مركز الصدرين للدراسات السياسية || الدراسات السياسية

قيام السلطات في الجمهورية الإسلامية وعلاقاتها
الدكتور محمد طي

الجمهورية الإسلامية نظام متفرد
لما كان النظام السياسي الإيراني نظاماً متفرداً قام على أساس جمهورية إسلامية لأول مرة في التاريخ، كان لا بد للدستور الإيراني من أن يكون دستوراً متميزاً عن جميع الدساتير التي اعتمدت والتي تعتمد في بلدان العالم المختلفة.
وإذا كان هذا النظام يستلهم أحكام الشرع الحنيف، فإنّه وإن لم يأت شبيهاً بأي نظام إسلامي سابق، أتى ملتزماً جميع القواعد الموضوعية التي أقرها الإسلام على صعيد الحكم. ذلك أن الإسلام حمل القواعد المتعلقة بالمضمون، فكانت عامة شاملة ولم يفرض قواعد تفصيلية متعلقة بالشكل، الأمر الذي يجيز تغيير الأشكال حسب مقتضيات الظروف.
وإذا كانت الأنظمة الدستورية اليوم تقوم غالباً على أساس الديمقراطية، التي تقتضي أن يكون الشعب مصدر السيادة والسلطة، فينتخب السلطة التشريعية على الأقل، فإن النظام الإسلامي يقوم على أساس أن السلطة لله يؤتيها من يشاء شريطة أن يحكم بالعدل حسب المعايير الإلهية: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء} «آل عمران/2».
وقد جاء في مقدمة الدستور الإيراني (الأحكام العامة) المادة الثانية: ((يقوم نظام الجمهورية الإسلامية على أساس:
1- الإيمان باللّه الأحد ((لا اله إلا اللّه)) وتفرده بالحاكمية والتشريع ولزوم التسليم لأمره.
2- الإيمان بالوحي الإلهي ودوره الأساس في بيان القوانين...)).
غير أن هذا النظام لم تفرضه جهة ما على الشعب الإيراني بل على العكس من ذلك، فقد عادت قيادة الثورة، التي اعتمدت على الشعب، إلى هذا الشعب، فأجرت استفتاء عاماً على النظام الذي سيتبع، فاختار الشعب نظام الجمهورية الإسلامية (م 1 من الدستور).
ولم يتوقف دور الشعب عند حدود إقامة النظام الإسلامي، فقد أعطاه الدستور دوراً دائماً يتجلى في كونه العمدة في مسيرته، فقد جاء في المادة السادسة: ((يجب أن تدار شؤون البلاد في جمهورية إيران الإسلامية بالاعتماد على رأي الأمة)).
وهكذا فان القائد الذي سيؤتى الحكم وينفذ التعاليم الإلهية، يختاره الشعب. إلاّ أنّ الاختيار مشروط بتوفر مواصفات محددة، فلا بد من أن يكون القائد هو ((الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع، القادر على الإدارة والتدبير)). كما تقضي المادة الخامسة من الدستور، وهي المواصفات الضرورية للقيام بولاية أمر الأمة.
وهكذا فان الاختيار الشعبي ليس عشوائياً ولا خاضعاً للهوى ولا لتأثير المؤثرات المصطنعة، بل هو يقوم على أساس الإيمان باللّه وأحكامه، وينصب على واحد ممن يعرفون هذه الأحكام ويلتزمون بها.
وبين الشعب والقائد تقوم سائر السلطات، فالشعب يختار متسلمي السلطتين التشريعية والتنفيذية، والقائد يراقب ويشرف ويحقق الموازين، ويقيم الأجهزة التي تعصم من الزلل.
إنّ أول عمل يقوم به الشعب هو اختيار القائد بطريقة غير مباشرة، بوساطة ((مجلس خبراء القيادة)). فالشعب ينتخب أعضاء مجلس خبراء القيادة، حسب منطوق المادة 107 من الدستور. إلاّ أنّ ترشيح أعضاء المجلس يجب أن يخضع للشروط الإسلامية والعلمية الضرورية، التي يتحقق منها ويبت بها ((مجلس صيانة الدستور)) (م 107) الذي يسمح تركيبه (ستة من الفقهاء وستة من الخبراء الدستوريين) بالقيام بهذه المهمة بكل كفاءة.
يشكل خبراء القيادة، بعد اختيارهم من قبل الشعب، المجلس الذي ينتخب القائد من بين الفقهاء الجامعين للشروط المجملة أعلاه، والتي يفصلها الدستور في المادتين 107 و109.
وقد نصت المادة 107 على أن الخبراء يدرسون ويتشاورون بشأن الفقهاء الجامعين للشرائط. ومتى ما شخصوا فرداً منهم بوصفه الأعلم بالأحكام والموضوعات الفقهية والمسائل السياسية والاجتماعية، أو حيازته تأييد الرأي العام، أو تمتعه بشكل بارز بإحدى الصفات المذكورة في المادة التاسعة بعد المئة، انتخبوه للقيادة.
فإذا لم يجدوا من يتمتع بهذه المزايا جميعها، فإنهم يختارون احدهم فيكون متمتعاً بالحد الأدنى من الميزات القيادية، التي يجب أن تتوفر في كل من أعضاء مجلس خبراء القيادة بوصفها شرطاً لقبول ترشحه.
أما عند تعددهم فيختار الأفضل.
أما الشرائط التي تحددها المادة 109 والتي عطفت عليها المادة السابقة فهي:
1- الكفاءة العلمية اللازمة للافتاء في مختلف أبواب الفقه.
2- العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمة الإسلامية.
3- الرؤية السياسية الصحيحة والكفاءة الاجتماعية والإدارية والشجاعة والقدرة الكافية للقيادة. وعند تعدد من تتوافر فيهم الشروط المذكورة يفضل من كان منهم حائزا على رؤية سياسية وفقهية أقوى من غيره.
وهكذا يتحدد قطبا السلطة: الشعب الذي يختار القائمين بالسلطة والقائد الذي يرعى جميع السلطات، متولياً أهمها، مراقباً من يتولى سائرها، فتخضع لإشرافه المطلق (م 57) الذي يمارسه أما مباشرة أو بوساطة احد مجلسين:
1- مجلس صيانة الدستور، الذي يعين ستة من أعضائه من الفقهاء، فيما ترشح السلطة القضائية الستة الباقين من أعضائه من الخبراء في الشؤون القانونية، ويصادق على تعيينهم مجلس الشورى نفسه (م 91/2).
2- مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يعينه القائد (م 112).
ولإيضاح دور كل من قطبي النظام الإيراني من المفيد إيراد الأمثلة الآتية:
أولاً: ((الشعب يختار نواب مجلس الشورى الإسلامي بالاقتراع السري المباشر (م 62)، إلاّ أن ترشيح هؤلاء النواب يخضع لموافقة مجلس صيانة الدستور (م 99) للتأكد من تحليهم بالمواصفات الإسلامية وبالتقوى (م 67).
أمَّا الصلاحية التشريعية المنوطة بالمجلس مبدئيا فهي تخضع لمصادقة مجلس صيانة الدستور للتأكد من انطباقها على المعايير الإسلامية من جهة أولى، وعلى الدستور من جهة ثانية، فقد نصت المادة 91 من الدستور على أنّ تشكيل مجلس صيانة الدستور يهدف إلى ((ضمانة مطابقة ما يصادق عليه مجلس الشورى الإسلامي مع الأحكام الإسلامية والدستورية)).
وحتى يتمكن مجلس صيانة الدستور من ممارسة هذا الدور ولمزيد من تفصيله فقد نصت المادة 94 على انه يجب على مجلس الشورى الإسلامي إرسال جميع ما يصادق عليه إلى مجلس صيانة الدستور.
وخلال عشرة أيام على الأكثر من تاريخ الوصول، يجب على مجلس صيانة الدستور دراسته وتقرير مدى مطابقته للموازين الإسلامية ومواد الدستور، فإذا وجده مخالفا لها، فعليه رده إلى مجلس الشورى الإسلامي لإعادة النظر فيه ولا يعد نافذاً.
وقد يعمد أعضا مجلس صيانة الدستور، في حالات العجلة، إلى ممارسة دورهم بحضور جلسات مجلس الشورى، كما تقضي المادة 97 من الدستور.
وعلى الجملة فانه ((لا مشروعية لمجلس الشورى الإسلامي من دون وجود مجلس صيانة الدستور)) (م 93).
أمَّا في حالات إصرار مجلس الشورى على النص الذي يعترض عليه مجلس صيانة الدستور، فإنَّ الأمر يرفع إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام (م 112).
أمَّا الصلاحيات البرلمانية الأخرى المعروفة، مثل الموافقة على السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها من قبل الحكومة، فقد أوكلت إلى القائد. كما أوكل إليه إعلان الحرب والتعبئة العامة. وكذلك صلاحية المصادقة على تنصيب رئيس الجمهورية وعزله وقبول استقالته.
وهذه الصلاحيات تمارسها ((البرلمانات)) في دول العالم. ففي مجال تحديد البرنامج السياسي ومراقبة تنفيذه يمارس البرلمان الدور الأساسي:
ففي الأنظمة البرلمانية تعد الحكومة بيان السياسة العامة وتطلب الثقة من البرلمان على أساسه، وفي الأنظمة الرئاسية فإنّ البرلمان شريك أساسي في مجال السياسة الداخلية والخارجية. أمَّا في الأنظمة المجلسية،كالنظام السويسري، فان البرلمان يهيمن على جميع السلطات ويفوض بعضها إلى المحاكم وبعضها الآخر إلى السلطة التنفيذية.
وفي مجال إعلان الحرب، فإنَّه من الممكن للحكومة أن تخوض الحرب إذا ما هوجمت البلاد، على أن تحصل عندما تتمكن، على موافقة البرلمان اللاحقة. أما في مجال الحرب الهجومية فإن القرار في يد البرلمان. فقد نصت المادة 35 من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية مثلا على ((إنّ إعلان حالة الحرب يخوله البرلمان إلى الحكومة))، كما نص قانون سلطات الحرب الأمريكي بتاريخ 7 تشرين الثاني 1973على منع الرئيس من استخدام الجيش لأكثر من ستين يوماً من دون موافقة الكونغرس.
أمَّا صلاحية قبول استقالة الرئيس فهي منوطة بالبرلمان وكذلك صلاحية إقالته.
ثانيا: الشعب ينتخب رئيس الجمهورية (م 114)، الذي يمر ترشيحه بمجلس صيانة الدستور للتأكد من التزامه مبادئ الإسلام (م 99) كما يقتضي الترشيح موافقة القيادة في الدورة الأولى. والقائد يصادق على انتخابه(م 110/9) ويقيله (م 110/10) ويقبل استقالته (م 120).
أمّا في مجال الصلاحيات، ففيما يمتلك رئيس الجمهورية والوزراء صلاحية ممارسة السلطة التنفيذية، كما ورد في المادة 60 من الدستور، فإنّ الصلاحيات الأساسية مما يتولاه رئيس الجمهورية والسلطة التنفيذية عموما في الأنظمة القائمة اليوم تعود إلى القائد، فالرئيس يتولى مسؤولية التخطيط (م 126) كما يتولى مع الوزراء إعداد الميزانية (م 52 و126)، وكذلك الأمور الإدارية بما فيها إبلاء الوظائف (م 126) وكذلك ترؤس مجلس الأمن القومي الأعلى (م 176). أمّا القائد فيتولى نصب فقها مجلس صيانة الدستور وكذلك عزلهم وقبول استقالتهم (م 110/6را).
قيادة القوات المسلحة (م 110/4).
تعيين رئيس أركان القيادة المشتركة (م 110/6ره) والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية (م 110/6ره)، والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي (م 110/6رو).
تعيين رئيس الإذاعة والتلفزيون (م 110/6/ج و م 175/2).
إصدار الأمر بالاستفتاء العام (م 110/3).
ثالثاً: فيما يمتلك الشعب ميزة انتخاب مجلس خبراء القيادة (م 107) المشروط ترشيحهم بموافقة مجلس صيانة الدستور (م 99)، يمتلك القائد بالمقابل صلاحية تعيين أعلى مسؤول في السلطة القضائية(م 110/6/ب وم 15).
رابعاً: فيما يمتلك الشعب اختيار مجلس الشورى بالشروط الواردة أعلاه، يمتلك القائد بالمقابل سلطة تعيين الحكم في مسائل إسلامية القوانين ودستوريتها، وهو مجمع تشخيص مصلحة النظام.
مقارنة قيام السلطات وصلاحياتها بين الجمهورية الإسلامية والدول الأخرى حتى نستطيع تبين حقيقة النظام السياسي الإيراني في ما يتعلق بقيام السلطات وصلاحياتها، لا بد لنا من المقارنة الإجمالية مع مختلف الأنظمة السائدة في ما يعرف بالعالم المتقدم، فنقارن مع الأنظمة البرلمانية والأنظمة الرئاسية وشبه الرئاسية والأنظمة المجلسية.
النظام الإسلامي الإيراني والنظام الرئاسي
إن نموذج النظام الرئاسي هو نظام الولايات المتحدة الأميركية.
يقوم النظام الرئاسي على الفصل الحاد للسلطات، بحيث تفصل وظيفياً وعضوياً، فيقوم الكونغرس بصلاحيات كاملة في النظام التشريعي والمالي، كما يقوم الرئيس بصلاحيات كاملة في المجال التنفيذي، فيما يقوم النظام الإسلامي الإيراني في مركزه الأعلى على دمج السلطات، التي يقوم القائد بأهمها كما رأينا، غير أن السلطات تنفصل في المستويات الأدنى.
وفي النظام الرئاسي ينتخب رئيس الدولة من الشعب مباشرة، ويمتلك بمعاونة الوزراء الصلاحيات التنفيذية كاملة بالاستقلال عن الكونغرس (البرلمان) (م 6). فيما تتوزع السلطة التنفيذية في الجمهورية الإسلامية كما رأينا بين الرئيس ومعه الوزراء من جهة، والقائد من جهة أخرى. والأول ينتخب مباشرة من الشعب بينما ينتخب القائد من الشعب بطريقة غير مباشرة.
النظام الإسلامي الإيراني والنظام البرلماني
يقوم النظام البرلماني على فصل مرن للسلطات، بحيث يتولى البرلمان كامل صلاحية التشريع والصلاحية المالية مع حق المبادرة للحكومة في المجالين، وصلاحية المراقبة في مجال النهج السياسي للحكومة بعد إقراره، كما تقوم السلطات التنفيذية بالعمل الإجرائي كاملا. وقد يفوض إليها البرلمان بعض صلاحياته، فيما يقوم النظام الإسلامي الإيراني كما رأينا على الدمج في الأعلى وعلى الفصل في ما دونه. ولا إمكانية لتفويض السلطة التشريعة إلى الحكومة.
ومن جهة ثانية، فان رئيس الدولة في النظام البرلماني ينتخب غالبا من البرلمان، فيما ينتخب القائد والرئيس في إيران من قبل الشعب: الأول بشكل مباشر والثاني بشكل غير مباشر، كما رأينا.
وإذا تخلينا عن التسميات المباشرة، وعددنا القائد في الجمهورية الإسلامية بمثابة رئيس الدولة، فيما رئيس الجمهورية يكون رئيس وزرا، كما تراه المادة 134، فان ما يميز بين النظام الإسلامي الإيراني والنظام البرلماني هو:
أولاً: موضوع انتخاب الرئيس. ذلك أن الانتخاب غير المباشر للرئيس البرلماني يتم بواسطة البرلمان، بينما يتم انتخاب القائد في الجمهورية الإسلامية بواسطة مجلس خبرا القيادة.
ثانيا: إن القائد يمتلك بعضاً من صلاحيات البرلمان والصلاحيات القضائية، (كتعيين الرئيس الأعلى للسلطة القضائية وصلاحيات العفو، وهي صلاحيات قضائية أساساً) فيما لا يمتلك الرئيس البرلماني أياً من صلاحيات البرلمان، وفي المجال القضائي لا يمتلك إلا صلاحية العفو الخاص من دون العام.
ثالثاً: إنّ رئيس الوزراء البرلماني يكلفه رئيس الدولة، فيما الرئيس الإيراني ينتخب من الشعب مباشرة. هذا إضافة إلى أن الرئيس في النظام البرلماني هو شخصية ممحية، بينما يمتلك القائد الإسلامي الإيراني صلاحيات فعلية وأساسية على صعيد السلطة التنفيذية وغيرها من السلطات.
النظام الإيراني والنظام شبه الرئاسي يطلق بعضهم تسمية النظام شبه الرئاسي على أنظمة شبيهة بالنظام الفرنسي، بحيث تكون آليته آلية النظام البرلماني مطعمة بانتخاب رئيس الدولة من الشعب مباشرة، ويحتفظ الرئيس بصلاحيات أساسية تجعله يتقاسم السلطة التنفيذية مع الحكومة.
ولعل النظرة المستعجلة تبدي لنا قسطا وافرا من التطابق بين النظامين الإيراني وشبه الرئاسي، إلا أن النظرة المتفحصة تبين فروقا، حتى لو عددنا القائد رئيسا للدولة ورئيس الجمهورية الإسلامية رئيس الوزراء.
وأول الفوارق تكمن في طريقتي انتخاب كل من القائد من جهة، ورئيس الجمهورية من جهة أخرى، وثانياً في طريقة تسمية رئيس الوزراء، وثالثاً في مسالة الصلاحيات.
النظام الإسلامي الإيراني والنظام المجلسي يقوم النظام المجلسي على انتخاب متعدد الدرجات، بحيث ينتخب الشعب البرلمان (وأحياناً بشكل غير مباشر)، والبرلمان يختار، مباشرة أو بالواسطة، أجهزة السلطة الأخرى من تنفيذية وقضائية وأحياناً جهة تشريعية تحل محله في غيابه كالبريزيديوم، الذي كان قائماً في الاتحاد السوفياتي، أو ((اللجنة الدائمة للجمعية الشعبية الوطنية)) في الصين.
وهذا النظام يسود في سويسرا كما ساد في البلدان الاشتراكية، وما زال يسود في الصين.
اما في الجمهورية الإسلامية فيقوم النظام على الانتخاب.
ولكن يتحقق من المستوى الأول، فينتخب الشعب البرلمان ورئيس الجمهورية للسلطتين التشريعية والتنفيذية، ولا ينتخب السلطة القضائية.
والشعب ينتخب القائد المشرف على السلطات جميعها والمشارك في السلطة التشريعية بشكل غير مباشر، عن طريق فقها مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام، والمتولي صلاحيات خاصة بالبرلمان كما رأينا، والمشارك في السلطة التنفيذية وكذلك القضائية عن طريق تعيين رئيسها.
ما على صعيد الصلاحيات، فإننا نجد في النظام المجلسي أنها تفوض كاملة إلى البرلمان (مع استثناء الاستفتاء) وهو يفوض كلا منها إلى جهة.
أما في النظام الإسلامي، فالصلاحية هي بيد الشعب من جهة وبيد القائد من جهة أخرى، ودوراهما يتكاملان.
العلاقة بين السلطات في النظام الإسلامي من اجل استكمال مميزات إي نظام، لا بد من دراسة العلاقات بين السلطات التي يقوم عليها. ولعل العلاقة بين السلطات هي ما يميز الأنظمة التقليدية بعضها عن بعض. وفي النظام السياسي الإيراني تتخذ العلاقات بين السلطات الأشكال الآتية:
العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تمتلك السلطة التشريعية تجاه السلطة التنفيذية الوسائل الآتية:
ا- إقرار عدم كفاءة رئيس الجمهورية وذلك بأكثرية الثلثين، كما تقضي به المادة 98 من الدستور، وذلك على أثر استجواب (استيضاح) يوجه إليه من قبل ثلث أعضاء مجلس الشورى، على أن يواجهه في مهلة شهر، (م 89/2)، وكذلك نزع الثقة من الوزراء (م 136)، وفي الحالتين يرفع الأمر إلى القائد لبته.
والى جانب هذا السلاح الخطير يمتلك مجلس الشورى الإسلامي سلاح توجيه الأسئلة إلى رئيس الجمهورية، (بواسطة ربع أعضاء المجلس)، والى الوزراء (من قبل أي نائب). وعلى الرئيس أن يجيب في مهلة‏ شهر. أما الوزير فعليه أن يجيب في مهلة عشرة أيام، إلا أن يكون هناك عذر مقبول (م‏88). كما انه للنواب أن يتوجهوا بالاستجواب (الاستيضاح) إلى مجلس الوزراء أو إلى أي وزير، على أن يتقدم به عشرة نواب. وعلى محل الاستجواب (مجلس الوزراء أو الوزير) أن يطلب الثقة بعد رده.
في حالة عدم حضور محل الاستجواب، يطلب من مقدمي الاستجواب تقديم أيضاً حالتهم، وللمجلس أن يطرح الثقة على أساسها(م‏89).
إضافة إلى هذه الصلاحية، فإن على رئيس الجمهورية أن يحصل على الثقة للوزراء عند تشكيل الحكومة وقبل ممارسة أي صلاحية، كما عليه أن يحصل على الثقة بمجلس الوزراء عند تغيير نصف الحقائب الوزارية، وكذلك على كل وزير يعين أن يحصل على الثقة (م‏136). وللرئيس كذلك أن يطلب من المجلس إعطاء الثقة للوزراء في مواجهة الأمور المهمة (م‏87).
هذا إضافة إلى صلاحية رئيس مجلس الشورى في مراقبة قانونية الأعمال التنظيمية (م‏138).
وفي مقابل هذه الصلاحيات لا تمتلك السلطة التنفيذية المجسدة برئيس الجمهورية والوزراء أية صلاحية للرد.
العلاقة بين مجلس صيانة الدستور ومجلس الشورى تقوم هذه العلاقة على ضرورة أن يراقب مجلس الصيانة كل ما يصوت عليه مجلس الشورى وإلغاء المخالف للأحكام العليا (م‏94). فالفقهاء من أعضاء مجلس الصيانة يبتون في مسالة توافق القوانين أو تعارضها مع أحكام الإسلام، والخبراء من أعضاء المجلس المذكور يبتون في دستورية القوانين (م‏96). وفي حالة الخلاف بين مجلس الشورى ومجلس الصيانة، والمنبثق من تشبث مجلس الشورى بموقفه رغم معارضة مجلس‏الصيانة، فإن الأمر يرفع إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام ليعطي الرأي النهائي (م‏112).
وهنا أيضاً لا يملك مجلس الشورى، في مقابل صلاحيات مجلس الصيانة ولا مجمع تشخيص مصلحة النظام، أية صلاحيات.
علاقة رئاسة الجمهورية بالقيادة تقوم علاقة الرئاسة بالقيادة على القاعدة التي تخول القائد البت بمصير الرئيس بعد تصويت مجلس الشورى بأغلبية الثلثين على عدم كفاءة الرئيس (م‏89/2)، والتي تخوله المصادقة على انتخاب الرئيس (م‏110/9)،وكذلك عزله بعد حكم المحكمة العليا أو تصويت مجلس الشورى بعدم كفاءته (110/10).
علاقة القائد بمجلس خبراء القيادة يتمتع مجلس خبراء القيادة بصلاحية اختيار القائد (م‏107) كما يتمتع بصلاحية إعفائه عند فقدانه الشروط الضرورية أو عجزه (م‏111) ولا يمتلك القائد تجاه المجلس أية صلاحيات.
طبيعة العلاقات بين السلطات تتميز العلاقات بين السلطات في الجمهورية الإسلامية، كما رأينا، بأنها علاقات أحادية الاتجاه، إذ أن هناك وسائل تمتلكها السلطة التشريعية في مواجهة السلطة التنفيذية، ووسائل يمتلكها مجلس صيانة الدستور في مواجهة مجلس الشورى، ووسائل يمتلكها القائد في مواجهة رئيس الجمهورية، ووسائل يملكها مجلس خبراء القيادة في مواجهة القائد.
وبالمقابل لا تمتلك السلطة التنفيذية وسائل في مواجهة التشريعية، ولا مجلس الشورى في مواجهة مجلس الصيانة أو مجمع تشخيص مصلحة النظام، ولا القائد تجاه مجلس خبراء القيادة.
وبالمقارنة مع الأنظمة القائمة في الدول المسماة متقدمة فإننا نجد ما يأتي:
في الأنظمة البرلمانية وشبه الرئاسية في الأنظمة البرلمانية وشبه الرئاسية يقوم التوازن بين السلطات، بحيث تمتلك السلطة التشريعية سلاح الثقة والسؤال والاستجواب في مواجهة الحكومة كلا أو الوزراء أفراداً.
وفي المقابل، تمتلك السلطة التنفيذية سلاح حل مجلس النواب، وكذلك تأجيل انعقاده ودعوته إلى دورات استثنائية.
هذا التوازن الايجابي بين السلطتين هو الذي يضع حداً لتمادي أي منهما وتجاوزها صلاحياتها أو إساءتها استخدام السلطة والاستبداد، لأن السلطة، كما يقول مونتسكيو، لا تحدها إلا السلطة.
في الأنظمة الرئاسية في الأنظمة الرئاسية يقوم التوازن السلبي بين السلطات، فالسلطة التشريعية لا تملك أسلحة الثقة ولا السؤال ولا الاستجواب في مواجهة التنفيذية، والسلطة التنفيذية لا تملك سلاح حل مجلس النواب. وكل ‏سلطة تواجه الأخرى بشكل سلبي فلا تسمح لها بالتعدي على صلاحيتها، على أساس مبدأ الردع والموازنة، الذي تسهر المحكمة العليا في الولايات المتحدة ‏الأميركية على تأكيده.
في الأنظمة المجلسية تفتقد هذه الأنظمة، سواء بنسختها الليبرالية (النظام السويسري)، أم بنسختها الشيوعية كما في الصين أو الاتحاد السوفياتي السابق، مبدأ التوازن بين السلطات. ولذا فإن هذا المبدأ مفقود، ولان الصلاحية الأساسية‏ تفوض إلى البرلمان، والبرلمان لا تحاسبه قانونياً أية جهة إلاّ الشعب أحياناً الذي فوض إليه السلطة، وذلك حسب مبدأ ((الاستدعاء ددچح‏حث حخث )). بل يسود مبدأ التفويض. ومن يفوض يحاسب. وهكذا فان ‏البرلمان قد يحاسبه الشعب، فيما يحاسب البرلمان السلطة التنفيذية. وبهذا يلتقي النظام المجلسي مع نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ولكن ما الذي يمنع البرلمان من الشطط؟ هنا علينا التمييز بين نسختي النظام المجلسي:
في سويسرا: إن الذي يمنع البرلمان قانونياً من الشطط هو الشعب، الذي يشارك البرلمان في السلطتين التأسيسية والتشريعية.
غير أن الشعب السويسري لا يوجه البرلمان بالضرورة في الاتجاه الصحيح دائماً، بل هو قد يعوقه، بدليل أنه لم يوافق على إعطاء المرأة حق الانتخاب، رغم المحاولات، إلاّ بعد أن عم البلدان الأوروبية جميعها، وذلك في 7 شباط سنة 1971.
أما في الأنظمة الاشتراكية: فإن الدستور مرن إلى درجة أن تعديله يجري بالطريقة التي تعدل فيها القوانين العادية وحتى أحياناً المراسيم. ففي الاتحاد السوفياتي كان التعديل الدستوري يتطلب قانونياً أكثرية ثلثي ‏السوفيات الأعلى، إلا أنه كان يعدله عملياً البريزيديوم وأحياناً مجلس الوزراء، ثم يبرم السوفيات الأعلى التعديل لاحقاً، ويأتي إبرامه مضموناً باستمرار.
إلا أن الذي يضمن قيام كل سلطة بصلاحياتها وعدم تعديها، هو الحزب الذي تشرف قيادته على النظام بكامله، ولا حدود لتدخلها في صلاحية أية سلطة، فهي ذات سلطة مطلقة لا رقابة عليها إلا رقابة أعضاء الحزب، التي لم تكن مراقبة فعالة مرة في تاريخها بسبب تعقيد آلية المحاسبة، من جهة، وبسبب كون القيادة هي التي ترشح نفسها وترشح البديل عن المقاعد التي تشغر فيها، من جهة ثانية.
أما في الجمهورية الإسلامية، حيث ينعدم التوازن بين السلطات، فإن العاصم من سوء استخدام السلطة هو الإسلام الذي يغمر الحياة بكل تفاصيلها، والذي تؤمن به جماهير الشعب بنسبة 99%.
وعصمة الإسلام يؤمنها القائد الذي يشرف على جميع السلطات إشرافاً مطلقاً (م‏57)، ويحل أية خلافات تنشأ في ما بينها (م‏110/7 و8).
وقد وضعت شروط إسلامية الأعضاء لمختلف السلطات، بحيث أصبح تطبيق المعايير الإسلامية في الحكم مسالة ميسورة. فقد ورد في المادة الثانية من الدستور الإيراني إن نظام الجمهورية الإسلامية يقوم على ‏أساس الإيمان باللّه تعالى وتفرده بالحاكمية والتشريع (م‏2/2)، والإيمان بالقيادة الدينية (الإمامة) واستمراريتها (م‏2/5)، والإيمان بالكرامة الإنسانية والحرية (م‏2/6)، والإيمان بالاجتهاد المستمر على أساس الكتاب والسنة (م‏2/6را)، والإيمان بمحو الظلم والقهر مطلقا ورفض الخضوع لهما.
ومن اجل إعمال هذه المعايير، فإن الدستور الإيراني يفرض الشروط الاسمية التي ذكرناها لاختيار أعضاء جميع السلطات:
فالنائب يقسم أن يكون مدافعاً عن حرمات الإسلام وان يؤدي الأمانة ويتحلى بالتقوى (م‏67).
ورئيس الجمهورية يجب أن يتحلى بالأمانة والتقوى (م‏115/4/5)، ويقسم على إتباع النبي(ص) (م‏121).
وأعضاء مجلس صيانة الدستور يجب أن يكون نصفهم من الفقهاء العدول، ونصفهم الآخر من الخبراء المسلمين بالشؤون القانونية ممن تختارهم السلطة القضائية التي يشترط أن يترأسها فقيه (م‏91).
ومجمع تشخيص مصلحة النظام يعينه القائد، فلا بد من أن يكون من الأتقياء والعدول (م‏112).
ومجلس خبراء القيادة لا يرشح أعضاؤه إلا بموافقة مجلس صيانة الدستور، وهم الذين يمكن أن يتولى احدهم القيادة فلا بد من أن يكون كل منهم فقيهاً عادلاً.
أما القائد فهو الفقيه العادل العالم المجتهد، صاحب الرؤية السياسية والاجتماعية، والإدارية والشجاع القادر على القيادة، بل هو الأكفاء بين من يحملون هذه الميزات (م‏5 و107 و109).
وبعد هذه الاحتياطات لاختيار أعضاء السلطات المختلفة، لا بد من أن يتحقق ما تقضي به المادة 4 من الزامية كون الموازين الإسلامية أساس جميع القوانين الدستورية والعادية والقرارات على مختلف المستويات. وحتى لكل قرارات مجالس الشورى القيمة على الإدارة المحلية (م‏105).
وهكذا فإن النظام الدستوري الإسلامي في إيران لم يقم على التوازنات التي تلعب فيها مصالح القوى، التي تمثلها السلطات، الدور الحاسم، بل على أساس مبادئ الإسلام الملزمة، بوصفها مبادئ علوية‏ للجميع.
الخلاصة وبالنتيجة، فإن النظام الإسلامي في إيران متميز في الشكل وفي المضمون عن الأنظمة القائمة والتي قامت في التاريخ.
متميز في طريقة تعيين أجهزة السلطات، متميز في تركيب السلطات، متميز بالعلاقات بين السلطات.
نظام أسس لكي يقوم على مبادئ الإسلام ويكون قادراً على أن يواجه متطلبات العصر، من اجل إقامة حكم الله في الأرض على أساس من الاختيار الشعبي الحر المشرب بروح الإسلام، المجسد بالالتزام بالأصول والاجتهاد، لمواجهة الظروف المستجدة واستيعاب المنجزات الإنسانية العلمية الحديثة والإسهام فيها.

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية