكانت الأسئلة نابعة من هذا الواقع المتقدم ذكره.
وهنا يمكن أن نعرض المسألة على الشكل التالي:
هناك العديد ممن له أهلية التصدي لهذا المنصب ولو بنظره هو, وهناك انتشار جغرافي لهم يمتد على جغرافية التواجد الشيعي, إلى جانب ذلك هناك دولة لها شؤونها الخاصة المتعلقة بالإدارة والمؤسسات وما يعنيه مفهوم الدولة, والمرجعية حتى ولو لم تكن تابعة لأصحاب الرأي القائل بولاية الفقيه بالشكل الذي طرحه الإمام الخميني(قده) إلا أنه يبقى لها تأثير بشكل أو بآخر في وضع الدولة وعمل مؤسساتها ولو لجهة الأمور الحسبية. وهذا الأمر أعطى موضوع "المرجع" بعداً مهماً كما تقدم. وهذا ينعكس أيضاً في بعض أعمال المرجعية ووظيفتها التي منها إدارة الحقوق المالية الشرعية خصوصاً الخمس, وهذا الموضوع في زماننا الراهن له أهميته الخاصة من الزاوية الاقتصادية وما يمثله هذا الشأن من قوة داخل المجتمع كما لا يخفى؛ لذلك نجد أن الشيخ التسخيري أفرد له حيزا مستقلاً في كتابه للاستدلال ودعم النظرية القائلة: إن التصرف في الأموال العامة من صلاحيات ولي الأمر؛ مع أن هذا الموضوع في حقيقته ليس إلا حكماً شرعياً كبقية الأحكام الشرعية المطروحة في العبادات, إلا أن النتائج المترتبة على هذا الموضوع تدعو إلى الاهتمام به وإيلائه عناية خاصة.
وقد كان شرط الأعلمية هو الفيصل في تحديد المرجع, وكان يتم هذا الأمر داخل الحوزة عن طريقين, الأول وهو الذي ساد إلى زمن طويل عبر الحضور المميز لشخص المجتهد, الحضور العلمي, والمسلكي, كما نجد هذا الحضور القوي لدى الشيخ الطوسي(قده), ومن بعده الشيخ المفيد(قده), والسيد المرتضى(قده) بعد ذلك, إلى الشيخ الأنصاري(قده), وغيرهم. وهنا لا بد أن ننبه إلى أن هذا لا يعني أن كل الشيعة كانوا يرجعون إلى مرجع واحد في كل الأزمنة, لكن الذي يحصل أن هناك مرجعيات قوية يرجع إليها الأكثر من الشيعة. وأحياناً يحصل تقاسم إذا أردنا أن ننظر إلى الموضوع من الناحية العددية, لكن مع هذا فإن الكل خاضع لنفس الضابطة وهي الأعلمية وكان الاختلاف عادة يحصل في تحديد الأعلم من بين الفقهاء الموجودين في الحوزة العلمية.
وقد أوجد هذا الشرط من الناحية العملية وفي بعض الأزمنة مشكلة في تعيين الأعلم, وقد نتج ذلك عن أحد أمرين, أو كلاهما:
أولاً: ضابطة الأعلمية التي وضعها الفقهاء, ففي نظر البعض أنه لا يوجد ضابطة محددة.
ثانياً: التقارب بين المجتهدين؛ بحيث يصعب الجزم بأعلمية أحد الطرفين.
ولحق ذلك اتساع الدائرة, إذ في المراحل التاريخية التي مرت بها الحوزة كان الوضع القائم يسمح بهذا التعيين مع قلة العدد, ووجود أشخاص استطاعوا أن يفرضوا أنفسهم بقدراتهم العلمية والمسلكية.
وأمام هذه المعضلة, ظهرت بعض الطروحات في محاولة منها للإسهام بوضع حل جذري, وهنا لا بد من إلفات النظر إلى أن المشهور بين الفقهاء الأخذ بشرط الأعلمية، مع وجود من لم يقبل بهذا الشرط وناقش في الأدلة التي سيقت فقهيا لإثبات كونه شرطاً.
وبناء على عدم اشتراط الأعلمية سوف نجد أن دائرة العدد تتسع أكثر, والأسئلة المطروحة تفرض نفسها أكثر. أمام هذه الصورة, وجد البعض أننا أمام استحقاقات زمنية لا يمكننا مواجهتها بواسطة الضوابط المطروحة، وأن ننفذ منها بما فيه الصالح العام للأمة الإسلامية أفرادا ودولة. ولذلك يقول الشيخ محمد علي التسخيري في كتابه في معرض حديثه عن أساليب اختيار المرجع: "فهي اليوم تكاد تنقلب على أهدافها في عصر الطلائعية الشيعية لكل العالم الإسلامي, عصر الكلمة الشيعية الأولى في قبال كل الطواغيت"[4].
ونتيجة لهذا مع القلق الذي رصده الشيخ التسخيري وغيره بعد رحيل عدد من الشخصيات المرجعية من الشهيد السيد محمد باقر الصدر إلى رحيل الشيخ الأراكي رحمهم الله جميعاً.
يلخص هذا التوتر بالتالي: "هذه الفواجع أحدثت توتراً شديداً وقلقاً مستمراً ناتجاً من تعدد الولاءات وكثرة الادعاءات وغموض الحقيقة, وأثارت الشبهات حول الأساليب التقليدية لانتخاب المرجع"[5].
وإننا وإن كنا لا نوافقه الرأي في أن رحيل هذا الرعيل الأول أو الطبقة الأولى من المراجع بشكل متتالٍ وسريع أثار شبهات وقلقاً, بقدر ما هو تساؤل عمن يقوم بهذه المهمة في ظل الظروف الراهنة التي خلقت مناخاً شبه عام في نفوس مقلديهم عمن يقوم بأعباء المرجعية. على كل حال, هناك شعور متولد بفعل الأحداث والظروف العامة كانت السبب للبحث حول المرجعية من جديد, في محاولة لتلبية الحاجة الزمنية والإجابة عن أسئلة مطروحة, وهواجس عند المخلصين.
وهنا أشير إلى أهمية الوعي الداخلي, أقصد أن هناك صورة مركوزة في الوعي الداخلي الشيعي نتيجة تجربة زمنية طويلة متصلة بالمعصوم(ع) وبالإرث السياسي العام للمسلمين الذي ينظر إلى المرجعية موحدة, يضاف إليه القلق العام على أوضاع المسلمين العامة "ولا معنى لتصور قيادتين فعليتين في الأمة الواحدة والطائفة الواحدة"[5].
فعندما يتعدد المراجع ويتوزع الناس كل على مرجعه, فهذا يوحي بالتشرذم خصوصاً عندما يكون للمرجع رؤياه الخاصة في بعض الأمور السياسية, أو الاقتصادية, أو القوانين المعمول بها داخل الدولة الإسلامية.
وأيضاً هنا انعكاس لتجربة سياسية تاريخية, فإن الأعداء عملوا ومارسوا التفرقة على صعيد الأمة جمعاء, وحاولوا جاهدين وما زالت محاولتهم للتفريق بين أصحاب المذهب والطائفة الواحدة.
إذاً هذا التعدد ينعكس تشرذماً الذي ينعكس بدوره ضعفاً ويوفر للأعداء أرضية سهلة للنيل من الدولة الإسلامية, ولذلك يقول الشيخ التسخيري: "إذا لا نستطيع أن نترك الأمور على عواهنها خصوصاً مع ملاحظة العداء الاستكباري المخطط لضرب الثورة الإسلامية, وتركيز الأعداء على المرجعية ومحاولة النفوذ من خلالها"[7] وقد حاول الشيخ التسخيري في هذا السياق تبديد الخوف والقلق على أساس المؤسسة المرجعية أو ما يسميه هو "دار الإفتاء" وينحصر صدور الفتوى بهذا الدار, وبالتالي النظام المؤسساتي هو الذي يحمي نفسه من الاختراق حسب الفرض, أو لا أقل يمنع حالة التفرد في الفتوى والتي قد تصدر عمن ليس لـه باع طويل في الحراك السياسي والاجتماعي العام. وربما كان من غير الممكن أن نتصور أن الاجتهاد الفردي المنعزل يستطيع أن يلم بكل القضايا اليوم، فمع وجود "دار الإفتاء" حسب الفرض المتصور يمكن تبديد هذا الخوف, حيث يمكن أن يتم تلافي النقص الحاصل نتيجة لتشعب القضايا, إلا أن هذا يبقى طرحاً عاماً, لا يوضح كيفية وآلية العمل داخل هذه المؤسسة وإن كان المهم بالدرجة الأولى هو قبول هذه الفكرة.
يبقى أن نسأل هل المسؤولية وعمل المجتهد يحتمل هذا الطرح؛ إذ الاجتهاد يقوم على الجهد الشخصي المؤدي إلى الرأي الخاص المتصل بأخذ القرار واستصدار الفتوى؟ وهذا واضح بمراجعة أسس الاجتهاد. نعم قد يكون مريحاً للمقلد أن تتوحد الفتوى أمامه, إلا أنها مفقدة للخيارات أيضاً؛ إلى جانب ذلك نتساءل هل علاقة المقلد بالمرجع هي علاقة فتوى فقط؟! أسئلة تحتاج إلى مزيدٍ من البحث.
القيادة:
بديهي أن المستجدات والظروف التي نعيش فيها تحمل من التعقيدات ما يفرض علينا أن يكون "المرجع الولي" له ميّزات خاصة تحاكي الجانب القيادي للأمة. وهذا الأمر كما شرط الأعلمية عند البعض هو في نفسه صحيح. إلا أن هذا لا يسهل عملية الانتخاب والاختيار, إذ كلما ازدادت الشروط كلما ندر الوجود كما يقولون.
لكن المهم في المقام هو أن يكون الولي حاملاً لهذه الصفات. إن المعرفة بالأوضاع السياسية والاجتماعية والتاريخية لحياة المسلمين قد تكون أكثر تعقيداً من الفتوى في الزمن الراهن, وبالتالي الاقتراح المتقدم في المرجعية الفتوائية نجده هنا أكثر إلحاحاً؛ إذ المسؤولية الملقاة على عاتق الولي الفقيه أشد تعقيداً.
نعم بما أن فكرة المؤسسة التي تحكي حقيقة وصميم "دار الإفتاء" هي في نفسها لم تجد بعد طريقاً لها, ونحن أمام استحقاقات كبيرة لا يمكننا معها الانتظار حتى تتبلور الطروحات, فإننا ومن باب الضرورة يمكننا أن نعمل على أساس توفر الشروط الملائمة في "الولي الفقيه" وأن لا يُغلق الباب أمام البحث في موضوع القيادة. مع التنبيه على التأمل في موضوع القيادة والولاية؛ حيث إن حصر أو تلبيس مفهوم الولاية القيادة لا نوافق عليه...!
هذه الشروط هي التي تؤمن شخصية القيادة في ظروف عملها, وتغطي مساحة المهام الملقاة عليها, وقد طرحت بعض الشروط الزائدة على شروط المرجع انطلقت من داخل التجربة الحديثة في "الدولة الإسلامية" وبعد تجربة عملية لدور الفقيه الولي والتي فرضت نفسها من خلال التجربة.
وكما انبثقت هذه الشروط من خلال التجربة العملية كما تقدم, فإنها أيضاً كانت هي الباعث للنظر في بعض مختصات المرجعية العامة والقيادة, والتي منها موضوع "الخمس" والحقوق المالية الشرعية.
وقد لخص ذلك سماحة الشيخ التسخيري في النتيجة التي ذكرها بعد إطلاله على الأدلة الشرعية المرتبطة بالخمس, وهذا ما جاء في النتيجة:
"أولاً: إن الخمس كغيره من الأموال العامة يعود أمرها إلى الولي الحاكم.
ثانياًَ: إن هذا الولي الحاكم هو الفقيه الجامع للشروط الذي تعيّن بنحوٍ ما أميراً للأمة وإماماً لها.
وبعد هذين الأمرين نصل إلى لزوم دفع الحقوق الشرعية كالخمس إلى الولي الفقيه وأمير الأمة الإسلامية..."[8].
وبذلك يتم تدعيم أسباب القوة في القيادة من تخصيص القدرة المالية "الاقتصادية" بالولي الفقيه, وغيرها لكن تبقى هذه قراءة فقهية من قراءات تختلف في النتائج عما تقدم, إلى جانب أنها لم تلحظ الأثر الحاصل على المرجعية والذي اقترح أن تكون مجلساً للإفتاء.
هذا إلى جانب إغفالها الدور التاريخي للمرجعية في عملية التصدي لأوضاع المسلمين مباشرة, من سد الحاجات الاقتصادية وغيرها, والتي وطدت العلاقة بين المرجعية والمقلدين, هذا من الناحية النظرية بغض النظر عن النقاش الفقهي الصرف في موضوع الخمس.
على كل حال, هذا الطرح يجب أن يأخذ بجدية واهتمام كما دعى إليه الشيخ التسخيري حيث اعتبر ذلك محاولة منه في الإجابة على الأسئلة المطروحة والتي تناقش موضوع "المرجعية".
_________________________
[1] هامش ميزان الاعتدال، جزء 5، ص 5. نقلا عن: السيد علي الطباطبائي، رياض المسائل، مقدمة الشيخ محمد مهدي الآصفي، ج1، ص12.
[2] رياض المسائل، ج 1، ص12.
[3] الشيخ محمد علي التسخيري، نظرات حول المرجعية، ص 12.
[4] نظرات حول المرجعية، مصدر سابق، ص 14.
[5] المصدر نفسه، ص 13.
[6] المصدر نفسه، ص 15.
[7] المصدر نفسه، ص 14.
[8] المصدر نفسه، ص 62.
 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية