مركز الصدرين للدراسات السياسية || الدراسات السياسية

جرائم الاختراق الثقافي الغربي وسبل مواجهتها
‏الدكتور مهدي الكبيسي


‏قراءة في الصراع الفكري بين الإسلام والغرب ‏
‏ ‏بسم الله الر حمن الرحيم
‏ ‏لاشك أنّ الحدث الأهمّ الذي وضع العرب خصوصاً والشرق عموماً في ‏مجرى التاريخ هو ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية في بداية القرن ‏السابع الميلادي. وما كاد عام 732م (113 هـ) ينصرم حتى كان المسلمون ‏قد تدفقوا خارج حدود الجزيرة العربية حاملين رسالة الإسلام إلى العالم ‏الوسيع، ومقيمين إمبراطورية عظيمة، وعلى حدّ تعبير المؤرخ فيليب ‏حتّى: أعظم من روما في ذروة قوتها، إمبراطورية تمتدّ من خليج بسكاي ‏الى جزر الهند الغربية وحدود الصين، ومن بحر العرب إلى مساقط المياه ‏لأعالي النيل، فبإسم الله ينادى خمس مرات في اليوم من آلاف المنائر ‏المنتشرة في جنوب غربي أوربا وإفريقيا الشمالية وآسيا الغربية ‏والوسطى[1].‏
حدث هذا في الوقت الذي كانت هناك قوتين عظميين تحكمان العالم: ‏بيزنطية ‏المسيحية وساسان الزرداشتية في فارس، حيث لم تستطع هاتان القوتان ‏الأعظم - وقد أنهكتهما الحروب الإستنـزافية المتبادلة على مدى ثلاثة قرون ‏ـ أن تقاوما القوة الجديدة. فقد إنهارت الإمبراطورية الفارسية، وطردت ‏البيزنطية شمالاً إلى الأناضول في مدة لا تتجاوز الخمس والعشرين سنة.‏
وبهذا يكون الفتح الإسلامي قد غيّر وجه العالم، وكما يقول: ناتنغ: وليس ‏هناك من إمبراطورية بلغت هذه الأبعاد وتمّ كسبها بمثل هذا الوقت[2].‏
إنّ هذه الفتوحات الإسلامية الواسعة جعلت المسلمين على تماس حادّ ‏بثقافات مختلفة، مثل: الثقافة اليونانية والفارسية والهندية، ولم يقتصروا ‏على إستيعاب تراث هذه الثقافات فحسب، بل تفاعلوا معها وأضافوا إليها ‏كذلك إضافات جوهرية واسعة بعدما ترجمت إنجازاتهم في كافة حقول العلم ‏والمعرفة، وخاصة في الطب والبصريات والكيمياء والفلك والجغرافيا ‏والفلسفة إلى اللغة اللاتينية.‏
لكن إنجازات المسلمين الفكرية ومساهماتهم في المعرفة الإنسانية قد قُلِّلت ‏أهميتها وشوّهت ولم يُعترف بها، بل أنّ الغرب ـ وهو العدو المقابل ـ قمع ‏كل من حدّثته نفسه أن يبدي أيّ تعاطف يسير مع الإسلام أو المسلمين، كما ‏حصل للعالم «وليم وستن» خليفة نيوتن، والأستاذ في جامعة كمبردج حينما ‏أدّت حماسته للإسلام إلى طرده من الجامعة عام 1709م[3].‏
الغزو الغربي:‏
إنّ من أهم أسباب نشوء هذه النظرة غير المنصفة يعود إلى ما يتّسم به ‏الغرب ‏من غرور مفرط، وهذه الحقيقة يؤكّدها الغربيون أنفسهم وعلى ألسنتهم. فقد ‏كتبت الصحفية الأميركية المعروفة مرّة تقول: إنّ المسيحيين يبدون ‏مغرورين إلى درجة لا تصدق، وخصوصاً عندما يصل الأمر إلى الأديان ‏الأخرى[4].‏
وعزا هذا الغرور الأستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس سابقاً) إلى الإرث ‏اليوناني والروماني، فكتب يقول: أنّ اليونانيين والرومانيين نظروا إلى ‏أنفسهم على أنّهم هم وحدهم المتمدنون، أمّا كل من كان أجنبياً عنهم وعلى ‏الأخصّ أولئك الذين كانوا يعيشون شرق البحر المتوسط، فقد كان ‏اليونانيون والرومانيون يطلقون عليهم كلمة «البرابرة»، ومنذ ذلك الحين ‏والأوروبيون يعتقدون أن تفوّقهم العنصري على سائر البشر أمر واقع، ثم ‏أنّ أحتقارهم الى حدّ بعيد أو قريب لكل ما ليس أوروبياً من أجناس البشر ‏وشعوبهم قد أصبح إحدى الميزات البارزة في المدنية الغربية[5].‏
‏ ‏كراهية متأصّلة:‏
على أنّ هذا وحده لا يكفي لإظهار مايكنّه الأوروبيون نحو الإسلام خاصة، ‏بل يعزو أيضاً الى الكُره العميق الجذور الذي يحمله الأوروبيون في قلوبهم ‏تجاه المسلمين. وهذا الكره ليس عقلياً فحسب، وإنما يصطبغ بصبغة عاطفية ‏قوية. إذ ما أن تتجه المسألة نحو الإسلام حتى يختل التوازن الغربي، ويأخذ ‏الميل العاطفي بالتسرّب.‏
وهذا ما يتجلّى في كتابات المستشرقين الأوروبيين، حيث يظهر في أغلب ‏كتبهم ‏وبحوثهم على أنّ الإسلام متّهم يقف أمام قضاته، وهم يمثلون دور المدّعي ‏العام الذي يحاول إثبات الجريمة.‏
وفي الجملة فانّ طريقة بحوثهم وإستقراءاتهم حول الإسلام تذكرنا بوقائع ‏محاكم التفتيش التي أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية لخصومها في العصور ‏الوسطى، ولذا تراهم «ينتشون سروراً خبيثاً حينما تعرض لهم فرصة ـ ‏حقيقية أو خيالية ـ ينالون بها من الإسلام عن طريق النقد»[6].‏
فضلاً عن ذلك فأن الافتراضات والنظريات التي يطرحها المستشرقون ‏والمؤرّخون الأوروبيون أمثال: برنارد لويس، جب، فون غرونبوم، ‏بروكلمان قد أضافت إلى الواقع المشوّه تشويهاً جديداً، لأنّ هؤلاء قد كتبوا ‏ما كتبوا متأثرين بتركة إستشراق القرن التاسع عشر، وهي تركة على حدّ ‏تعبير سي. آدمز: أرهبت عدداً من العلماء فتهيّبوا من محاولة إعادة فحص ‏القضايا الجوهرية[7].‏
والحق الذي يمكن أن يقال: إنّ هؤلاء المستشرقين وأضرابهم إنّما يمثّلون ‏طلائع مدنيّتهم وفكرهم التبشيري البغيض. فإننا من أجل ذلك ـ كما يقول ‏الأستاذ محمد أسد ـ: يجب أن نصل ضرورة إلى أن نستنتج أنّ في العقل ‏الأوربي على العموم ـ لسبب ما ـ ميلاً عن الإسلام بما هو دين وبما هو ‏ثقافة، أنّ سبباً واحداً لذلك يمكن أن يعزى إلى الإرث الذي قسّم العالم ‏يومذاك: أوربيّين وبرابرة، وأمّا السبب الآخر وهو أشدّ صلة مباشرة ‏بالإسلام فيمكننا أن نتبعه إذا ولّينا أبصارنا شطر الماضي وخصوصاً إلى ‏تاريخ العصور الوسطى[8].‏
فعندما صدع النبي (ص) بالدعوة كانت هناك ثلاث قوى مضادة تتباين في ‏مواقفها تجاه الدين وهي: مشركو قريش، والنصارى، واليهود. وفيما كان ‏موقف المشركين المعادي القائم على الجاه الاجتماعي والمصالح التجارية ‏واضحاً، فانّ موقف اليهود السلبي إنما «كان مستنداً على خلفية الإحساس ‏بالتفوّق الديني تجاه كل ما يمكن أن يظهر كمعارضة للتقليد التوراتي، ‏والمستند أيضاً على الغرور العرقي والثقافي، خلافاً للنصارى الذين بدوا ‏أكثر تحفّظاً واقل قتالية»[9].‏
والقرآن الكريم يستعرض هذه المفارقة بوضوح، قال تعالى: (لتجدنّ أشد ‏الناس عداوة للّذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودّة ‏للّذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهباناً وأنّهم ‏لا يستكبرون) [10].‏
ويمكن أن نعتبر أن حادثة المباهلة مع وفد نصارى نجران بمثابة أقصى ‏حالات المواجهة يومذاك.‏
لكن بعد أن توالت الانتصارات الإسلامية الساحقة على الصعيد العسكري، ‏وتحرّكه بإتجاه أوربا، وسلسلة الفتوحات الإستراتيجية في العمق المسيحي، ‏بدأ ردّ الفعل السلبي واضحاً عند المسيحيّين ضد المسلمين، وخصوصاً من ‏الذين كانوا يعايشونهم في البلاد التي فتحوها، فلم يرحّبوا على الإطلاق ‏بالإسلام رغم التسامح الذي كان يبديه ايّاهم المسلمون والأقليات الأخرى.‏
فقد اتّخذ موقفهم السلبي نمطين اثنين:‏
الأول: ولاسيما من الرهبان، فقد سعوا إلى تقليل أثر الصدمة بوصف هذه ‏الفتوحات وتأويلها في إطار كنسي صرف بكونها ما هي إلاّ إنتقام الهي من ‏المعاصي الكثيرة التي أرتكبها المسيحيون، وتحقيق للتنبؤات الواردة في ‏النصوص التوراتية، وعلى أمل أن يهبط منقذ المسيحية ويصدّ التحرك ‏الإسلامي «المعادي» بفتح مسيحي مضادّ فوراً وبرعاية السماء!.‏
الثاني: ولاسيما من أصحاب القرارات السياسية، فقد اعتبروا المسلمين ‏أعداءً سياسيّين وعسكريّين يجب مقارعتهم وبشتى الأسلحة المتوفرة.‏
وقد سجّل هذين الموقفين بوضوح «يوحنا الدمشقي» الذي عاش بدمشق في ‏عهد الأمويّين وعمل في دار الخلافة، في كتابيه «ينبوع المعرفة» ‏و«مساجلة بين عربي ومسيحي»[11].‏
أمّا ردود الفعل الصادرة عن المثقفين والكتّاب المسيحيّين فقد اختلف عن ‏موقفين:‏
أحدهما: يسمح بتبنّي موقف إيجابي يميل إلى التأييد بإعتبار أنّ الإسلام ‏يحمل من الأُسس الإبراهيمية الشيء الكثير كـ«سيبوس» مثلاً الذي كان يقرّ ‏بالمباني الإبراهيمية للإسلام، بل ويذهب الى حدّ الإعتراف ببعض من ‏النبوة المحمدية[12].
والآخر: سلبي فظّ تجاه العقيدة الإسلامية، وإعتبار الإسلام مجرد ‏‏«هرطقة» ويرمي النبي(ص) بالكذب والبهتان المبين[13]. وقد ازداد هذا ‏الموقف السلبي سوءاً بمرور الأيام جراء الأفعال التي كان يصنعها حكّام ‏المسلمين اللامسؤولة تجاه ‏الرموز المسيحية في البلاد الإسلامية كفعل الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي ‏أمر بهدم المزارات المسيحية المقدسة في مدينة القدس، ممّا ساعد ـ بفعله ‏هذا ـ على تكريس التصوّر السلبي السيء للإسلام عند عقلية الفرد ‏المسيحي.‏
كتبت الصحفية الأميركية «بربارا براون» تقول في صدد ذلك: كان في ‏البداية ـ أي الموقف المسيحي تجاه الإسلام ـ ببساطة نوعاً من التذمر ‏المكتوم، لكن عندما دمّر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله المزارات المقدسة ‏المسيحية في القدس فانّ هذا التذمر تطور إلى صخب هادر، انّ المسيحيّين ‏في أوربا كانوا يعيشون في خوف من غزو إسلامي، وكان عمل الحاكم ‏بأمر الله هو القشّة الأخيرة[14].
‏ ‏الجهل المسيحي بالإسلام:‏
حينما سمعت أوربا الغربية المسيحية لأول مرّة بالإسلام، وواجهتها تحدّي ‏قوته المتزايدة لم يكن لدى أوربا حينذاك أيّة معرفة حقيقية بمن ستقاتله، ‏فنتج عن هذا الجهل الممزوج بالخوف جملة من الأساطير والخرافات ‏الخرقاء تضاهي ما تراكم في عهد اوغسطين.‏
يقول «ريتشارد سويثرن» في تاريخه الموجز: إنّ الذي أنصقل كثيراً ‏وازداد تعقيداً هو الجهل الغربي، وليس المعرفة الصحيحة بالإسلام، أدّى ‏هذا الجهل بالإسلام إلى التفكير بضرورة القيام بعمل ما بشأن الإسلام. ‏والواقع أنّ عدم الإنصاف يتمثل في التصور المسيحي للمسلمين ككفّار ‏ووثنيّين يعبدون ديناً زائفاً، ولمحمد (ص) كساحر، بل نُظر إلى النبي(ص) ‏على انّه كاردينال في كنيسة روما، فلمّا اُحبطت آماله في أن يصير بابا ثار ‏وفرّ إلى الجزيرة العربية حيث أنشأ هناك ‏كنيسة خاصة به[15].
ففي مثل هذا الجهل الفاضح الممزوج بالخوف والحذر «عشّشت وفقّست ‏العديد من التصورات والمواقف والتأويلات الظالمة المشوّهة» على حدّ ‏تعبير المستشرقة الالمانية د. آنا ماري شميل[16]. وتستمر هذه الرؤية ‏القاصرة لتطبع الذهنية الغربية المريضة تجاه الإسلام ورسوله ‏الأعظم(ص) وكتابه المجيد بمعونة جملة عوامل ومقومات أبرزها وجود ‏الرموز التبشيرية والدوائر الغربية التابعة لها التي ما انفكت من العمل ‏الدائب على تكريس هذا الواقع من خلال نسج الأساطير والخرافات حول ‏الرسالة المحمدية البيضاء وحتّى يومنا الحاضر.‏
ولئن تعامل الغرب ـ في البداية ـ مع الإسلام والمسلمين بشيء من الحذر، ‏فانّه قد تجاوز هذه الحالة إلى ما هو أشد فيما بعد، فعندما وصل المسلمون ‏إلى أبواب أوربا وانفتحوا عليها ديناً وحضارة، قابلهم الأوربيون بالخوف ‏والرعب المشوبين بالحذر والرغبة في الصدّ والمقاومة، خاصّة بعدما أملت ‏عليهم الكنيسة الرؤية الضبابية باعتبار هؤلاء ما هم إلاّ محتلّون وتوسعيون ‏ومتوحشون وأعداء للمسيح في الوقت الذي شرعت الكنيسة لنفسها سياسة ‏وحيدة الجانب تقوم على مواجهة «الخطر» الإسلامي، والعمل على إعادة ‏الأمور إلى نصابها التي كانت عليه قبل ظهور الإسلام.‏
كتب المستشرق الكبير «رودنسون» يقول: لقد كان المسلمون خطراً على ‏الغرب قبل أن يصبحوا مشكلته، وفي الوقت نفسه عامل اهتزاز شديد في ‏بنيان الوحدة الروحية للغرب، وإنموذجاً حضارياً بديلاً يمتاز بتنافسه ‏وحركته الإبداعية ‏المتسارعة وقدرته الهائلة على الإنفتاح والإستيعاب. وفي مواجهة تقدّم هذا ‏الإنموذج على المستوى الجيوسياسي عبّر مثقفو الغرب عن شعور عام ‏بالأندهاش أمام المسلمين، وبدا ذلك لهم وكأنه خطر على المسيحية[17].‏
ومن هنا كان لابد للكنيسة من إتباع برنامج دقيق يقوم على آلية عالية تعمل ‏من أجل تكوين الصورة السلبية عن الشرق والإسلام لمواجهة هذا الخطر ‏المحدق من جهتين:‏
الأولى: تشريع الكنيسة الغربية لوحدة ايديولوجية متكاملة في مواجهة فكر ‏الإسلام وحضارته.‏
الثانية: إعتماد مشروع يهدف إلى تثبيت الإيمان المسيحي عند المسيحيّين ‏من خلال تشويه الصورة الحضارية للإسلام ومايصل منها إلى مسامع ‏الغربيّين بغية «تغيير ماترسخ في الوعي الغربي من إيجابيات الشرق ‏الإسلامي»[18].‏
‏الحروب الصليبية:‏
أتخذت الكنيسة الأوربية قرار الخيار العسكري كوسيلة فعّالة لوقف ‏‏«الزحف» الإسلامي وقطع دابره من خلال إعلان حالة الحرب على البلاد ‏الإسلامية وتحطيم شوكة الإسلام ومنعه من الخروق بإتجاه الديار الأوربية ‏المسيحية، فحشدت لها الحشود، وعملت على تغطية ميزانيتها بأموال ‏طائلة، ووجدوا الغطاء الذي يمكن أن يمرّروا عبره عملياتهم الوحشية، ‏فأعلنوا أنّ هدف ‏حملاتهم إنّما هو لـ«تحرير» القدس وإنقاذها من أيدي «البرابرة» المسلمين ‏الذين غزوا بلادنا وهتكوا مقدساتنا المسيحية.‏
وهكذا اندلعت الشرارة الأولى للحملات الصليبية عام 1096م ولم تنطفىء ‏إلاّ بعد عام 1291م، أي استمرّت زهاء قرنين تقريباً، بعدما إستنـزفت فيها ‏أوربا المسيحية كل طاقاتها المادية والبشرية والحضارية، وباتت أشبه ‏بمتسكع يذرع الطرقات بحثاً عن مأوى أو غذاء. ولم تثمر عن أيّ شيء ‏يمكن أن يكون مدعاة للإفتخار أو إنجازاً حيوياً في طريق الأهداف التي ‏نشدتها الكنيسة من قبل.‏
وفي الحقيقة أنّ الغرب المسيحي الذي جاء إلى القدس للدفاع عن المدينة ‏والمسيحيّين فيها لم يكن سوى باحث عن ذاته التي هدّدها الإسلام بزوالها. ‏وهذا ما جعل «القدس» تبدو بالنسبة إلى الغرب الصليبي ضرورة حيوية ‏لدفع الخطر الإسلامي عن أوربا كمقدمة لإستعادة المبادرة الروحية ‏المسيحية والهيمنة على الشرق كلّه.‏
يقول «غاردنر» معترفاً بهذا الكلام: إنّ الحروب الصليبية لم تكن لإنقاذ هذه ‏المدينة (القدس) بقدر ما كانت لتدمير الإسلام[19].
ولذا فإنّ الحملات الصليبية الطويلة الأمد إنما كانت لهدف آخر غير المعلن ‏عنه، وهو تدمير الإسلام وعلى كافة الأصعدة من خلال ضرب العمق ‏الإستراتيجي للدولة الإسلامية المتمثل في مدينة القدس المقدسة. ومنه يظهر ‏أنّ هذه الحروب إنما تمثل مرحلة إستراتيجية اتخذتها الكنيسة كوسيلة فاعلة ‏مرحلية للوصول إلى الهدف المنشود، وآلية تكتيكية راهنة رأت الحاجة إلى ‏استخدامها لتحطيم الوجود الحضاري للإسلام العزيز.‏
والآن، وبعد مرور اكثر من سبعة قرون على إنتهائها يبرز تساؤل ملحّ ‏اليوم: هل انّ الحركة الصليبية كانت مرحلة قد إنطوت صفحتها وإنقطعت ‏أم أنها حالة ماتزال تتحرك في الواقع بصورة أو أُخرى؟؟
‏شبح الحروب الصليبية:‏
لا يخفى على كل باحث أنّ الحروب ـ مهما قصرت ـ من شأنها أن تحدث ‏أثراً في نفسية الشعوب التي اكتوت بنارها، وقد يمتد هذا الأثر لأجيال ‏عديدة. وهكذا كان شأن الحروب الصليبية فانّها أحدثت أثراً من أعمق الآثار ‏وأبقاها في نفسية الأوربي وذهنية الفرد الغربي البسيط، وذلك نظراً:‏
‏* لطول مدتها وشدة ظراوتها.‏
‏* للمؤثرات العنيفة التي استخدمها رجال الكنيسة لتهييج العوام وإبراز ‏العاطفة تجاه المقدسات المسيحية المنتهكة في القدس وغيرها.‏
‏* للحمية الجاهلية العامة التي أثارتها الكنيسة لدعم الجبهات بمقاتلين جهلة ‏متخمين بالكراهية والحقد ضد كل ما له صلة بالإسلام.‏
‏* للخسائر المادية والبشرية الهائلة التي أفرزتها الحروب الطويلة.‏
كتب الأستاذ محمد أسد يقول: إنّ الاصطدام العنيف الأول بين أوربا المتحدة ‏من جانب وبين الإسلام من جانب آخر، أي الحروب الصليبية يتفق مع ‏بزوغ فجر المدنية الأوربية. وفي ذلك الحين أخذت هذه المدنية ـ وكانت ‏لا تزال على اتصال بالكنيسة ـ تشقّ سبيلها الخاص بعد تلك القرون ‏المظلمة... لقد كانت ثمة حروب بين المسلمين والأوربيّين قبل عصر ‏الحروب الصليبية: كانت فتوح العرب في صقلية والأندلس، وكان هجومهم ‏على جنوب فرنسا، ولكن كانت هذه المعارك قبل أن تستيقظ أوربا ويظهر ‏وعيها الثقافي الجديد، فاتّسمت من أجل ‏ذلك ومن جهة النظر الأوربية على الأقل: بطابع ذي نتائج محلية، ولم تكن ‏المعارك قد فهمت بعد على وجهها الحقيقي أنّ الحروب الصليبية هي التي ‏عيّنت في المقام الأول والأهم موقف أوربا من الإسلام لبضعة قرون ‏قادمة[20].
فكم من حروب كثيرة قد نشبت بين الشعوب على مدى التاريخ الإنساني، ‏وكم من عداوة تولدت بين الأطراف المتحاربة، ولكنها بمرور الأيام ‏تنقرض مع ولادة أجيال جديدة وعقود جديدة، إلاّ الحروب الصليبية فإنّها ‏ظلت عالقة بالنفوس لم تندثر وتنقرض عن ذهنية الشعوب الأوربية تجاه ‏المسلمين.‏
يقول محمد أسد أيضاً في ذلك: أنّ الشرّ الذي بعثه الصليبيون لم يقتصر ‏على صليل السلاح، ولكنه قبل كل شيء وفي مقدمة كل شيء كان شراً ‏ثقافياً. لقد نشأ تسميم العقل في الغرب... في ذلك الحين استقرّت تلك الفكرة ‏المضحكة في عقول الأوربيين من أن الإسلام دين شهواني وعنف حيواني، ‏وأنّه تمسك بفروض شكلية وليس تزكية للقلوب وتطهيراً لها. ثم بقيت هذه ‏الفكرة حيث استقرت ثم أصبح إحتقار الإسلام جزءاً أساسياً في التفكير ‏الأوربي[21].‏
إذن هناك رؤية فكرية قد تهيأت في ذهنية الأوربي الغربي في القرن الثاني ‏عشر، ثم توسّعت لتمتد حتّى القرن الثامن عشر وحتّى العصر الإستعماري، ‏هذه الرؤية على حدّ تعبير الأستاذ هشام جعيّط: تنطلق من عداء واسع ‏للنبي(ص) الذي بنبوته «الكاذبة» قد أوقف تطور الإنسانية بإتجاه المسيحية ‏حسب المزاعم النصرانية[22].‏
لذا فإنّ شبح الحروب الصليبية ما تزال يتسكّع فوق ربوع أوربا التي ماتزال ‏مدنيتها تقف من العالم الإسلامي موقفاً يحمل آثاراً واسعة لذلك الشبح ‏البغيض. وبهذا الصدد يقول الأستاذ جعيّط مؤكداً هذه الحقيقة ومتسائلاً ‏بسخرية: إنّ الأحكام القروسطية المسبقة قد اُدخلت في اللاوعي الجماعي ‏للغرب على مستوى عميق يسمح لنا بالتساؤل بجزع: إذا كان بإمكانهم أن ‏يخرجوا منه؟![23].
والجواب عليه نتركه إلى شهادات غربية اخترنا اثنين منها:‏
‏شهادتان:‏
أولى هذه الشهادات تدلي بها الألمانية الدكتورة «آنا ماري شميل» عميدة ‏الإستشراق الألماني للعلوم الإسلامية، حينما أدلت بها عام 1991م تقول: لكم يبدو لي أحياناً أنّ خوف الأوربيين من الزحف التركي (الإسلامي) ‏مازال عالقاً بذاكرتهم التي لم تنس وقوف الترك مرتين أمام أبواب فيينا ‏عامي 1529 و1683م كأنّ ذلك الخوف الدفين لم تخب ناره، فتراه يصبغ ‏سلوك كثير من الناس ازاء دين الترك الذي هو دين العرب والفرس ‏ومسلمي شبه القارة الهندية[24].
وثانيها أدلى بها الدكتور مراد هوفمان الدبلوماسي الألماني وهو ينقل ‏الإنطباع السائد خلال حرب الخليج عام 1991م التي نبشت ذكريات قد ‏كانت دفينة قائلاً: الحق انّ العالمين كليهما: المشرق المسلم والمغرب ‏المسيحي قد وقفا مراراً، ويقفان اليوم مرة أخرى أمام كومة من الحطام ‏أثناء حرب الخليج، سرى الخوف إلى نفوس المسلمين الذين يعيشون في أوربا وأفريقيا، كما تسلّل الخوف ‏أيضاً إلى نفوس المسيحيّين الأوربيين في المغرب العربي والشرق الأوسط. ‏لقد بدأ الأمر كما لو أننا سنتورّط جميعاً في حرب صليبية من جديد! أو أننا ‏سنعود إلى عهود الحروب الصليبية الغابرة[25].
‏إستراتيجية جديدة:‏
كانت الحملات الصليبية الطويلة مدعاة للغرب في أن يقف وقفة تأمل مع ‏الذات بعدما أخفقت بكل ما رصدت لها من ميزانية وإمكانيات هائلة من ‏تحقيق أهدافها المنشودة.‏
فقد شعر الكثيرون من أصحاب القرارات السياسية والمفكّرين ‏الاستراتيجيّين أن الحملات العسكرية لا تملك حظاً في النجاح، وأنّه لابدّ من ‏التفكير بجدّية في ذلك، ووجوب إعادة النظر في الإستراتيجية السابقة ‏وتجديدها نحو إستراتيجية جديدة تتّسم بفعالية أكثر ولا تشتمل على خسائر ‏ولها أثر كبير في تغيير الواقع المتدهور، بينما ظلّ آخرون منهم يطالبون ‏بالدعوة إلى استمرارها ودعمها مما كان قد تحقق. هذا في الوقت الذي كان ‏كلا الطرفين يعرف أنّه «لم يعد ممكناً التصرّف بتهور أو إتباع الخاطرات ‏كما حدث في الماضي القريب».‏
لقد أدرك الأوربيون وساد الإعتقاد بينهم أنّ الصراع العسكري مع الإسلام ‏لا يجدي نفعاً، ولا يكفي وحده لإسقاطه ودحره، وانّه لابدّ من التفكير بعمق ‏في تنظيم برنامج عمل كامل يقوم بدراسة وفهم مضامين الفكر الإسلامي ‏ومعرفة مواضع القوة والضعف فيه كمرحلة أولى، ثم محاولة نقضه ‏وإحداث الشرخ في ‏جدرانه لغرض إختراقه وتحطيمه من الداخل، وبالتالي ضرب إرادة ‏المقاومة عند هذا الخصم العنيد ثم إستئصاله بالمرّة.‏
ذلك لأنّ قوة المسلمين إنما هي بالإسلام، ففي حالة حدوث الإنفصال بينهما، ‏و«الطلاق» بين الاثنين عندئذ يمكن كسر قوة المسلمين ودحر جحافلهم ‏المنتشرة حول أوربا.‏
ومن هنا دخلت المواجهة بين الإسلام والغرب المسيحي مرحلة جديدة ‏مبتنية على إستراتيجية جديدة تعتمد الأسلوب الثقافي الفكري سلاحاً لها ‏لضرب الإسلام وإيجاد الخطر الدائم على وجوده.‏
إذ انّ مع حلول النصف الثاني من القرن الثالث عشر كان الموقف بين ‏أوربا والإسلام قد بلغ درجة عالية من التعقيد وتباين وجهات النظر بين ‏أصحاب القرار السياسي من الغربيّين واللاهوتيّين، وظهور أسباب جديدة ‏للقلق كتزايد غير المسيحيّين في أوربا عدداً وعدّة، ودخول المغول على ‏مسرح التاريخ بما يحملونه من نـزعة تخريبية مما دفع بعض اللاهوتيين إلى ‏البحث في إمكان إستخدام هؤلاء كأداة لضرب الإسلام عن طريق إتباع ‏سياسية ذكية في التعامل معهم وفهم أهدافهم الحيوية.‏
كل ذلك كانت عوامل مساعدة على حسم الجدل القائم بين الغربيّين لصالح ‏الفريق الثاني الداعي إلى التصدي الفكري، وإستخدام أسلوب الأختراق ‏الثقافي كوسيلة للوصول إلى العمق الحضاري للمسلمين كبديل للحملات ‏العسكرية غير المجدية.‏
ولهذا استعيدت مكانة رائد هذا الاتجاه الأب «بطرس المبجّل» (1096 ـ ‏‏1156م) بعد أن ضاعت صيحاته وسط قعقعة السلاح وصليل السيوف، ولم ‏تجد لأفكاره آذاناً صاغية عند الغربيين، خاصّة وقد كان الكثير من زملائه ‏ممن يدعون ‏لحلّ عسكري لقضية الإسلام، على اعتبار أنّ الإسلام كان بالنسبة لهم ‏خطراً عسكرياً حاضراً، والإجابة عنه يجب أن يتخذ طابعاً عسكرياً.‏
غير أنّ الذي حصل أنّ قائد الحملة الصليبية السابعة وهي الأخيرة «لويس ‏التاسع» إثر عودته إلى فرنسا بعد وقوعه أسيراً في مدينة «المنصورة» ‏بمصر أقنع المعنيّين في أوربا بعدم جدوى القتال مع المسلمين لأنهم يملكون ‏عقيدة راسخة تدفعهم إلى الجهاد وتحضّهم على التضحية بالنفس والمال ‏والولد.‏
وهذا التصريح كان له الأثر الكبير في تغيير عقيدة ذلك الإتجاه الذي كان ‏يرى أنّ الحلّ المناسب يجب أن يتخذ الطابع العسكري عند المواجهة مع ‏الإسلام وأنصاره.‏
‏الخطوة الأُولى:‏
فكانت الخطوة الأولى التي قام بها الأب «بطرس المبجّل» أن رعى أول ‏ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية فأنجزت عام 1143معلناً هدفه من عمله ‏هذا قائلاً: «إنّ نقطة البداية في حرب الإسلام هي القرآن»[26]. وقد شكّلت ‏هذه الترجمة الأساس في مجال الدراسات الإسلامية بأوربا الغربية.‏
كتب المستشرق الفرنسي «أ. م. هذي» يقول: إنّ هذه الترجمة وكل ‏الترجمات التي تلتها لم يكن لها أيّ هدف آخر سوى أن تكون الأساس ‏لتوجيه المزيد من الإدانات ضد القرآن، تلك الإدانات التي امتدّت سلسلتها ‏على مدى قرون تتناثر عليها بعض أشهر الأسماء[27].
لقد توقّع «بطرس» هذا أن لا يلقى عمله في ترجمة القرآن ترحيباً من جانب ‏زملائه اللاهوتيّين لأنّهم لم يكونوا يرون في الإسلام موضوعاً حقيقاً ‏بالدراسة والتمحيص، بل يرونه مجرد «ظاهرة» اكتسبت طابعاً حربياً ‏مؤقتاً لا تلبث أن تزول، شأنه شأن الحملات البربرية التي كانت تحدث بين ‏الحين والآخر وفي كافة بقاع أوربا.‏
بيد أنّه في عمله هذا قد أرسى رؤية بعيدة المدى لصالح المسيحية. فقد كان ‏يعتقد أن التحدي الإسلامي لم يجد إجابة مسيحية مناسبة حتّى أيامه، ولذا ‏رأى أنّه من الضروري مواجهة هذه «الهرطقة» التي تشكل باعتقاده ‏الأصل والأساس لكل الهرطقات التي كانت تغزو المسيحية الأوربية آنذاك ‏بحزم وذكاء.‏
لقد خطا «بطرس» الخطوة الأُولى في هذا الاتجاه ما لم يستطع غيره أن ‏يقوم به، وبذلك يكون قد دشّن عهداً جديداً في العلاقة مابين الغرب المسيحي ‏والإسلام، لكنّها هذه المرة قائمة على مرتكز خطر، ذلك هو إختراق ‏المشرق الإسلامي بسلاح آخر غير السلاح التقليدي، ولا يحتاج إلى القوة في ‏المبارزة، بل كل حاجته إلى الكلمات الرشيقة والمعلومات المفيدة.‏
وهذا ما كان يؤكّده «بطرس» دائماً، ففي آخر كلماته الموجّهة إلى المسلمين ‏مخاطباً إيّاهم قائلاً:‏
إنّني لا أهاجمكم كما يفعل كثيرون بيننا بالسلاح، انّني أوجّه إليكم كلمات ‏فقط بغير عنف وبتعقّل وهدوء من غير كراهية وبحبّ كبير، انّني أحبّكم ‏ولذلك أكتب إليكم!! [28].‏
التبشير مشروع جديد:‏
غير أن آمال «بطرس» المتعلّقة بـ«هداية المسلمين» إلى الكاثوليكية قد ‏خابت أيضاً، إذ بقيت نداءاته إلى كافة المسلمين حبيسة اللغة اللاتينية التي ‏لا يفهموها. أضف إلى ذلك ما برزت من أوضاع جديدة في خريطة المسيحية ‏الكاثوليكية الغربية الأمر الذي دفع «بطرس» إلى إلغاء الطابع الذي أراد أن ‏يضع النقاش فيه مع الإسلام، وتخصيص هذه المسألة في المرتبة الثانية من ‏سلّم الأولويات الخطرة التي تواجهها المسيحية يومذاك.‏
وهذا ما دفع راهب انجليزي يدعى «روجر باكون» (1214 ـ 1292م) إلى ‏طرح مشروعه التبشيري المفصل على البابا بطريقة مباشرة ومن غير ‏تردّد عام 1266م الذي تضمن عرضاً لحالة المسيحية، وجملة إقتراحات ‏‏«خطرة» لإصلاح الحال، وسلسلة من النصائح للمستقبل.‏
لقد إستطاع «باكون» هذا وللمرة الأولى أن يضع المسيحية في موقعها ‏الحقيقي جغرافياً وبشرياً فيقول: هناك مسيحيون قليلون في العالم اليوم، أمّا ‏سائر الأرض المعمورة فيغصّ بالكفّار الذين لا يجدون أحداً أن يهديهم إلى ‏طريق الحقّ! [29].
وأمّا عن علّة ذلك فيقول: لأنّ المسيحية عجزت عن القيام بتبشير حقيقي، ‏لأنّ الأهداف الموضوعة كانت خطأ في الأصل من جهة، ولأنّ البيّنة ‏اللاهوتية للمسيحية من ناحية ثانية كانت قاصرة. أمّا خطأ الأهداف فناجم ‏عن شهوة السكان لدى ذوي الأمر من المسيحيّين الأوربيّين، تلك الشهوة ‏التي حالت دون وصول محاولات الهداية إلى أغراضها، إضافة إلى كون ‏الحروب «المقدسة» عديمة.‏
الجدوى وعديمة النجاح، لكنّها حتّى لو حقّقت انتصارات عسكرية على ‏الأرض لظلّت عديمة الجدوى، فلم يكن ممكناً ولا في الوسع احتلال الأرض ‏كلّها،ولو كان ذلك لأُثيرت حفيظة المستعمرين على المحتلّين بحيث تتعذر ‏الحياة معهم، وتعذر ـ طبعاً ـ هدايتهم إلى طريق الحقّ[30].
ويدّعي «باكون» أنّ وضع العلاقات مع المسلمين في أيامه اكبر برهان ‏على مايقول، ثم يضيف قائلاً: أنّ المسيحية لن تنتشر وتنتصر بغير التبشير ‏السلمي والموعظة الحسنة، غير أنّ المسيحية الآن عاجزة عن القيام بمهام ‏الدعوة والموعظة لأسباب ثلاثة:‏
الأول: لا أحد يعرف لغات الشعوب التي يراد التبشير بينها.‏
الثاني: لا أحد يعرف ماهية عقائد «الكفار» الذين يراد تبشيرهم.‏
الثالث: لا أحد يملك الحجج المؤسسة على المعرفة لدعوة «الكفار» إلى ‏المسيحية الكاثوليكية. ‏
فأما تعلّم اللغات غير اللاتينية فعن طريق إنشاء مدارس متخصّصة يديرها ‏ممّن يعرفون اللغات من الكاثوليك، وتهيئة كوادر مسلّطة يعتمد عليها في ‏العمل التبشيري. وأما بالنسبة إلى ضرورة التعرّف على عقائد الآخرين ‏وأصولها فقد دعا إلى إنشاء علم جديد مختصّ بذلك. وأمّا حول النقطة ‏الثالثة فقد دعا «باكون» إلى ضرورة برمجة العمل المنظم والذكي لمواجهة ‏خصوم المسيحية، ومؤكداً على ضرورة «تفهّم» الآخرين وإستمداد الفلسفة ‏منهم لمعرفة مواقع قوتها وضعفها، «فعندما تتلقى المسيحية الفلسفة فسيكون ‏بإمكانها صياغتها في ضوء الوحي، ‏وبالتالي تستطيع أن تتحدّى الآخرين بالمنظومة الجديدة»[31].
ومن هنا يمكن القول بأنّ أطروحة «باكون» كانت إيذاناً بتدشين مرحلة ‏جديدة من إكتشاف برنامج عمل جديد وخطير لمواجهة العالم الإسلامي ‏وحضارته.‏
‏ ‏راهب آخر:‏
ثمة راهب آخر معاصر لباكون يدعى «توماس الاكويني»(1225 ـ ‏‏1274م) قد ترك ـ هو الآخر ـ بصماته الواضحة على المرحلة التالية. ولم ‏تتضح بعد المعالم على وجود علاقة بين الرجلين، غير انّه مما لاشك فيه أنّ ‏تلاقي الراهبين في عديد من النقاط المشتركة ووقوفهما على مساحة ‏متساوية في العديد من القضايا الحيوية الملحّة وقتذاك فانّه يمكن القول: إنّه ‏توجد علاقة مابين الاثنين.‏
لقد كان هناك أكثر من مؤشّر على أنّ كلا الرجلين قد نال حظاً وافراً من ‏الإطلاع على الفلسفة الإسلامية، فـ«توماس» كان مطّلعاً بشكل خاص على ‏فلسفة ابن رشد، بينما «باكون» كان متأثراً إلى حدّ بعيد بفلسفة أبن سينا ‏حتّى عُدّ عميد الفلسفة بعد أرسطو[32].
وكان كلاهما قد تعرّض إلى الرهبان، وكلاهما واجه السجن بسبب آرائه ‏الفلسفية حتّى عدّت بعض القضايا التي طرحاها خروجاً عن الدين. فانّ ‏الكنيسة قد عدّت (219) قضية من قضايا «توماس الاكويني» الفلسفية ‏خروجاً على الدين عام 1277م أي بعد وفاته بثلاث سنين، إلاّ إنّها عاودت ‏فأعلنت قداسته عام 1323م فأضحى بعدها من اكبر فلاسفتها، ومازالت فلسفته أساس ‏الدراسات اللاهوتية الكاثوليكية حتّى اليوم.‏
وأمّا «باكون» فقد اتّهم بأنّه أحدث في التفسير اللاهوتي بدعاً وخروجاً عن ‏المذهب الكاثوليكي فسجن على أثرها عام1277م لكنّه عدّ فيما بعد من كبار ‏الفلاسفة اللاهوتيّين[33].
بداية الأختراق:‏
عند ذاك بدأ النشاط التبشيري يأخذ صفة الجدّية، فكانت أُولى الرحلات قام ‏بها بعض الرهبان الغربيّين فقصدوا الأندلس أبّان مجدها وانضمّوا إلى ‏مدارسها وتثقفوا في جامعاتها وتعلّموا على يد علماء الإسلام في مختلف ‏العلوم والمعارف. وكان من بين هؤلاء الراهب الشهير «جيرار دي ‏كريمون» المتوفى عام 1187م[34].
ثم بدأ التحرك الإستشراقي ينشط أكثر فأكثر في هذا الصعيد، خاصة بعدما ‏أرسل «فرانسوا الاسيزي» ستة من الرهبان إلى بلاد المغرب فسلكوا ‏الطريق عبر إسبانيا وهم متنكرين بثياب التجار. وتوالت الرحلات تلو ‏الرحلات بعدها. وفي عام 1311م حثّ «ريموندليل» المجلس العالي في ‏فيينا على تأسيس مدارس للعربية ولغات شرقية أخرى لغرض العمل ‏التبشيري بين المسلمين وهدايتهم إلى طريق «الحقّ» والذي باشره بنفسه ‏بإخلاص كبير[35].
وتجدر الإشارة هنا أنّ سرّ إتجاههم نحو الدراسات العربية فالشرقية ‏الإسلامية، لأنّ الأُولى كانت ضرورية لفهم الثانية، والإسلام بمجموعه ‏يعتبر الدين المنافس الوحيد للمسيحية. وبمرور الزمن اتسع نطاق الدراسات ‏الشرقية لتشمل أدياناً ولغات أخرى غير إسلامية.‏
وعلى صعيد العمل التبشيري الانجليزي فقد كان أمثال: «يوم بدويل» ‏و«جون غريفز» و«آموند كاستيل» و«ادوارد بوكوك» وغيرهم منهمكين ‏في تأسيس دراسات عربية في جامعتي اكسفورد وكمبردج[36].
وأمّا على الصعيد الهولندي فقد اعتبر الراهب «ادريان ريلانت» من ‏الأوائل الذين أخذوا يتشدقون باستخدام الأساليب «العلمية» ‏و«الموضوعية» في العمل التبشيري، فقد كتب مرّة يقول: لكي نأخذ الحيطة ‏نحن المسيحيّون، وأن نتناول خلافاتنا معهم بطريقة عقلائية بحذر ولباقة، ‏وأن نحاربهم من الآن فصاعداً بمزيد من الوضوح والعمق، وليس بعدد ‏الإتهامات والإنكار غير المجديين[37].
وها هو الأب «ماراتشي» يخطب في جمع من الرهبان والقساوسة قائلاً: ‏من الضروري إذن ألاّ نحارب الإسلام دون أن نعرفه تماماً، وفرصة هذا ‏الصراع الحكيم تتزايد يوماً بعد يوم بسبب العلاقات المتزايدة بين الأوربيين ‏ومسلمي تركيا وإفريقيا وفارس والهند الهولندية، حيث نرى للأسف الكثير ‏من المسيحيّين يلطّخون المسيحية بالعار. ولاشك أنّ فرصة انضواء ‏المسلمين إلى الإيمان «الحقيقي» هي أن نظهر لهم العطف والتفاهم في ‏المناقشات الدينية معهم بدلاً من أن نسبّهم ونكيل الفريات بكل سذاجة[38].
وبذلك إستطاع الغرب المسيحي أن يتبنّى خيارات أوسع من المواقف ‏المتاحة لديه فيسمح بتيارات مختلفة بما فيها التيار الحضاري والتبشيري في ‏مواقفه الموجّهة ضد الإسلام وأهله. وهذا ما حاول الإستفادة منه الأسقف ‏المعروف «فيانتيوس وبادو» الذي أقام مدة طويلة في الشرق، وانتخب ‏اسقفاً للفرانسيسكان الموجودين في فلسطين وسوريا وغيرهما[39].
فانطلاقاً من عدّة دلائل كإقامته بين ظهراني الجيش الإسلامي، ومكوثه ‏الطويل في هذه البلاد الإسلامية يؤكدان أنّه كان مضطلعاً بمهام ذات طابع ‏حسّاس.‏
في هذا الصدد كتب الدكتور الدويهي يقول: في الفترة الممتدة من 1665 ـ ‏‏1745م طبع في فرنسا وحدها ما يزيد عن مائة وخمسين رحلة، منها على ‏الأقل مائة رحلة جديدة، قسم منها كبير إلى الشرق... ومّما يساعد في زيادة ‏الإهتمام بالشرق تشجيع الوزير الأول الفرنسي «كولبير» للمسافرين عبر ‏مدّهم بالمال واحتياجات الرحلة، وخلق أكاديمية النقوش والآداب، وإنشاء ‏مدرسة شبّان اللغات الذين كانوا يُرسلون على حساب الملك إلى الشرق ‏لدراسة وتعلّم اللغات الشرقية هناك[40].
وعلى هذا الترتيب انطلق المخطط الجديد، وبدأ التنفيذ حينما شرع هؤلاء ‏بالتقاطر على شكل دفعات متوالية على المنطقة الإسلامية وتحت واجهات ‏عديدة وبأسماء إسلامية من باب توزيع الأدوار بدقة عالية.‏
رسائل وتقارير:‏
فبدأ «المرسلون» بإرسال تقاريرهم ودراساتهم حول الشرق والإسلام ‏ورموزه وعلمائه ومواقع رجاله وتواجدهم...، فبعد خمس سنوات من رحيل ‏‏«روجر باكون» عن المسرح اللاهوتي وصل الغرب أُولى التقارير ‏المشجعة على إمكانية لعب دور مهم في الشرق، والتقرير يحمل توقيع ‏الراهب الدومينيكي «وليم الطرابلسي» الذي نـزل «عكّا» وقد وجّهه ‏للمطران «لوتيك» والمتعلق حول عقائد المسلمين وتصوراتهم، فجاء فيه: ‏رغم أنّ تصوّراتهم العقيدية مملوءة بالخيالات والأكاذيب والوساوس عليّ ‏أن أقول: إنّ عقيدتهم بشكل عام قريبة من العقيدة المسيحية، ويبدون غير ‏بعيدين عن طريق الحقّ والنجاة[41].
بالإضافة إلى ذلك كان يتحدث التقرير عن رأي شائع ـ بزعمه ـ بين ‏المسلمين مفاده: انّ الإسلام واليهودية مقبلان على نهاية حتمية، ولن يبقى ‏في العالم غير دين المسيح حتّى يرث الله الأرض ومن عليها!! وانّ الإسلام ‏لا يملك بنية لاهوتية منظمة، وبالتالي فانّ الساحة مهيّأة للمسيحية في الشرق ‏للعب دور مستقبلي[42].
وفي الوقت الذي كان الطرابلسي ينتظر غروب شمس الإسلام كان هناك ‏رحّالة ألماني يدعى «بوركاردوس دي فونت» يبعث برسائله واصفاً ‏المسيحيّين المشرقيّين بتفاؤل مبالغ فيه، ومنتظراً قيام وحدة مع الكاثوليكية ‏الغربية بحماسة قلّ نظيرها.‏
و«بوركاردوس» هذا كان قد تجوّل بين المستعمرات اللاتينية التي كانت ‏ما تزال قائمة على ساحل البحر المتوسط بالمشرق، كما قد تسلّل إلى الداخل ‏وشرع بمراقبة ‏الفلاحين المسيحيّين الذين كانوا يعيشون وسط المسلمين، وكان يكتب كل ‏ما كان يراه أو يسمعه فيبعثه بدقة[43].
وقد تسنّى لأحد المؤرّخين الغربيّين ويدعى «ريتشارد سودرن» الاطلاع ‏على مشاهدات وإنطباعات «بوركادوس» وغيره فكتب يقول بتفاؤل كبير: ‏أنّنا هنا صورة زاهية وغنية لآسيا، فالمسيحيون كثيرون، وهم أناس طيّبون ‏مسالمون، يكادون يكونون كاثوليكا، والإسلام ضعيف وغير منتشر، وهو ‏يزول شيئاً فشيئاً، ويقف في مواجهة غروب كامل، وأمّا المغول فقد ظلّوا ‏طوال نصف القرن الأخير يثيرون في الغرب مشاعر متناقضة تتراوح بين ‏الأمل والخوف، أمّا الآن فانّ موقفهم يبدو واضحاً، أنّهم الآن الأداة الإلهية ‏الحامية للمسيحية في الشرق والملاحقة للإسلام وأنصاره.‏
ويضيف في آخر كلامه قائلاً بزهو: يا لهذه الأعوام الرائعة، فالإمبراطورية ‏المغولية المتحدة حتّى الصين تتحول قريباً إلى المسيحية، ولم يبق للإسلام ‏إلاّ أن ينسحق أو يهتدي أتباعه للمسيحية «الحقّة» عن طريق الفلسفة التي ‏ملكتها المسيحية عن الإغريق من خلال المفكرين المسلمين، كان هذا كلّه ‏حلماً عظيماً ورائعاً، ولو تحول في جزء منه فقط إلى حقيقة لتغير مجرى ‏التاريخ[44].
‏شواهد اُخر:‏
وهذه المرة هو الانجليزي «موري لاست» الذي حطّ في نيجيريا وعلى نفقة ‏حكومته في منتصف الستينات من القرن التاسع عشر لغرض التحضير ‏لكتابة رسالته لأجل نيل درجة الدكتوراه! وكان قد أزمع أن يدور محور ‏رسالته حول منهجية ثورة غرب أفريقيا الإسلامية التي قادها الشيخ عثمان ‏بن فودي (1804 ـ 1906م) ونتائجها والعوامل التي ساعدت على تكوّنها ‏ومن ثم انفجارها في هذا الجزء من القارة الأفريقية. فما أن حطّ به الرحال ‏حتّى انطلق يتعلّم أوليات اللغة العربية في إحدى مدارس مدينة «سوكوتو» ‏ولمدة سنة كاملة لأجل أن يتمكّن من قراءة وفهم تاريخ «سوكوتو» الذي ‏كُتب أصلاً باللغة العربية. ثم جاب أنحاء نيجيريا قرية قرية، ومدينة مدينة ‏لمقابلة العلماء وزعماء القبائل المنتشرة في ربوع نيجيريا المسلمة، بل ‏ذهب إلى أبعد من ذلك، فقد سكن بين الفلاحين وعمل معهم بالزراعة بجبل ‏قرب «غساو» تسكنه مجموعة من قبائل «الهوسا» لا لشيء إلاّ للحصول ‏على المعلومات الكافية وتنفيذ مهمّته على أحسن وجه. وكان لا يبخل بما ‏يقدّمه من مساعدات سخيّة لهم وجميع أمور معاشهم.‏
كتب الأستاذ الطيب عبد الرحيم الفلاتي يقول: وممّن رأيتهم «موري ‏لاست» الانجليزي الذي حضر إلى نيجيريا لإعداد رسالة الدكتوراه، وقد ‏سألته عن سبب عمله مع المزارعين وهو الطالب الذي لا هدف له إلاّ ‏تحصيل درجة دكتوراه، وأن نفقاته قد قامت حكومته على تسديدها إذن ‏فلا حاجة إلى العمل والكسب، فقال: لأنّي توصّلت خلال بحثي وإطلاعي ‏على منهج الشيخ عثمان بن فودي بأنّ معنى «العالم» هو الذي اكتشف جهل ‏نفسه وذاب في خدمة الآخرين، فقد اكتشفت جهل نفسي فأريد أن أتعلّم ‏لأخدم بني البشر!! فكتب رسالته التي سمّاها «رسالة سوكوتو» بعد أن ‏اطلع على ألف مرجع، بما في ذلك نيجيريا والكاميرون وجمهورية النيجر ‏وداهومي وتوقو وتشاد، واطلع على كتب من خمسين مكتبة داخل نيجيريا ‏وخارجها فصار خبيراً بالخلافة وأسرارها الظاهرة وبنفسيات ‏المسلمين في إفريقيا عامة ونيجيريا خاصة[45].
وهذا الانجليزي الآخر «ليثم وتملنسون» الذي أرسلته الحكومة البريطانية ‏إلى نيجيريا أيضاً وليس لإعداد رسالة الدكتوراه، وانّما لإعداد دراسة شاملة ‏حول الدعوة الإسلامية في نيجيريا وسبل منعها. وفور وصوله انطلق في ‏تحصيل بحثه الشامل، وحاول أن يغطي الفترة مابين 1889 ـ 1925م من ‏تاريخ هذا البلد المسلم، وعنونه بـ«تاريخ الدعوة الإسلامية السياسية في ‏نيجيريا» بعدما أثبت فيه أماكن وجود أنصار المهدي في السودان ووسط ‏وغرب أفريقيا ومراكزهم السياسية والإجتماعية والإقتصادية. ثم عقّبه ‏بجملة اقتراحات عملية في كيفية تمكين الجيش البريطاني من محو آثار ‏المهدية ومؤيّديها من السودان ومناطق وسط وغرب أفريقيا.‏
وكان قد توجّه في سبيل ذلك إلى أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي، فقد توجّه ‏صوب تشاد والسودان وارتيريا والمملكة العربية السعودية، ورحل بإتجاه ‏مصر وليبيا وجمهورية النيجر حتّى أتمّ بحثه الشامل، وضمّنه بأهم مراكز ‏تواجد المهدية وأنصارهم وأسماء أقطابهم البارزين ثم ذيّله بجملة اقتراحات ‏خطيرة قد ترجم منها الأستاذ الطيب الفلاتي، لا بأس بإيرادها هنا بهدف ‏الإطلاع على مدى خطورتها:‏
‏1 ـ السيد عبد الرحمن المهدي والذين يؤيّدونه، فباختلاف الإتجاهات ‏الإسلامية في كل أنحاء العالم فانّه من المكن إقناع الأنصار في السودان ‏بالعدول عن منهج المهدي الثوري القتالي الدموي إلى منهج سلمي ‏سياسي... فإذا تمّ ذلك نكون ‏قد نجحنا في تحويل الحركة من حركة فعّالة إلى حركة سلبية، مثلها كمثل ‏غيرها من الحركات الإسلامية السلبية.‏
‏2 ـ ضرورة نقل المهدية ككيان يشعر كل فرد بمسؤولية مباشرة في قيادته، ‏إلى أسرة واحدة وهي أسرة السيد عبد الرحمن وأخوته لكي يسهل حصارها ‏إقتصادياً وعقائدياً وسياسياً، فإذا ضعفت ضعف الكيان وإنتهى.‏
‏3 ـ ضرورة فرض حصار محكم على القيادات الأنصارية لتحول دونها ‏وتربية أبنائها تربية إسلامية يمكن أن تبعث روح المهدية مرة أخرى، وذلك ‏بإرسالهم إلى بريطانيا بدلاً من مناطق ذات نفوذ إسلامي لإعدادهم إعداداً ‏مضطرباً ومنقاداً لبريطانيا لا ضدّها.‏
‏4 ـ ضرورة السخاء المادي مع هذه الأسر لكي تعيش حياة منعمة مترفة ‏فاسدة بعيدة عن واقع المؤيّدين والأتباع، لكي يحبّوا الحياة ويكرهوا الموت ‏الذي يطلقون عليه «الإستشهاد في سبيل الله»[46].
ثم هذا الأميركي «استيورت» الذي كان يعدّ أحد المتخصّصين في التاريخ ‏والطرق الصوفية في البلاد الواقعة شرق موريتانيا قد بذل كل ما في وسعه ‏لدراسة منهج الفرق الإسلامية القابعة في تلك المناطق والبحث بلا كلل عن ‏أصولها وزعمائها وأقطابها الروحانيّين والسياسيين وتدوينها بكل دقّة ‏وإمعان، حتّى انّه قيل: قد قطع مسافات شاسعة وبذل الأموال الطائلة وتحمّل ‏الصعاب بحثاً عن مخطوطة واحدة فقط مكوّنة من خمس صفحات لا غير!! ‏فيها توضيح وإجابة لتساؤلاته التي ثبتها في غضون بحثه:‏
‏* كيف استطاع محمد پيلو (1818 ـ 1838م) إقناع معارضيه المسلمين ‏في كل أنحاء الخلافة المترامية الأطراف لوضع أسلحتهم والجنوح للسلام؟!.‏
‏* كيف إستطاع پيلو كتابة أكثر من مائة كتاب في الوقت الذي كان قائداً ‏لأكثر من (206) معارك كبيرة وصغيرة؟!.‏
وهكذا تستمر القائمة بسرد أسماء أمثال: «وليام بدويل» و«آدموند كاستيل» ‏و«جون غريفز» و«ادوارد بوكوك» وغيرهم الذين قضوا مديد أعمارهم ‏وهم منهمكين مع آخرين تابعين لهم في تأسيس أو تحضير دراسات عربية ‏وإسلامية في جامعتي أكسفورد وكمبردج أو غيرهما من الجامعات الشهيرة ‏في العالم.‏
وهذا الأخير قد ساهم مساهمة فعّالة في تنفيذ الأدوار الخطيرة التي أُنيطت ‏به من قبل حكومته البريطانية، وقد نفّذها على أحسن وجه! فقد أُرسل إلى ‏حلب عام (1630م) بعد عام من تنصيبه قسيساً وتخرّجه من جامعة ‏أكسفورد، فأقام فيها خمس سنوات أتقن بها العربية على يد أحد علماء ‏المسلمين آنذاك وهو الشيخ فتح الله[47]، وشرع فيها بكتابة دراساته وبحوثه ‏المتعلّقة بهذه المنطقة الواقعة على حوض البحر المتوسط الإستراتيجية ‏آنذاك، وإبداء إقتراحاته الموجّهة في هذا الصعيد.‏
ولعلّ أهم نشاط قام به هو جمعه في أثناء السنوات الخمس التي عاشها في ‏حلب مجموعة نفيسة ونادرة من المخطوطات العربية والإسلامية، ونقلها ‏إلى أستاذه «بدويل» ليضمّها هذا إلى مكتبته الخاصّة والتي أصبحت فيما ‏بعد من أثمن محتويات المكتبة البودلية ـ نسبة إليه ـ والذي أهداها بعد وفاته ‏إلى جامعة ‏أكسفورد لتزيد من قيمتها ومكانتها من بين المكتبات العالمية الأخرى. وقد ‏قيل: انّ هذه المخطوطات النادرة كانت تزيد على الألف مخطوط! وبرواية ‏انّها قاربت الألفين، كان قد أبتدعها عن طريق الحيلة والمكر باثمان ‏زهيدة[48].
وما ينطبق على «بوكوك» ينطبق أيضاً على «وليم جونـز» المتعدّد ‏المواهب والثقافات فبالإضافة إلى كونه قانونياً متمرساً كان عالماً متقناً ‏للغات ثلاثة: العربية والفارسية والعبرية، وكان أيضاً شاعراً كلاسيكياً ‏وباحثاً أديباً. ولذلك سرعان ما اُسند إليه منصب المشرف العام في جزيرة ‏الهند الشرقية، وفور وصوله شرع في إعداد دراساته وبحوثه العلمية: ‏‏«قوانين الهندوسيّين والمحمديّين» و«السياسة والجغرافيا الحديثين للهند» ‏و«أفضل السبل لحكم البنغال» و«التجارة في الهند».... وما إلى ذلك[49].
إنّ صفة «جونـز» كأول رئيس لجمعية البنغال الآسيوية، وصفته قاضياً ‏وأديباً كما قيل: إنّه ترجم المعلّقات السبع إلى الانجليزية، إضافة إلى كفاءته ‏كقانوني مقتدر، كل ذلك أكسبته المعرفة الكاملة بالشرق والشرقيّين، والتي ‏كان لها الدور الكبير فيما بعد أن تجعل منه «المؤسّس غير المنازع ‏للإستشراق الانجليزي» على حدّ تعبير آي.جي.آربري[50].
الهدف الأخطر:‏
ومن هنا فانّ «الوفود» التبشيرية و«الرسل» اللاهوتية لم تكن مجرد ‏موضوع ثقافي يتمّ فيه انعكاس صور الثقافة والمدنية لدى الشعوب الشرقية ‏ونقلها إلى الغرب، أو ميدان سياسي يصوّر الأوضاع المختلفة لمراكز قوى ‏الآخرين من غير الغربيّين، كما انّها لم تكن مجموعة رحّالة تبغي نقل ‏النصوص المختلفة حول الشرق وأديانه وأحواله فحسب، بل هي مجموعة ‏أعمال أشبه ما تكون بموسوعة ضخمة تضمّ بين دفتيها مجموعة هائلة من ‏البحوث الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والتاريخية والفقهية واللغوية، ‏ومطالب واسعة تتعلّق بالشؤون الجغرافية والسياسية والسياحية تلبّي ‏حاجات كل الدوائر الغربية والمؤسسّات ذات العلاقة لتنفيذ ما يناسب حماية ‏المصالح الحيوية للغرب المسيحي.‏
ولكن الأخطر على هذا الصعيد هو ميادين التربية والثقافة، لأنّ محاولة ‏إحتوائهما يعني احتواء مستقبل الأمة، وإلغاء كل نسق فكري إسلامي أصيل ‏من ضمير الأجيال القادمة.‏
في هذا الصدد يقول الدكتور الدسوقي: لقد نشب الصراع الفكري بين طائفة ‏من المسلمين وبعض المستشرقين، وقد ظهرت كتابات منذ نحو قرن تحذّر ‏مما يخطّطه الاحتلال بواسطة التبشير وإن جاءت في صورة ردود على ‏هؤلاء المستشرقين الذين حاولوا النيل من الإسلام وثقافته وصلاحيته ‏الدائمة للتطبيق، ولكن هذا الصراع وإن نبّه إلى الخطر لم يحل دون بلوغ ‏الغاية التي في ميادين التربية والثقافة، فقد تخرّجت أجيال في ظلّ نظام ‏تربوي له فلسفته المادّية لا تلتقي مع فلسفة التربية الإسلامية، ونجم عن هذا ‏ظهور ما يسمّى بالثنائية الفكرية وما تمخّض عنها من تمزّق ثقافي أتاح ‏الفرصة لكل الاتجاهات السياسية والإقتصادية والإجتماعية الوافدة ‏والداخلية أن تجد لها أنصاراً يؤمنون بها ويدافعون عنها ممّا ‏ضاعف من حدّة الصراع بين التيارات المتناقضة في المجتمع الإسلامي ‏وتبديد طاقاته فيما لا يعود عليه إلاّ بمزيد من الضعف والتبعية[51].
وهذا ما يلاحظه المتتبّع لأدنى قراءة في مسار الصراع بين الطرفين.‏
قراءة سريعة في مسار الصراع:‏
لنلقي نظرة سريعة على مجمل خريطة المواجهة بين الإسلام والغرب في ‏المرحلة التي أعقبت الحروب الصليبية، لتتّضح الرؤية بإتجاه ما حصل عليه ‏الغرب وكسبه جراء استخدام منظومته الاختراقية الجديدة والتي عبر عنها ‏أوضح تعبير الجنرال «اللبني» أثناء احتلاله القدس عام 1917م حين قال: ‏الآن انتهت الحروب الصليبية!.‏
‏* سنة 1291م انكفأ الصليبيّون نهائياً عن الشرق بعد الفشل الذريع الذي ‏لحق آخر حملاته الشرسة.‏
‏* سنة 1392م العثمانيون يفتحون صربيا.‏
‏* سنة 1453م استأنف المسلمون حركة الهجوم المضاد عندما اسقطوا ‏القسطنطينية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح.‏
‏* سنة 1482م العثمانيون يفتحون الهرسك.‏
‏* سنة 1492م أجهز المسيحيون الأسبان على آخر خط دفاعي إسلامي في ‏الأندلس وهو مدينة غرناطة، وبسقوطها خُتم الوجود الإسلامي السياسي ‏والعسكري في شبه الجزيرة الأيبرية.‏
‏* سنة 1639م الانجليز يصلون إلى «مدراس» الهندية.‏
‏* سنة 1655م الهولنديون يحتلّون «جاوة».‏
‏* سنة 1664م حطّ الفرنسيون رحالهم في الهند.‏
‏* سنة 1683م فشل حصار فيينا الذي أقامه الأتراك وتقهقرهم.‏
‏* سنة 1699م الدولة العثمانية تتخلّى عن المجر وترانسلفانيا.‏
‏* سنة 1704م الانجليز يحتلّون جبل طارق.‏
‏* سنة 1708م معاهدة تجارية بين فرنسا وإيران.‏
‏* سنة 1717م سقوط بلغراد نهائياً.‏
‏* سنة 1740م تجديد الإمتيازات الفرنسية الأكثر حيوية مع الدولة ‏العثمانية.‏
‏* سنة 1798م الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت.‏
‏* سنة 1800م الحماية الانجليزية على حيدرآباد الهندية، وإحتلال ‏اندونيسيا بيد الهولنديّين.‏
‏* سنة 1809م معاهدة إيران مع الانجليز.‏
‏* سنة 1830م فرنسا تحتلّ الجزائر.‏
‏* سنة 1857م نهاية الحكم المغولي في الهند وخضوعها إلى الاحتلال ‏الإنجليزي.‏
‏* سنة 1860م التوسّع الروسي في الأراضي الإسلامية.‏
‏* سنة 1882م إحتلال الانجليز مصر.‏
‏* سنة 1897م إحتلال الانجليز السودان.‏
‏* سنة 1909م استقلال بلغاريا عن الدولة العثمانية.‏
‏* سنة 1912م الحماية الفرنسية على مراكش واندلاع حرب البلقان.‏
‏* سنة 1914م إندلاع الحرب العالمية الأُولى للإجهاز على تركة «الرجل ‏المريض».‏
‏* سنة 1917م دخول جيش الحلفاء بيت المقدس.‏
‏* سنة 1924م إلغاء الخلافة العثمانية نهائياً.‏
‏* سنة 1948م إنشاء «الدولة» الصهيونية في فلسطين[52].
‏‏إهتمام متزايد:‏
إنّ متابعة هذه المسارد التاريخية تعطي إنطباعاً لاشكّ فيه بأنّ الإهتمام ‏الغربي بالشرق الإسلامي كان سياسياً بالدرجة الأُولى، والمتمثل بإحتلال ‏الشعوب وإمتصاص خيرات أراضيها وهذا ما لم يمكن تحقيقه بالحملات ‏العسكرية فمالوا بإتجاه التخطيط بإسلوب ماكر يقوم على أساس ممارسة ‏إحتواء الشعوب ثقافياً من خلال إلغاء نسق تفكيرها الأصيل وإحلال الفكر ‏الغربي المستورد محلّه; لتأمين الجبهات المقاومة وخلخلة المواقع الداخلية ‏للدولة الإسلامية، وبالتالي اكتساحها بأقل خسائر ممكنة.‏
ولذا لم يعد سرّاً تلك العلاقة الوطيدة بين التبليغ الثقافي الذي تقوم به ‏العناصر التبشيرية والإستعمار. بل يمكن القول بأنّ هذه العناصر أصبحت ‏الأداة التي من شأنها «إصلاح» الطريق أمام عجلة الإستعمار الذي سعى ‏دوماً بإتجاه الأماكن التي تكثر فيها الخيرات.‏
ولم تكن هذه العناصر لتصل إلى مواقعها لو وجدت «الحصون» المقاومة ‏بوجهها، لكنّها مرّت وتحت ستار مزيّف وبأسماء مختلفة كالبحث الأكاديمي ‏أو ‏طلب العلم في الجامعات الإسلامية وغيرها، حتّى أنّ منهم من تسنّى له ‏الأمر أن أصبح عضواً في المجامع العلمية الإسلامية، وإستاذاً بارزاً في ‏المحافل الحوزوية الدينية.‏
كتب الدكتور الدسوقي يقول: وقد دأب هؤلاء على ديدنهم في الطعن ‏بالإسلام وتعاليمه، وممّا ساعدهم على نشر ما يريدون أمران: تظاهر ‏بعضهم بالإسلام، وما تمتعّوا به في الحكم الإسلامي من حرّية علمية[53].
وما أجمل ما خطّت يراعا الدكتور محمود الديب وهو يتحدث عن الضرر ‏الحاصل جراء «الهجمات» الثقافية التي يقوم بها الغرب ضد الأمة ‏الإسلامية حيث يقول: لم تقتصر أهدافهم على حماية المسيحي الأوربي من ‏إعتناق الدين الإسلامي الحنيف، وإنما تجاوزت إلى محاولة إلغاء النسق ‏الفكري الإسلامي، ومحاولة تشكيل العقل المسلم لممارسة هذا الدور، ‏والتقدم بإتجاه الجامعات والمعاهد ومراكز الدراسات والإعلام والتربية في ‏العالم الإسلامي، لجعل الفكر الغربي والنسق الغربي هو المنهج والمرجع ‏والمصدر والكتاب والمدرّس في كثير من الأحيان[54].
‏حملات تشويه:‏
ذلك لأنّ الإسلام بمجموعه يشكّل تحدياً دينياً وفكرياً وسياسياً وثقافياً بارزاً ‏للمسيحية واليهودية معاً، ويحتل موقعاً واسعاً ومتحركاً على كل ‏المستويات، ولو قدّرت له السلطة على العالم الرحب لتوقفت المسيحية عن ‏مسرح الحياة كقوة ‏سياسية منظمة في العالم، وأُلغيت اليهودية عن الوجود كقوة إقتصادية هائلة ‏في هذا العالم. وهذا ما دفع الدوائر الغربية والمراكز الصهيونية العالمية ‏إلى استخدام كافة الطرق والإمكانات ليس لصدّه والحدّ من انتشاره عقائدياً ‏فحسب، وإنما لطمس معالمه وآثاره والعمل على محوها أو تشويهها في ‏شتى المجالات.‏
وقد سجّل «هاكليوت» رحلات التجّار الغربيّين إلى الشرق في كتابه ‏المعنون بـ«الملاحة الأساسية» عام 1946م، ونقل وصفهم للمسلمين ‏العرب في رسائلهم وتصوّراتهم عنهم على أنّهم شعب خطر، فظّ، عدائي، ‏لايظهر المودّة للمسافرين، فضلاً عن تسجيله لحكايات غريبة وعجيبة عن ‏العرب من نسج خيال هؤلاء الرحّالة[55].
فحملات التشويه الهائلة التي يمارسها الغرب في هذا الصعيد وإن أصبحت ‏لغة الاختراقيّين الجدد تقودها الإستراتيجية التبشيرية الحديثة، فانّ هذه ‏الحملات قد قادها التعصّب الأعمى من قبل إشتعال فتيل الحروب الصليبية.‏
إذ لا يمكن لأحد أن ينسى أو ينكر كيف تعرّض الإسلام لهجوم منظّم منذ ‏بداية انتشاره بأقلام المؤرّخين البيزنطينيّين وعلماء اللاهوت من النصارى ‏من أمثال: يوحنا الدمشقي، تيودور أبي قرّة، إيليا عبد المسيح الكندي،... ‏وغيرهم من الرهبان الغربيّين ابتداءً من القرن الثاني عشر وحتّى يومنا ‏هذا[56].
ولم تنس الدوائر الغربية المسؤولة على هذه الحملات بدفقها بجملة تبريرات ‏بين الآونة والأخرى وبأقلام متنوعة لغرض تأمين الأرضية الكاملة لمسير ‏الحملات بالصورة الصحيحة.‏
فها هو الأب «آرنست رينان» يكتب مبرراً تلك الحملات فيقول: انّ هذا ‏العلم العربي وهذه الفلسفة لم تكن إلاّ ترجمات ركيكة للعلم والفلسفة ‏اليونانية، فما أن استيقظت اليونانية الأصيلة حتّى أصبحت هذه الترجمات ‏الهزيلة بغير ذات موضوع، لذلك قام فلاسفة عصر النهضة بشنّ هجوم ‏عليها في شكل حرب صليبية حقيقية! [57].
وهكذا يدّعي م. روى: بأنّ إستعمار الجزائر إنّما هو بسط القانون ومنافع ‏المدنية على السكّان الهمجيّين، وأقرب إسلوب عقلي لهذا هو أن يتمّ عن ‏طريق الإستعمار المسيحي والمدنية الدينية[58].
وعلى هذا المنوال استمرّت الجهود المضنية لإختراق الإسلام وتدميره، ‏وبهذا يكون المشروع الصليبي قد أصبح جاهزاً يقوده فكر واحد وأهداف ‏واحدة، ويرعاه منهج واحد، وتدفعه شعارات مختلفة لقضية واحدة هي ‏القضاء على الإسلام وأهله في النهاية باسم الله والنورانية المسيحية.‏
وغير خاف أنّ كثيراً من الدواعي الدينية والنفسية والسياسية تكمن وراء ‏هذا الموقف، ولكنّها جميعاً «تنبثق من الشعور بأنّ الإسلام لا يمثل منافساً ‏رهيباً فحسب بالنسبة إلى الغرب، بل انّه يمثل كذلك تحدّياً متأخّراً ‏للمسيحية» على حدّ قول ادوارد سعيد[59].
أيديولوجية صليبية واحدة:‏
وفيما كانت الدوائر الغربية الأوربية ـ الأميركية والمراكز المتعلّقة ‏بأصحاب القرارات السياسية الغربية يستقون من إيديولوجية صليبية واحدة، ‏ويقرؤون في خارطة سياسية وإقتصادية وإجتماعية واحدة داخل غرفة ‏عمليات «البابوية» الواحدة، فقد استمر الخوف من هذا الدين حتّى بعد أن ‏دخل العالم الإسلامي مرحلة «الانحدار» و«التقهقر» ودخلت أوربا ‏واميركا مرحلة «النهضة» و«التقدّم».‏
فعالم الإسلام أقرب إلى أوربا من كلّ ما عداه من الأديان غير المسيحية، ‏وقد أثار هذا القرب والجوار ذكريات «الاعتداء» و«الإحتلال» ‏و«المعارك» الإسلامية ضد أوربا وحلفائها المسيحيّين كما «أنعش في ‏الذاكرة دوماً قوة الإسلام الكامنة والمؤهلة لإزعاج الغرب وحلفائه المرّة ‏تلو المرّة»[60].
ولأجل مواجهة هذا الموقف لابدّ من التفكير الجدّي، وبإستخدام الأساليب ‏الحديثة لتبديد هذه المخاوف التي تعشعش في الذاكرة الغربية، وإزالة ‏كابوس هذا الإزعاج المستمر الذي أقضّ مضاجع أصحاب القرارات ‏الحسّاسة من الغربيّين والأميركيّين. وكل ذلك يتطلب التفكير العميق ‏والمدروس بكيفية تهيئة السبل المناسبة التي ينبغي إتباعها لبلوغ الهدف ‏المنشود. وهذا ما انبرت له غرفة العمليات وشرعت فيه لاحقاً، فكان ‏الإختراق الكبير ضمن اللعبة الكبرى التي تمّت فصولها على مسرح ‏المشرق الإسلامي.‏
وهكذا نجد أنّ الغرب ظلّ متشبّثاً حتّى النهاية بموقفه المعادي للإسلام، بل ‏هو أسير هذا الموقف حتّى هذه اللحظة. ورغم أنّ الحروب الصليبية قد ‏وضعت ‏أوزارها فانّ الغرب لم يتزحزح قيد أنملة عن موقفه الثابت هذا.‏
وإذا بدا لبعض الكتّاب أنّ الغرب قد فتح صفحة جديدة كما يدّعي، فانّ حقيقة ‏الأمر تؤكد أنّ ما حصل هو أنّ الدوائر المعنية الغربية قد أعادت النظر في ‏أساليب المواجهة ليس إلاّ، وهي حقيقة معروفة لكلّ متتبع أو باحث منصف.‏
فالرؤية الإستراتيجية العامة ظلّت كما هي، وبكل ثوابتها وخطوطها ‏العريضة، غير أنّ التكتيك هو وحده الذي اختلف عما كان سابقاً، وآلية ‏المواجهة فقط هي التي تغيرت.‏
‏الحرب الثقافية:‏
لقد وجد الأوربيون أنّ خير طريق لغزو العالم الإسلامي وإخضاعه هو ‏سلوك الغزو الثقافي، فوضعوا المخطّطات والبرامج الدقيقة في هذا ‏الصعيد، وحاكوا المؤامرات للغارة على الأفكار والمفاهيم الإسلامية وعلى ‏كل ما له صلة بالإسلام حضارةً وفكراً، وأضحت قاعدتهم التي أرتكزوا ‏عليها هي «إذا أرهبك عدوّك فافسد فكره ينتحر به ومن ثم تستعبده» ‏فإنتقلت المعركة من ساحة الحرب إلى ميدان الفكر والثقافة[61].
كتب المؤرّخ البريطاني المعروف أ.ج. تايلور يقول: إنّ أوربا استنفدت ‏الكثير من الوقت قبل أن تبدأ مسيرتها الصحيحة، إنّ استباقها على ‏الحضارات غير الأوربية لم يبدأ إلاّ في القرن السادس عشر حين خسر ‏المسلمون الأندلس، أمّا ‏انتصارها النهائي فتحقّق في القرن العشرين فقط[62].
وما بين تلك البدايات وهذه النهايات المفجعة دار الزمن دورته الكاملة، ‏وتغير وجه التاريخ بعدما شهدت الديار الإسلامية جملة من التداعيات ‏المؤلمة على أكثر من صعيد دفعتها نحو هاوية السقوط، في الوقت الذي ‏كان فيه العديد من «المغامرين» و«الرحّالة» يتسلّلون في عقر هذه الديار، ‏وينفذوا أهدافهم التي أُرسلوا من أجلها، ويحقّقوا بالتالي انتصارهم ‏‏«النهائي» ـ على حدّ تعبير تايلور ـ ويعزّزوا منطقهم الذي يقول بضرورة ‏هيمنة «الرجل الأبيض» على التاريخ وتحكّمه في مساراته.‏
وازاء هذه التحولات وجدت «البابوية» مصلحتها في تجنيد الآراء ‏اليسوعيّين للقيام بالحملات التبشيرية بصفتهم خير مدافعين عن الكاثوليكية ‏والموافقة مع إستراتيجية السياسة التوسعية الغربية.‏
يقول الأسقف «دي ميستيل» وكيل إدارة البعثات التبشيرية في الشرق ‏بروما بصراحة:‏
إنّ الهدف الذي يتعيّن على المبشّر تحقيقه هو تحطيم قوة التمسك الجبارة ‏التي يتمتع بها الإسلام، أو على الأقل إضعاف هذه القوة. وإنّ على المبشّر ‏أن يدرس ويتفهّم قرآن محمد ليعرف كيف يذكّر الناس في الشرق بأنّه كانت ‏هناك مدنيّة سابقة على الهجرة، وأنّها كانت مدنيّة مسيحية[63].
وفي ظلّ هذا الوضع الجديد عمل كل من «السيد» المسيحي الجنتلمان ‏والمبشّر ‏المسيحي «السفير» على التأثير بطريق مباشر أو غير مباشر في مجرى ‏التعليم في البلدان الإسلامية بالتعاون مع «الكوادر» المنافقة من المسلمين ‏في تخريج عدد لابأس به من المتخصّصين في العربية والفارسية والتركية ‏الذين اتخذوا مواقع مهمة في البلدان الإسلامية، سواء على الصعيد السياسي ‏أو الأكاديمي[64].
يقول الأستاذ مالك بن نبي: إنّه لمن الواضح أنّ المستشرقين القدماء أثّروا ‏وربما لا يزالون يؤثرون على مجرى الأفكار في العالم الغربي دون أيّما ‏تأثير على أفكارنا نحن المسلمون، إنّ ما كتبوا كان قطعاً المحور الذي ‏تحرّكت حوله الأفكار التي نشأت عنها حركة النهضة في أوربا، بينما ‏لا نرى لهم أيّ تأثير فيما نسمّيه النهضة الإسلامية اليوم[65].
قد يفهم من كلامه أنّه يحسن الظنّ بالاختراقيّين، لكنّه يؤكّد فيما بعد أنّ ‏الإنتاج الإختراقي الغربي بما فيه المادح لحضارتنا الإسلامية كان شرّاً على ‏المجتمع الإسلامي، وما يزال يواصل دوره التخريبي التدميري بشكل مباشر ‏أو غير مباشر. وهنا يؤاخذ دور «المشارقة» كما يحبّ أن يسمّيهم ‏المتتلمذين للمستشرقين لأنهّم يخفون عملهم التخريبي ضد الإسلام ‏ومصالحه الحيوية بإيعاز واضح من أوساط إستعمارية وتحت رداء تقدّمي ‏أجوف، تحاول سلب كل قيمة حضارية، بل تنسب له حالة التخلّف الراهنة ‏في العالم الإسلامي[66].
الإجراءات اللازمة لمواجهة الهجمة الثقافية:‏
لا يخفى على كل باحث أنّ الإسلام يملك من العوامل المقاومة الذاتية ‏التاريخية الشيء الكثير بسبب تملكه من الأساليب العقائدية والفطرية التي ‏جعلته يكتسب نوعاً من «المناعة» الذاتية ما يمكنه لمقاومة موجات ‏التخريب التي يتعرّض لها باستمرار من قبل الغربيّين وعملائهم التابعين ‏لهم.‏
ففي كل مرة تتحرّر بعض تلك القدرات الكامنة في بعض بقاع الأرض ‏الإسلامية لتفاجئ الغرب وكل تقنياته المتطورة بعوامل جديدة من الثورة ‏والإنتفاضة والتصدي، كالذي حدث في إيران وفلسطين والعراق ولبنان ‏والبوسنة والهرسك والشيشان.‏
وهذه بلا شك إحدى الألطاف السماوية التي أفاضها سبحانه وتعالى على هذه ‏الأُمة المرحومة بفضل دعوات نبيّه الكريم(ص) لها.‏
ولكن هذا لا يعني القعود وترك القدر يأخذ مجراه من دون أن نحرّك ساكناً، ‏لأنّ الله سبحانه يقول في محكم كتابه الكريم: (إنّ الله لا يُغيّر ما بقوم حتّى ‏يغيّروا ما بأنفسهم) [67]. لذا فلابد من اتخاذ الإجراءات المناسبة لمواجهة ‏هذه الموجات الشرسة ومحاولة إحتوائها بما أمكن من الوسائل الحاضرة:‏
ولعلّ من أبرز هذه الإجراءات اللازمة:‏
‏1 ـ توعية الناس ثقافياً من خلال العمل على رفع المستوى الفكري لأبناء ‏الأُمة المسلمة، وإشاعة القيم الفكرية الحقيقية التي يتبناها الإسلام، وإثارة ‏الوعي العام حول القضايا الراهنة، على أن تكون التوعية بدرجة تمكّن ‏الفرد المسلم من التمييز بين الثقافة الإسلامية الأصيلة والدخيلة، وبين ما هو ‏حقيقة دينية سامية ‏وخرافة مبتدعة. إذ بدون هذه الدرجة من الوعي ستنطلي مؤامرات التزوير ‏التي حاكتها وتحوكها الدوائر المعادية عليهم.‏
وليس أدلّ على ذلك مما تمارسه الجماعة التي تطلق على نفسها «حركة ‏الطالبان» من عمليات تزوير واسعة لحقائق ووقائع الإسلام الحنيف، وهو ‏ما لا يخفى على كل متتبّع بسيط.‏
فالوعي الحيّ يمدّ الأُمة بعوامل نجاح المشروع الإسلامي الذي يتبنّى ‏مقاومة الهجمات الثقافية الشرسة التي تشنّها المراكز الإستعمارية البغيضة ‏على حضارتنا الإسلامية.‏
أضف إلى ذلك أنّ بثّ التوعية يعتبر من أبرز مهام المثقف الرسالي الذي ‏ينهض بدوره هذا إنطلاقاً من المسؤولية التي عهدها الله سبحانه له. وهذا ‏الدور ليس بالسهل، إذ انّه يتطلّب من المثقف الرسالي:‏
أ ـ التسلّح الذاتي بعوامل المقاومة الثقافية المستمدة من روح العقيدة ‏الإسلامية السامية.‏
ب ـ الإطلاع الواسع على الأحداث الجارية على مسرح الحياة السياسية ‏ومحاولة تفهمها وربط خيوطها مع بعضها البعض.‏
ج ـ توطين النفس على الأخلاق الكريمة.‏
د ـ التوافر على آليات قادرة على تعزيز القوة على الإستمرار والمضيّ ‏حتّى النهاية.‏
‏2 ـ مدّ الأُمة بالغذاء الروحي والمادي على نطاق واسع لتشمل جميع الأفراد ‏في المجتمع الإسلامي، وخاصة الطبقات الفقيرة الذين تعتبرهم الدوائر ‏الإستعمارية المعادية «المساحة التي يمكن أن تجري فيها عمليات البحث ‏عن الأنصار والمحبّين»، ومنحها الأولوية في الدعم والمعونة المناسبة ‏والعمل على سدّ احتياجاتها اللازمة.‏
وذلك لأنّ تلك الدوائر لا يمكنها أن تصطاد في المياه العكرة، لكنّها تستطيع ‏ذلك بسهولة فيما لو قامت بالإصطياد في المياه السلسة. ومن هنا كان ‏الواجب على مثقفي هذه الأُمة وعلمائها الروحانيّين توجيه إهتماماتهم بإتجاه ‏هذه الطبقات المحرومة وكسب محبّتهم لكي يوجدوا فيهم بعض المناعة ‏اللازمة لمقاومة عمليات «الأصطياد» المشبوهة.‏
‏3 ـ الإلتزام بالخطّ التربوي الإسلامي الأصيل في كلّ برنامج تعليمي ‏يوضع لتنشئة الجيل الجديد الذي يمثل مستقبل الأُمة وأملها المشرق.‏
فالخطوة الأُولى تبدأ بتأسيس منهج تربوي إسلامي يستوعب هموم ومشاكل ‏الجيل المعاصر الحديث، والخطوة الأخيرة تعتمد إجراء الاحصاءات ‏الميدانية اللازمة التي تستكشف من خلالها مدى التفاعل بين الوسط ‏الشبابي اليافع ومفردات المنهج التربوي المدوّن بلغة العصر الحديث، وما ‏بينهما من خطوات ينبغي أن تخصّص في ممارسة النقد الإيجابي لغرض ‏تقويمه وتطهيره من كل «العوالق» الدخيلة به.‏
وهذا يتطلّب العودة إلى القراءة الصحيحة القائمة على أسس محدّدة لأجل ‏تحديد وتشخيص نقاط الضعف لكي يتمّ حذفها وإستبدالها بعناصر القوة ‏المطلوبة.‏
‏ومن أهمّ هذه الأُسس:‏
أ: إعادة النظر بالمفردات المطروحة للمناقشة، وعدم إهمال عنصر الزمن ‏والحداثة اللازمين لتطلعات الإنسان المعاصر من خلال إنتخاب اللغة ‏المناسبة والمفاهيم الحديثة دون الإبتعاد عن الأصالة الإسلامية السامية.‏
ب: التخلّي عن أسلوب الجدل والحشو والإطالة في بيان متون المناهج ‏التربوية، بل ينبغي أن يكون الدليل والعقل هما الرائدين فيها. وبهذا نقطع ‏الطريق ‏على النوازع الشيطانية الكامنة في النفس الإنسانية من المرور عبرها ‏بصورة خرافة أو بدعة وما شاكلهما.‏
ج ـ إدخال الجيل الجديد طرفاً في المعادلة، وعدم إهمال تطلّعاته المستجدّة ‏ليعيش الإسلام خلال ممارسات حياته اليومية.‏
د: إبقاء العقيدة الإسلامية حيّة وفاعلة في نفوس أوساط الشباب من خلال ‏إستشعارهم بوجود الله سبحانه وتعالى دائماً. فليست أزمتنا العقيدية في ‏إثبات الخالق عزوجل وإنما في إستشعار وجوده تعالى بيننا. ولذا نرى أكثر ‏الشباب المسلم يرتكب المعصية مع إيمانه بالله تعالى.‏
هـ ـ تقديم أجوبة شافية وكافية للتحديات التي تواجه الجيل اليافع اليوم مع ‏مراعاة التطورات المذهلة على صعيد العلم والتكنولوجيا الحديثة، إضافة ‏إلى ما تشهده من ثورة المعلومات الممتدة في جميع البلدان، وما أعقبها من ‏تحولات على مستوى الثقافة والفكر والعقيدة.‏
و: نبذ الجمود على فهم السلف للعقيدة والفكر الإسلاميين، إذ أنّ لكل زمان ‏ظرفه، وفهم السلف كان يتناسب مع حاجاته الفكرية والثقافية والعقيدية، ‏وجيل اليوم له تطلّعاته وتحدياته ومشاكله، إضافة إلى حالة سوء الفهم ‏لحقيقة الإسلام الذي عزّزه الأعداء في أذهان هذا الجيل. والعقيدة الإسلامية ‏معين حضاري وثقافي وفكري لا ينضب، فيمكن أن نعيد قراءتها وفهمها في ‏إطار واقعنا وهمومنا الحالية والمستقبلية بالإستفادة من معطيات العلوم ‏والوسائل التقنية الحديثة في دراسة أو كتابة مفردات الثقافة الإسلامية ‏الأصيلة في ضوء التطور الحاصل في حقل العلوم والمعارف الإنسانية، ‏لأنّ في ذلك ضمان لديمومة الفكر والعقيدة الإسلاميين وسلامتهما من كل ‏سوء يراد بها.‏
‏4 ـ التكاتف والتعاون بين مختلف شرائح المجتمع الإسلامي المهنية ‏والإجتماعية ‏والثقافية في مجال التخطيط ووضع برامج العمل وتنفيذها في هذا الصعيد. ‏وذلك لأنّ الدوائر الغربية المعادية قد استنفرت كل قواها، ونشرتها على ‏مساحات واسعة بحيث شملت كل قطاعات المجتمع وطبقاته المختلفة، ولذا ‏فإنّها تعتبر مواقع «متحركة» ونشطة مما تشكل خطورة على اكثر من ‏صعيد. ومن هنا تبرز أهمية التكاتف في العمل بين المتصدّين في مواجهة ‏هذه المواقع مع مشاركة الناس ضمن هذا الهدف المقدس.‏
فإذا ما تسنّى للفقيه من ممارسة نشاطه في هذا المجال ضمن دائرة تماسّه، ‏والكاتب في نطاق وظيفته، والمعلم ضمن حلقة درسه وعلاقته بالطلاب ‏المبنية على المحبّة الأبوية والعاطفة الشريفة... وهكذا القاضي والتاجر ‏والمفكر والشاعر و..و.. فستشتعل الرغبة ـ لا محالة ـ لدى الناس العوام لا ‏شعورياً بالمشاركة والحركة بإتجاه الدفاع عن قيمهم الدينية وعقيدتهم التي ‏ولدوا عليها على قدر إمكانياتهم المحدودة وفق ما تمليه عليهم مشاعرهم ‏الدينية وإحساساتهم التي فُطروا عليها، فيسدّوا الأبواب والنوافذ بوجه كل ‏ريح تنبعث من طرف العدوّ وهي محملة بالأتربة التي تضيق النفس بها، ‏ويمنعوا من دخولها في البيت الإسلامي الشريف.‏
‏5 ـ الإستفادة من وسائل التبليغ والدعاية في مواجهة أجهزته الدعائية ‏ومقابلتها بنفس العوامل التي يمكن أن يستفيد منها في تعرّضه لأُمتنا ‏المسلمة، بل وينبغي العمل على تطويرها وتسخيرها في هذا الصعيد:‏
أ ـ المحطّات المرئية والمسموعة عبر القنوات المحلية والفضائية في بثّ ‏برامجها المخصّصة والموجّهة في هذا المجال، يقوم بها كادر متخصّص ‏يتمتّع بكفاءة عالية في هذا المضمار قادر على التصدي لكلّ محاولات ‏الأختراق والتجاوز الذي يمارسه الغرب، وما يمكن الإستفادة منه عبر هذا ‏الطريق.‏
ب ـ السينما التربوية الهادفة، لما تشكل من «موقع» ينشده الشباب ‏باستمرار، فيمكن الإستفادة من هذه الوسيلة في تصوير الصراع الثقافي ‏والحضاري الشرس بين الغرب والإسلام بين حضارة مادّية دخيلة تتّسم ‏بالعدوانية واحتواء «الآخرين»، وحضارة أصيلة ناصعة تتميز بإلتزامها ‏بتعاليم السماء السمحاء وتدعو إلى المحبة والألفة وحوار الحضارات.‏
إنّ السينما الموجهة يمكن أن تشكل عاملاً فعّالاً وذات أثر بارز في الأوساط ‏الشبابية إذا ما أشرفت عليه ثلّة مؤمنة تتمتع بكفاءة بالغة في الإستفادة من ‏هذه الوسيلة في تعريف قيم الإسلام الصحيحة، وتقدّميته، وصلاحيته في ‏كافة الميادين إلى الوسط الشبابي المتعطش بلغة عصرية محبّبة.‏
ج ـ الصحف والمجلاّت المخصّصة والمنوّعة، وما تلعبه من دور كبير ‏في إبراز الحقائق التي سعت الدوائر الغربية البغيضة وحليفاتها إلى طمس ‏معالمها أو حذفها من قائمة تشكيلات هذه الأمة وإلصاقها على أنّها من نسق ‏حضارتهم الدخيلة.‏
د ـ كتابة الكتب والنشرات الدورية، ومحاولة تعرية الحملات التي تتعرّض ‏لها الأمة، وتجريدها من كل مبرراتها المفتعلة، وكشفها على حقيقتها، ‏والغاية التي قامت من أجلها، وذلك لما في «الكتاب» من مساحة واسعة من ‏إفراز الحقائق وتصنيفها بالإسلوب العلمي المشوّق وبأقلام ممّن تشدّ لهم ‏الرحال. وبذلك يلعب «الكتاب» دوره التربوي والثقافي التعبوي في ‏مجالات التوعية وبثّ المعرفة وتنوير الأجيال المسلمة من خلال وضع ‏الحلول المناسبة لكل العقبات التي تصادفها، وتعزيز روح التعاون على ‏صعيد تبادل الخبرات في هذا المضمار.‏
هـ ـ صلاة الجمعة والجماعة اللتان تقاما في جميع مساجد المسلمين ‏المنتشرة في ربوع البلاد الإسلامية، ومواسم الحج الإبراهيمي حيث التجمع ‏العالمي الكبير لمسلمي العالم في بقعة محدّدة يمكن أن تأتي اُكلها لو تمت ‏وفق برنامج توجيهي منظم ‏يقوم على أساس متكامل من التخطيط الصادر عن أهل الخبرة والمعرفة في ‏مجالي التربية والإعلام.‏
و ـ إقامة المؤتمرات الدورية للبحث والمناقشة في هذا الصعيد، حيث ‏لا يخفى ما تلعبه من دور حيوي كبير في دفع حركة التصدّي والمقاومة ‏خطوات بإتجاه الأمام. ويتجلّى هذا الدور في:‏
‏* برمجة العمل وتنظيمه وفق منظومة مشتركة فيها أطراف إسلامية عدّة.‏
‏* فسح المجال أمام «الآخرين» من المساهمة في وضع خطّة عمل أو تقديم ‏اقتراح مثمر في هذا المضمار.‏
‏* توجيه الأمة توجيهاً حيوياً وفعّالاً نحو النقاط الأكثر حساسية في الساحة ‏الإسلامية، والدعوة إلى حلّها حلاً منطقياً قائماً على ضوابط متفق عليها.‏
‏* تهيئة الأجواء اللازمة لمشاركة كافة أفراد المجتمع على اختلاف ثقافاتهم ‏وطبقاتهم الإجتماعية والفكرية في عملية «التفكير» وإيجاد الحلول المناسبة ‏لمشاكل الأُمة وهمومها، مما يساعد على تصوير المشكلات تصويراً وافياً ‏وواضحاً فيزيد الإندفاع الشعبي العام بإتجاه تحطيم «الحواجز» النفسية ‏والإجتماعية المانعة إلى حدّ ما من المشاركة الفعلية لهذه الطبقات في ‏المواجهات المصيرية.‏
‏* تأكيد الوحدة المطلوبة، وتعزيز التعاون والتكاتف بين الأطراف ‏الإسلامية لغرض وضع الحلول ورفع العقبات المانعة بأسلوب جماعي ‏رحب.‏
ذلك لأنّ العدو البغيض أول ما اهتمّ قضية الوحدة بين المسلمين، وقد بذل ‏الجهد والمال في سبيل إبعاد المواقف المشتركة عن واقع المسلمين السياسي ‏والفكري والإجتماعي والثقافي، وتكريس حالة الخلاف والتفرقة بينهم لأجل ‏ضمان المناخ المناسب لتمرير مخطّطاته عبره.‏
وهذا ما يؤكّده الصهيوني بن غوريون حينما قام خطيباً أمام أعضاء ‏الكنيست ‏فقال: إنّ الوحدة الإسلامية نائمة، ولكن يجب أن نضع في حسابنا أنّ النائم ‏قد يستقيظ! [68].
فالوحدة الإسلامية إذن من الممنوعات السياسية لدى المراكز الإستكبارية ‏والدوائر الصهيونية التابعة لها، والتقارب بين المسلمين يمثّل خطّاً أحمر في ‏السياسة الدولية الغربية القائمة على معادلات خاصّة تؤكّد أهمّية إسقاط ‏مصالح المسلمين لحساب مصالح الغرب. الأمر الذي جعل «الوحدة» بين ‏الجماهير الإسلامية في مختلف البلدان عنواناً كبيراً في ساحة الصراع بين ‏الإسلام والغرب المستكبر.‏
‏أهمّية إقامة مؤتمرات الوحدة الإسلامية:‏
لم تزل مؤتمرات الوحدة الإسلامية الدورية التي تقام كل عام في طهران ‏تلعب دوراً بارزاً على مستوى الممارسة العملية في معالجة التحدّيات ‏الجديدة التي تواجه الأمة من خلال تعزيز الدور الوحدوي القائم على أساس ‏المحبّة والوئام بين الأطراف الإسلامية، وبذل الجهود على إيجاد الواقع ‏المطلوب الذي يحتضن الوحدة ويداوم على «حياتها» من أجل ضمان ‏سلامة المواقع الداخلية، وتوجيه كافة الاستعدادات والقدرات المختلفة ‏لمواجهة الاختراقات الثقافية المتعدّدة الأهداف والأغراض.‏
إنّ تعزيز الوحدة الإسلامية مطلب هام على أكثر من صعيد، لأنّه بفضله ‏تتهيّأ الأجواء الصالحة لممارسة العمل بشكله الواسع الذي أخشى ما يخشاه ‏الأعداء من حدوثه بأيّ حال.‏
ومن هنا كانت دعوة المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية إلى ‏إقامة ‏المؤتمرات الإسلامية الوحدوية، وتشكيل اللجان التابعة لها، في سبيل طرح ‏المسائل ذات العلاقة بالوضع الإسلامي الراهن على مائدة المناقشة ‏المستديرة لغرض:‏
‏* تحديد الأزمات بشكل واضح، وتشخيص العلاج اللازم لها.‏
‏* توجيه الخطاب السياسي والإجتماعي والفكري والعلمي من خلاله لكل ‏أفراد الأمة، الذي يصبّ في هذا الصعيد.‏
‏* استقطاب إهتمام الأُمة نحو المسائل الراهنة المحيطة بها.‏
‏* فتح الحوار السياسي المشترك لممارسة إنتخاب أنجع الحلول وسبل ‏تطوير المعالجات السديدة للتحديات الكبرى التي يواجهها المسلمون قاطبة.‏
‏* فتح القنوات بين الأطراف الإسلامية، ورفع الموانع التي تحول دون ‏إلتقائها في ظلّ التفاهم والتودّد بين هذه الأطراف.‏
ومن هنا يمكن القول أنّ لهذه المؤتمرات السنوية دور حركي على ‏صعيدين:‏
الأول: توجيه إهتمامات الرأي العام الإسلامي نحو أهمّ المشاكل العاصفة ‏به، ونبذ المسائل الخلافية الصغيرة جانباً.‏
الثاني: إيجاد التفاعل الحيوي بين الأطراف الإسلامية بدل الركود والإنجماد ‏اللذين يكرسان حالة التفرقة والضعف بينها.‏
ولذا فانّ إقامة هذه المؤتمرات سنوياً يمكن أن تعتبر إحدى الوسائل الفعّالة ‏في تنشيط حركة المقاومة والتصدّي للهجمة الثقافية التي تشنّها الدوائر ‏الإستعمارية التابعة للغرب ودفعها دائماً بإتجاه الأمام.‏
وفي الوقت الذي نبارك لكلّ العاملين والمساهمين في إقامة هذا المشروع ‏العظيم، نرفع أيدينا بالدعاء لهم بالتسديد والموفقية، إنّه خير سميع مجيب.‏
___________________________
[1] نقلاً عن كتاب «صورة العرب في الصحافة البريطانية» د. حلمي خضر ساري: 19ط. بيروت.
[2] راجع المصدر السابق: 20.
[3] «الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء» د. ادواد سعيد: 103.‏
[4] «نظرة عن قرب في المسيحية» تعريب مناف حسين الياسري: 85 ط. طهران.‏
[5] «الإسلام على مفترق الطرق» تعريب د. عمر فروخ: 52 ط. بيروت.
[6] المرجع السابق: 53 ـ 54.‏
[7] نقلاً عن كتاب «صورة العرب في الصحافة البريطانية»: 22.‏
[8] «الإسلام على مفترق الطريق»: 54.‏
[9] أوربا والإسلام لهشام جعيّط: 15 ط. بيروت.‏
[10] المائدة: 82.
[11] نقلاً عن «صورة العرب في الصحافة البريطانية» د. حلمي خضر ساري: 25.‏
[12] انظر «أوربا والإسلام» لهشام جعيّط: 16.‏
[13] المرجع السابق.‏
[14] نظرة عن قرب في المسيحية: 85.‏
[15] نقلاً عن كتاب «صورة العرب في الصحافة البريطانية»: 25 ـ 26.‏
[16] نقلاً عن كتاب «الإسلام كبديل» لمراد هوفمان: 9.‏
[17] نقلاً عن مقال يحمل عنوان «الحركة الصليبية وأثرها على الإستشراق الغربي» د. علي الشامي منشور في ‏مجلة الفكر العربي العدد (31): 137 لسنة 1983م.
[18] المرجع السابق: 153.‏
[19] نقلاً عن المقال المنشور للدكتور علي الشامي: 153.‏
[20] الإسلام على مفترق الطريق: 55 ـ 56.‏
[21] المرجع السابق: 60 ـ 61.‏
[22] أوربا الإسلام: 20.
[23] المرجع السابق: 23.‏
[24] نقلاً عن كتاب «الإسلام كبديل» د. مراد هوفمان: 17. ويجدر هنا التذكير بأنّ فيينا قد احتفلت شهراً كاملاً ‏في شهر مايس (مايو) 1983م بالذكرى الثلاثمائة لتراجع الترك (المسلمين) من أمام أبوابها.‏
[25] الإسلام كبديل: 32.‏
[26] نقلاً عن «الإسلام والاستشراق» د. صالح زهر الدين: 21 ط. بيروت.‏
[27] الفاتيكان اثنين: 209، نقلاً عن كتاب «محاصرة وإبادة: موقف الغرب من الإسلام» د. زينب عبد العزيز: ‏‏140 ط. بيروت 1993م.‏
[28] نقلاً عن مقال «الحركة الصليبية وأثرها على الإستشراق الغربي» د. علي الشامي المنشور في مجلة الفكر ‏العربي العدد (31): 26 لسنة 1983م.
[29] المرجع السابق: 23.‏
[30] المرجع السابق نفسه: 24.‏
[31] المرجع نفسه: 35.‏
[32] راجع كتاب «المستشرقون» لنجيب العقيقي1: 117 وما بعده ط. مصر.‏
[33] المرجع السابق: 118 ـ 120.‏
[34] «الاستشراق والمستشرقون: ما لهم وما عليهم» د مصطفى السباعي: 13 ط3. بيروت.
[35] «الفرنسيسكان واللغات اليونانية والشرقية في القرن الثالث عشر» د. مارتينيا نورونكاليا، ترجمة د. أسعد ‏ذبيان: 18 ط. بيروت.‏
[36] «صورة العرب في الصحافة البريطانية» د. حلمي خضر ساري: 30 ط. بيروت.‏
[37] دين محمد2: 139، نقلاً عن كتاب «محاصرة وابادة: موقف الغرب من الاسلام» د. زينب عبد العزيز: 35 ‏ط. بيروت.‏
[38] نقلاً عن كتاب «محاصرة وإبادة»: 36 ـ 37.‏
[39] راجع«الفرانسيسكان واللغات اليونانية...»: 161.‏
[40] من مقال مطبوع له بعنوان «الرحلة وكتب الرحلات الأوربية إلى المشرق حتّى نهاية القرن الثامن عشر» ‏والمنشور في مجلة الفكر العربي العدد (32): 58.‏
[41] «محاصرة وابادة: موقف الغرب من الإسلام» د. زينب عبد العزيز: 278.‏
[42] المصدر السابق: 280.‏
[43] المصدر السابق نفسه: 281.
[44] نقلاً عن كتاب «الإسلام والغرب: إشكالية التعايش والصراع» د. سمير سليمان المنشور ضمن سلسلة كتاب ‏التوحيد رقم (2): 209 ط. قم.‏
[45] من مقال بعنوان «الاختراق الثقافي في التربية الإسلامية» منشور في مجلة التوحيد العدد (96) لسنة ‏‏1998م: 101ط. قم
[46] راجع المصدر السابق: 102 ـ 103.‏
[47] عن فترة تلمذة «بوكوك» على أستاذه الشيخ في حلب يراجع مقال «الشيخ فتح الله والمستشرق بوكوك» ‏لسامي الكيالي المنشور في مجلة العربي الكويتية العدد(52) آذار/مارس لسنة 1963م: 60 وما بعده.‏
[48] المرجع السابق: 63.‏
[49] «الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء» ادوارد سعيد، ترجمة كمال أبو ديب: 105 ط. بيروت.
[50] المرجع السابق.
[51] «الفكر الإستشراقي: تاريخه وتقديمه» د. محمد الدسوقي: 173 وما بعده، ضمن سلسلة كتاب التوحيد العدد ‏‏(5) ط. قم.‏
[52] اعتمدنا في ذلك على كتاب «الإسلام والغرب» د. سمير سليمان: 202 وما بعده ضمن سلسلة كتاب التوحيد ‏العدد(2) ط. قم.‏
[53] الفكر الإستشراقي: 46.‏
[54] «المنهج في كتابات الغربيّين عن التاريخ الإسلامي» د. عبد العظيم محمود الديب: 16 ضمن سلسلة كتاب ‏الأُمة ط. قطر.‏
[55] نقلاً عن كتاب «صورة العرب في الصحافة البريطانية» د. حلمي خضر ساري: 28.‏
[56] راجع كتاب «محاصرة وإبادة» د. زينب عبد العزيز: 33 وما بعده.‏
[57] نقلاً عن كتاب «محاصرة وإبادة»: 33.‏
[58] صور من تاريخ الجزائر: 237، نقلاً عن كتاب «نقد البعثة الفرنسية إلى الجزائر» د. مروان بحيري: 85.‏
[59] تغطية الإسلام: 36 تعريب سميرة نعيم خوري. ط. بيروت.
[60] تغطية الإسلام: 37.‏
[61] «في الغزو الفكري» د. أحمد السايح: 51 ضمن سلسلة منشورات كتاب الأمة العدد(38) ط. قطر
[62] نقلاً عن «ما بعد الدولة القومية المسلمة» لكليم صدّيقي: 3 مطبوع في كراس لسنة 1980م ط. لندن.‏
[63] نقلاً عن كتاب «روائع إسلامية» لإبراهيم نعمة: 69.‏
[64] انظر «حوار الحضارات» لروجيه غارودي الذي نشره قبل إعتناقه الإسلام بسنوات، تعريب د. عادل العوّا: ‏‏89 وما بعده ط. بيروت.‏
[65] القضايا الكبرى: 167.
[66] المصدر السابق: 180 وما بعده.
[67] الرعد: 11.‏
[68] نقلاً عن الإسلام والغرب والمستقبل: 73.‏

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية