نظرة مقارنة
من الحقائق المسلّم بها أن الحكومة الإسلامية تمتاز عن غيرها بثلاث
صفات، هي أنها:
حكومة قرآنية، حكومة خلافة أو إمامة، وحكومة شورى.
والاهم من كل ذلك أنها تقوم على أساس حاكمية الله تعالى وتشريعه،
أما سائر الأنظمة فتقوم على أساس حاكمية الإنسان.
ولا يخفى «أن الإنسان لا يستطيع أن يكون شارعاً لنفسه بنفسه، فإنّه
إن نجا من شرور عبودية الآلهة الكاذبة، فلا يمكن تخلصه من تعبد
شهواته الجاهلية، والاستسلام لنزعات الشيطان الكامن في نفسه؛
فالبشر في اشد الحاجة أن تحد حريته بحدود ملائمة للفطرة البشرية،
وذلك لصالحه وصالح المجتمع الذي يعيش فيه.
ونظراً لهذا الغرض قيد الله تعالى الحرية الإنسانية بقيود تسمى في
لغة الإسلام (حدود الله)، وهذه الحدود تشتمل على عدد من الأقوال
والمبادئ والأحكام القطعية لتكون الحياة الإنسانية قائمة على أساس
الحق والعدل»[2].
وهذه المبادئ والأحكام والأقوال هي التي تحدد الدستور الإسلامي في
مجال السياسة والحكم وإن لم تصغ في قوالب قانونية محددة
ومدونة..«وليس الدستور غير المدون بشيء غريب لم تعهده الدنيا، فانه
مازالت جميع الدول في العالم تجري نظمها على الدساتير غير المدونة
إلى القرن الثامن عشر، ولا تزال دول كبيرة من دول العالم،
كبريطانيا، تجري شؤونها إلى يومنا هذا من غير دستور مدون»[3].
وبناء على ذلك ليس لأحد أن يرفع عقيرته ويوجه سهام النقد للحكم
الإسلامي، من خلال الادعاء بأنه غير واضح المعالم، ليخرج باستنتاج
خاطئ مفاده أن الإسلام دين بعيد عن السياسة، لا لشيء إلاّ لكونه لم
يصب مبادئه وتوجهاته السياسية في قالب دستوري محدد.
توفيق أم تلفيق؟
من جانب آخر هناك بعض الآراء التي تنطوي على قصر النظر، وتفتقر إلى
العمق والموضوعية في البحث والتحقيق، وتحاول أن تبالغ في بعض أوجه
التشابه القائمة بين الحكم الإسلامي وبقية الحكومات المعاصرة؛
فتزعم ـ تارة ـ أن الحكم الإسلامي ديمقراطي التوجه، وتارة أخرى
تبحث له عن قواسم مشتركة مع الاشتراكية أو باقي الأنظمة، فتتخبط
خبط عشواء، وتنزلق ـ من حيث تشعر أو لا تشعر ـ في منحدر التغريب،
الذي يسعى بشتى السبل والحيل، لطمس معالم الحكم الإسلامي المضيئة.
إنّ هذه المحاولة التلفيقية، في نظر سيد قطب، ما هي إلاّ إحساس
داخلي بالهزيمة أمام النظم البشرية، التي صاغها البشر لأنفسهم في
معزل عن الله. فما يعتز الإسلام بأن يكون بينه وبين هذه النظم
مشابهة عموماً، وما يضره ألا تكون.
فالإسلام يقدم للبشرية نموذجاً من النظام المتكامل لا تجد مثله في
أي نظام عرفته الأرض، من قبل الإسلام ومن بعده سواء، والإسلام لا
يحاول ولم يحاول أن يقلد نظاماً من النظم، أو أن يعقد بينه وبينها
صلة أو مشابهة، بل اختار طريقه متفرداً فذاً، وقدم للإنسانية
علاجاً كاملاً لمشكلاتها جميعاً. وقد يحدث في تطور النظم البشرية
أن تلتقي بالإسلام تارة، وأن تفترق عنه تارة. ولكنه هو نظام مستقل
متكامل لا علاقة له بتلك النظم لا حين تلتقي معه، ولا حين تفترق
عنه؛ فهذا الافتراق وذلك الالتقاء عرضيان، وفي أجزاء متفرقة، ولا
عبرة بالاتفاق أو الاختلاف في الجزئيات والعرضيات، إنما المعول
عليه هو النظرة الأساسية والتصور الخاص[4].
ومن المعلوم أن للإسلام نظرته الخاصة وتصوره الخاص، وهذه النظرة
تتلاءم مع ظروف العالم الإسلامي، وعقائده وأحوال شعبه، وإذا كان
علماء السياسة يرون أن خير نظام للحكم هو الذي يتلاءم مع ظروف
الدولة، وإمكاناتها، وأحوال شعبها وتاريخه، وتجربته السياسية
الخاصة به ووعيه السياسي، فإننا نجد أن هذه المواصفات تنطبق على
نظام الحكم الإسلامي الذي كان ومازال يمتلك الشرعية والصلاحية
لإدارة دفة الأمور من جديد، كما هو واقع الحال في الجمهورية
الإسلامية في إيران، على العكس من النظم الوضعية المستوردة، التي
يحاول بعضهم أنباتها في أرض غير أرضها، ومناخ سياسي غير مناخها؛
يقول برنارد لويس: «إنّ الليبرالية والفاشية والوطنية والقومية
والشيوعية كلها أوربية الأصل، مهما أقلمها وعدلها أتباعها في الشرق
الأوسط. والمنظمات الإسلامية هي الوحيدة التي تنبع من تراب
المنطقة، وتعبر عن مشاعر الكتل الجماهيرية المسحوقة» القرضاوي،
د.يوسف، الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا: ص340، بيروت، مؤسسة
الرسالة، 1980م..
وفي سبيل الاستشهاد على محاولات التلفيق ابتدع الشيخ أبو الأعلى
المودودي مصطلحاً جديداً للنظام الإسلامي هو «الثيوقراطية
الديمقراطية» أو الحكومة الإلهية ـ الديمقراطية، لأنه خول فيها
للمسلمين سيادة شعبية مقيدة تحت سلطة الله القاهرة وحكمه الذي لا
يغلب. فإننا نعتقد أن هذا المفكر قد وقع في الخطأ نفسه عندما
استعمل ذات المصطلحات الأجنبية من «ثيوقراطية» و «ديمقراطية»، مما
اضطره إلى إجراء مقارنة بين ثيوقراطية أوربا المسيحية،
والثيوقراطية الإسلامية كما أطلق عليها، وأن يجهد نفسه في ابتداع
مصطلح جديد ينطبق على النظام الإسلامي في رأيه وهو «الثيوقراطية
الديموقراطية» أو الحكومة الإلهية ـ الديموقراطية.
وفي تقديرنا أن الأستاذ المودودي كان في غنى عن كل ذلك لو أنه
اكتفى بشرح النظرية السياسية الإسلامية باعتبارها مستقلة وقائمة
بذاتها على أسس خاصة بها، وتهدف إلى إقامة نظام متميز، قد يتشابه
في بعض جوانبه مع بعض النظم الأخرى، الا أنه يختلف عنها في نواحيَ
عديدة[5].
ولأجل ذلك لم يستسغ سيد قطب تعبير الدكتور هيكل عن العالم الإسلامي
بـ«الإمبراطورية الإسلامية»، ولا قوله: إنّ الإسلام إمبراطوري؛
فليس أبعد عن فهم روح الإسلام الحقيقية من القول بأنّه إمبراطوري
مهما فرقنا بين مدلول الإمبراطورية الإسلامية ومدلول الإمبراطورية
المعروف، وليس أبعد من فهم حقيقة الصلات في العالم الإسلامي من
القول بأنه إمبراطورية إسلامية. ومن الغريب أن الدكتور هيكل في
حديثه عن حكم الإسلام يعكس الخلاف الحقيقي الداخلي بين طبيعة
الإسلام وطبيعة سائر النظم التي عرفها العالم، ولكنه ينساق إلى
هذين التعبيرين انسياقاً بحكم قوة إيحاء المظاهر الأجنبية..! ثمة
تشابه في بعض المظاهر بين الإسلام والإمبراطورية، ولكنه لم يلحظ
الافتراق الأصيل بين نظام يقوم على حاكمية الله وحده، وبين نظام
آخر يقوم على حاكمية الإنسان.. والأولى أن نقول انه كان عالمي
النزعة، لما فيه من فكرة قوية عن وحدة العالم، ولما يرمي إليه من
ضم البشرية كلها إلى لوائه متساوية متآخية[6].
أوجه التمايز
إنّ أوجه التمايز والافتراق بين الحكم الإسلامي وأنظمة الحكم
الأخرى تتخذ صوراً ومظاهر شتى، يمكننا الإشارة إليها بالنقاط
التالية:
1 ـ التمايز في المصطلحات:
استعمل المسلمون ألفاظاً ومصطلحات جديدة جاء بها الإسلام للدلالة
على المفاهيم الإسلامية فيما يتعلق بالحكم والقيادة، ولقد اختير
لفظ الإمام والخليفة وأمير المؤمنين، ابتعاداً بالمفهوم الإسلامي
للدولة ورياستها عن النظام الملكي بفهومه القديم عند الأمم الأخرى
من الفرس والرومان؛ فهذه الألفاظ جميعها تدل على القيادة الإسلامية
المتميزة بطبيعتها وغاياتها عن القيادة الكسروية والقيصرية، وعن
القيادات التي حكمت وسوف تحكم بعدها.
ولقد استعمل المسلمون مصطلحاً آخر هو البيعة، وهو إسلامي سياسي
يراد منه إشراك الأمة وضرورة التفافها حول القيادة، وينبغي
الالتفات إلى أن الإسلام ـ وان كانت له مفرداته الخاصة بنظام الحكم
ـ لا يعبأ بالتسميات أو الشكليات الفارغة من المضمون والمحتوى،
بقدر ما يركز على انسجام سياسات وسلوك الحكام مع مبادئه وتوجهاته؛
فعلى سبيل المثال، كان الأمويون والعباسيون وبعد ذلك العثمانيون
يطلقون على أنفسهم لقب الخليفة وعلى حكومتهم الخلافة، والحال أنها
حكومات ملكية وراثية، ولذا سميت في الأحاديث بالملك العضوض.
2 ـ التمايز في مصدر السيادة:
الحاكم الحقيقي في النظام السياسي الإسلامي هو الله تعالى والسلطة
الحقيقية والتشريع كلها مختصة بذاته، وعليه فليس لفرد أو أسره أو
طبقة أو حزب وما إلى ذلك نصيب من السيادة أو التشريع. «ومن هنا
يأتي القول بزيف وبطلان النظريات الوضعية في التشريع، والتي تجعل
التشريع من حق الحاكم أو المجتمع أو من حق منتخب الشعب على أساس
نظرية (العقد الاجتماعي)، فإنها جميعاً ـ رغم كثرة ما قيل في شرحها
وتخريجها ـ لا تستطيع أن تجيب عن السؤال المركزي: لماذا يكون
الإنسان مسؤولاً أمام المشرعين وواضعي القوانين من البشر؟ ولماذا
يتوجب عليه إطاعتهم والالتزام ازاء أنظارهم التشريعية؟… فطالما لا
ميزة ولا مولوية لهؤلاء المشرعين عليه، فلا مبرر لمسؤوليته تجاههم،
كما لا أساس لنفوذ تشريعاتهم في حقه. ومجرد افتراض قدرتهم على
تشخيص ما هو الصالح للمجتمع ـ لو صح ـ لا يبرر ترتّب المسؤولية من
قبله تجاه تشريعاتهم، ولا يجوز إرغام إرادة الإنسان ومصادرة حريته
وحياته على هذا الأساس»[7].
والجدير بالذكر أن «جان جاك روسو» مبتدع نظرية «العقد الاجتماعي»
الذي منح الأمة ـ بموجبها ـ حق السيادة والتشريع، لم يدّع أن
نظريته هذه ذات حقيقة علمية ثابتة، وقائمة على دلائل تاريخية
قاطعة، بل العكس هو الصحيح. فقد ذكر «روسو» صراحة أن نظريته
افتراضية، أسست على الافتراض النظري البحت، وذلك عندما بدأ الفصل
الخاص بالعقد الاجتماعي ـ في مؤلفه ـ بقوله: «أني أفترض»[8].
ومن هنا يبدو التمايز الواضح بين النظرية السياسية الوضعية القائمة
على الافتراض بأن السلطة والتشريع يناطان بالأمة، وبين النظرية
السياسية الإسلامية التي تقوم على أسس شرعية ومنطقية، فتحصر حق
السيادة والتشريع بالله تعالى، لأنه الخالق والمنعم، العارف بما
يصلح الإنسان ويحقق سعادته.
3 ـ التمايز في شكل الحكم:
يرى علماء السياسة أن الحكومة هيئة منظمة تتولى ممارسة السلطة لحكم
الشعب، والإشراف عليه ورعاية مصالحه، وإدارة الإقليم وحمايته
وتعميره وتنظيم استغلال ثروته؛ ولا يشترط أن تتخذ هذه الهيئة شكلا
سياسياً محدداً، وإنما يجب أن تبسط سلطانها وتحكم سيطرتها على
الإقليم الذي تحكمه بما لا يسمح بوجود سلطة أخرى منافسه لها.
والإسلام ـ كما هو معلوم ـ لم يفرض شكلاً محدداً من أشكال الحكم،
وإنما قدم مبادئ عامة وقواعد كلية وترك التفصيلات الجزئية
للتطبيقات العملية المتبدلة بحسب الأحوال والأزمنة.
وفي هذا المجال لا يصح اتهام الإسلام والزعم بأنه بعيد عن السياسة
لكونه لم يحدد شكلا للحكم، فهذا الادعاء يتنافى مع توجهات علم
السياسة السالفة الذكر، كما يصطدم مع وجود المبادئ والقواعد
السياسية العالية، التي تزخر بها مصادر الإسلام المعرفية من كتاب
وسيرة، وهي من البديهيات التي لا تنكر.
إنّ علماء السياسة يقسمون الحكومات من حيث خضوعها للقانون وعدمه
إلى حكومة استبدادية وحكومة قانونية ويصنفونها على أساس تركز
السلطة أو توزيعها إلى حكومة مطلقة وحكومة مقيدة، كما تقسم
الحكومات من زاوية كيفية تولي رئاسة الدولة إلى حكومة ملكية وحكومة
جمهورية، وأخيراً تقسم الحكومات من حيث مصدر السلطة إلى حكومة
الفرد وحكومة الأقلية، وحكومة الشعب.
أزاء ذلك يرى الإمام الخميني (رض) أن الحكومة الإسلامية لا تشبه
الأشكال الحكومية المعروفة؛ فليست هي حكومة مطلقة يستبد فيها رئيس
الدولة برأيه، عابثاً بأموال الناس ورقابهم؛ فالرسول (ص) وأمير
المؤمنين (ع) وسائر الأئمة ما كانوا يملكون العبث بأموال الناس ولا
برقابهم. فحكومة الإسلام ليست مطلقة وإنما هي دستورية، ولكن لا
بالمعنى الدستوري المتعارف الذي يتمثل في النظام البرلماني أو
المجالس الشعبية، وإنما هي دستورية بمعنى أن القائمين بالأمر
يتقيدون بمجموعة من الشروط والقواعد المبينة في القرآن والسنة،
والتي تتمثل في وجوب مراعاة النظام الإلهي. ويكمن الفرق بين
الحكومة الإسلامية والحكومة الدستورية الملكية منها والجمهورية في
أن ممثلي الشعب أو ممثلي الملك هم الذين يقننون ويشرعون، في حين
تنحصر سلطة التشريع بالله عز وجل، ولهذا السبب فقد استبدل الإسلام
بالمجلس التشريعي مجلساً آخر للتخطيط، يعمل على تنظيم سير الوزارات
في أعمالها، وفي تقديم خدماتها في جميع المجالات[9].
وفي ضوء ما تقدم، يمكننا القول بأن الحكومة الإسلامية فريدة من
نوعها، متميزة عن غيرها؛ فهي قانونية لكونها تخضع للقانون الإلهي
الذي رسم لها قواعد ورسم لها حدود السلوك السياسي السوي، أما من
حيث تركز السلطة فليست هي حكومة مطلقة منفلتة عن عقال المسؤولية،
بل هي مقيدة بموازين الشرع وقواعد العقل والمنطق. أما من جهة تولي
السلطة فلا تتشابه مع الملكية التي يتولى الملك فيها ـ عادة ـ
السلطة بواسطة القوة والغلبة أو الوراثة وولاية العهد، أضف إلى ذلك
ليست هي حكومة جمهورية حسب المفهوم الغربي، لأن الفكر السياسي
لأتباع مدرسة أهل البيت (ع) يذهب غالى أن الإمام منصّب ومعيّن من
قبل الله تعالى وليس للعامة أو الجمهور دخل في تعيينه أو انتخابه،
ويفوض للأمة اختيار نائبه في حال غيبته الكبرى، أما حسب الفكر
السياسي السني فلا ينتخب الشعب بصورة مباشرة حاكمه، وإنما يضطلع
أهل الحل والعقد بهذه المهمة على وفق قاعدة الشورى.
وأخيراً ليست هي بحكومة فردية، فالفرد ـ غالباً ـ ما يجنح نحو
الاستئثار بالسلطة ويمارس الدكتاتورية، ولا هي حكومة الأقلية التي
قد تركز النفوذ والثروة بين يديها وتحرم البقية الباقية منها.
وصفوة القول يمكن وصفها بأنها حكومة إلهية، قد يتسلم زمام السلطة
فيها فرد معين، وهذا لا يعني أنها غدت فردية لأن الحاكم الإسلامي
يجب أن يتحلى بصفات مثالية في القول والفعل والتقرير كما ترى مدرسة
أهل البيت (ع)، أو يجب أن تتوافر فيه صفات معينة، ويتوجب ـ مع ذلك
ـ أن يلتزم بمبدأ الشورى حسب رأي فقهاء السنة. وعلى كلا الرأيين لا
يتمكن الحاكم أن ينزلق إلى هاوية الاستبداد والدكتاتورية.
وبذلك نستطيع أن نرد بقوة على «توماس أرنولد» الذي يدعي أن الخلافة
كانت استبدادية، وتضع في يد الخليفة سلطةً مطلقة، وأنها اقتضت طاعة
صريحة من الرعايا، وكان من واجب المسلمين أن يطيعوا الحاكم سواء
أكان عادلاً أو جائراً[10].
إنّ ما يقوله «توماس أرنولد» قد ينطبق على الحكومات التي تقمصت ثوب
الخلافة بدون شرعية وجدارة، ثم إن مدرسة آل البيت (ع) والمعتزلة
وبعض الفرق الأخرى ترى وجوب الخروج على الحاكم الظالم. زد على ذلك
ليس من الإنصاف أن توجه سهام النقد إلى الحكم الإسلامي استناداً
إلى تطبيقات جزئية واجتهادات فردية. وكيف يحمل الإسلام بعض تصرفات
الحكام ولاسيما أن الحق لا يقاس بالرجال!
4 ـ التمايز في خصائص الحاكم الأعلى:
هناك نقطة تمايز أساسية تميز النظام السياسي في الإسلام عن غيره من
الأنظمة، هي الصفات التي يجب أن يتحلى الحاكم الإسلامي بها لكي
يتأهل للحكم، ويأتي في مقدمتها العلم والعدالة والتقوى إضافة إلى
الكفاءة. ومن المعلوم أن النظم الوضعية لا تشترط اتصاف حكامها
بالعدالة والتقوى.
ولقد كان كتاب الأمير لـ(نقولا مكيافيلي) المعلم الأول لرجال
السياسة في العالم، وخاصة الغربي منه، يستوحون قواعده، ويستلهمون
مثله اللا أخلاقية، ويطبقون نصائحه وإرشاداته. فقد اختاره
«موسوليني»، في أيام تلمذته، موضوعاً لأطروحته التي قدمها لنيل
الدكتوراه، وكان «هتلر» يضع هذا الكتاب على مقربة من سريره فيقرأ
فيه كل ليلة قبل أن ينام!
ويقال أنّ «لينين» و «ستالين» أيضاً قد تتلمذا على «مكيافيلي»[11].
وفي مقابل ذلك نجد الحاكم الإسلامي يستلهم مبادئه وتعاليمه من
القرآن الكريم والسنة المطهرة وهما يزخران بالتعاليم الأخلاقية
العالمية التي تحث على سلوك مسلك العدل والحق والفضيلة. ولقد وصل
الحكم في عهد الإمام علي (ع) إلى درجة مثالية، لحد أنه كان يخشى
ظلم رعيته له!
وفي ذلك يقول: «ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخاف ظلم
رعيتي»[12]. على الرغم من حسن سيرته وزهده الذي لم يبلغه حاكم في
التاريخ؛ أليس هو القائل: «ألا وان لكل مأموم أماماً يقتدى به
ويستضيء بنور علمه، ألا وأن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن
طعمه بقرصيه؛ ألا وأنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع
واجتهاد وعفة وسداد. فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من
غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً…»[13].
ولا يكتفي الإمام علي (ع) من الوالي بصفة العدل، بل يلزمه الرحمة
والحب، وفي ذلك يقول في عهده لمالك الاشتر لمّا ولاّه مصر:
«وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن
عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم…»[14].
وهكذا نجد البون شاسعاً بين صفات الحاكم في المدرسة القرآنية وصفات
الحاكم في المدرسة الوضعية وخاصة المكيافيلية منها، فالأخير يضع
نصب عينه دائماً مصالحه الشخصية، ولا يعبأ بما تؤول له أحوال
الرعية.
الأمر الآخر هنا «أنّ للقيادة الإسلامية صفة الواقعية والعملية؛
بمعنى أن القائد الإسلامي هو ذلك الشخص الذي قد ساهم فعلاً في صنع
الأمة الرسالية، وكان جزءاً من خط الأنبياء والأئمة ووارثاً لهم لا
في العلم والتقوى والكفاءة فحسب، بل في أداء دور الشهادة الحقيقية
على الأمة ورسالتها، من خلال تصديه الميداني لذلك. ومن هنا يكون
الحاكم أو ولي الأمر في النظرية الإسلامية قائداً يعززه الواقع
الميداني للأمة الرسالية، لأنه صانع تلك الأمة أو مساهم في صنعها،
فالقيادة ليست منحة تعطى لشخص هو أجنبي عن واقع الأمة أو رسالتها
لمجرد التصويت أو الانتخاب كما يصنع في الأنظمة الديموقراطية
للناس. وجملة منهم كانوا قبل ذلك يعيشون بمعزل عن تحمل كل مسؤولية
إنسانية فضلاً عن اجتماعية. وإنما جاءت بهم إلى الحكم الآراء
والانتخابات المزيفة من أجل أغراض وأهواء شركات أو أحزاب أو طبقات
خاصة في المجتمع أرادت ذلك فتلاعبت في كيفية وصولهم إلى
الحكم»[15].
وبناءً على ما تقدم نخلص إلى القول بأن الصفات والسمات التي يتحلى
بها الحاكم الإسلامي، وخاصة صفة الواقعية وسمة الميدانية، تشكل أحد
أبرز نقاط الافتراق والتمايز عن غيره من الحكام الوضعيين.
5 ـ التمايز في الغاية والوسيلة:
لم يقتصر التمايز بين الحكمين: (الإسلامي والوضعي) على الرؤى
والمنطلقات العقائدية وصفات الحكام، بل يمتد ليشمل السلوك السياسي،
حيث تتمسك أغلب الحكومات الوضعية ـ إنّ لم نقل جميعها ـ بمبدأ
المكيافيلية : «الغاية تبرر الوسيلة»، فتمارس سياسة التوائية لا
تؤمن بنظافة الوسيلة، ولا شرف الغاية؛ يقول مكيافيلي:
«على الحاكم الذكي المتبصر أن لا يحافظ على وعوده عندما يرى أن هذه
المحافظة تؤدي إلى الإضرار بمصالحه، وأنّ الأسباب التي حملته على
إعطاء هذه الوعد لم تعد قائمة»[16].
ويرى «فاروق سعد» مترجم كتاب الأمير ـ لـ«مكيافيلي»: أن الوسائل
التي قصدها «مكيافيلي» لم تكن تقوم على المقاييس المسلّم بها،
ولاسيما المقاييس الأخلاقية، ذلك أن المهم والأولى هو تحقيق الغاية
المنشودة، ولا عبرة في الوسيلة الموصلة إليها[17].
وفي المقابل نجد أن قضية المثل والقيم تشكل أحد الأركان والخصائص
الرئيسية التي تميز الحكم الإسلامي عن غيره من الأنظمة، وأن
المرتكزات الأخلاقية هي حجر الزاوية في السلوك السياسي للحاكم
الإسلامي، يعمل على ترجمتها إلى أنماط من السياسات العملية التي
تقوم على نظافة الغاية والوسيلة معاً.
6 ـ التمايز في وظائف الحكومة:
إذا كانت وظائف الحكومة الوضعية تقتصر ـ حصراً ـ على الاهتمام
بالأمور الدنيوية البحتة، كحفظ الأمن والدفاع عن الدولة أرضاً
وشعباً وما شابه ذلك، فان وظائف الحكومة الإسلامية هي أوسع وأشمل،
وتدور على محورين: (حراسة الدين، وسياسة الدنيا) كما يقول
الماوردي[18].
وقد عرف «ابن خلدون» الخلافة فقال: هي نيابة عن صاحب الشريعة في
حفظ الدين وسياسة الدنيا«[19].
مثل هذه الرؤية تتوضح خطوطها في أن الحكومة الإسلامية تنظر إلى
الإنسان نظرة أرحب وأعمق، فلا تقتصر وظائفها على تنظيم حياته
الدنيوية فقط، بل تأخذ بنظر الاعتبار حياته الأخروية، فتعمل على
إعلاء الدين ورعاية طقوسه وشعائره والدفاع عنه وترسيخ مبادئه في
نفوس الأفراد… الخ، وهي أمور لا تهم الحكومات الوضعية ـ خاصة
العلمانية منها ـ من قريب ولا من بعيد.
ومن أجل ذلك كانت توكل للخليفة حراسة الدين وسياسة الدنيا، أما
الحاكم الوضعي فوظيفته أحادية الجانب، تقتصر على الأمور الدنيوية
الآنية، وفي مثل هذه الحكومات ينزوي الدين في ركن مظلم وضيق.
تابع .. الإسلام والحكم الثيوقراطي
الهامش
[1] كاتب إسلامي من العراق.
[2] أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون
والدستور: ص40، بيروت مؤسسة الرسالة، 1969م.
[3] المصدر نفسه: ص 236.
[4] سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام: ص94، بيروت، دار
الشروق، 1974م.
[5] د. عبد الغني بسيوني، النظم السياسية والقانون الدستوري: ص52،
بيروت، المكتبة القانونية، 1992م.
[6] قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، مصدر سابق: ص 95.
[7] السيد محمود الهاشمي، مصدر التشريع لنظام الحكم في الإسلام:
ص34 ـ 35. سلسلة من هدى الإسلام (6)، إيران، 1408هـ.
[8] بسيوني، النظم السياسية، مصدر سابق: ص 82.
[9] السيد روح الله الخميني، الحكومة الإسلامية: ص42، وزارة
الإرشاد في الجمهورية الإسلامية في إيران.
[10] د. أحمد شلبي، السياسة والاقتصاد في التفكير الإسلامي: ص65،
مكتبة النهضة المصرية، ط 4، 1979م.
[11] نيقولا ميكيافيلي، الأمير، بيروت، منشورات الآفاق الجديدة، ط
10، 1979م، راجع المقدمة بقلم المترجم خيري حماد: ص19.
[12] نهج البلاغة للإمام علي (ع)، ضبط صبحي الصالح: الخطبة 75.
[13] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل
إبراهيم، دار إحياء التراث العربي، ط 2، 1967م، ج 16، ص 205.
[14] نهج البلاغة: الخطبة: 53.
[15] الهاشمي، مصدر التشريع ونظام الحكم في الإسلام، مصدر سابق: ص
114.
[16] ميكيافيلي، مصدر سابق: ص 148.
[17] المصدر نفسه: ص 247.
[18] محمد المبارك، نظام الإسلام، ـ الحكم والدولة: ص68، إيران،
منظمة الإعلام الإسلامي، 1404هـ.
[19] ابن خلدون، المقدمة، الفصل (26) ص 191، بيروت، دار إحياء
التراث العربي، ط4.