مركز الصدرين للدراسات السياسية || الدراسات السياسية

الدستورية والشورى في الفكر السـياسي الإسـلامي الحديث
صائب عبد الحميد[1]


التكوّن والإطار العام
منطقياً، يتأثر الفكر السياسي في الإسلام بمصدرين رئيسيين ; أولهما: المصدر التشريعي، المتمثل بالكتاب والسنة، أسوة بغيره من العلوم والمعارف الإسلامية، والثاني: المسار السياسي الواقعي، لا سيما في الحقب الأولى من تاريخ الإسلام، والتي ينظر إليها وكأنها مصدر للفهم والتشريع معاً، لا سيما عند من يرى أن السياسة أمر دنيوي محض..
لكن الاستقراء يثبت أن العامل الثاني قد ترك أثره بشكل واضح على الفكر السياسي، وعلى امتداد تاريخ الإسلام، حتى بداية العصر الحديث، الذي شهد حركة نهضة إصلاحية متنامية، أولت الفكر السياسي عنايتها بشكل ملحوظ.. فالمسار السياسي لنظام الخلافة كان هو المصدر الأهم الذي دارت حوله كتب «الأحكام السلطانية» و«السياسة المدنية» و«نصائح الملوك» عند سائر فقهاء الجمهور على اختلاف مشاربهم المذهبية.
أما عند الشيعة الإمامية فيكاد يكون الفكر السياسي قد انحصر في موضوع الإمامة، وقد أضفت عليه مبررات تاريخية طابع البحث العقدي الإيديولوجي، والذي انحصر مرة أخرى بعد وفاة الإمام الحادي عشر(ع)، وفي إطاره العقدي الأيديولوجي نفسه، في ترسيخ مفهوم الغيبة وإثبات حقيقة الإمام الغائب المنتظر، ولم تظهر حتى بدايات عصرنا الحديث دراسات تحاول ترسيم الإطار النظري لمشروع سياسي إسلامي في عصر الغيبة هذا..
ومع بدايات العصر الحديث ولد عنصر جديد لابدّ له أن يترك أثره بقوة على منحى الفكر السياسي وطبيعته، تمثل هذا العنصر بالتحدي الغربي، سياسياً وثقافياً.. فكانت الهيمنة الغربية سياسياً بعداً جديداً في الواقع الإسلامي، حفّز ذوي العقول المشرقة والأذهان المتفتحة صوب البحث عن سبل الاستقلال السياسي من سيطرة غربية لا تدين بدين الإسلام، وهنا يتأتى تحديها الثاني، التحدي الثقافي، فالثقافات الجديدة الوافدة مع المستعمر سوف تترك آثارها على شعوب ضعيفة مغلوبة على أمرها، فلابدّ إذن من نهضة حقيقية تجنب شعوبنا مخاطر الغزو الثقافي الذي انحدر مع الجيوش المستعمرة انحدار السيل.
من هنا بالفعل كانت الانطلاقة الجديدة، أواخر القرن التاسع عشر، الانطلاقة التي كانت تهدف أولاً إلى التحرر من الغزاة الأجانب، ثم اكتشف روادها على الفور أنهم يصطدمون في دعوتهم هذه بحكام مستبدين من أبناء الشعوب الإسلامية نفسها، صاروا ممثلين للغزاة، نواباً عنهم في حكم الشعوب وقهرها، فبرز مبدأ محاربة الاستبداد، واحتل الموقع المتقدم باعتباره المقدمة الضرورية للاستقلال السياسي والثقافي.
ومحاربة الاستبداد، يعد بحق، مبدءاً جديداً ومعلماً جديداً من معالم الفكر السياسي المطروح لدى فقهاء الإسلام، ذلك أن فقه الأحكام السلطانية والسياسات المدنية قد مكّن لاستبداد الخليفة والسلطان، ومنحه السلطة المطلقة على البلاد والعباد، باعتباره إمام الدين والدنيا، والذي امتلك الكثير من مبررات الاستبداد تحت وطأة فقه الخوف من الفتنة عند الخروج على السلطان مهما أظهر من الفجور، هذا الفقه الذي لم يقف عند الاستحسانات العقلية في حفظ وحدة الدولة والأمة وهيبتها بين الأمم، بل استعار الكثير من النصوص الدينية، وتدرع بها لحماية السلطة المطلقة للخليفة الفرد، والذي سوف يرسم بدوره مستقبل البلاد السياسي نظرياً وعملياً، من خلال طبيعة اختياره لمن سيخلفه في السلطة.. حتى ترسخ الاستبداد في الذهنية الفقهية، بل والذهنية العامة، وأصبح هو الأصل في نظام الحكم.. ولم ينج من هيمنة هذا الفهم حتى فقهاء متمردون
مثل ابن تيمية، الذي اعتبر كل خروج على السلطان ـ الجائر ـ شراً عظيماً، ومفسدة كبيرة، ما يترتب عليها من الفساد أكبر مما يترتب عليها من الإصلاح![2].
وإذا كان الفقه الشيعي في معزل عن المسرح السياسي العام، لمعارضته المبدئية للسياسة السلطانية في أدوارها المختلفة، فإنه قد انغمس إلى نطاق غير ضيّق في الدائرة نفسها في ظل سلطنة انتصرت للمذهب الشيعي، لكنها لم تكن تختلف عن الدول السلطانية الأخرى، السابقة أو المعاصرة، أعني الدولة الصفويّة، التي حظيت بتأييد ومناصرة وتبرير جملة من الفقهاء الذين عاصروها، بل قد استمدت هذه الدولة منهم قوّة ربما لم يحظَ بمثلها خصمها العثماني من جلّ فقهاء أهل السنّة في تلك الحقبة.
هذا الاستقراء هو الذي يدعونا إلى القول بأن «محاربة الاستبداد» مفردة جديدة دخلت الفقه السياسي الإسلامي، في بواكير نهضته الحديثة..
ظهر هذا المبدأ بشكل واضح ومكثف في خطاب رائد النهضة الإسلامية الحديثة، السيد جمال الدين الأفغاني، الذي حمل على الاستبداد بقوّة، وجعل مقاومته شرطاً لازماً للتحرر من الهيمنة الغربية، سياسياً وثقافياً، وكان مشروعه لمقاومة الاستبداد هو فرض النظم الدستورية، التي تقيد الحاكم بدستور معلوم قد خضع لتصويت الشعب عليه.
والمسلك نفسه سلكه رواد النهضة المعاصرون للأفغاني ; رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، على اختلافات في سعة الأطروحات وشمولها، وقد أخذت هذه الأطروحة أشمل صورها وأتمّها عند الكواكبي، لا سيما في كتابه المهم «طبائع الاستبداد» والذي انعكست تأثيراته بشكل واضح، بعد تأثيرات الأفغاني، على أطروحة الميرزا النائيني الواسعة، لاحقاً.
وقبل هذا كان للأفغاني تأثيره الواضح على الحركة الدستورية والمشروطة، والتي قادها زعماء دينيون إيرانيون كان للأفغاني معهم صلات ومكاتبات يستحثّهم فيها على هذا النمط من التحرك السياسي[3].
وقبل الدخول في توصيف بعض هذه المشاريع السياسية، لابدّ من لفت النظر إلى التأثر بالتحدي الغربي، الذي شكّل هنا حافزاً مهماً لإعادة اكتشاف النظرية السياسية في الإسلام، أو بتعبير أقرب إلى الواقع: إعادة اكتشاف مبادئ إسلامية تقوم مقام المبادئ الغربية الزاحفة..
يقول خير الدين التونسي: إن التمدن الأوربي تدفق سيله في الأرض، فلا يعارضه شيء إلاّ استأصلته قوة تياره المتتابع، فيخشى على الممالك المجاورة لأوربا من ذلك التيار، إلاّ إذا حذوا حذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية، فيمكن نجاتهم من الغرق[4].
والأمر أكثر وضوحاً عند رفاعة الطهطاوي، الذي رأى: أن مفاهيم فرنسية، مثل: الدستور، والجمهورية، والحرية، تقابلها في المجال الإسلامي قيم: العدل، والإنصاف، والمساواة أو الشورى[5].
أما السيد رشيد رضا فيكشف بصراحة أن بداية التفكير بالشورى في العصر الحديث لم تكن إلاّ بتأثير الفكر الغربي الوافد، فكانت إذن عملية إعادة اكتشاف تحت تأثير هذا الضغط، فيقول: لا تقل أيها المسلم إن هذا الحكم ـ المقيّد بالشورى ـ أصل من أصول الدين، ونحن استفدناه من الكتاب المبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدين، لا من معاشر الأوربيين والوقوف على حال الغربيين، فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك أن هذا من الإسلام[6].
وبعد.. فإن أهم الحركات الدستورية التي قادها فقهاء الإسلام كانت حركة «المشروطة» في إيران، والتي كان على رأسها أكابر الفقهاء الإيرانيين سواء منهم المقيمون في العراق ـ النجف، سامراء، كربلاء ـ أو في إيران، والتي انطلقت عام 1905، وتمخضت في العام التالي عن قيام الدستور والمجلس النيابي (الشورى) الذي دخلته شخصيات عديدة من فقهاء الحركة الدستورية، أهمها: الشيخ حسن مدرّس.
ولكي تترشد هذه الحركة، وتأخذ إطارها التنظيري الشرعي، كتب الميرزا حسين النائيني في عام 1909م كتابه الشهير «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» الذي أطّر الحياة الدستورية بأطر فقهية متينة، لأول مرّة في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام.
وبكلام واضح يكشف آية الله الطالقاني عن أن الحكم الدستوري لم يكتشف من قبل فقهاء الإسلام ابتداءً من خلال السبر في مصادر الشريعة، وإنما استفادوه عن الأنظمة الغربية الحديثة: «لم تتبلور فكرة الحكم الدستوري ـ المشروطة ـ في قطر إسلامي، بل وفدت علينا من الخارج، فوجدها علماء الإسلام مفيدة، فتبنّوها، وتقدموا الصفوف الداعية إلى إقامتها، وأصدر بعضهم فتوى بوجوب تأييدها، كما تقدم آخرون صفوف الجهاد من أجلها، لكن فريقاً آخر من العلماء التزم موقف المعارضة، ولهذا فإن أكثر المؤيدين لم يستطيعوا تحديد ما يريدون إثباته من وجهة النظر الدينية، كما أن المعارضين غير المغرضين لم يكن لديهم ما يقال بصورة واضحة.»[7].
هذا بعد أن كتب يعترف بأن «رؤية الإسلام الأصيلة والصافية ـ في النظام السياسي ـ بقيت محجوبة عنا وعن الغير، وما نجده في الكتب من كلام كثير حول الولاية الإسلامية لا يعدو في حقيقته المجادلات الكلامية والمحاكاة المذهبية، لكننا لا نستطيع الخروج من هذه المجادلات الطويلة بشيء مفيد على مستوى النظرية القابلة للتطبيق، أو على مستوى خطة العمل التي يقترحها الإسلام للنظام السياسي»[8].
فعدم الوضوح هو الغالب حتى عند أنصار الحركة الدستورية والمجاهدين من أجلها، يقول الطالقاني: «وفي بواكير الحركة الدستورية كان الهدف المعلن للعلماء والشعب منحصراً في تحديد سلطات الحكومة المستبدة وتحجيم صلاحياتها إلى الحد المعقول.. أما الطرف الآخر للمعادلة، أي البديل الذي يطمحون إليه بعد إزالة الوضع الاستبدادي القائم، فقد كان غامضاً عند الأكثرية الساحقة من الناس، لقد انطلقت الحركة من بداية معروفة، لكن أحداً لم يفكر جيداً في تفصيلات الطريق حتى نهاياته، لذلك فإن الغرباء عن الشعب هم الذين قطفوا ثمار التضحيات العظيمة، ومن المؤسف أن النتيجة التي انتهت إليها الحركة الدستورية لم تختلف عن معظم التجارب التي قامت في الشرق..»[9].
والذي يعنينا من كلام طالقاني، بعد هذا التوصيف الموضوعي، بدرجة أكبر هو الشهادة العلمية لهذا الكتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملّة» الذي يمثل: «رأي المؤلف، أضافة إلى عدد من أعاظم علماء تلك الفترة، مثل آية الله الملا محمدكاظم الخراساني، وآية الله ميرزا حسين خليل تهراني، وآية الله آقا شيخ عبد الله مازندراني»[10] وبالفعل فإن اثنين من هؤلاء الثلاثة قد وقّعا على هذا الكتاب توقيعاً فائق الأهمية. سنذكر خلاصته بعد استتمام الأهم من كلام طالقاني، الذي أدرك الثورة الإسلامية الإيرانية المعاصرة، وكان من أبرز قادتها، فهو يرى أن في استنتاجات النائيني تعبيراً سليماً عن مبادئ الشريعة في الحكومة..
فقد كشف هذا الكتاب ـ بحسب الطالقاني ـ عن الرأي النهائي والرفيع للإسلام، ولا سيما التشيع، في الحكومة، مع الأدلة والأساس[11].
أما الفقيهان اللذان وقّعا هذه الرسالة فهما: الملا محمد كاظم، الشهير بالآخوند الخراساني، والشيخ عبد الله المازندراني، وقد كانا، إضافة إلى مؤلفها النائيني، من كبار فقهاء الشيعة ومراجع التقليد في عصرهم، ومن هنا تأتي الأهمية العلمية لما تتضمنه الرسالة من مشروع.
يقول الآخوند الخراساني، بعد أن وصف هذه الرسالة بأنها «أجلّ من أن تمجّد»: «وحري أن تكون دراستها وتدريسها سبيلاً إلى إدراك أن أصول المشروطية ـ الدستورية ـ مستمدة من الشريعة الحقّة»[12].
ويؤيد الشيخ المازندراني وصف الآخوند هذه الرسالة بأنها «أجل من أن تمجّد» ويضيف: «وهي كافية لتعزيز اعتقاد المسلمين وتصديقهم وجدانياً بما هو ثابت من أن جميع الأصول والمباني السياسية المستفادة والنابعة من دين الإسلام القويم كافية وفق ما يؤمّل»[13].
ستمثل هذه الرسالة إذن مرحلة من مراحل الفكر السياسي في الإسلام، على مستوييه السني والشيعي، بناءً على موافقتها التامة لرسالة عبد الرحمن الكواكبي «طبائع الاستبداد» التي كانت قد صدرت قبل نحو خمسة أعوام من تاريخ تحرير هذه الرسالة.
ولابدّ من التأكيد، بناءً على كل ما تقدم، أن هذه المرحلة هي الأكثر نضجاً في الفكر السياسي الإسلامي حتى وقتها..
مبادئ الرسالة الدستورية
تضمّنت هذه الرسالة مبادئ مهمة، مدعمة بأدلة عقلية وتاريخية ونقلية، تشكل بمجموعها الإطار النظري لنظام حكم دستوري، وأهم هذه المبادئ:
1 ـ إن أصل قيام السلطة ضروري لنظام العالم.
2 ـ إن حفظ شرف وقومية الأمة[14]، مرهون بكون السلطة الحاكمة فيها ممثلة لها، ونابعة منها.
3 ـ تتحدد الوظيفة الأساسية للسلطة في نقطتين:
الأولى: حفظ النظام الداخلي للبلاد، وتنمية المجتمع، وإقامة العدل، والحيلولة دون وقوع الظلم والمفاسد الاجتماعية.
والثانية: التحفّظ من تدخل الأجانب في أمور البلاد، وتهيئة القوة الدفاعية والاستعداد الحربي، وغير ذلك مما يلزم لصيانة الاستقلال[15].
هذه المبادئ حتى الآن مبادئ عامة، تشترك فيها سائر النظم السياسية، من هنا يذهب إلى تقسيم السلطة في واقعها إلى صورتين: «تمليكية» و«ولايتية» ولا توجد صورة ثالثة. وفي كلا الصورتين هناك صورتان للحكم: «حكم الجور» و«حكم العدل»[16] وبعد شرح مفصل لطبيعة كل واحد من هذين اللونين والعوامل المساعدة على تحققه في المجتمع، يشرع بوضع «الضمانات»[17] التي تحول دون «تحوّل السلطة من كونها أمانة، إلى وسيلة للاستئثار والغصب، والحيلولة دون أي انحرافات شهوانية أو ميول من جهة الحاكم لاستعمال القوة المادية للدولة في القمع والاستبداد».
ويقرر بناءً على هذا:
4 ـ إن أرفع تلك الوسائل التي يمكن تصورها، هي العصمة الذاتية في الحاكم، وهو من الأسس التي بنى مذهب الشيعة الإمامية على اعتبارها في صاحب الولاية السياسية.
لكن مع غياب المعصوم، والصعوبة البالغة في العثور على حاكم حكيم مستجمع للكمالات في ذاته، يأتي المبدأ الآخر الذي سيشكل محور النظام الدستوري.
5 ـ الدستور، هو أهم الضمانات الفعالة في جعل الحاكم أقرب إلى النموذج الأعلى، والدستور «هو أعلى القوانين، وأحكامه لازمة الإجراء على كل فرد في جهاز الدولة، بمن فيهم الحاكم» ويجب على الدستور «أن يحدد صلاحيات الحاكم، ويعرّف حقوق الشـعب وحرياتـه، والحقوق الخاصة بكل طبقة من طبقاته، باعتبارها موافقة لمقتضيات الدين».
6 ـ إن الأساس في حفظ حدود السلطة هو الالتزام بأحكام الدستور.
7 ـ يستمد الدستور مشروعيته من عدم مخالفة أي بند من بنوده لأحكام الشريعة المقدسة، وتضمّنه جميع ما يلزم لحفظ مصالح البلاد والعباد.
وهذه نقطة مهمة للغاية في فهم طبيعة النظم السياسية في الإسلام، فهو لا يشترط أن تكون مواد الدستور مستقاة مباشرة من نصوص الشريعة وأحكامها، وإنما يشترط عدم مخالفتها لأحكام الشريعة، وهذا استيعاب متقدم للفقه السياسي، تميز به الخطاب السياسي الإسلامي في هذه المرحلة.
ومن ناحية أخرى فإنّ الدستور سوف لا يكتسب شرعيته من مجرد عدم مخالفة شيء من مبادئه لشيء من أحكام الشريعة، بل أيضاً من استيعابه ما يلزم لحفظ مصالح البلاد والعباد.
8 ـ مجلس الشورى الوطني، أو هيئة المراقبة والمحاسبة، هي الضمانة الثانية لمنع العودة إلى الاستبداد، ولهذا المجلس أحكامه، وهي:
أ ـ «يضم علماء البلاد وحكماءها، من المعروفين بالصلاح، والعارفين بأمور الدولة، ومقتضيات السياسة والقانون الدولي» فليس ثمّة أثر لاشتراط الفقاهة لوحدها.
ب ـ «يعتبر أعضاء هذه الهيئة ممثلين للشعب، وقوته العملية، والمجمع الرسمي للهيئة هو مجلس الشورى الوطني».
جـ ـ يكون أعضاء هيئة الرقابة ومجلس الشورى مسؤولين أمام الشعب عن أعمالهم.
د ـ مشروعية مجلس الشورى:
تكمن المسألة الأساسية هنا في تأصيل هذا الاستنتاج، وقد حققه الشيخ النائيني
على مستوى المدرستين الإسلاميتين: «فهي بناء على أصول أهل السنة والجماعة: تابعة لدليل ولاية أهل الحل والعقد، فهم يرون أن رأي أهل الحل والعقد من الأمة ملزم واجب الاتباع.. إن انتخاب هذه الهيئة من جانب الشعب هو الذي يعطيها صفة أهل الحل والعقد، ولا نجد من ثمّ داعياً للبحث عن دليل آخر للمشروعية». سنجد لاحقاً أن هذا الاستدلال هو الذي سيعتمده فقهاء أهل السنة في إثبات مشروعية نظام الشورى.
وأما بناءً على أصول المذهب الجعفري «فإننا نعتبر أمور الولاية والنظام في عصر الغيبة من وظائف نوّاب الإمام، وهم الفقهاء المجتهدون. وعليه فإن وجود بعض الفقهاء العدول في المجلس، أو على أقل التقادير الفضلاء المأذون لهم من الفقيه العادل، ثم موافقة الفقهاء على صحة ونفاذ الآراء الصادرة عن مجلس الشورى، يعتبر كافياً لإسباغ المشروعية على المجلس».
وفي هذا النص نقاط جديدة، وجديرة بالإبراز، فهذه النظرية تؤمن، أولاً، بالولاية العامة للفقيه المجتهد، ولكنها، ثانياً، لا تشترط كونه ـ الفقيه المجتهد ـ على رأس السلطة، بل تكتفي بتأييده ومصادقته على مقراراتها.
وهنا لابدّ من الإشارة إلى أمرين يتعلقان بتينك النقطتين ; فالولاية العامة للفقيه، لم تكن كلمة إجماع عند فقهاء الإمامية في تلك المرحلة، ولا بعدها، ناهيك عما قبلها حيث كان الوعي السياسي دون هذا المستوى بكثير.. وأيضاً فإن من يقول بولاية الفقيه، يشترط رجوع الأمور الرئيسية في الدولة إليه، بل يعطيه الموقع الأعلى في السلطة، كما هو عند الإمام الخميني والسيد الصدر لاحقاً، مع وجود بعض الاختلافات في المبدأ وفي مساحة الصلاحيات التي ستكون عند الإمام الخميني أعلى منها عند الصدر الذي ذهب إلى التوفيق بين ولاية الفقيه والشورى.
إن المستفاد من نظرية النائيني، والموقّعة من أبرز مراجع عصره، هو إمكانية الفصل بين السلطتين ; الدينية والسياسية، بشرط رجوع الأخيرة إلى الأولى، الأمر الذي تتوقف عليه شرعية السلطة السياسية التي لا يتزعمها الفقيه المجتهد العادل.
لكن الذي يقلل من قيمة هذا الاستنتاج أن أصحاب هذه النظرية، كانوا ينظرون إلى أحكام الضرورات، في حال عدم تمكن «نواب الإمام» من القيام بواجباتهم، إذ «مقام الولاية مستلب من نوابه العامين، بحيث لا يستطيعون القيام بوظيفتهم، أو أنهم لا
يقدرون على استرجاعها واستنقاذها من الغاصب» فالسلطة المفترضة هنا هي سلطة غاصبة، وإنما وضعت هذه النظرية لتحديد سلطاتها، فبعد مناقشة منطقية وفقهية للتكليف في هذه الأحوال ينتهي إلى تقرير «أنه لا مجال للتشكيك في وجوب تحويل السلطة الغاصبة من الصورة الأولى ـ التملّك ـ إلى الصورة الثانية ـ الولاية ـ عند توفر القدرة للمكلفين..
«فحقيقة التحويل والتبديل للسلطة الجائرة إذن، هي تحديد سلطة الجائر، وردعه عن ظلم الله والناس، وليس إزالة أحد مصاديق الظلم ووضع مصداق آخر محلّه».
ومع هذا فإن ثمّة إمكان لإسباغ الشرعية على سلطة الغاصب، وتحويلها إلى سلطة شرعية «إذا صدر به الإذن ممن له الولاية الشرعية، بل يمكن أن يكون إذن صاحب الولاية الشرعية سبيلاً إلى إخراجه من صفة الغصب، فلا يعود المتصدي غاصباً أو ظالماً لمقام الإمامة والولاية»[18].
وهنا تعود لتتجسد قضية إمكان الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، شريطة حصول الأخيرة على إذن الأولى، صاحبة الحق الأصيل في الولاية.
كما تتجلى النتيجة الأخرى الفائقة الأهمية هنا، وهي إمكان التعامل من منطلقات الشريعة الإسلامية مع سلاطين الجور، إذا ما استجابوا لمطالب الأمة في إقامة دستور واضح، وإقامة الحياة النيابية.. وهذا المبدأ هو الذي تبنته سائر الحركات الإسلامية المعاصرة واللاحقة، سنية وشيعية، على السواء. فلا محل فيه للحدّية الفاصلة بين حكم إسلامي صالح، وآخر طاغوتي فاسد لا يمكن إصلاحه..
9 ـ فقه «رأي الأكثرية»: تعطي هذه النظرية رأي الأكثرية مشروعيته، اعتماداً على قضيتين ; الأولى: كونه لازماً للشورى.. وقد ثبت سابقاً أن إقامة مجلس شورى ضرورة لازمة للحؤول دون الاستبداد، فإذا ثبتت مشروعية الشورى، وهي كذلك، فإن لازمها ثابت، ليس فيه كلام.
والثانية : لقاعدة الأخذ بالترجيحات عند التعارض ; وقد جرى العقلاء على اعتبار تأييد الأكثرية لأحد الأطراف أقوى المرجحات النوعية، عندما يدور الخيار بين طرفين يتساويان في المبنى والدليل.. كما أن أخذ الطرف الذي يراه أكثرية العقلاء، أرجح من الأخذ بالشاذ من الآراء.. وهو هنا أيضاً يستعين بالحديث، وبالسيرة النبوية وسيرة الإمام علي (ع)، التي كان الرجوع فيها إلى رأي الأكثرية حقيقة لا غبار عليها[19].
هكذا تتلخّص هذه النظرية المفصّلة، والتي أعطيناها هذا القدر من الاهتمام لأهميتها التاريخية الفائقة، إضافة إلى أهميتها العلمية الظاهرة، فهي أكمل مشروع تنظيري لنظام الحكم في الإسلام حتى وقتها، بل وبعد وقتها بزمن غير قليل.
وقـفتان:
وقبل مغادرتها نتوقف عند نقطتين جديرتين بالتوقف:
أولاهما: ملاحظة مهمة، ستأتي إشارة لاحقة لها، وهي تقارب الخطاب الإسلامي، السني ـ الشيعي، في المجال السياسي، وغياب النزعة الطائفية عند الاصلاحيين الذين يحملون هموم الأُمّة ويناضلون من أجل استقلالها وكرامتها وعلوّ مجدها، ففي خطاب هذا المجتهد الشيعي الكبير نجد من الشواهد على هذه الظاهرة الشي الكثير مما لا نجده عند الفقهاء التقليديين الذين يعيشون أهدافاً محدودة.
فهو أولاً يذكر «أهل السنة والجماعة» بهذا العنوان، ويكرّره في مواضع الحاجة، ولا يستخدم اصطلاح «أبناء العامّة» السائد لدى فقهاء الأنماط المحدودة.
ثم هو يذكر آراءهم بكل احترام، ويجعل منها مستنداً إلى تصحيح النتائج المستخلَصة وفق متبنياتهم، أيضاً، ليفتح باباً واسعة للتقارب الفعال بين الفريقين.
وهو ـ ثالثاً ـ يستعرض المواقف الايجابية، ويركّز على الفقه السني الذي تحرّر من أطر الأحكام السلطانية القديمة، بل لا يشير إلى تلك الأحكام القديمة، فيقول في نص طويل نسبياً: «أما بناء على أصول أهل السنة الذين لا يعتبرون التنصيب الإلهي ولا العصمة في ولي الأمر، بل أقاموا الولاية على انعقاد بيعة أهل الحل والعقد لشخص معين، فإن الولاية عندهم مشروطة بعدم تجاوز حدود ما أقرّه الكتاب المجيد والسنة المطهّرة، بل اعتبروا هذا الشرط لازماً في عقد البيعة، كما قالوا بأن مخالفة الكتاب والسنة، أياً كان مقدارها، منافية لشروط البيعة والولاية، وهم متفقون على وجوب الحيلولة دون هذا التجاوز»[20]
ويذهب إلى أكثر من هذا حين يعتبر «تحويل السلطة الإسلامية من الولاية إلى الاستبداد، قد جرى على يد معاوية بن أبي سفيان، الذي باستيلائه على السلطة انتهى عصر الخلافة الإسلامية، وأصبح النظام الحاكم مِلكاً يتوارثه الأبناء بعد الآباء ضمن العائلة الواحدة»[21].
ولا يخفى تطابق هذه الرؤية مع الرؤية السنية لنظام الخلافة، والتي قامت على اعتبار ان الخلافة كانت ثلاثين عاماً، ثم أصبحت ملكاً عضوضاً، على يد معاوية بن أبي سفيان.
بل ستجد عند النائيني ما هو أكثر من هذا أيضاً، حيث يفرد في رسالته فقرة تحت عنوان «إطلالة على التاريخ» ليسوق ضمنها شواهد تاريخية على رقابة الأمة، ونظام الولاية التي تلتزم بمبدأ الرقابة هذا وتجتنب الاستبداد بألوانه، فتكون مادته مستوحاة من حياة عمر بن الخطاب أيام خلافته، في نماذج من سيرته تؤكد «فاعلية الحرية والمساواة» في «تجربة الأسلاف» قائلاً في النهاية: «ونستطيع الادعاء بأن الخليفة، شأنه شأن بقية الحضور، قد داخله السرور حينما سمع هذا الجواب[22]» لما ينطوي عليه من تأكيد على استقامة الأمة ووعيها بمضامين العلاقة بينها وبين الحاكم، وتمسكها بحقها الثابت في الرقابة على عمل الوالي ومحاسبته على سياسته، إن سرور الطرفين هو تعبير عن إيمانهما بحقيقة أن استمرار حاكمية الإسلام مرهونة باستمرار الولاة في الالتزام بواجباتهم ومسؤوليتهم تجاه شعبهم»[23].
وأما النقطة الثانية: فهي الوعي الدقيق لظاهرة الاستبداد الديني ومخاطرها، وقد أفرد فقرة بعنوان «الاستبداد الديني ـ والاستبداد السياسي»[24] مشيراً دون تصريح إلى سبق الكواكبي بهذا التقسيم، مؤكداً أنّ خطورة الاستبداد الديني أكبر بكثير من توأمها السياسي، وأن التخلص منه أشد صعوبة.. مسلطاً الضوء على الارتباط الوثيق بين نوعي الاستبداد هذين.. ثم يعود ليفرد للاستبداد الديني فقرة خاصة[25]، مؤكداً قساوته «بل لعل علاجه من الممتنعات»! معرّفاً بأن حقيقته: عبارة عن إلقاء عباءة الدين على الرغبات والإرادات الشخصية البحتة لبعض المتلبسين بزي العلماء، الذين استغلوا جهل الأمة بنفسها وجهلها بمقتضيات دينها، فأوهموها بأن ما يدعونها إليه هو الدين الحنيف الذي يجب إتباعه وطاعتهم فيه.. وقد علمت أن هذه الطاعة والإتباع من مراتب الشرك بالله الواحد القهار..».
ثم يقسم أهل الاستبداد الديني إلى طائفتين، ليأتي معاوية أيضاً على رأس الطائفة الأولى التي كانت مزيتها أنها «تمارس التحريف والتدجيل عن سابق علم وإصرار»..
أما الطائفة الثانية ; فيمثلها «أولئك العلماء الذين عرفوا مواقع الحق والباطل، لكنهم اختاروا اعتزال الميدان والسكوت عن كلمة الحق.. وخداع أغبياء الأمة بإظهار هذا الاعتزال وكأنّه من مصاديق الزهد في الدنيا».
وبعمل هاتين الفئتين: «تدليس عباد الدنيا من جهة، واعتزال المتنسكين وسكوتهم من الجهة الأخرى، فقد استحكم بناء الاستبداد في الأمة».
ثم يعود ثالثة إلى «الاستبداد الديني» في فقرة أخرى مستقلة من أجل وضع سبل الوقاية منه ومعالجته، معبراً عنه بأنه «داهية الدواهي»[26].
بعد النائيني
كانت الحيلولة دون الاستبداد، بنوعية ـ الديني والسياسي ـ وضمان تحقيق القدر الأكبر من العدالة والمساواة، وإضفاء الشرعية على نظام الحكم، قد مثلت الأهداف الأساسية لتلك النظرية المهمة، ومحاورها الكبرى.. وقد تخلّص منها إلى إمكان العمل السياسي مع السلطان، بغض النظر عن الطريق الذي سلكه إلى السلطة، وذلك عن طريق فرض الدستور ومجلس الشورى.
هذه الأطروحة هي التي صبغت العمل السياسي الإسلامي بعد تلك المرحلة زمناً غير قصير، فقد قامت ثورة 1920م في العراق على الأساس نفسه، وقد شارك في قيادتها مراجع وزعماء دينيون وإسلاميون وطنيون ورؤساء عشائر، اختصروا أهدافهم بعد التحرر السياسي من الهيمنة البريطانية، بإقامة الدستور والمجلس النيابي..
وحركة الأخوان المسلمين في مصر، رغم تبنّيها مبدأ إقامة الدولة الإسلامية التي يكون فيها الحكم المطلق للشريعة، قد عملت على هذا الصعيد كثيراً، ولعلّ أبرز ما يشهد لعملهم بهذا الاتجاه، هو قيادتهم التظاهرات الشعبية الكبيرة في آذار 1954م، ضد القرار الذي أصدره جمال عبد الناصر بعزل محمد نجيب عن جميع مناصبه، إثر إعلان الأخير عن استجابته لمطالب الشعب بإقامة مجلس نيابي تُحكم البلاد عن طريقه، فانطلقت في القاهرة تظاهرات عظيمة طوقت قصر عابدين الذي كان فيه عبد الناصر، وهي تطالب بعودة محمد نجيب وإمضاء العمل من أجل الحياة البرلمانية، ولم تنتهِ إلاّ برضوخ عبد الناصر لهذين المطلبين، وإن كان قد عاد ليلتف عليهما بدهائه السياسي، سريعاً[27].
من هذا الموقف الكبير، ومن استمرار سيرة «الأخوان المسلمون» يمكن أن نحكم بالقصور على القراءات التي وصفت الأخوان بالعنف والتطرّف في مرحلة تصاعد فيها خطاب سيد قطب، الذي عرّف للحكم نمطين: حكم الله، وحكم الطاغوت، وليس بين هذين النمطين مساحة للمهادنة[28].
ذلك أن هذا الخطاب لم ينتقل إلى النظرية السياسية للإخوان، حتى إذا كان قد مثل خطابها الديني، بملاحظة تفوّق خطاب سيد قطب كثافة وسعة انتشار.
ومن ناحية أخرى فإن القراءة ستكون ناقصة ما لم تنظر إلى واقع المرحلة التي صعّد فيها سيد قطب خطابه الحادّ، فالقراءة التي أدانت سيد قطب حين وصفته بالتطرّف الحادّ، لم تقف بقليل من النقد على قرار جمال عبد الناصر بإعدامه شنقاً، مع مخالفة القوانين الدولية لتنفيذ هذا الحكم على رجل يحمل من الأمراض الجسدية ما كان يحمله سيد قطب، وبرغم اعتراض المنظمات المختصة، والكثير من رجال الدين والسياسة، فقد أصرّ عبد الناصر على تنفيذ حكم الإعدام بحقّ رجل كان يكتب بقلمه، ولم يحمل سيفاً، ولا خطّط للانقلاب على السلطة.
من استجلاء هذه الصورة ينبغي أن نعيد قراءة خطاب سيد قطب قراءة موضوعية، ولا نبعده عن ضرورات حفظ الهوية الإسلامية، إزاء استبداد مطلق يريد تطبيق العلمانية بكل وسائل العنف والقوة.
الشورى في إطارها النظري
الدعوة إلى اعتماد الشورى في نظام الحكم اشترك فيها الفكر السياسي الشيعي ـ والسني معاً، لكنها في الإطار الشيعي الذي وضعته نظرية النائيني، والذي يتفق مع كل نظرية تقوم على اعتماد مبدأ «ولاية الفقيه» ـ تتحدد ـ الشورى ـ بمجلس الشورى وهيئات المراقبة، أما في الإطار السني فتبلغ ذروتها في انتخاب رأس السلطة نفسه، مع ما تحتفظ به من دور على الأصعدة الأخرى.
ولقد اتخذت هذه النظرية صياغتها المتكاملة على يد فقيه سني كبير، هو شيخ الأزهر، الشـيخ محـمود شلتوت، الـذي أفرد لـها حـقلاً خاصـاً في كتـابه «من توجـيهات الإسلام»[29].
أثبت في البدء ضرورة قيام الدولة المستقلة في الإسلام، ثم جعل الشورى أساساً لنظام الحكم، وقد حقق فيها نتائج بالغة الأهمية في الفكر السياسي، أهمها المبادي التي ستقوم عليها نظرية الشورى بأسرها، وهي:
1 ـ السيادة لله ; وهو مبدأ تلتقي عليه كافة الأطروحات السياسية في الإسلام.
2 ـ الأمة مستخلفة، وحق السيادة لها بالتبعية ; إذ الأصل أنّ السيادة المطلقة لله تعالى، فهو تعالى «جعل الحكم حقاً له في الأصل، وللأمة المستخلفة بطريق التبعية».
وتحديد هذا المبدأ هو الذي يحسم الأمر، فإذا كانت السيادة للأمة المستخلفة من قبل الله تعالى، فهي التي تختار من سيكون حاكماً عليها في كل حين، وتراقبه بالأدوات المشروعة، وتعزله إذا ما اقتضى الأمر[30]..
3 ـ الخليفة وكيل عن الأمة ; فقد جعل الإسلام «الحكم حقاً للأمة التي استخلفها في الأرض واستعمرها فيها، ومنحها وصف السيادة عن هذا الطريق على كل فرد منها، ولو كان حاكماً»[31].
ومن هنا فإن «من حق هذه الأمة المكلّفة أن تختار من يباشر سلطتها نيابة عنها، فرداً أو جماعة، ما دامت لا تستطيع مجتمعة مباشرة تكاليفها، اختياراً يقوم على الرضا وتوخّي المصلحة، دون قهر ولا خديعة».
والحاكم هنا «وكيل، يخضع لما يخضع له الوكيل في سائر العقود، من رقابة الأصيل الذي يحدد له كل تصرفاته»[32]. فالحكومة هي عملية «تعاقد بين الأمة وحاكمها ـ الخليفة ـ يتمثل في البيعة على كتاب الله وسنة رسوله وصالح المؤمنين، وتعهده هو بالتزام ذلك، فإذا أخلّ بالعقد انخلع من الحكم، أو خلعته الأمة ولو بالقوة»[33].
هنا تتجلى سيادة الأمة بشكل واضح، وهنا أيضاً يصبح تمرد الأمة وخروجها على السلطان الجائر أو الفاسق أمراً مشروعاً، بل لازماً عليها، أداء لمسؤوليتها في الاستخلاف ; فمن آية (المؤمنون بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) «ينشأ التضامن الجماعي بين الأمة، وتنشأ مسؤولية الجماعة عن أمورها كافة، وتتحمل من تبعة فساد أمرها مثل ما يتحمّله الحاكم الذي جرى الفساد على يديه، إن لم تكن مسؤوليتها أكبر وأخطر»[34].
ويعزز هذا المبدأ المهم في موضع آخر، وهو يلخص المبادئ الإسلامية للحكم، فيقول في المبدأ السابع: «عزل الخليفة للأمة، إن جار وظلم وظهر غشمه ولم يرعوِ لناصح أو زاجر، فإن رفض العزل عزلته بالقوّة، ولو أدى ذلك إلى نصب الحرب وشهر السلاح في وجهه، إذا رأت الأمة ذلك في صالحها»[35].
وهذه نقلة مهمة في الفقه السياسي السني، تخطّت ما رسمته كتب «الأحكام السلطانية» وشقيقاتها، والتي أدانها الشيخ شلتوت نفسه هنا بقوله: «نجد الفرق واضحاً بينها وبين النظام المثالي الذي تقرّره مبادئ الإسلام العامّة»[36].
وفي تقرير مبدأ «الحاكم وكيل» يستند شلتوت إلى الإجماع، فيقول: «ويتفق الفقهاء على أن خليفة المسلمين هو مجرّد وكيل عن الأمة، يخضع لسلطان موكّله في جميع أُموره»[37].
يعزز هذا الإجماع، إجماع آخر على «أن موظفي الدولة الذين يعيّنهم الخليفة أو يعزلهم، لا يعملون بولايته، ولا ينعزلون بعزله، باعتباره الشخصي، وإنما بولاية الأمة وعزل الأمة التي وكّلته في التولية والعزل.. ولهذا إذا عزل الخليفة، لا ينعزل ولاته وقضاته».
ومن هنا أيضاً «نفهم لماذا كان القضاة في صدر الإسلام يحكمون على الخلفاء الذين ولّوهم القضاء، ويسوّون بينهم وبين خصومهم في مجالس القضاء، وينفّذون عليهم أحكام الله.. لأن هؤلاء القضاة يفهمون أن الخليفة الذي يحاكمونه إنما ولاّهم بسلطان الأمة، فهم قضاتها لا قضاته».
وهذا ما يتجه إليه جمهور الفقهاء السنة المعاصرين، فقد كانت كلمتهم واحدة في إسناد السيادة في دولة الإسلام إلى الأمة، وأن الحاكم يستمد سلطانه من الأمة، فهي التي تختاره لهذا المقام، وينفون شرعية الأنظمة الثيوقراطية، وبالتحديد نظرية «الحق الإلهي» ويرون أن الذين يقولون بهذه النظرية إنما «يغفلون ما قرّرته أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها من حقوق للأمة الإسلامية في اختيار الخليفة عن طريق البيعة، وحقها في مراقبته هو وولاته وعماله، وحقها في محاسبته ومراجعته، بل وإعلان التمرد عليه إذا ما أمر بمعصية من المعاصي، لأنه لا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق»[38].
4 ـ الشورى أساس الحكم: بناءً على أدلة الشورى في القرآن الكريم والسيرة النبوية، يستنتج ببساطة أن الإسلام «قرر أن يكون الحكم شورى بين المسلمين، وأمر الرسول المعصوم أن يشاور المسلمين في أمرهم، وهو بالطبع لا يشاورهم في ما هو من شأن الوحي والتشريع، بل في غيره..
وأهم أمر المسلمين مما لا دخل للوحي فيه، هو أمر الحكم، وهو موضع الشورى بينهم، لا يستبد به الحاكم ولو كان رسولاً معصوماً»[39].
والاستناد هنا إلى إجماع فقهاء أهل السنة ميسور للغاية، وقد تكفلت به دراسات حديثة عديدة[40]
غير أنه ثمّة نصوص ذات أهمية فائقة، لسبقها التاريخي أولاً، ولاستيعابها المتميز ثانياً، ومن أبرزها:
1ـ قول ابن خويز منداد المالكي (ت 390هـ ): «واجب على الولاة مشاورة العلماء في ما لا يعلمون، وفي ما أشكل عليهم في أمور الدين، ووجوه الجيش في ما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس في ما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتّاب والوزراء والعمال في ما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها».
وهذا نص بالغ الأهمية بالنظر إلى سبقه التاريخي، فهو يرسم صورة لمجلس شورى قائم على أساس الخبرة والتخصص، وهو ما تعتمده سائر النظم الحديثة كضرورة من ضرورات القيادة والبناء.
2ـ وفي نص متقدم أيضاً يقابل ابن عبد البر القرطبي المالكي (ت 463هـ ) بين الشورى والاستبداد، فيقول: «الشورى محمودة عند عامة العلماء، ولا أعلم أحداً رضي الاستبداد إلاّ رجل مفتون، مخادع لمن يطلب عنده فائدة، أو رجل فاتك يحاول حين الغفلة، وكلا الرجلين فاسق».
3ـ ويقول ابن عطية المالكي (ت 546هـ ): «إن الشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه». وهو نص واضح على سيادة الأمة على نفسها، التي منحها الله إيّاها بالاستخلاف، ويتضمّن أيضاً التصريح بالإجماع عليه.
شكل الشورى
يرى الشيخ شلتوت أن شكل الشورى ومداها «قد ترك للأمة، تشكّله حسب ما يُرى من مصلحتها في كل مكان وزمان».
«فالمبدأ ثابت، دائم، ولا رأي لأحد فيه، ولا تملك الأمة تغييره، لأنه تشريع دائم.. والشكل متغير متطور، للأمة الرأي في تغييره وتطويره برأي ذوي العلم والخبرة من بنيها، وهم أولياء أمرها وأهل الحل والعقد فيها»[41].
وعلى هذا النحو استطاع الإسلاميون، في موقفهم المتحفّز من الأطروحات السياسية الحديثة، أن يحقّقوا نجاحاً ملحوظاً في استكشاف أكثر من إطار لنظم سياسية تجتمع فيها المعاصرة والأصالة، فهي من ناحية نتاج فكري حديث أملته التحديات المستجدة التي واكبتها نهضة فكرية وسياسية إسلامية واسعة النطاق، وهي من ناحية أخرى تستند إلى المقومات الشرعية التي تكسبها أصالة كافية، ليتكشّف من هذا وذاك إمكانية التحرك العلمي بين الثابت والمتغيّر في الإسلام، ليقدم على الأصعدة كافة الأطروحات المتماسكة التي توفق بين الأصالة والمعاصرة.

[1] كاتب وباحث إسلامي، مدير مركز الرسالة.
[2] انظر: ابن تيمية / منهاج السنة : 2 : 241.
[3] انظر: رسالته إلى الميرزا الشيرازي، في: أعيان الشيعة 4 : 213 ترجمة جمال الدين الأفغاني.
[4] خير الدين التونسي / أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك: 50 ـ ط1، تونس، 1284هـ . عن د. رضوان السيد / سياسات الإسلام المعاصر : 284 ـ ط1، دار الكتاب العربي، 1418هـ ـ 1997م.
[5] رفاعة الطهطاوي / تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز: 155 ـ 157، عن د. رضوان السيد، مصدر سابق: 283.
[6] وجيه كوثراني / مختارات سياسية من مجلة المنار: 97 ـ دار الطليعة، بيروت، 1980، د. رضوان السيد، مصدر سابق: 157، 262، يعود كلام رشيد رضا هذا إلى سنة 1907م.
[7] مقدمة أبو الحسن الطالقاني على كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» للنائيني، والكتاب مع مقدمته أدخلها توفيق السيف في كتابه / ضد الاستبداد، انظر فيه ص220.
وأبو الحسن الطالقاني واحد من أبرز قادة الحركة الإسلامية في إيران، أصبح بعد الثورة عضواً في مجلس القيادة، وإماماً للجمعة في طهران، اغتاله المناوئون للثورة بعد عام واحد من نجاحها سنة 1980م، 1399هـ .
[8] انظر: توفيق السيف / ضد الاستبداد ـ الفقه السياسي الشيعي في عصر الغيبة: 218.
[9] م . ن: 227، 229.
[10] م . ن : 232.
[11] م . ن: 233 ـ 234.
[12] م . ن : 237.
[13] م . ن : 237.
[14] يريد بقومية الأمة: هويتها، ووحدتها الوطنـية.
[15] تنبيه الأمة، المصدر السابق: 246.
[16] م . ن : 247 ـ 254.
[17] م . ن : 254 وما بعدها.
[18] م . ن : 286.
[19] م . ن: 322 ـ 323.
[20) م . ن : 282.
[21] م . ن: 281.
[22] وهو قول أحدهم له: إذن لقوّمناك بالسيف، في قصتها المشهورة، وقد أوردها النائيني هنا، بعد قصة اعتراضهم على كسوته التامّة وجواب عمر على هذا الاعتراض.
[23] م . ن : 260 ـ 261.
[24] م . ن: 268.
[25] م . ن: 344.
[26] م . ن : 358.
[27] اُنظر: «الإخوان المسلمون يقودون تظاهرات الحرية في آذار / مارس 1954» / مجلة الدعوة ـ العدد 83 : 40 ـ 41.
[28] سيد قطب / معالم في الطريق
[29] محمود شلتوت / من توجيهات الإسلام ـ دار القلم، دون تاريخ، ص: 538 ـ 569.
[30] م . ن : 560 ـ 561.
[31] م . ن : 561.
[32] م . ن: 558.
[33] م . ن: 558.
[34] م . ن : 563.
[35] م . ن : 568.
[36] م . ن : 551.
[37] م . ن : 564.
[38] د. سمير عالية / نظرية الدولة وآدابها في الإسلام : 26، 27، 29، 74 ـ 75، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1408هـ ـ 1988م.
[39] م . ن : 561 ـ 562.
[40] أُنظر مثلاً : د. سمير عالية / نظرية الدولة وآدابها في الإسلام، ومحمد عبد القادر أبو فارس / حكومة الشورى في الإسلام ونتيجتها.
[41] محمود شلتوت / من توجيهات الإسلام: 562.

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية