مركز الصدرين للدراسات السياسية || الدراسات السياسية

الفقه والقانون الدولي
دار الولاية


يتبيّن من خلال نظرة فاحصة إلى الفقه: أنه عبارة عن مجموعة من القواعد الناظرة إلى كافة جوانب الحياة العملية بشقيّها المادي والمعنوي. وعلى هذا الأساس، فإن القواعد المتّصلة بتحديد سلوك الدول في حالات الحرب والسلم والحياة تشكّل جزءاً من الفقه؛ لأن الفقه الإسلامي برمّته، يتعّهد بتوجيه سلوك المسلمين، وكذلك يُعَدُّ سلوكُ الحاكم الإسلامي في العلاقات الدولية جزءاً من الفقه أيضاً. وإن للجانب الاجتماعي في الإسلام خصوصية بارزة فيه، وهذا ما حوّله إلى دين عملي له نظامه القانوني ذو الصبغة الإنسانية، وقد أعطى الترابط بين الأحكام والضوابط الفقهية من جهة، وبين المعايير والأحكام الأخلاقية من جهةٍ أخرى، القانون الإسلامي نظاماً أصيلاً ومستقلاً. ويسعى هذا المقال قدر المستطاع إلى إلقاء الضوء على موضوع الفقه والقانون الدولي، الأمر الذي يتصف بأهمية بالغة.
إن الفقه الإسلامي تراثٌ قيّم للحضارة الإسلامية يتولّى بيان أحكام جميع الأمور المتّصلة بالمسلم سواء كان في مجال علاقته مع الله، أم مع نفسه، أم مع سائر بني نوعه؛ لأن موضوع علم الفقه هو «أفعال المكلفين». وعلى هذا الأساس فالفقه هو مجموعة الأحكام والقواعد المشرعة في الإسلام التي تنّظم علاقة المسلم برّبه وبأفراد المجتمع الذي يعيش فيه، وكذا علاقة مجتمعه بالمجتمعات والدول الأخرى([1]). فمجال الفقه واسع جداً يشتمل على الجوانب العبادية (علاقة الإنسان بربه)، والمعاملات (علاقة الناس فيما بينهم)، والقوانين الجزائية، وأحكام القضاء والمحاكمات، والقوانين التي تنظم علاقة الحاكم بالمواطن، والأحكام والضوابط الدولية في حالتي السلم والحرب.
ونحن لا ندّعي أن الفقه الإسلامي يشتمل على كل ما يحتاجه المجتمع المعاصر و أنّه لا يخلو من النقص، وإن كان يتصف بالغنى الكامل في بعض الحقول. ويوجد بين الكتب الفقهية نماذج من المؤلّفات تعتبر عملاً جباراً في عصرها، فمثلاً: في حقل العقود، المشكلة ضئيلة باعتبار أن الناس، قد توصلوا إلى أهمية الوفاء بالعقود، وبادروا إلى صياغة القواعد المتصلة بها، إلا أنّنا عندما نصل إلى البحث عن حدود حاكمية الإرادة عندما يكون الطرف الآخر للعقود دولة ومؤسسات عامة، أو فيما إذا كان طرف العقد مع الدولة الإسلامية دولة غير إسلامية، عندها ينفتح باب الإشكال.
ومن الواضح، أنّ الفقه مجموعة من قواعد الحياة في المجتمع، ولا يمكن له أن يغض الطرف عن حاجاتها وضرورياتها. والعالم المعاصر يتقدم نحو مزيد من التواصل، وبدأت العلاقات تتسع [بين الدول والشعوب]؛ بحيث يتحول العالم إلى قرية عالمية. وإن هذا التقارب والتواصل أديا إلى بناء مؤسسة تستلهم ضوابطها من أخلاق عالمية وقواعد يحترمها الجميع، ويعتبرونها من لوازم الحفاظ على مصالح الإنسانية والحضارة. وقد أدى ذلك إلى ترغيب الدول بعقد اتفاقيات خاصة فيما بينها، وصار الرجوع إلى المحاكم الدولية لحل النزاعات سلمياً واجباً على الدول والحكومات، واتّخذ الدفاع عن حقوق الإنسان منحىً أكثر جدية. ولا يمكن أن نستعرض في هذا المقال جميع مسائل القانون الدولي وبيان حكمها الفقهي، بل نقتصر على بيان بعض المؤسسات الفقهية الدولية، وبيان مدى تكيّفها مع القوانين الدولية الحديثة.
وعلى هذا الأساس، سوف نسعى إلى بيان خصوص الأفكار الفقهية الإسلامية المتفقة مع القوانين الدولية الحديثة، ونسعى أيضاً إلى توضيح أن الفقه الإسلامي لا يخالف القواعد الدولية المبنية على الوحدة الإنسانية، لو تمت مراجعته من جديد. بل يستطيع الفقه الإسلامي أن يتكيف مع المعايير والمواثيق الدولية باستثناء موارد قليلة. كما أنه يجب القول: إن الإسلام له دور أساسي ومشكور في إعطاء الصبغة الإنسانية للعلاقات الدولية، وهو يملك تراثاً قيّماً من القواعد والأسس المبنية على الحكمة، والعدل، والرأفة، والعقلانية.
إن المعاهدات الدولية ومدى اعتبارها وقدسيّتها، والالتزام بها، والمسؤولية العالمية للدول، لاسيّما في قبال نقض حقوق الإنسان، وصلاحية المحاكم والأحكام الجزائية للدول، واسترداد المجرمين، وقوانين الحرب، والدفاع المشروع، وحق المقابلة بالمثل، والتدخّل لصالح الإنسانية، والقضايا الدبلوماسيّة، والعلاقات الدبلوماسيّة، وحصانة السفراء، والجنسية وكيفية الحصول عليها، وحقوق الأجانب، ومنح حق الإقامة لهم، والقضاء والحكم الدوليين والحياد، وحق اللّجوء، والاستئمان، وحسن الضيافة، وحسن المعاملة للأجانب، كلّ هذه المسائل، اهتم بها بعض الفقهاء وإن لم يتعرضوا لها بشكل تفصيلي، وهناك مسائل لم يتعرض إلى حكمها الفقهي، إلا أنه يمكن استنباط حكمها من المصادر الفقهية.
أساس القانون الدولي
نحن نعتقد أنّ أهم الأسس التي يجب أن تعتمد عليها القوانين بشكل عام، والقانون الدولي بشكل خاص، هو العدل. وإن القوانين - في تعريف عام لها - ليست أحكاماً إلزامية لتأمين العدالة والنظام العام فحسب، بل أساس القوانين هو العدل أيضاً.
وإنّ من أهم صفات القوانين كونها ملزمة، وهذا يولّد السؤال التالي: ما هو مصدر الإلزام في القوانين؟ ولماذا يجب على الإنسان أن يلتزم ببعض القوانين في سلوكه؟ ولماذا يلزم على الدول أن تراعي بعض الضوابط في علاقاتها مع باقي الدول بحسب القانون الدولي ؟
إنّ الوضعيين [أي اتباع المدرسة الشكلية في القانون] يعتبرون الإرادة الصائبة أساساً لتكوين القانون في المجتمع، وبما أنّ القانون الدولي لا يوجد فيه حاكم أو إرادة عليا، فالإرادة الجماعية واتفاق الدول هما اللذان يؤديّان هذا الدور.
أما الموضوعيّون (Objectivists) أو أصحاب الاتجاه الطبيعي والفطري في القانون - والذي يُعد أقدم المدارس القانونية - فيعتقدون أن نظام القانون الفطري هو أفضل الأنظمة القانونية في توفير السعادة للشعب الواحد، بل للشعوب المختلفة. ويتم صياغة القانون الطبيعي بالرجوع إلى الفطرة والسنن الإلهية التي تحكم الحياة، ويجري كشف قواعده وتطبيقها من قبل الشعوب والحكومات. فالقانون الطبيعي ينشأ من الفطرة، وتتصف قواعده بالشمولية والثبات. وبحسب أتباع القانون الطبيعي، فإن الإرادة التي تحكم وضع القوانين لا بد أن تخضع للضرورات والمعايير والقيم الموجودة في الحياة والمستقلة عن إرادة الإنسان ورغباته. وبعبارة موجزة، فإن الوضعيين يعتبرون الإرادة الحاكمة أساساً للقانون، فيما يعدّ الموضوعيون وأتباع القانون الفطري العدالة أساساً للقانون.
وأمّا السؤال عن مبنى ومرجعيّة القانون (الفقه) الإسلامي؟ فقد يجاب عنه بأن إرادة الله هي الأساس، وهذه الإجابة صحيحة، إلا أن الأصح أن يقال: إن أساس القانون (في الإسلام) هو العدل والقواعد الفطرية التي لا يمكن أن نحيل كشفها إلى العقل وحده، بل نتوقّع من الشرع، انطلاقاً من الاعتقاد بالوحي والنبوة، أن يشّرع لنا القانون وفقاً للعدالة. وإن الأساس الوحيد المطلق، الذي يمكن الالتزام به دون أي قيدٍ هو العدل الذي يمثل القاعدة في كل العلاقات التي تحكم بين الناس، باعتبار أن الظلم والطغيان أساس تحطيم الحضارات وزوال الحكومات وتلاشي الأنظمة.
والقرآن الكريم يعدّ إقامة القسط والعدل أحد الأهداف لإنزال الكتب السماوية قائلاً: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ...}([2]). وإذا عدَدْنا العدل أساساً للقانون الإسلامي، فإننا نعمّم سريانه على الأشخاص الحقيقيين والحقوقيين وعلى العلاقات بين الدول. وبالإضافة إلى القرآن الكريم، فإن هناك جملة من الروايات الواردة عن النبي(ص) والإمام علي بن أبي طالب(ع) تؤكد على العدل كأساس ومعيار في الأحكام مثل: « العدل ميزان الله» و «العدل ملاك»، و «العدل أساس الحكم»([3]).
مسألة حقوق الإنسان واحدة من المسائل ذات العلاقة الوطيدة بقضية العدالة، والعدل يقتضي رعاية جميع الأبعاد المتصلة بحقوق الإنسان. وعلى هذا الأساس، فإن عددنا العدل أساساً للتشريع في الإسلام، فمن المؤكد القبول باهتمام ومراعاة القانون الإسلامي لحقوق الإنسان؛ لأنه من دون ذلك لا يكون العدل أساساً وهدفاً للقانون. ومن الواضح وجود الاختلاف بين المدرسة القانونية الإسلامية وباقي المدارس التي تؤكد على العدل كأساس للتشريع، نظريّاً وعملياً، وذلك حول النظرة إلى العدل ومعاييره، وكيفية نشوء الحق للأفراد في الحياة الاجتماعية. وبعبارة أخرى، رغم كون أصل العدل أمراً ذا أهمية في العديد من المدارس القانونية وكونه أيضاً أساساً وهدفاً للتشريع والعلاقات الاجتماعية، إلا أن الاختلاف قائم بين القانونييّن منذ القدم، بل هو قائم أيضاً بين المفكّرين المسلمين في تفسير العدل ومصادر الحق في المجتمعات الإنسانية.
ومن الضروري أن نؤكد أن عدم الاهتمام بأصل العدل يُعدّ منقصة للفقه. يقول الشهيد مطهري(رض)، وهو من الفقهاء الذين اهتموا بموضوع العدل بشكل أساسي: «إن أصل العدل الاجتماعي، مع ما له من أهمية، قد أُغفل في فقهنا، وذلك رغم وجود الآيات القرآنية مثل: «وبالوالدين إحساناً» و «أوفوا بالعقود»، ورغم تأكيد القرآن الكريم على قضية العدالة الاجتماعية، رغم كل ذلك لم يتم استنباط قاعدة واحدة أو أصل عام واحد في هذا الخصوص، وهذا ما أدّى إلى الجمود على المستوى الاجتماعي لفقهائنا»([4]).
وكذلك الإمام الخميني (قده) اهتّم بالعدل وعدّه معياراً وميزاناً، يقول في ذلك: «إن تطبيق القوانين على أساس القسط والعدل، ومنع الظلم والحكم الجائر، ونشر العدل على الصعيدين الفردي والاجتماعي، والمنع من الفساد والفحشاء وأنواع الانحرافات، والحرية على أساس العقل والعدل، والاستقلال، والاكتفاء الذاتي ومقاومة الاستعمار والاستبداد، وإجراء الحدود، والقصاص، والتعزيرات على أساس العقل والعدل والإنصاف.. والمئات من الموضوعات الأخرى ]التي[ ليست من الأمور التي يؤثّر فيها مرور الزمان وتصبح في تاريخ الإنسان والحياة الاجتماعية من الماضي. إنّ هذه الدعوى مثلها مثل أن يدعي أحد أن القواعد العقلية والرياضية لا بد أن تتغير في هذا القرن وتستبدل بقواعد أخرى»([5]).
مصادر القانون الدولي
المراد من المصادر الصورية للقانون الدولي هو المجالات التي يمكن الحصول منها على قواعد القانون فيها بدواً. وتعدّ المواثيق والأعراف الدولية من أهم مصادر القانون الدولي، كما نص عليه في المادة 83 من ميثاق محكمة العدل الدولية. والقانونيون المسلمون (الفقهاء) مع اختلافهم في مصادر القانون في الإسلام وعددها، وذكرهم لمصادر مختلفة، فإن أهم وأشهر هذه المصادر هي الكتاب والسنة.
وقد عدّ بعض القانونيين المسلمين أكثر من عشرين مصدراً للقانون الإسلامي، وإن أغلب الفقهاء السنة يعدّون المصادر أربعة وهي: الكتاب، والسنة النبوية، والإجماع، والقياس. وبعضهم لا يعدّ القياس واحداً من هذه المصادر، فيما رأى البعض الآخر أنّ القياس غير معتبر. وفقهاء الإمامية يعدّون مصادر أربعة أيضاً، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل([6]). ومن السنّة من عدّ الاستحسان والمصالح المرسلة من مصادر الفقه أيضاً.
قد ذكر بعض القانونيين المسلمين، الذين كتبوا حول أصول القانون الدولي الإسلامي، أربعة مصادر حصرية وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، ولم يعيروا أهمية لقضيّة، اعتبار الكتاب والسنّة مصدرين حصريين للقانون الدولي في ظل التنوع الثقافي والديني، بحيث ترجع جميع الدول إليهما لاستخراج الضوابط والقوانين الدولية، بل ذهبوا إلى عدم اعتبار غير الكتاب والسنة مصدراً للتشريع بين الدول الإسلامية؛ وذلك لأن سائر المصادر محل خلاف بينهم.
نعم، نستطيع تأسيس قانون دولي على أساس المصادر الفقهية الأربعة: بمعنى أنّنا نعرض المسائل القانونية الدولية المختلفة على هذه المصادر بهدف الوصول إلى حكم بشأنها. مثلاً حتى نعرف موقف الإسلام من حقوق الإنسان، أو من التدخّل في شؤون الدول الأخرى لأجل هذه الحقوق، لا بد من الرجوع إلى تلك المصادر الفقهية. ومن هنا، من الضرورة بمكان في مبحث المصادر، أن نقيّم مصادر القانون الدولي على ضوء مصادر الفقه الإسلامي، ونبيّن ما إذا كان يمكن الاعتراف بتلك المصادر من خلال الرؤية الإسلامية إلى القانون.
لا شكّ في أن المعاهدات والمواثيق الدولية تعدّ إحدى مصادر القانون الدولي، ومن المؤكّد أن المصادر الإسلامية تؤيدها، فبإمكان الحكومة الإسلامية أن تعتمد في علاقاتها مع الحكومات غير الإسلامية على هذا المصادر. وقد كانت المعاهدات الدولية موضع اهتمام الدول منذ القدم، وكانت العلاقات بين الدول تقوم على المواثيق والمعاهدات. والقانون الدولي الحديث يعترف بالقوة الملزمة للاتفاقيات والمواثيق كالاتفاقيات الخاصة التي تدخل ضمن القانون الداخلي.
وإبرام المعاهدات كان أمراً معروفاً لدى العرب في الجاهلية أيضاً. وكانت القبائل تبرم فيما بينها مواثيق الوحدة المختلفة مثل: «المعاضدة» و«الموادعة»([7]). وقد ساهم ظهور الإسلام في توسيع نطاق المعاهدات من خلال الدعوة إلى الدين العالمي والأخوة الإنسانية، بدل التضامن المحدود الذي كانت تدعو إليه العقلية القبلية، وقد ورد التأكيد على لزوم الوفاء بالمواثيق والمعاهدات وقدسيتها في العديد من الآيات القرآنية مثل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}([8]) {. ..وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ}([9]) {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}([10]).
وقد أبرم النبي (ص) معاهدات عدة. وكان أولها المعاهدة التي أبرمها في المدينة في أول أيام الهجرة من مكة إليها. ويتضّمن السند المذكور آنفاً ميثاقاً بين القبائل المسلمة المهاجرة من مكة وأتباع النبي في المدينة (الأنصار) من طرف، والقبائل اليهودية من طرف آخر. وقد بنيت فيه وحدة الأمة على الأخوة الإسلامية، وتم التأكيد فيه على حرّية الدين، والتسامح، والتعاون، والحرية الشخصية، وتأييد الملكية الخاصة، والمنع من الجناية وغير ذلك من الأصول. والمعاهدة الأخرى التي تم إبرامها بواسطة النبي (ص) هي معاهدة صلح الحديبية بين الرسول(ص) وقبيلة قريش وذلك عام 628 م. واشتملت هذه المعاهدة على ميثاق عدم الاعتداء بين المسلمين في المدينة والمشركين في مكة، ويعدّ هذا الميثاق سابقة مهمة تدل على مشروعية إبرام المعاهدات مع غير المسلمين.
وقد أورد العلامة الطباطبائي(ره) في صحة ومشروعيّة المواثيق الدولية من الوجهة الإسلامية، ما يلي: «فإن الله سبحانه أمر بالوفاء بالعهود والعقود، وذمّ نقض العهود والمواثيق ذماً بالغاً في آيات كثيرة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}، وقال: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}([11]) (الإسراء: 43) إلى غير ذلك.
ولم يبح نقض العهود والمواثيق، إلاّ فيما يبيحه حق العدل: وهو أن ينقضه المعاهد المقابل نقضاً بالبغي والعتو، أو لا يُؤمَن نقضه لسقوطه عن درجة الاعتبار، وهذا مما لا اعتراض فيه لمعترض. .. قال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ}([12]) فأجاز نقض العهد عند خوف الخيانة ولم يرض بالنقض من غير إخبارهم به...
وأما النقض الابتدائي من غير نقض العدو والمعاهد، فلا مجوز له في هذا الدين الحنيف أصلاً. قال تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ...} [ولا يجوز النقض حتى لو كان] الوفاء مما يفوّت على المسلمين بعض منافعهم، ويجلب إليهم بعض الضرر. .. »([13]).
تنقسم الاتفاقيات من وجهة نظر الإسلام إلى قسمين:
1 - المعاهدات: وهي الاتفاقيات الدائمة التي تعقد مع أهل الكتاب [الذميين].
2 - الاتفاقيات التي تعقد مع العدو على أساس الضرورة أو المصلحة، وهذه لا تسمى بالمعاهدات؛ لأن لها طبيعة مؤقتة، ويدخل تحت هذا النوع من الاتفاقيات «الموادعة» و«المهادنة».
الوضع القانوني لغير المسلمين في الدولة الإسلامية
من البديهي عدم كون جميع المواطنين في الدولة الإسلامية مسلمين، بل هناك إضافة إلى المسلمين طائفتان أخريان تقيمان في الدولة الإسلامية. وهاتان الطائفتان هما المستأمنون والذميون. أما المستأمنون، فهم الذين يقيمون بصورة مؤقتة في البلد الإسلامي من خلال عقد الاستئمان، وليسوا مواطنين للدولة الإسلامية. وأما الذميون فهم أهل الكتاب الذين يدفعون الجزية ويعقدون ميثاق الإقامة الدائمة، ويعدّون مواطنين للدولة الإسلامية. ورغم أن الأساس في المواطنة في الفقه الإسلامي هو التبعية للأمة: بمعنى أنّ كل مسلم يعدّ مواطناً للدولة الإسلامية. إلا أنه نظراً إلى الاعتراف بالحدود الدّولية في الوقت الراهن، فقد لوحظ في التبعية للدولة الإسلامية في هذا العصر، قضية القومية؛ بمعنى أنّ ما يربط شخصاً ما بدولة ما هو التبعية السياسية والمعنوية لهذه الدولة، وهذه العلاقة توجب للمواطن والدولة حقوقاً وواجباتٍ متقابلة. والذّمي هو الذي يستفيد من معاهدة الذمة ويعدّ هؤلاء مواطنين تابعين للدولة الإسلامية. وعلى هذا الأساس لا فرق بينهم وبين باقي المواطنين، بل يعطون حقوقاً متساوية مع المسلمين. وينقل الماوردي عن الإمام علي (ع): «إنّما قبلوا عقد الذّمة لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا»([14])
فالذّميون يثبت لهم حق العيش بأمان، وحق الحصانة من الأذى، والدفاع عنهم أمام اعتداء الآخرين، والمحافظة على نفوسهم وأموالهم (عصمة النفس والمال). من هنا، فمن يتّحدث من الكتّاب بعنوان «حقوق الأجانب» من الذميين فهو مخطئ؛ لأن هؤلاء لو دفعوا الجزية واستوفوا باقي الشروط، وأدوا ما عليهم من تكاليف، فلا يعدّون أجانب. وقد بادر فقهاء العامة إلى تحديد التكاليف الموجّهة إلى أهل الذمة، كالاحتراز من الطعن أو إساءة الأدب بالنسبة إلى القرآن الكريم، والرسول الأكرم(ص)، والدين الإسلامي، والاحتراز من دعم أعداء الإسلام، وإلحاق الضرر بحياة المسلمين أو أموالهم، والاحتراز من الإتيان بالأعمال المنافية للعفة مع النساء المسلمات، والاحتراز من شرب الخمر علناً، وبناء الأبنية الأعلى من بيوت المسلمين...([15]).
وأما المستأمن فهو الأجنبي الذي يكسب حق الإقامة المؤقّتة في البلد الإسلامي من خلال عقد الأمان. وعلى هذا الأساس، فالأمان المؤقت هو بمنزلة جواز السفر أو وثيقة الدخول التي يمنح الأجنبي بموجبها حق الدخول والإقامة المؤقتة مع ضمان حمايته والدفاع عنه. والمستند الأساس لعقد الأمان هو الآية القائلة: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}([16]).
إنّ هذه الآية تؤسّس لفكرة «الأمان» أو «ضمان حماية النفس» وبين الفقهاء خلاف حول مدلول هذه الآية. وقد يستفاد من صيغة الأمر الواردة في الآية أن قبول المستأمن من وظائف الحكم الإسلامي، إلا ان هذا الاستنتاج في غير محله؛ لأن الآيات الدالة على وجوب الجهاد والتحريض عليه، قد أدت إلى تكوين ذهنية مفادها عدم جواز إعطاء الأمان للمشركين والسعي لجهادهم وقتالهم، وقد نزلت آية الأمان في هذه الظروف. ويرى الكثير من الأصوليين أن الأمر الوارد عقب الحظر يدل على الترخيص فقط([17])، إلا أن نقول كالعلامة [الحلي] وآخرين: إن الأمر الوارد بعد الحظر كالأمر والنهي الابتدائيين لا يمنع من انعقاد الظهور للأمر. ومن هنا، فإن الشيخ الطوسي، وصاحب الجواهر، وحتى العلاّمة نفسه عدّوا عقد الأمان من العقود الجائرة، ولم يشيروا إلى كونه من تكاليف ووظائف الحاكم الإسلامي([18]).
نعم، يمكن القول إنه لو قصد المشرك أن يستمع إلى كلمة الحق (حتى يسمع كلام الله)، فيلزم حينئذ على الحكم الإسلامي أن يمنحه الأمان. وقد ورد عن النبي (ص) ما مفاده التأييد الصريح لهذا الأمر: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم»([19]).
ويقبل الفقهاء بشكل عام بقاعدة أن كل مسلم بالغ وعاقل يحق له أن منح الأمان لأحد أفراد معسكر العدو، وإعلان متاركة القتال معه، بل يستطيع أيضاً أن يبادر إلى انعقاد عقد الأمان، وترك الخصومة مع مجموعة كبيرة من أفراد العدو ويلزم على الجميع الالتزام بذلك. وقد أخبرت أم هاني النبي (ص) أنها منحت الأمان لمجموعة من أفراد عشيرتها، فقال النبي (ص): «أجرنا من أجرت يا أم هانئ، إنما يجير على المسلمين أدناهم».
وأجارت زينب بنت رسول الله (ص) العاص بن الربيع فأمضاه رسول الله (ص)، إلى غير ذلك([20]). وعقد الأمان، وإن كان محدوداً زمنياً، إلا أنه يساوي الأمن الحقيقي. وتترّتب عليه حصانة المستأمن وحمايته خلال فترة إقامته في الدولة، وسوف تكون حياته وأسرته وأمواله في حماية القانون، وذلك مقابل التقيّد بالقوانين الإسلامية، وعدم التعدي على حقوق المسلمين. وقد ورد في كتابات بعض المفكرين المسلمين أن عقد الأمان في الفقه الإسلامي يتطابق مع فكرة اللجوء في القانون الدولي، إلا انه رغم بعض وجوه الشبه بين الاثنين لا نستطيع أن نقول بوجود المطابقة التامة بينهما.
لقد عرّفت اتفاقية جنيف لعام 1591 اللاجئ بما يلي:
«يطلق اللاجئ على (كل) من يخاف لسبب وجيه من التعرض للتعذيب نتيجة الأسباب المتصلة بالعرق، أو الدين، أو القومية المعنّية، أو الانتماء إلى بعض الجماعات الاجتماعية أو لتوجهه السياسي، ويعيش خارج بلده الأصلي، أو لا يستطيع أن يحتمي تحت قانون ذاك البلد للخوف الآنف الذكر، أو يفتقد الجنسية وبعد تلك الوقائع يعيش خارج محل إقامته الأصلية، أو لا يتمكن من الرجوع إلى بلده الأصلي مخافة الملاحقة».
وقد استثنت الاتفاقية المذكورة مجموعة من الأفراد هم:
1- مرتكبي جرائم الحرب.
2- مرتكبي الجناية خارج البلد الأصلي، والذي يشمله قانون الجزاء العام.
3- مرتكبي الأفعال المخالفة لأسس ومقاصد الأمم المتحدة.
وتتضمن المادة([21]) من نداء حقوق الإنسان الإسلامية ما يلي:
«يحق لكل إنسان طبقاً للشريعة أن يختار محل إقامته أوسفره داخل أو خارج بلده، وفيما إذا تعرض للاعتداء يستطيع أن يلجأ إلى بلد آخر، ويجب على ذاك البلد أن يحسن معاملته، حتى يتوفر له المكان المناسب للإقامة واللّجوء، ويشترط في كل ذلك أن لا يكون سبب اللجوء عملاً جرمياً طبقاً للشرع».
وبعد وضوح مفهومي «الأمان» و«اللجوء» تتبين وجوه الاختلاف بينهما:
أوّلاً: إنّ «الأمان» (الاستئمان) في الفقه ذو ماهية عقدية وليس تكليفاً، إلا فيما إذا كان الغرض من طلب الأمان الاستماع إلى كلام الله، في حين أن اللجوء بحسب القانون الدولي حق وتكليف؛ بمعنى أنه يحق لكل إنسان أن يلجأ إلى بلد آخر. وعليه يلزم على هذه الحكومات أن تقبل طلب اللّجوء، وأن تمنح صاحبه حق اللجوء. وإن كان هذا الحق ثابتاً على مستوى التنظير فقط؛ لكن على مستوى العمل والممارسة، فإن الحكومات تتصرف وفق السياسات الخاصّة بها، ولا ترى نفسها ملزمة بمنح هذا الحق لطالبي اللجوء.
ثانياً: إن الانتماء الديني لطالب اللجوء ليس له أهمية في القانون الدولي، في حين أن للاختلاف الديني أهميته في عقد «الأمان»: بمعنى أن فكرة «الأمان المؤقت» شرّعت أساساً لإعطاء الأمان للمشركين. وأما الأمان الدائم الذي يرتبط بأهل الكتاب، فإنه يؤدّي كما أشرنا إلى منح الجنسية والمواطنة.
ثالثاً: إن الأمان المؤقت يمنح لمدة سنة واحدة فقط ولا يلحظ في اللجوء هذه الفترة الزمنية.
رابعاً: إن طالب اللّجوء يخاف في بلده الأم ويعيش تحت الملاحقة والتعذيب والإيذاء، وبسبب ذلك يطلب اللجوء، في حين أن المستأمن يعيش في أمان في بلده الأصلي (دار الكفر بحسب المصطلح الفقهي) إلا أنه يعيش هاجس الدخول إلى الدولة الإسلامية (دار الإسلام). ويرى الفقهاء أن الحصانة تتحقق بأحد أمرين: الإيمان المتصف به المسلمون، والأمان الذي يستطيع أن يتسفيد منه غير المسلم...
أقسام الأمان
1 - الأمان المؤقت الخاص: وهو الأمان الذي يمنح للكافر الحربي، سواء أكان شخصاً واحداً، أم شخصين أم جماعة. ويحق لكل مسلم مهما كانت مرتبته الاجتماعية، أن يمنح هذا النوع من الأمان.
2 - الأمان المؤقت العام: وهو الأمان الذي يمنح لغير المسلمين، سواء أكانوا عدداً كبيراً أم ضئيلاً، بواسطة الحاكم الإسلامي.
3 - الأمان بالموادعة: هو نوع من الأمان المؤقت الذي يؤدي إلى إنهاء الصراع والخصومة مع غير المسلمين، ويطلق عليه المعاهدة أو المهادنة أيضاً.
4ـ الأمان العرفي: وله أقسام، مثل:
أ - أمان المندوبين والسفراء.
ب - أمان التجار.
ج - الأمان التبعي: أي الأمان بالنسبة إلى أفراد أسرة المستأمن وأولاده وأمواله([22]).
وينطبق من بين هذه الأقسام حق الأمان والحصانة للسفراء والمندوبين على القانون الدولي الحديث، ولأجل أهميته نتوقف عنده قليلاً فنقول: إن الدول والحكومات كانت تربط بينها علاقات من قديم الأيام، ولم تكن العلاقات منظمة في السابق، بل كانت في أوقات معينة ولمناسبات خاصة من خلال السفراء والمبعوثين. وبشكل عام، فإن المبعوثين السياسيين لحسن الاستفادة من وظائفهم يملكون حصانة ما.
وإن الفقه والتاريخ الإسلامي يملكان شواهد كافية عن علاقات ديبلوماسية بين الدول الإسلامية وباقي الدول، وكان المبعوثون والسفراء يملكون حصانة وميزات خاصة بشكل كامل: فالنبي محمد (ص) منح الحصانة الدبلوماسية موفد «مسيلمة الكذّاب»، مدّعي النبوة والذي لم يكن يستحق أيّ نوع من الاحترام. وقد أرسل إلى النبي (ص) موفدين لتسليمه رسالة، وبعد اطّلاع النبي على محتوى الرسالة طلب من الموفدين أن يدخلا في الإسلام ويشهدا بنبوته(ص) إلا أنهما شهدا بنبوّة مسيلمة الكذّاب، وحينئذ صرّح النبي (ص) قائلاً: «لولا أن الرسل لا تُقْتل لضربت أعناقكما» أو «لو كنت قاتلاً رسولاً لضربت أعناقكما»([23]).
وينبغي القول: إن الموفدَين كانا يستحقان القتل لجهة الارتداد، إلا أنّ عنوان الموفد منحهما الحصانة. كما ينبغي أن نشير إلى أن ما ورد نقله عن عبد الكريم زيدان من رأي يعدّ فيه الأمان والحصانة للمبعوثين أمراً عرفياً: بمعنى أن الحصانة للمبعوثين من القواعد العرفية التي كانت الدول والحكومات تلتزم بها وقد اعترف الإسلام والفقهاء المسلمين بها أيضاً.
ونجد في الرواية السابقة قرينة على كونها قاعدة عرفية؛ لأن النبي (ص) يقول: «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما». بمعنى أن هناك قاعدة عرفية مسلّمة وهي أن السفراء لا يُقتلون، وإني أمضي هذا العرف العقلائي والمنهج الأخلاقي وأعمل بموجبه. وإن كانت النتيجة بحسب الرواية الأخرى «أنه لا يهمني ما يجري في الخارج العرف»، وإن وجد أفراد لا يهتّمون بشأن السفراء إلا أنني لا أجيز قتل السفراء وإلا لقتلتك. وقد نقل المؤرخون والمحدثون نماذج أخرى تبيّن اهتمام النبي (ص) بشأن حصانة السفراء([24]).
ومن المناسب أن نشير إلى أن حصانة السفراء مبنية عند بعض الفقهاء والقانونيين([25]) على أساس المصلحة الوظيفية (Interest of Function)، ويبدو أن هذا الأساس لتبرير الحصانة تم النظر إليه بمعزل عن المبادئ والأصول والقيم الأخلاقية. والصحيح أن يقال «إن الأخلاق تحكم بأن الرسول (الموفد) ينبغي أن يتمتع بالمصونية والحماية»، والدليل على ذلك: أنه لا يجوز الاعتداء على سفير الدولة الأخرى التي لا تنظر إلى السفير بعنوان شخص يتمتع بالحصانة.
ونشير إلى عبارة بعض الفقهاء القائلين بابتناء الحصانة على فكرة الضرورة الوظيفية. يقول ابن قدامة (المقدسي)، وهو من كبار فقهاء العامة:
«ولأنّ الحاجة تدعو إلى ذلك، فإننا لو قتلنا رسلهم لقتلوا رسلنا فتفوت مصلحة المراسلة»([26]).
ويصرّح الفقيه الإمامي الذائع الصيت صاحب جواهر الكلام، بعد نقله كلام النبي (ص) في قضية مسيلمة الكذّاب، قائلاً:
«..ومنه يستفاد الأمان للرسل الذي هو مقتضى المصلحة والسياسة، يستفاد ضرورة مساس الحاجة إلى ذلك كما هو واضح والله العالم»([27]).
يُعدّ موضوع الصلاحيات التي يعبّر عنها تحت عنوان «نطاق نصوص الجزاء في الزمان»، من الأبحاث الأساسية في القانون الجزائي الدولي، وهناك أنواع أربعة من الصلاحيات:
1- مبدأ الإقليم:
إن مبدأ الإقليم يحكم بحصر صلاحية البتّ بشأن جميع الأعمال الجزائية (الجرائم) التي ترتكب في نطاق إقليم الدولة، بالدولة وقوانينها ومحاكمها:
إنّ الزيادة ضمن الإقليم (ضمن الحدود الإقليمية للبلد) لها سمتان: إحداهما إيجابية، والأخرى سلبية. والجهة الإيجابية في مبدأ الإقليم هي أنها تدخل ضمن صلاحيات القضائية للدولة، فتدخل كل الجرائم التي تحصل في النطاق الجغرافي لذلك البلد، واعتبار كافة الجرائم ضمن القوانين الجزائية للبلد الواقع فيه العمل الجرمي. والجهة السلبية لمبدأ الإقليم هي أن الدولة ليس من صلاحياتها إصدار الحكم بشأن الجرائم التي ترتكب خارج نطاق الدولة (جغرافياً)؛ لأنها مخالفة لقوانين وحاكمية الدولة، وهذا ما أدّى إلى أن يطرح موضوع السيادة القومية (أو الشخصية).
2- مبدأ القومية (الشخصية):
إنّ مبدأ القومية يعطي الحق للدولة (أجهزتها القضائية) في الملاحقة القضائية لمواطنيها فيما إذا ارتكبوا جرائم خارج بلدهم الأصلي طبقاً للقوانين والقواعد الحاكمة في البلد الأصلي.
3- مبدأ الوقاية:
إنّ الدول ترغب في إبداء استيائها مقابل الجرائم التي تمسّ أمنها الداخلي أو الخارجي، وإن كانت الجريمة قد حصلت خارج نطاقها الإقليمي وبواسطة الأجانب. وتبين المادة (7) من قانون المحكمة الجنائية الفرنسية هذه الغاية بما يلي: «إنّ كل أجنبي يرتكب جريمة ضد أمن الدولة، خارج فرنسا سواء أكان مباشراً أم مشاركاً في الجرم أو يبادر إلى تزوير ختم الدولة أو الأوراق النقدية الرائجة في البلد أو أوراق الدولة، أكان اعتقل في فرنسا أم استردّته الدولة إلى فرنسا، فإنه سوف يحاكم طبقاً للقانون الفرنسي».
4- مبدأ العالمية:
المقصود من السيادة العالمية لقوانين الجزاء هو أن المحاكم الجنائية للدول لا بد أن تكون لها صلاحية ملاحقة بعض الجرائم المهمة التي يرتكبها شخص ما في بلد ما. والدولة التي تستند إلى هذه الفرضية في إعمال صلاحياتها العالمية لا تدّعي أن لها الحق وصلاحية إنزال العقوبة بذلك الشخص، وإنما تقوم بذلك كي لا تبقى جريمة بحق الإنسانية دون عقاب.
بعد بيان هذه المقدمة، نشير إلى أن فقهاء المسلمين اهتموا بهذه المسألة في أبحاثهم بشكل من الأشكال، ومورد البحث هو نطاق إجراء القوانين الجزائية في الإسلام: هل هذه القوانين لها صلاحية الإجراء في حدود الأقاليم الإسلامية، أو تجري حتى في الإقليم غير الإسلامي بحق المسلمين؟
الأصل هو أن القوانين الإسلامية سارية المفعول بحق جميع الأفراد المقيمين في دار الإسلام، مسلمين كانوا أو غير مسلمين؛ حيث إنّ المسلمين ليس لهم شريعة غير الإسلام، ومن الطبيعي أن يكونوا ملزمين بالعمل طبقاً لأحكام تلك الشريعة، التي توقع المعاقبة على أي جرم بحسب أحكامها. والذميّون بموجب عقد الذمة الذي أبرموه يثبت لهم الأمان الدائم، ويكسبون حماية الدولة الإسلامية في الدفاع عن أنفسهم وأموالهم، وفي المقابل، يلتزمون بالعمل الدائم بأحكام الإسلام، فيلزم عليهم العمل بأحكام الشريعة. والمستأمن يلزم عليه أيضاً الالتزام بأحكام الشريعة بموجب طلب الأمان واكتساب حق الدخول إلى الدولة الإسلامية. كما أن المسلمين والذميّين يعاقبون على ما ارتكبوه في غير دار الإسلام، سواء أعُدَّ ذلك جرماً في القانون الإسلامي أم لم يكن كذلك.
ويرجع ذلك إلى أنّ المسلم عندما يحصل على سمة الدخول (عقد الأمان)، ويدخل بموجبها إلى الدولة غير الإسلامية، عندئذ يكون عليه أن يلتزم بكافة قوانينها، وهذا ما يقتضيه العهد الذي تكلّمنا عن أهميته والتأكيد على الوفاء به.
إلاّ أن هناك اختلافاً في وجهات النظر بين فقهاء المسلمين حول الصلاحيات، لا سيّما في الصلاحيات المنطلقة من مبدأ الإقليم ومبدأ القومية (الشخصية)، لقد قبل أبو حنيفة الصلاحية المنطلقة من مبدأ الإقليم جزئياً. وبحسب اعتقاده، فإن القوانين الإسلامية تُطبق على كل فرد يرتكب جريمة في الدولة الإسلامية، مُسلِماً كان أو ذمياً؛ لأن المسلمين ليس لهم قانون سوى الشريعة، والذمي أيضاً التزم بأحكام الإسلام من خلال عقد الذمة. أما لو أقام شخص في البلد الإسلامي بشكل مؤقت (المستأمن)، وارتكب عملاً جرمياً، فإنه يعاقب وفقاً للقوانين الإسلامية، ذلك فيما إذا كان الجرم الذي ارتكبه متعلقاً بحقوق الناس؛ والسبب في ذلك يعود إلى أن هذا الشخص قد دخل الأراضي الإسلامية لأغراض كالتجارة أو إيصال رسالة أو ما شابه ذلك، ولا ينوي الإقامة الدائمة، ومن هنا يلزم عليه أن لا يرتكب عملاً يخالف غرضه في الدخول إلى الأراضي الإسلامية، وإذ يتم التعامل معه وفقاً للعدالة والإنصاف والعيش في أمان، يتعيّن عليه أن يسلك نهج العدالة والإنصاف في التعاطي مع المواطنين في البلد الإسلامي، وعليه فإنه لو ارتكب جريمة قتل، أو قذف مسلماً، أو غصب مالاً، سوف تُطبّق بحقه القوانين الشرعية.
كما أن أبا حنيفة لا يؤمن بمبدأ القومية في الصلاحيات (الشخصية)، ويعتقد أن المسلم أو الذمي لو ارتكب جريمة في الدولة غير الإسلامية، فإنه لا تلحق به أحكام الشريعة الإسلامية، ولا يعاقب حين إقامته خارج البلد الإسلامي فحسب، بل إنه لا يعاقب أيضاً بعد رجوعه إلى دار الإسلام. ودليله على ذلك: أن الموضوع لا يتّصل بالتزام المسلم أو الذمي بالأحكام الإسلامية، بل يرتبط ذلك بتكليف الإمام في إقامة الحدود (الإسلامية)، ويجب على الإمام إجراء القوانين الجزائية الإسلامية والحدود فيما إذا كان قادراً على إقامتها، وذلك بسبب أن الوجوب مشروط بالقدرة على الفعل، ولا يملك الإمام القدرة على إجراء الحكم بشأن من يرتكب جريمة في خارج البلد الإسلامي، ومع فقدان القدرة لا تكليف بإنزال العقاب بالمجرم([28]).
ومقصود أبي حنيفة هنا: أن الحكم طبقاً لقانون الجزاء الإسلامي يحتاج إلى الولاية في محل الجريمة حين ارتكابها، وعلى هذا الأساس لو حصلت الولاية للحكم الإسلامي على محل تحقق الجريمة بعد وقوع الجريمة، لم تطبق القوانين الإسلامية؛ لأنه لم تحصل الجريمة في ولاية الحكم الإسلامي. أما لو ارتكب مسلم أو ذمي جريمة في الإقليم الإسلامي ثم فرّ إلى بلد غير إسلامي، فإنه لا يسقط العقاب عنه.
ويرى أبو حنيفة أيضاً أنّ المسلم أو الذمي لو دخل إلى دار الحرب طلباً للأمان (كمستأمن)، يجوز له إبرام عقدٍ ربويٍ مع الكافر الحربي أو المسلم الذي لم يهاجر إلى دار الإسلام، والوجه في ذلك: أنّ ما يتحقق هو تلف مال الحربي، ولابأس به لأمرين: أوّلاً أنه يرضى به، وثانياً: لجواز إتلاف مال الحربي، كما أنه لا حرمة لمال مسلم لم يهاجر إلى دار الإسلام أيضاً. ويستند في صحة هذا الأمر بعمل العبّاس بن عبد المطلب، حيث إنه كان يتعامل ربوياً مع الحربيين، كما كان يتعامل معهم قبل الإسلام([29]).
ولا نريد هنا أن نناقش نظرية أبي حنيفة في الموضوع، مع أن رأيه في خصوص مبدأ الإقليم وعدم انطباق الحكم الإسلامي على المجرم المستأمن، ليس له أساس من الصحة؛ لأنه يدخل في البلد الإسلامي ضمن الالتزام العملي بالقواعد والموازين الإسلامية التي يؤدي التخلف عنها إلى العقاب. كما أن ادعاءه بخصوص رد الصلاحية المنطلقة من مبدأ القومية (الشخصية) لا يبدو صحيحاً؛ لأن القدرة التي هي شرط في إقامة الحد هي شرط عند إقامته، وليست شرطاً عند ارتكاب الجريمة. نعم، إن رأي أبي حنيفة وأتباعه في أنه «لا يجري حكم الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب» له وجه من الصحة، ويرى فقهاء الإمامية ذلك أيضاً، إلا أن ذلك خاص بالمعاملة بين الكافر والمسلم، ولا يشمل المعاملة بين المسلمين حتى لو كان أحدهما غير مهاجر.
وينبغي أن نضيف أن أدلة أبي حنيفة في الحقيقة ليست أدلة قوية، وهو يرجّح كفّة عدم العقاب بأية ذريعة. وينبغي الاعتراف أن تنفيذ العقاب ليس أمراً مرغوباً، إلا أن عدم العقاب يحتاج إلى شبهة أو مصلحة تؤدي إلى تعطيل الحد الذي قرره الشارع، كما ورد عن المعصومين في روايات مفادها أن المجرم لا يعاقب في بلد العدو. وينقل أبو حنيفة إحدى هذه الروايات عن النبي (ص) أنه قال: «لا تقطع الأيدي في الغزاة».
وقد خصّ فقهاء الإمامية هذه الرواية بحد السرقة. ويرى الشيخ الطوسي(ره) أن الدليل على عدم إجراء الحدود حين الحرب هو الإجماع.
ويرى فقهاء الإمامية عدم إجراء الحدّ في بلد العدو أمراً مسلماً، ومستندهم في ذلك هو رواية معتبرة وردت عن الإمام علي (ع)حين قال: «لا أقيم على رجل حداً بأرض العدو حتى يخرج منها مخافة أن تحمله الحمية فيلحق بالعدو»([30]).
ومن الواضح أننا لا نستفيد من هذه الرواية عدم اعتبار القوانين الإسلامية أو سقوطها عن الاعتبار في هذه الحالة، لكننا نستطيع الاستفادة بالنظر إلى الحكمة أو العلّة المندرجة فيها: أن المصلحة تحكم بتعطيل الحد (مؤقتاً) فيما إذا أدى تطبيقه إلى فرار المسلمين ولجوئهم إلى دار الحرب. ويتطابق رأي أبي يوسف مع أبي حنيفة، إلا أنه لا يقبل رأي أبي حنيفة، في عدم تطبيق قوانين الشريعة على المستأمن، ويحكم بإجراء قوانين الشريعة بحق المستأمن المجرم في دار الإسلام. ولا يوجد اختلاف بين المدارس الفقهية المالكية، والشافعية، والحنبلية، وفقه الإمامية في قبول مبدأ صلاحية الإقليم ومبدأ صلاحية القومية (الشخصية). ويرى فقهاء هذه المدارس أن أي جرم يرتكب في دار الإسلام من قبل المسلم، أو الذمي، أو المستأمن، يلزم عنه العقاب طبقاً للأحكام الإسلامية، كما أن أي جرم يرتكبه المسلم أو الذمي في دار الحرب، يعاقب عليه طبقاً للقوانين الإسلامية أيضاً.
وينبغي أن نشير إلى أن قوانين الجزاء الإسلامية (التي أقرت في القانون الإيراني)، والتي تم تدوينها وفقاً للفقه الإمامي ورد التأكيد فيها على قبول الصلاحيات الأربعة. والمادة الثانية من هذا القانون تصرّح بخصوص مبدأ سيادة الإقليم أو السيادة ضمن الحدود الإقليمية:
«إن قوانين الجزاء تُطبق بحق أي شخص يرتكب جريمة في نطاق السيادة الأرضية والبحرية والجوية لجمهورية إيران الإسلامية، إلا فيما إذا أقر القانون إجراءً آخر..».
والمادة السابعة من قوانين الجزاء الإسلامية تقبل بمبدأ السيادة القومية (الشخصية) وتقرّر ما يلي:
«إضافة إلى الموارد المذكورة في المواد (5) و (6)، فإن أي مواطن إيراني يقوم بارتكاب جريمة خارج إيران ويوجد في إيران، فإنه يعاقب طبقاً لقوانين الجزاء في جمهورية إيران الإسلامية».
والمادة الخامسة تقبل بسيادة الواقع طبقاً لمبدأ الوقاية:
إن كل مواطن إيراني أو أجنبي ارتكب إحدى الجرائم التالية خارج نطاق سيادة إيران، ووجد في إيران أو تم استرداده إلى إيران، فسوف يحكم عليه طبقاً لقوانين الجزاء في جمهورية إيران الإسلامية:
1 - ارتكاب جريمة ضد النظام الجمهوري الإسلامي في إيران، والأمن الداخلي، والخارجي والسيادة الإقليمية، أو استقلال جمهورية إيران الإسلامية.
2 - تزوير حكم، أو كتابة، أو ختم، أو توقيع القيادة أو الاستفادة منها.
3 - تزوير المكتوب الرسمي من رئيس الجمهورية أو غيره.
4 - تزوير العملة الرائجة في إيران، أو الأسناد البنكية...
وأما السيادة العالمية، فقد ورد حولها في المادة السادسة عشر من قانون التعزيرات ما يأتي:
«أي شخص يبادر إلى تزوير أي نوع من المسكوكات الذهبية أو الفضية الداخلية، أو الخارجية مثل: مسكوكة بهارآزادي (ربيع الحرية/ الدارجة في إيران)، أو مسكوكات دارجة في عهد حكومات إيرانية سابقة، أو أنواع أخرى من المسكوكات، والدولار وغيرها من العملات التي لها قيمة فعلية، أو قام بإدخالها إلى إيران عن علم وعمد بقصد ترويج العملة المزوّرة، فيحكم عليه من ثلاث إلى عشر سنوات».
عند هذه الجريمة يحق للقاضي الإيراني أن يحاكم المتهم بها، أينما صدر فيه هذا الحكم. وقد اعترفت اتفاقية 20 إبريل 1929م، في جنيف بهذا النوع من السيادة. وينبغي أن نقول: إن السيادة العالمية أوسع من هذا بكثير، وسنكتفي بما ذُكر.
الحرب في الفقه الإسلامي والقانون الدولي
لم يخل تاريخ الإنسان من الحرب والصراع المسلّح في أي وقت. وقد ورد الاهتمام بقوانين الحرب، وحقوق الإنسان في زمن الحرب بشكل تفصيلي في الفقه الإسلامي. ولم تنص القوانين الدولية على عدم مشروعية الحرب قبل القرن التاسع عشر الميلادي، إلا أن المعاهدات والاتفاقيات التي أُبرمت بعد ذلك عدّت اللجوء إلى القوة لحل الأزمات أمراً محرّماً، بحيث إن القواعد الحديثة للقانون الدولي المتصلة بحرمة إعمال القوة تُعدّ اليوم من القواعد الدولية الملزمة. ولا نستطيع في هذا الموجز أن نبحث حول قوانين الحرب وحقوق الإنسان زمن الحرب في الفقه الإسلامي، ولكن نشير إلى نقطة واحدة: وهي أنه بالإمعان في النصوص الدينية وتاريخ الحكم الإسلامي في عهد الرسول(ص) نستطيع أن نستنتج أن السلام، والعلاقات السلمية بين الدولة الإسلامية وباقي الدول، تُعد من الأصول الضرورية والمسلّمة، وليست الحرب إلا حالة استثنائية وعابرة. وليس الاهتمام بالجهاد والحث عليه إلا من باب المحافظة على المسلمين، والدفاع عن الدين وحفظ النظام العام، والمنع من التعدي، والبغي. ونستطيع أن نعدّ الجهاد حالة دفاعية ووقائية للحيلولة دون وقوع الظلم والبغي، وليس له جانب التعدي على الآخرين. ولقد تم نشر الإسلام في البداية من خلال التبليغ السلمي، كما أن الإسلام قد أكد على حريّة اختيار الدين (والمعتقد)، إلا أن ذلك بدأ بعد عقد من تاريخ بزوغ نور الإسلام.
عنما اشتد العنف والإيذاء للرسول (ص) وأصحابه، وللحيلولة دون استمرار هذه الحالة اختار النبي(ص) الهجرة إلى المدينة. وحينئذ لم يكن يملك المسلمون وسيلة للدفاع عن أنفسهم وللحفاظ على دينهم. من هنا، تم تسويغ الحرب المقدسة التي سميت بـ«الجهاد»، بغرض إقرار الأمن، وصيانة حرية الدين أمام اعتداء الآخرين. وينبغي: إننا ربما نستفيد من عبارات وكلمات عدد كبير من فقهاء الإمامية بأن الحرب والجهاد يعدّ حالة طبيعية العلاقات مع الكفار، ويمكن الاجتناب عنه فيما إذا لم يستطع المسلمون خوض الحرب معهم أو اقتضت المصلحة ذلك. إلا أننا نستطيع - من خلال مراجعة مجموعة من الآيات القرآنية، والسيرة، والنهج العملي لرسول الله (ص) - استنباط أن الحالة الأولية، والأصل في العلاقات الإسلامية مع باقي الملل، هو السلم دون الحرب. نعم، إنّ هناك بعض الحروب الأولى في الإسلام كغزوة بدر وأحد لا تنطبق مع مبدأ السلام في العلاقات الإسلامية مع الكفّار، إلا أن التحقيق والبحث التاريخي يكشف عن أن جميع هذه الحروب كانت لها أبعاد دفاعية.
إنّ الفقه الإسلامي يشتمل على أحكام تفصيلية، وعادلة، وإنسانية فيما يتصل بالحرب، بحيث لا يمكن تصور مثيل لها، نظراً إلى الجوانب الإنسانية في ذلك العصر. ويمكن فقط أن نقيس هذه الأحكام - من حيث المضمون - إلى حقوق الإنسان في القانون الدولي المعاصر. ويمكن أيضاً عدّ حقوق الإنسان من العناصر الذاتيّة والأصول الأساسية للنظام الحقوقي الإسلامي التي لها مفهوم عميق وجاذبية خاصة.
ولو رجعنا إلى اتفاقيات جنيف (عام 1949) وإلى البروتوكولات الملحقة بها لوجدنا أن القواعد السياسية المتصلة بالحرب، وطرق وأساليب الحرب، والمحافظة على غير العسكريين، والمحافظة على المنشآت المدنية، وكيفية التعامل مع الجرحى والقتلى، وحقوق الأسرى وغيرها، لوجدناها مبيّنة وقد تم تبيينها بشكل تفصيلي في الفقه الإسلامي. وتبتني القواعد الإسلامية حول الحربة على العفو، والرحمة، والمواساة. وإن قيمة الإنسان وكرامته من الأصول الإسلامية المسلّمة التي لها أهمية خاصة في الحرب، وقد ورد التصريح بالمنع من التمثيل بالعدو وتعذيبه وكل أنواع التعامل المشين معه. وبحسب حقوق الإنسان الإسلامية لا بد من التمييز بين الأشخاص العسكريين وغيرهم في الصراعات المسلّحة، فلا يجوز التعرض للمدنيين في حالات الحرب، كما يمنع منعاً باتاً كل أنواع الرعب والأعمال الانتقامية ضد المدنيين. واشتمل الفقه الإسلامي على اهتمام خاص ببعض الأفراد مثل الأطفال، والنساء، والشيوخ، والمرضى ورجال الدين. وعلى أساس الفقه الإسلامي، لا يجوز للمحاربين المسلمين أن يبادروا إلى الانتقام الجماعي من العدو. كما أن الفقه الإسلامي يتضمن في خصوص التعامل مع الجرحى والأسرى المحاربين قواعد إنسانية واضحة، ويعترف لهم بحقوقٍ خاصة، مثل: التعامل معهم باحترام، والمنع من التعذيب، والمحافظة على جمع الشمل (الوحدة الأسرية)، وضمان حق الاتصال بالأسرة، والتحرير انطلاقاً من مبدأ العطف والرأفة. إن الفكر «الإنساني» يركّز دائماً على الحدّ من درجة الوحشية والتعامل اللاإنساني في الحروب، ومن هنا، فقد وردت قيود حول نوع السلاح، وتحديد درجة استعمال الأسلحة، هذه القيود تُعدّ من القواعد المسلّمة لفقه الحرب عند المسلمين، مثل: منع استخدام السمّ في الحرب، لأنه يؤدي إلى القتل الجماعي([31]).
المصادر والمراجع:
--------------------------------
([1]) علي منصور علي، المدخل للعلوم القانونية والفقه الإسلامي، مقارنات بين الشريعة والقانون، بيروت، ط 2، 1391 هـ. ق. ص139.
([2]) الحديد/25.
([3]) راجع: وسائل الشيعة، ج11، طهران، المكتبة الإسلامية، ص 310، غرر الحكم، ج2، ص 795. وج1، ص 12.
([4]) م.ن.، ص 27.
([5]) صحيفة نور، ج21، ص 177.
([6]) جعفري لنكرودي، محمد جعفر: حقوق إسلام (القانون الإسلامي)، ص 20.
([7])Sobhi Mahamassani: Legal SystemsL P.35
([8] ) النحل/91.
([9]) الأنفال/27.
([10]) التوبة/4.
([11]) الإسراء/43.
([12]) الأنفال/85.
([13]) محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 9، ص 189.
([14]) الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 141.
([15]) ذكر الشهيد الأول في كتاب الدروس ما يلي:
«شرائط الذمة قبول الجزية بحسب ما يراه الإمام على الرؤوس والتزام أحكام الإسلام وأن لا يفعلوا ما ينافي الأمان كمعاونة الكفار وإيواء عينهم وأن لا يتجاهروا بالمحرمات في شريعة الإسلام كأكل لحم الخنزير وشرب الخمر وأكل الربا ونكاح المحارم». وقد تكلم صاحب جواهر الكلام أيضاً حول شرائط الذمة بتفصيل، أنظر: جواهر الكلام، ج 21. وقد ذكر المرحوم المظفر في هذا الخصوص ما يلي: «أصح الأقوال دلالتها على الترخيص فقط».
([16]) التوبة/6.
([17]) المبسوط: ج2، ص 37، جواهر الكلام، ج21، ص 92. وقواعد الأحكام ص 225.
([18]) ثقة الإسلام الكليني: الكافي، ج1، ص 403. وأنظر أيضاً: وسائل الشيعة، باب 20 (من أبواب الجهاد مع العدو).
([19]) محمد حسن النجفي: جواهر الكلام، ج21، ص 95.
([20]) راجع: م.ن، ص 276 و 97 و 96 و 78.
([21]) راجع: عبد الكريم زيدان: أحكام الذميين المستأمنين في دار الإسلام، مؤسسة الرسالة، ط2، بغداد، 1976، ص 46.
([22]) إن رجلين أتيا النبي (ص) رسولين لمسيلمة، فقال لهما: اشهدا أني رسول الله فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله فقال النبي (ص): «لو كنت قاتلاً رسولاً لضربت عنقكيما»، «أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما». راجع: سيرة ابن هشام، ج4، دار إحياء التراث العربي، ص 247. جواهر الكلام، ج21، ص 77.
([23]) لدراسة نماذج أخرى راجع: الأخلاق والقانون الدولي (بالفارسية): ناصر قربان نيا، پژوهشكاه فرهنك وانديشه إسلامي وسازمان سمت.
([24])CF.YILC: 1958. VOL 2, P.94
([25]) ابن قدامة، المغني، ج10، ص 436.
([26]) الشيخ محمد حسن النجفي: جواهر الكلام، ج 21، ص 77.
([27]) شرح فتح القدير، ج4 ص 152- 156.
([28]) بدائع الصنايع، ج7، ص 132.
([29]) شرح فتح القدير، ج4، ص 154.
([30]) أنظر أيضاً: جواهر الكلام، ج 14، ص 344. وتحرير الوسيلة، ج2، ص 419.
([31]) أنظر كمثال: النجفي الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج21، ص 67-79.
والزحيلي: د. وهبة: آثار الحرب في الفقه الإسلامي، ص 143 و 414 - 416 و 472 و 677- 793. والسرخسي: شرح السير الكبير، وابن هشام: السيرة النبوية، ج1، و ج4.

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية