مركز الصدرين للدراسات السياسية || الدراسات السياسية

الفلسفة السياسية في الإسلام.. محاولة أولية لصياغة نظرية
صادق حقيقت[1]


يهدف هذا البحث الى دراسة مفردات الفلسفة السياسية في الإسلام، مما يتطلب توضيح جملة من القضايا ذات العلاقة بالبحث، لتحاشي الخلط بينها. وسنكتفي في أكثر الموارد ببيان الاطار النظري دون الاستغراق في تفصيلاتها.
وهنا نؤكد أولاً ضرورة توضيح بعض القضايا التي يساهم اغفالها في تعقيد الموضوع:
أولا: ان اعتقاد البعض بعدم ضرورة بيان المقدمة الكبرى للبحث، ليكتفى بذكر المقدمة الصغرى ونتيجة القياس فقط، يؤدي الى الارتباك في البحث.
ثانياً: اختلاف النتائج التي ينتهي اليها الباحثون خلال أبحاثهم: (العقلية ـ الكلامية، الفلسفة السياسية، والآراء السياسية) يعود لاختلاف منهج البحث، فبعض يختار المنهج المنطقي، والآخر يتناول الموضوع اعتماداً على اسلوبه السياسي، ويتبنى فلسفة وفكراً خاصين، فلا بد من بيان المنهج المعتمد في البحث سلفاً.
الفلسفة السياسية
كانت (العلوم السياسية) حتى القرن التاسع عشر كلمة عامة تشمل الفلسفة السياسية.
وكانت حتى القرن العشرين تعد إحدى فروع العلوم المسلكية، وتشابه العلوم التجريبية لكنها تقابل الفلسفة السياسية.
وللفلسفة السياسية بعد عقلي خلافاً لعلم السياسة، فالفيلسوف السياسي يحكم على المستقبل في ضوء الحاضر، كحكمه ـ مثلاً ـ على العقد الاجتماعي وغيره.
والفلسفة السياسية تقوم بدراسة ظاهرة الدولة، علاقة الفرد والمجتمع، أساليب الحكام، كيفية تقسيم السلطة والثروة، شرح العدالة، وبيان أسس المشروعية، وغير ذلك من المفردات[2].
السياسة
يعرف (مونتسكيو) السياسة بأنها: ممارسة الحكم على الشعب، بينما يقول (هارولد لاسكي) ان السياسة تعني: أي الاشخاص يفوز، وبماذا يفوز، ومتى وكيف ولماذا ؟ لكن (ديفيد ايستون) يرى ان السياسة هي: التمكن من فرض القيم على أنحاء المجتمع[3].
والمنهج المتبع في فهم السياسة هو منهج استقرائي، بينما منهج الفلسفة السياسية منهج قياسي، والمنهج القياسي يبدأ عادة بأصول مسلّمة، ويسعى لعرض نظريته حول الدولة والحكومة بعد أن يستدل عليها بأدلة عقلية. وقد مال الى هذا الاسلوب في البحث كل من (افلاطون)، (توماس مور)، (روسو)، (هيجل)، و(جرين).
وبعد أن نضجت المدرسة السلوكية، وشاعت المناهج الكمية تأثرت العلوم بشكل عام كثيراً بمناهج العلوم التجريبية، وحينئذ سيكون من البديهي أن تختفي الفلسفة السياسية، ذات المنهج القياسي والمبنى العقلي، في ذلك الزمان.
وطبقاً لاسس المدرسة السلوكية الثمانية، يجب التفكيك بين القضايا القيمية والقضايا التجريبية. والذي قرّب العلوم الانسانية من العلوم التجريبية هو مبدأ الخضوع للتجربة، بعد مرحلة ما بعد السلوكية، أي عندما ألقى (ديفيد ايستون) محاضرته في مؤسسة العلوم السياسية عام 1968م في أمريكا، دخلت الفلسفة السياسية قيمٌ جديدة.
تشتمل النظرية السياسية القديمة أو الكلاسيكية على نزعة فلسفية واجتماعية وايديولوجية. فنظريات (افلاطون)، (هوبز)، (لوك)، و(هيجل) هي بالاساس نظريات فلسفية. فكل منهم سعى أن يلائم الى أقصى حد بين ما توصل اليه من نتائج وانطباعات حول المؤسسة السياسية والهدف من الحياة السياسية من جهة، وبين النظام الفلسفي من جهة اخرى. فقد أكد هؤلاء الفلاسفة ان مجالات الواقعية والوجود، كالسياسة، لها خصائص مشتركة ومحددة، وذلك من خلال النتائج السياسية والاجتماعية التي استخلصوها من المصاديق الكلية التي تخص الماهية والواقعية. فمن هذه الزاوية استنتجوا القضايا السياسية من الاصول الفلسفية والميتافيزيقية الكلية. وهذا المنهج قد اختفى في أوائل القرن العشرين، وان كنا نلاحظ وجود محاولات لاحيائه من جديد.
والفلسفة السياسية تهدف، خلافاً للفكر السياسي، الى استبدال الظن باليقين، بينما تقتصر مهمة الفكر السياسي على التعمق بالآراء السياسية وتفسيراتها، لذا فكل فلسفة سياسية هي فكر سياسي، لكن ليس كل فكر سياسي فلسفة سياسية.
والنظرية السياسية خالية من القيم الفلسفية والايديولوجية الظاهرة، وخالية من عوامل التبرير والعمل، وتقتصر على الاتجاه الاثباتي المدعوم بالبيان المحض، أما الفكر السياسي فرغم كونه وصفياً الى حد ما إلاّ انه منظم ويتصدى لمعرفة كيفية تنظيم الحياة السياسية وفق المبادئ النظرية أو الاخلاقية.
الايديولوجيا السياسية
اما الايديولوجيا السياسية ـ كالماركسية ـ فهي تشتمل على مجموعة من الاوامر والنواهي. فمن الممكن أن تؤكد النظرية السياسية على مجموعة من المفاهيم والاوامر والنواهي التي لها علاقة بالاعمال الاجتماعية، دون تأكيد المفاهيم الفلسفية أو العموميات الاجتماعية. وهنا نؤكد أن الكتابات الايديولوجية والفلسفة السياسية غير قادرة على تشخيص ذلك، فنتائج الفلسفة السياسية التي تهدف ـ كما يقول (بارتريج) ـ الى اقناع قرّائها بقبول بعض أشكال التنظيمات الاجتماعية، هي نتيجة من نتائج الفلسفة العملية[4].
يعتقد المخالفون لسياسة الايديولوجيا ان المناهج الايديولوجية فشلت في القرن الاخير في تقنين الاوضاع، لان الافكار المتأثرة بالايديولوجيا تصاغ في ضوء واقع الحكام ولم تلحظ التطورات الاجتماعية، والعقيدة الايديولوجية عادة عقيدة عامة وعالمية. ولدينا في هذا الصدد تجارب الفاشية والنازية والشيوعية التي أرادت أن تصنع في ظل الايديولوجيا مجتمعات موحدة.
ويرى (ادوارد شيلز) ان السياسة المؤدلجة تناقض الخصائص الذاتية للمجتمع المدني[5]، فالمجتمع المدني يؤمن أساساً بالتعددية الحزبية ويرعى المصالح والقيم، ويشترك أعضاؤه بمجموعة من القيم. لذلك فان محاولة قيام مجتمع مدني فيظل الايديولوجيا والعقائد المتشنجة ستنتهي الى التفرد بالسلطة وانهيار الحرية التي تمثل أساس المجتمع المدني.
ويرى الليبراليون أيضاً أن الايديولوجيا تتقاطع مع المجتمع، فـ(كارل بوبر) يعتقد أن الايديولوجيا تبعث على التعند وتؤدي الى الركود وتمنع التطور العلمي، لان تقديس الاهداف والقادة واعتبارهما أشياء مطلقة يحوّل النظام الى نظام استبدادي[6].
لا شك أن الايديولوجيا قد منيت على طول التاريخ بمستقبل وخيم، لكن ليس كل نظام ايديولوجي قد انتهى الى التعند والاستبداد، وعندما يقالان عمر الانظمة الايديولوجية أو عصر الايديولوجيا قد انتهى، فالمراد أن الفكر الجديد والمتحرر لا يسمح بالاستبداد الفكري، كالفكر النازي والفاشي.
وقد اعتبر (فوكوياما) في نظريته (نهاية التاريخ) وصول الماركسية الى طريق مسدود واغلاق ملف سبعين عاماً من الايديولوجيا مؤيداً على ذلك. لكن الصحيح اننا لا يمكن أن نطلق حكماً كلياً على جميع الايديولوجيات ونتهمها بالفشل، فمن الممكن ان تتخلص بعضها من النواقص التي تتهمها بها الليبرالية دون ان تموت.
كما أن الفلسفة السياسية بنظر منتقديها ليست هي ايماناً أو اسطورة أو خرافة أو مشاعر أو تعصباً سياسياً وأخلاقياً، لكي يرد عليها الاشكال المتقدم.
والمهم هنا هو أن قراءة الدين (الإسلامي) قراءة ايديولوجية أو غير ايديولوجية هو بحث في مضمونه، لاسيما اذا أخذنا الايديولوجيا بمعناها العام (أي باعتبارها مجموعة من العقائد والاوامر والنواهي) فسيُقرأ الدين حينئذ قراءة ايديولوجية. وعلى هذا فينبغي أن يدرس ما فهمه المفسرون المختلفون عن الدين في اطار ظروفهم الخاصة. لان الصحيح ان الإسلام ليس تعنداً أو اسطورة أو تعصباً، وبمعنى آخر، ليس الدين ايديولوجيا.
صياغة النظرية
لابد من صياغة نظرية في مجـال الفلسفة السياسية نبين من خلالها علاقة الفلسفة بالفلسفة السياسية وعلاقة السياسة في الفكر الإسلامي. واذا لم نضع نظاماً للافكار المتلائمة، فان العلاقة بين بعض تلك الافكار ستكون على نحو (مانعة الجمع) باصطلاح المناطقة، والمراد من (التلائم داخل النظام) هو الارتباط العلّي والمعلولي والتلازم بين بعض الانظمة مع عدم وجود تضاد بين البعض الآخر بحسب نوع العلاقة بينها. وببيان آخر، من يعتقد بالارتباط العلي أو التلازم فيجب أن ينتهي الى هذه النتيجة، ومن لم ير هذا الارتباط فيكفيه عدم التضاد، فمثلا هناك علاقة علّية ومعلولية أو تلازم بين النفس البشرية والمجتمعات الانسانية المتفائلة من جهة والاعتقاد بالصلح العالمي من جهة اخرى. فالمثاليون المتفائلون بالذات البشرية والمجتمعات الانسانية يعتقدون بامكان الصلح العالمي، بينما لا يعتقد الواقعيون بذلك لتشاؤمهم بهاتين المقولتين.
ملامح النظرية
ان أهم القضايا التي ينبغي مراعاتها في النظرية وفي الفلسفة السياسية الإسلامية ما يلي:
1 ـ ان نعرف ماذا ننتظر من الدين؟ هل الدين يدعو الى التدخل في الامور الاجتماعية والسياسية للمجتمعات المختلفة، أم يهتم بعلاقة الانسان بربه فقط؟
2 ـ ما هي حقيقة السلطة: هل ان حقيقة السلطة حقيقة فاسدة، أم أنها بنفسها تجر الى الفساد؟ أو كما يقال: (السلطة تجر الفساد، والسلطة المطلقة فساد مطلق)، فاذا كانت السلطة تجر الى الفساد فيجب السيطرة عليها بواسطة السياسة. وقد تضمنت العلاقة بين الفلسفة السياسية والسياسة في المثال السابق.
وهنا ينبغي الالتفات الى أن موضوع (حقيقة السلطة) كغيره من المفاهيم الاخرى، مثل الديموقراطية والحرية والتعددية، هو من افرازات العصر الحديث. فبحث السلطة وان كان قديماً الا ان صياغته بهذه التفصيلات الواسعة لم يبحث سابقاً.
3 ـ طبيعة الانسان: هل ان طبيعة ذات الانسان طبيعة خيّرة، كما يعتقد بذلك (كانت) و(لوك)، أم انها طبيعة شريرة كما يرى ذلك (هوبز)؟ ان رأي المثاليين والواقعيين في هذا الموضوع المهم له أثر مباشر على الآراء الاخرى في مجال الفلسفة السياسية والسياسة.
4 ـ علاقة الفرد بالمجتمع: هل الاصالة للفرد أم للمجتمع؟ وهل الملحوظ في توزيع السلطة والثروة الفرد أو المجتمع، أم أن الامر ملفق بينهما؟
5 ـ توزيع الثروات: أهم قضية في موضوع الفلسفة السياسية هي كيفية توزيع الثروة. فهل يوجد سقف محدد للملكية الشخصية، وهل يوجد حد للفارق الطبقي؟
6 ـ توزيـع السلطة: ان أهم القضايا في هذا المجال هي تحديد علاقة السلطة الحاكمة بالمجتمع المدني وبالشعب، وبيان حدود الحرية، وهل المشروعية تبدأ من قمة الهرم أم من القاعدة، وما هي مكانة القانون؟
كما يضاف الى هذه القضايا هنا جملة من القضايا الاخرى مثل: هل ان الحكومة تنتخب أم تعيّن، التقابل بين الولاية والوكالة، وجوب أو عدم وجوب الشورى، التخصص في المسائل الدينية.
7 ـ علاقة الاخـلاق بالسياسة والاقتصاد: هل ان الاخلاق غير قادرة ـ كما يذهب الى ذلك الليبراليون ـ على تحديد المجتمع بأوامر ونواه، أم أن الاخلاق قادرة أن توجه الاقتصاد والسياسة توجهاً ايديولوجياً؟
أولوية المبنى العقلي ـ الكلامي على المبنى الفقهي
تعتبر قضية تقدم أو تأخر المبنى العقلي ـ الكلامي على المبنى الفقهي من أهم القضايا التي ينبغي الالتفات اليها في صياغة نظريات الفلسفة السياسية.
فاذا تمكن المبنى العقلي من اثبات استحالة النظرية فلا مجال حينئذ للادلة الاخرى، ويجب حينئذ ردها، أو تأويلها، كاستحالة الجسمية بالنسبة للباري تعالى، التي ينبغي معها تأويل قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}[7].
والمباني العقلية قد لا تستطيع نفي القضية إلاّ أنها تمهد لبحوث اخرى. كما أن النتائج الفقهية والاستنتاجا تغير الفقهية لكل مفكر تؤثر في فلسفته السياسية ومبانيه العقلية ـ الكلامية، فالفقيه الذي يعتقد بنظرية الوكالة يفهم الآيات والروايات بشكل ينسجم مع آرائه الاقتصادية والثقافية والسياسية.
ان المراد من الفقه السياسي هو مجموعة الاجوبة الفقهية المقننة المحددة بالنصوص الدينية (الآيات والروايات)، حول الاسئلة السياسية المطروحة، اما وجه الشبه بين الفقه السياسي والفلسفة السياسية فهو في التقنين، لكن من جهة اخرى ينبغي أن نعترف ان منهج البحث فيهما مختلف، فالفلسفة السياسية تنحو في بحث موضوع السلطة والعدالة وأمثالهما منهجاً عقلانياً، أما في الفقه السياسي فالاساس هو التعبد، والنظرية تصاغ عادة في اطار الاوامر والنواهي، ورغم الاختلاف في منهج البحث إلاّ أنه يمكن التوفيق بينهما والاستفادة منهما بشكل ايجابي.
وعندما يتمكن المبنى العقلي من اثبات استحالة قضية ما، لانها تؤدي الى اجتماع النقيضين، فحينئذ سيقدم المبنى العقلي على المبنى الفقهي، أما اذا تمكن المبنى العقلي من تهيئة بعض المقدمات للمبنى الفقهي فليس له تقدم ذاتي.
فمثلا من الممكن أن نسأل: ماذا نتوقع من الدين بعد اثباته؟ فهذا السؤال اذا طرح من قبل المعتقدين بالدين، فتارة يكون جوابه من خارج الدين (بواسطة المباني العقلية)، واخرى يكون جوابه من داخل الدين. فاذا استطاع المبنى العقلي أن يقدم أجوبة يقينية فلا تصل النوبة الى المباني من داخل الدين. فمثلا لو استطاع العقل أن يثبت عدم دخالة الدين في المجالات الاجتماعية، فهنا يجب تأويل النصوص الدينية. أما اذا لم تكن للعقل هذه القدرة فليس له اولوية ذاتية على المباني من داخل الدين.
ان أحد أهم الآراء في باب فلسفة الانتظار من الدين هو العلمنة وفصل الدين عن الحياة. ففي ضوء هذا الرأي تقتصر مهمة الدين على اقامة العلاقة بين الانسان وربه، ويتمكن الناس من تنظيم علاقاتهم داخل المجتمع بواسطة فاعلية العقل. وفي أي مورد يمكن الاستغناء بالعقل فلا داعي لتدخل الدين به. واذا تمكن العقل أن يضع قوانين تحقق جميع أهداف الشرع فلا ضرورة لان يتدخل الدين في الامور الاقتصادية والسياسية. كما لا تتدخل الاخلاق والعقائد تدخلاً مباشراً في المجالات الاجتماعية، وستختص الاحكام الفقهية برفع الخصومات فقط.
لكن اتضح من خلال الاستدلال العقلي ـ الكلامي، عدم قدرة العقل على اثبات استحالة تدخل الدين في المجالات الاجتماعية، ومن هنا سوف لا نستغني عن الاجوبة من داخل الدين، وبعبارة اخرى ان الدين سيتدخل لوضع أطر للعقل رغم قدرة فاعلية العقل على تنظيم حاجات المجتمع.
واذا ظل هذا الاحتمال قائماً فينبغي البحث عن الاحكام التي تخص السياسة والاقتصاد الإسلامي من داخل الدين، وهنا يمكن أن نطرح قضية تأثير الزمان والمكان في استنباط الاحكام.
وهنا ننبه، ليس بالضرورة أن تكون المباني الكلامية عقلية أو نقلية، ففي بحث الامامة هناك قضايا عقلية وقضايا نقلية[8].
مباني الفقهاء
توجد في مجال الفـلسفة السياسية والفقه السياسي آراء وافكار متعددة، فما لم نطلع على مباني الفقهاء في المسألة لا يمكن تحليل بقية المسائل الاخرى، لان نظر كل فقيه، حول مفهوم السلطة، العدالة، فطرة الانسان والحاكمية، له أثر مباشر في القضايا الفوقية.
وهنا يمكن أن نشير الى تلك الآراء المتعددة حول نظريات الحكم:
1 ـ الولاية المنصّبة للفقهاء في الامور الحسبية، وحكومة المسلمين ذوي الشوكة (في العرفيات). ذهب الى هذا الرأي كل من:
الميرزا القمي: (يحكم الملوك وفق المشيئة الالهية ويجب على الشعب طاعتهم)، والسيد جعفر الكشفي، والشيخ فضل الله النوري (تعاون الفقهاء العدول مع السلاطين حماة الإسلام)، والميرزا الشيرازي، والشيخ الاراكي والشيخ عبد الكريم الحائري.
2 ـ الولاية العامة المنصّبة للفقهاء: الاعتقاد بالتنصيب الالهي وتقييد ولاية الفقهاء بالاحكام الالهية الفرعية، والمعتقدون بهذه النظرية هم:
الشيخ أحمد النراقي، الشيخ صاحب الجواهر، السيد البروجردي، السيد الكلبايكاني، الشيخ الصافي.
3 ـ الولاية المطلقة المنصّبة للفقهاء: الرأي الاخير للامام الخميني رضي الله عنه.
4ـ الدولة المقيدة (المشروطة): وهو رأي الميرزا النائيني الذي يؤيد الحكومة الملكية المقيدة (المشروطة).
5 ـ خلافة الامة باشراف المرجعية: الرأي الاخير للشهيد الصدر في كتاب (الإسلام يقود الحياة).
6 ـ الولاية المنتخبة المقيدة للفقيه: الشهيد مرتضى مطهري، الشيخ السبحاني.
7 ـ الدولة الإسلامية المنتخبة: الرأي السابق للشهيد الصدر ونظرية الشيخ محمد جواد مغنية.
8 ـ الوكالة الشخصية المشاعة للمالكين: رأي الدكتور مهدي حائري ورأيه أن مبنى المشروعية هو الملكية الشخصية المشاعة للمواطنين، وقد أوكلوها للدولة[9].
9 ـ واذا أردنا أن نتوسع فهناك من يقول بنظرية (الحكومة الديموقراطية الدينية).
أن تعدد الآراء يؤكد عدم وجود اجماع خاص في المسألة، وعليه فالمنكر لهذه الاقوال التسعة ليس منكراً لضرورة من ضرورات الدين.
والآن اذا أردنا أن نوائم[10] بين الإسلام والديموقراطية، الحرية، الليبرالية، حقوق الانسان، وأن نبين وجهة نظر الإسلام بهذه المفاهيم لابد لنا أن نعود الى تلك المباني، فالبحث يصبح مبنائياً، ولا شك أن الولاية المنصّبة المقيدة والولاية المنتخبة ستكون أقرب النظريات الى الديموقراطية. وستكون هناك فاصلة بين الدولة، التي هي أحدث النظريات، وبين نظريات ولاية الفقيه.
اذاً لا يمكن أن نعطي وجهة نظر إسلامية حول أي مسألة من هذه المسائل ما لم نرجع الى تلك المباني أو الاسس. والمفكر الذي ليس لديه مبان محددة سيجيب وفق مبنى معين، والذي تعاني مبانيه من اشكالات معينة سوف لا ينتهي الى نتيجة محددة. فاذا أردنا أن نتكلم عن (الإسلام والديموقراطية) أو (الإسلام وحقوق الانسان) فيجب أن نعود الى تلك المباني، وسيكون عدد الاجوبة عن السؤال المطروح بعدد تلك المباني. اذاً يجب ان نطرح قراءتنا وفهمنا عن الإسلام أولا، ثم بعد ذلك نبين موقف الإسلام من تلك المفاهيم الحديثة.
فمثلا لو أردنا أن نبين حدود الحرية وفق نظرية الولاية المطلقة المنصّبة في مقابل ما هو المشهور في نظرية الوكالة أو (الاشراف)، نرى ان وجود المجالس النيابية وآراء الشعب والانتخابات وفق نظرية التنصيب يكون من باب احترام الرأي، والولي الفقيه العادل يتمكن من حل المجالس النيابية اذا كانت هناك مصلحة فيحله. وقد أضيف قيد العدالة في المثال المتقدم لتقييد ارادة الولي الفقيه حتى لا يكون عمله وفقاً لهوى نفسه، وانما على أساس اعتقاده بوجود مصلحة في ذلك الاجراء، لكن هذه السلطة غير متأتية لاي شخص وفق النظريات الاخرى التي تعتمد رأي الشعب في تحقق مشروعية نظام الحكم، أما في ضوء نظرية الوكالة والاشراف، (وحتى الولاية المنتخبة) فلا يمكن تحديد سلطة الحاكم الإسلامي في اطار الشارع المقدس.
وهنا ننبه الى أن جميع النظريات التسع في باب الحكم، وفق مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يمكن تشقيقها الى عدة أقسام اخرى، فنظرية الولاية المنتخبة يمكن تصورها بشكلين: الاول ـ وهو المتداول ـ يستطيع الشعب أن يحدد صلاحيات الحاكم في اطار الشارع المقدس، في نفس عقد البيعة معه.
التصور الثاني، ان الانتخاب مجرد طريق لتعيين الحاكم، أما تحديد صلاحيات الفقيه فهي كغيرها من نظريات التنصيب المطلق أو المقيد ـ خاضعة للادلة الاخرى، وما ذكرناه سابقاً بعنوان ملازمات نظرية الولاية المطلقة المنصّبة فهو مطابق لرأي المشهور ورأي الامام الخميني رضي الله عنه، لكن هناك فهماً آخر للنظرية يحول دون تصور تلك الملازمات.
وخلاصة الكلام هنا، اذا كان هنا كأكثر من رأي للفقهاء والمفكر ينفي المسألة فيجب طرح جميع المباني، أما اذا اختص العالم بمبنى معين، مندون أن تؤثر عليه المباني الاخرى، فيمكنه أن يجيب وفق ذلك المبنى فقط.
ان احدى المغالطات التي يقع بها البعض خلال اختباره احد المباني أعلاه هو موضوع (القدر المتيقن) في دليل (الحسبة). ففي ضوء نظرية الحسبة وضرورة تشكيل الحكومة، هناك احتمال تدخل بعض الصفات مثل العدالة والفقاهة، فالقدر المتيقن في القيادة أن يكون الولي الفقيه عادلا. والاشكال في هذا الاستدلال هو، بما أن كل شخص يمكن تناوله من عدة جهات لذا يجب أن نأخذ جميع الاسباب بنظر الاعتبار[11]، فاذا افترضنا أن الافراد متساوون في جميع الصفات فسيكون الفقيه العادل هو القدر المتيقن، لكن هذا الفرض ليس معقولا، ولاسيما في وقت أصبحت فيه العلوم تخصصية، لذا يجب أن نجري قواعد التعادل والتراجيح بالنسبة للصفات.
ان التخصص بالعلوم مثل علم النفس، الاقتصاد والسياسة سيؤدي الى تقدم هذه العلوم على العلوم النظرية مثل الفقه، لذا فأهم ما يحتاج اليه قائد الحكومة الإسلامية هو التخصص بعلوم ادارة البلاد، مع التوافر على تجربة كافية في ذلك.
المشروعية والقدرة
من الامور الاخرى التي تعيق فهم أسس الفلسفة السياسية هو عدم التفكيك بين المشروعية والقدرة، لذا سنبدأ أولا بتوضيح هذين المصطلحين:
المشروعية
(المشروعية: توجيه عقلائي لاعمال السلطة والطاعة. فاذا كانت الطاعة غير عقلائية، فستكون مستندة اما الى العرف Tradition، أو الى شخصية الحاكم Charisma. أما المحور في الانظمة التي تعتمد نظرية العقد الاجتماعي في الحكم فهو العقل)[12].
كما يمكن تعريف المشروعية وفق مباني الاحقية والسلطة وجواز ممارسات السلطة. لكن من الطبيعي أن تعريف المشروعية في العلوم الإسلامية يختلف عن هذا التعريف.
فعلى كل دولة تروم بقاء ودوام قدرتها أن تحيط بأسس المشروعية ومشاكلها وأدواتها وتتعرف على الاسباب التي تؤدي الى انهيارها لان الشعب عندما يطيع الحكومة فهو يعتقد بمشروعيتها.
وعندما نراجع تعريف المشروعية نضع الاسئلة التالية:
ـ هل ان مصدر المشروعية هو القهر والغلبة أم رأي الشعب أم التنصيب من قبل الله تعالى؟
ـ ما هي الطريقة أو الاسلوب في منح المشروعية؟
ـ هل الشخص الذي يحصل على المشروعية (كالرئيس أو الملك) هو مستحقها حقيقة؟
ـ كيف تتحقق طاعة الشعب؟
القدرة
تقع القدرة في مقابل المشروعية، فكل دولة تحتاج ـ بقطع النظر ـ عن مشروعيتها ـ الى نظام وهيكل اداري يحقق أهدافها، فالادوات والانظمة والآليات والامكانيات والاساليب التي تحقق الهدف تسمى القدرة.
ان المشروعية في ضوء نظرية التنصيب مؤمّنة من قبل الله تعالى، أما احترام رأي الشعب في الانتخابات فهو من باب احترام قدرة الشعب وفاعليته. أما في ضوء نظريتي الوكالة والعقد الاجتماعي فللشعب رأي مؤثر باعتباره يحقق المشروعية للنظام.
ويتضح مما تقدم عدم وجود تعارض بين كون المشروعية الهية وبين احترام رأي الشعب في ضوء نظرية التنصيب، لان آراءهم محترمة من باب احترام القدرة. فالفقيه في ضوء هذه النظرية منصّب من قبل الشارع المقدس، وقد اكتسب مشروعيته مما فوق، فلا أثر لقبول واعراض الشعب من هذه الجهة، فاذا اجريت انتخابات المجالس النيابية أو مجلس الخبراء فباعتبار ان الحكومة بحاجة الى النظام لتحقيق أهدافها.
اذاً فنظرية التنصيب ونظرية الولاية المطلقة ـ على فرض صحتها ـ لا تتعارض مع رأي الشعب والنظام الجمهوري.
واذا ميزنا بين المشروعية والقدرة، يتضح ان ما جاء في آخر كتاب: (الحكمة والحكومة) للدكتور مهدي حائري تحت عنوان: (معضلة الجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه التي لا تنحل) ما هو إلاّ خلط بين مصطلحي المشروعية والقدرة، كما أن مصطلح (الجمهورية) ينطبق ـ وفقاً لما جاء في معاجم العلوم السياسية ـ على الحكومات الشرقية والغربية والديموقراطية وغير الديموقراطية[13]. لان الجمهورية ـ خلافاً لليبرالية ـ ليس لديها أسس معرفية، فيمكن أن تجتمع مع انواع الحكومات.
نظرية الدولة الإسلامية والعلمانية
هنا لابد أن نعترف أن أكثر الحركات والاحزاب في الدول الإسلامية تميل في طول التاريخ الى العلمانية. ولعل الدافع لهذا الاتجاه هو مشكلات العصر من جهة، وجمود المتدينين ومساومتهم لاصحاب السلطة من جهة اخرى.
ثم بدأت الحركة الفكرية عند ظهور نظرية ولاية الفقيه في ايران الإسلامية، وأخذ يدور الحديث عن هذه النظرية تارة في اطار نظرية الحكومة الإسلامية، واخرى في قالب علماني، غير أن التفكيك بين الاتجاهين ليس خفياً على المفكرين.
ان وظيفة الاديان الالهية في نظر العلمانية هي ربط الانسان بربه، أما العلاقات الاجتماعية والسياسية فتقع مسؤوليتها على عاتق الشعب وتخضع لمتطلبات كل عصر، ومن هنا اذا أردنا دراسة هاتين النظريتين يجب أولا معرفة نقاط الافتراق بينهما، وأهمها:
1 ـ يجب أن يكون النظام القضائي في الحكومة الإسلامية دينياً وليس علمانياً، وعندما تراعى الظروف الزمانية والمكانية في الاستنباط فهي تلحظ بشكل محدود.
2 ـ النظام الاقتصادي في الإسلام هو أوامر ونواه من قبل للشارع المقدس مثل: منع تراكم الثروة، حرمة الربا، احترام الملكية الخاصة، انقسام العقود الشرعية الى لازمة وجائزة، الغاء التفاوت الطبقي و...
3 ـ تعاليم الدين الإسلامي حول اصلاح الثقافة واصلاح طرق التربية والتعليم. فلا وجود لـ(فصل الدين عن الامور السياسية والاجتماعية). ومن هنا فنحن مطمئنون ان الشارع المقدس بشكل عام أوامر ونواه في هذه المجالات، وينبغي علينا الرجوع اليها، باعتبارنا ملتزمين بالدين.
الإسلام والنظامين الاقتصادي والسياسي
للإسلام في مجال السياسة والاقتصاد خطوط عامة، فلم يعط الإسلام أحكاماً لكل مسألة من المسائل الاجتماعية، ولم يهملها جميعاً ويجعلها في عهدة الانسان بشكل مطلق.
ولا يوجد دليل عقلي يؤكد تدخل الدين في جميع الاحكام الاجتماعية، بل ان الشارع المقدس قد جعل الكثير من المسائل الاجتماعية تابعة لعقل الانسان، ولا منافاة بين جعل أكثر الاحكام الاجتماعية تابعة لسيرة العقلاء وقوانين الامضاء الشرعي من جهة وبين خاتمية وكمال الدين من جهة اخرى.
والذي يؤيد هذا الاحتمال هو عدم تدخل الشارع المقدس في علم الاقتصاد والسياسة وعدم بيان رأيه بالنسبة الى الكثير من المسائل المرتبطة بالنظام السياسي والاقتصادي، مثل: المجالس النيابية، شكل الحكم، الحدود الدقيقة للحريات، علاقة الفرد بالمجتمع، تحديد الملكية الخاصة، دور الدولة في الاقتصاد (بيان الحد الاعلى والادنى). والعلمانية أيضاً ليس لها أدلة عقلية تامة بهذا الخصوص.
ومن هنا لا مانع من تدخل الدين في القضايا الاجتماعية، فعليه يجب أن نبحث عن ذلك من داخل الدين. والمشاهد أن للدين خطوطاً عامة وكلية[14] منها: منع الاحتكار، تحريم الربا، الحيلولة دون التفاوت الطبقي الفاحش، تحديد الحد الادنى لاجور الطبقات المحرومة، منع الاسراف والتبذير، تهيئة الفرص المتكافئة لجميع أفراد الشعب، عدم تدخل الدولة في الشؤون الشخصية للافراد، تأمين الحد الادنى من الحريات وحقوق الانسان.
ان سعة منطقة الفراغ تنعكس على تدوين النظام الاقتصادي والسياسي في الإسلام، فكلما زادت المساحة الخالية من الاحكام في النظام الاقتصادي والسياسي ازدادت سعة منطقة الفراغ. ولما كانت منطقة الفراغ في النظام الاجتماعي ـ حسب معرفتنا ـ واسعة، لذا ينبغي الالتفات الى نقطتين: اذا أردنا ملأها:
أولا: يتم املاء منطقة الفراغ في اطار الكتاب والسنة ونظرية الشريعة.
وبما أن منطقة الفراغ تشمل مساحات واسعة، لذا مع عدم وجود اطار مشخص لملئها، ستتدخل الاذواق الشخصية في ملئها[15].
ثانياً: يحتمل استبدال بعض نقاط منطقة فراغ النظام الاقتصادي والسياسي في الإسلام، كاستبدال بعض أدوات النظام المادي (كما في المحركات والطائرات)، مع مراعاة جميع ذلك النظام.
ومادامت منطقة الفراغ بهذه السعة، وما دامت أكثر المسائل المرتبطة بها غير مقننة فنحن دائماً بحاجة الى البحوث التخصصية، والى متخصصين أكفاء في مجال القضايا النظرية.
الفلسفة السياسية والآراء السياسية
لا شك أن الفلاسفة السياسيين يتأثرون بمجتمعاتهم، وتتكامل فلسفتهم السياسية في ظل علاقة ديالكتيكية مع واقعهم الزماني والمكاني، لذا من المعقول أن يتأثروا بحاجاتهم ومشكلاتهم، ويؤثر عليهم المحيط التربوي والصفات الوراثية.
وهنا سنشير الى نقطة أكثر عمقاً في الموضوع، وهي:
ان لكل فيلسوف علاقة خاصة بين فلسفته العامة والفلسفة والآراء السياسية. لكن كيف تحصل هذه العلاقة؟
أما في عالم الثبوت فيمكن تصور العلاقة بينها بثلاثة أشكال:
1 ـ ارتباط علّي ومعلولي أو تلازم.
2 ـ الانسجام في ما بينها.
3 ـ عدم وجود أي انسجام بينها.
وكما قلنا ان العلاقة بين المجالات الثلاثة متحققة في رأي المفكرين والعلماء السياسيين، وقد عرضوا منظومة منسجمة عنها. لكن مع ذلك لابد أن تدرس طبيعة العلاقة بين هذه الانحاء الثلاثة، فالظاهر من بعض العبارات وجود علاقة علّية ومعلولية أو تلازم بينها، لكن تلك العلاقة لم تشاهد عادة، بل ربما العلاقة بينها مجرد انسجام، وتارة لا نشاهد هذا الانسجام أيضاً. فمثلا نرى الفلسفة السياسية لافلاطون تتناسب مع فلسفته، بينما لا تتناسب الآراء السياسية لـ(هيجل) تناسباً تاماً مع فلسفته السياسية. اضافة الى ذلك نجد أن بعض الفلاسفة يستعرض في فلسفته العامة وفلسفته السياسية مشاهداته الروحية بدلا من المسار العقلائي والمنطقي، أما الفلسفة السياسية في الغرب فانها تطلق على تاريخ وسلسلة أجوبة الفلاسفة حول مشكلات عصورهم.
ان المنهج في دراسة الفرضيات أعلاه ليس منهجاً قياسياً، لان من الصعب رسم صورة للانسان بما هو انسان تبين كيفية الانتقال من الفلسفة العامة الى الفلسفة السياسية والآراء السياسية في أفكاره.
بل ان المنهج المتبع هو المنهج الاستقرائي، ولا شك أن بواسطته يمكن التأكد من مقدار مصداقية الفرضيات أعلاه، لذا لا يمكن اعطاء حكم كلي عن الفرضيات المذكورة.
فالفرضيات المتقدمة تمكننا من معرفة كيفية انتقال الفلسفة العامة الى الفلسفة والآراء السياسية.
لقد سميت الفرضيات المذكورة بـ(تفكيك المنهج المعرفي).
فـ(نيتشه) فرّط حينما ادعى:
(كل فلسفة ملجأ لفلسفة، كل عقيدة مأمن، كل كلمة حجاب)[16].
ان هذه العقيدة تنطبق قبل كل شيء على (نيتشه) وعلى حياته المعقدة.
والآن نذكر بشكل استقرائي شواهد على الفرضية المتقدمة (أي تأثر الآراء الفلسفية السياسية بالظروف الزمانية والمكانية والنفسية لكل فيلسوف أو مفكر):
1 ـ الاختلاف بين آراء أرسطو واستاذه افلاطون، حيث كان يميل الى الواقعية ويرفض الفيلسوف الملكي، بل ان النظام الاشتراكي بالاساس كان من افرازات ذهنيته، ان أرسطو كان يعتقد أن بعض آراء استاذه لا يمكن تطبيقها، وبذلك فهو يميل الى الواقعية.
والفلسفة السياسية لارسطو وافلاطون ليس لها علاقة علّية ومعلولية بالفلسفة، ولم يحتمل انهما ادعيا ذلك، لكن الفلسفة السياسية لافلاطون تتناسب مع فلسفته[17].
لقد خالف أكثر الفلاسفة اليونانيين الثورة لانهم كانوا يعتقدون ان حركة الثورة هي دليل على النقص. لكن يمكن هنا أن نستنتج خلاف ذلك اعتماداً على الفلسفة نفسها وعلى المنطق، فنقول:
مادامت الحركة تدل على النقص فيمكن أن تسوق الثورة المجتمع باتجاه الكمال.
2 ـ بما أن السقراطيين (الابيقوريون والشكاكون والرواقيون) كانوا يعيشون في القرن الرابع قبل الميلاد فهم يسعون لتحطيم طوق المشاكل الروحية والمعنوية اليونانية، ومن هنا قال الشكاكون باستحالة معرفة الحقيقة، وأنكر الابيقوريون تدخل الله تعالى، وقال الرواقيون ان السعادة تتحقق بالتخلص من الظلم والاستبداد، وعلى هذا فان الفلسفة السياسية والآراء والفكر السياسي للسقراطيين لم ينتج من الفلسفة الخالصة بشكل منطقي، ولا توجد علاقة بين الفلسفة السياسية والآراء السياسية، أما الفكر فقد نتج على أساس حاجاتهم الزمانية والمكانية وكان متأثراً بالانكسارات العسكرية، أما القيم العلمية المطلقة فلا وجود لها عندهم.
3 ـ لم ينصب جهد (ميكافيلي) على الفلسفة الخالصة، بل ان نظريته السياسية انصبت على تقوية ملك ايطاليا في مقابل الكنيسة، وبما أن نظريته لم تتوافر على العمق المطلوب، لذلك طرح نظريات غير ملائمة. لان الغاية تبرر الوسيلة عنده، فالرجل لم يهمه سوى المكانة السياسية للحاكم، لذا كتب بهذا الاتجاه كتابين غير فلسفيين هما (الامير) و(المقالات).
(ومرادنا من الظروف الزمانية والمكانية التي تأثر بها (ميكافيلي) هي ظروف ايطاليا بالذات وليست ظروف القرن السادس عشر)[18].
4 ـ حينما استفاد (هوبز) من العقد الاجتماعي لدعم استبداد الملوك بالسلطة، اعتبر (لوك) و(روسو) و(مونتسكيو) العقد الاجتماعي مقدمة لليبرالية السياسية والتفكيك بين السلطات، وقد استدلوا لذلك بوجود حالة طبيعة لابد من الخروج منها طلباً للامن والحرية، غير أن استدلالهم هذا لا يخلو من استحسان.
والحقيقة أن الصورة التي رسمها (هوبز) في ذهنه تميل الى الاستبداد ففسر العقد الاجتماعي بشكل لا يتعارض مع الملوكية. وهذا الاستدلال لتنظيم حقوق الشعب وفق العقد الاجتماعي، ليس فيه بعد منطقي ويسلب الشعب حقه في الاختيار، ومن هنا كان على مثقفي الثورة الفرنسية أن يقدموا الغذاء الفكري للثوار الاحرار ويعطوا تفسيراً آخر للعقد الاجتماعي. لقد اعترف (جون لوك) ان رسالته حول الدولة كانت لتوجيه ثورة الانجليز (سنة 1688م) ضد الكنيسة الكاثوليكية.
(ان مونتسكيو يدافع عن فصل السلطات وحقوق الاقطاعيين في مقابل دولة الملك الرابع عشر المستبدة)[19].
ويدعي (بازاركاد): (ان السبب وراء توجه عالم السياسة في القرن السابع عشر تجاه وحدة النظام الحقوقي للطبيعة، هو عدم وضوح أسسهم الفلسفية، بل ان ظروف وأوضاع ذلك الزمان هي التي أجبرت الفلاسفة على التفكير)[20].
ويقول (بلوم) أيضاً أن آراء (روسو) آراء شهودية وليست منطقية:
ويضيف ان مقصودنا من الطريقة الشهودية، هي ان (روسو) لم يعتمد أساساً معرفياً في بناء معلوماته وصياغة نظرياته السياسية ولم يعتمد اطاراً مفهومياً معرفياً في تحاليله. وهو يريد ان يقول لقرائه ان كتاباته من وحي الالهام والنبوغ، وان هناك ملكاً يلهمه التوجيه خلال الكتابة[21].
5 ـ ان الوجود في نظر (هيجل) في حالة حركة، وهذا أمر واقعي وعقلي، وما هو عقلي فهو واقعي (أصل موضوع)، وفلسفة الطبيعة هي حركة الفكر في الطبيعة، وفلسفة الروح لديه هي حركة الفكر في الروح، وهو يستنبط فكرة الدولة من فلسفته الطبيعية، والروح انما تصل ـ في نظره ـ الى المطلق عن طريق العمل الى الشعب.
ان (هيجل) يعتقد ـ خلافاً لـ(كانت) ـ بضرورة الحرب، ومن هنا فهو يعطي الدولة سلطة مطلقة، وعلى الشعب ان يفدي الدولة بالحرب. والدولة تمثل خط الاله في العالم، والحرب قانون العالم (وليس أمراً استثنائياً).
وفكرة الدولة هي مركز الخلق، وبواسطتها تتم المصالحة بين الفرد والمجتمع. وهو يعتقد: (الدولة دولة المانيا، والفلسفة فلسفتي)[22].
وتتشكل المنظومة الفكرية لـ(هيجل) من ثلاثة أقسام هي:
1 ـ المنطق (الفكر).
2 ـ فلسفة الطبيعة (حركة الفكر في الطبيعة).
3 ـ فلسفة الروح (حركة الفكر في الروح).
واتجاه الفطرة الانسانية نحو استقلال العقل بعد التجرد، لكن كماله يتوقف على نوع الانسان.
أما فلسفة روح التاريخ فقد أعطاها ثلاث مراحل:
أ ـ الروح داخل الذات.
ب ـ الروح خارج الذات.
ج ـ الروح المطلقة، وهي الروح القادرة على ادراك المطلق.
لقد امتزجت فلسفة هيجل بالمسيحية، فملكوت الاب هو مثال لما قبل الخلق. يكون فيه الاب كلياً، والابن جزئياً، والجزئي يرجع الى الكلي ويحقق الفرد (الذي هو روح القدس).
ويعتقد (هيجل) بأصلين فلسفيين هما: الشجاعة في طريق الحقيقة، ودقة الفلسفة.
وبعد أن فرغنا من معرفة دقة فلسفة (هيجل) نشير ادناه الى ملاحظات تتعلق بفلسفته العامة وفلسفته وآرائه السياسية:
أولا: فلسفته الخالصة، كفلسفة (كانت) لا تتوفر على بعد معقول ومنطقي، وانما مجرد ملاحظات ومشاهدات روحية.
ثانياً: فلسفته السياسية غير ناتجة عن فلسفته الخالصة، فاستبداد الدولة وحل علاقة الفرد بالمجتمع، ليستا نتيجتين منطقيتين لهذه الفلسفة، واذا كانت فلسفة (هيجل) دقيقة فقد لا يسوغ لنا التوهم بأن فلسفته السياسية هي نتاج فلسفته المحضة.
ثالثا: من الواضح أن فلسفته وآراءه السياسية هي نتاج عقله، وهو شخص ليس ثورياً، وانما رجل مستبد، ويدعو للمحافظة على المؤسسات الموجودة في ألمانيا واحياء سلطة الملك (فردريك) الثالث. يقول: (بوبر):
(ان هيجل قبلي جديد، أخرج أرنباً حقيقياً من تحت قبعة ما بعد الطبيعة الحريرية، وهو أمر سهل بمساعدة المنهج الديالكتيكي !.. ولولا دعم الحكومة البروسية لم يتمكن ان يصبح أول رجل متنفذ في الوسط الفلسفي الالماني... أقول بالتأكيد ان فلسفة هيجل مستلهمة من دوافعه لاسترجاع حكومة فردريك الثالث، لذا يجب أن لا نعتبرها فلسفة حقيقية. لقد قال (شوبنهاور) ان الحكومات وضعت فلسفات تخدم مصالحها، وعندنا شواهد تدل على أن عدداً كبيراً من العلماء يؤكدون تأثر فلسفة هيجل بالحكومة البروسية)[23].
ويعتقد السيد حميد عنايت:
(ان يأس هيجل من نتائج الثورة الفرنسية، ولاسيما من استبداد نابليون، وتعلقه بالارض الالمانية، هما علة اخرى لاعتماده طريقة المصالحة في مقابل الظروف الاجتماعية الموجودة آنذاك، وهروبه نحو العقل الخالص والفكر الانتزاعي وتعلقه بالحقائق الكلية، اضافة الى أنه عاش في زمن تسلط الالمان وحكومة الاشراف، فهو يعتقد ان الدولة البروسية في منتهى الحرية وغاية كمال الانسان، ويعتقد أن الحكومة الفرنسية ستسقط بنفسها)[24].
و(هيجل) الذي يؤكد التفكير النقدي من زاوية فلسفية يميل الى المصالحة مع الوضع الموجود بل يطالبها بالمحافظة عليه من زاوية اجتماعية.
رابعاً: لماذا يجب أن تنتهي فلسفة الطبيعة الى فكرة الدولة ولا تنتهي الى حاكمية الشعب والعقد الاجتماعي؟ هل قوله: (في أي وقت تتحد المسيحية والالمان، لتقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة ويصبحوا مصداقاً للامة الالمانية) من نتائج فلسفته الخالصة أو من افراز فلسفته السياسية؟ كيف يمكن استنتاج قدرة الدولة وضرورة الحرب من المرحلة الثانية من فلسفة الروح (الروح خارج الذات)؟
6 ـ بعدما اعتبر ماركس الثروة آفة المجتمعات البشرية، جعلها مادة لثورة الشعب. كما استفاد من ديالكتيك (هيجل) في الثورة والنضال ضد الرأسماليين، في الوقت ان هيجل رجل محافظ وغير ثوري.
يقول (كارل بوبر): (رتب ماركس على مقدمته ـ تجر الرأسمالية حتماً الى زيادة الثروة وتكدسها والنكبة ـ مقدمتين: أولاً: يعتقد أن الطبقات الوسطى محكومة بالفناء بينما ستنمو الطبقة العاملة. وثانياً: توقع الثورة الاجتماعية للعمال.
لكن هاتين المقدمتين لا يمكن استنتاجهما من المقدمة الاولى[25].
7 ـ هناك ثلاث مراحل تشاهد في حياة (رسل): الاتجاه الليبرالي (قبل الحرب العالمية الاولى)، الاتجاه الاشتراكي والانضمام الى حزب العمال بعد الحرب العالمية الاولى، خليط من الليبرالي والاشتراكي وأصالة الفائدة والمذهب العملي)[26].
ان اتجاهات الفلسفة الخالصة والفلسفة السياسية لـ(رسل)، تجاه مدارس اليمين واليسار طبقاً للمراحل المتقدمة، تؤيد ما جاء في القسم الاول من هذه المقالة.
ولـ(هارولد لاسكي) الاتجاهات الثلاثة أعلاه (ميول ليبرالية 1916 ـ 1930، الاتجاه الماركسي 1930 ـ 1940، الوسطية 1940 وما بعد)[27].
8 ـ يعتبر (كارل بوبر) ممثلا للفكر الليبرالي ومصلحاً اجتماعياً عن طريق التخطيط الاجتماعي التدريجي، ومخالفاً للمذهب الملكي، الغائي، التاريخي والمجتمع المغلق، الفاشي والشيوعي. وقد أكمل مسيرة (هيوم) في نقد الاستقراء بفكرة (قابلية البطلان)، وقد اشتهر بتعمقه في البحوث المعرفية. وهو يعتقد ان النظريات العلمية يجب أن تنظم بشكل تسهل معه ابطالها.
وآراؤه المعرفية موجودة في كتابه (منطق الاكتشاف العلمي)، أما آراؤه الاجتماعية فموجودة في كتابه: (المجتمع المنفتح وأعداؤه).
ويعتقد (بوبر) ان هناك تلازماً بين الغائية والملكية والتاريخية والمجتمع المغلق. الا أن المقارنة بين هذه المصطلحات في فلسفة وفكر (بوبر) لا تخلو من الاستحسان.
والملاحظ ان ماركس يحتاج الى القول بحرية الانسان أكثر من (بوبر)، لان فلسفته فلسفة ثورية، بينما يعترض (بوبر) على ماركس لقوله بالحتمية التاريخية.
يقول: (ارنست كلز): هناك تلازم بين فلسفة العلم ورأي (بوبر) الاجتماعي (بين قابلية البطلان والمجتمع المنفتح)، أما في العلم فان الانفتاح يعني ـ كحد أعلى ـ المخاطرة، بينما يعتبر ذلك في القضايا الاجتماعية سماحاً وتسويغاً)[28].
ان اعتراض (كلز) هو: اذا كان الانفتاح في العلم يعني المخاطرة والقابلية على البطلان، فلماذا لم يعط (بوبر) رأيه بالحركات الثورية، وكان على العكس من ذلك قد اقترح التدرج الاجتماعي؟
ويعتقد (الن راين): (لم يكن لـ (بوبر) اساساً منطقياً عندما فرض المذهب الكلي، وانما عداءً للفاشية)[29].
واذا لم يوجد تلازم منطقي بين آراء (بوبر) فهنا يأتي سؤال وهو: اذا كان (بوبر) يتهم هيجل بالدفاع عن البروسية، وتسرب القضايا الاجتماعية الى فكره، أليس هذا النقد يشمل (بوبر) نفسه؟ واذا تحققت الشهرة لـ (هيجل) بسبب دفاعه عن البروسية، فان (بوبر) تحققت له الشهرة لتبنيه الليبرالية والنظام الحربعد سقوط الفاشية والنازية.
والآن نشير الى مثالين من المفكرين الإسلاميين:
9 ـ استعرض الدكتور محمد جواد اللاريجاني[30] في باب (الفكر الفلسفي) من كتابه (نقد المتدينين والحداثة) عدداً من النقاط وذكر مذهبين في باب المشروعية: اصالة النظام السياسي، وأفضل من يمثله (هوبز). وأصالة الوظيفة، ويمثله سقراط. ففي النظام الاول يكون العدول عن القانون عدولا عن المشروعية، أما في نظام سقراط فالوظيفة فوق القانون.
ودور الشعب في أصالة الوظيفة ينحصر في الحكم من باب الفاعلية وليس لهم دور في مسار المشروعية.
(انقسم المفكرون الإسلاميون أمام أول سؤال من أسئلة الفلسفة السياسية، أعني سؤال المشروعية، الى قسمين: القسم الاول، أغلبهم من المثقفين، وحملة الشهادات الجامعية أو من العلماء الواقعين تحت تأثيرهم، وهؤلاء يعتقدون أن العقد الاجتماعي هو مصدر المشروعية، لكن بشرط تطبيق الاحكام الإسلامية. ويمكن أن نصنف (الاخوان المسلمون) في مصر وحركة الحرية في ايران على هذا القسم.
أما القسم الثاني فهم انصار ولاية الفقيه... وهنا الوظيفة مقدمة على القانون، لذا بامكان الولي أن يتقدم ـ عند الضرورة ـ على القانون وحتى على الدستور! وليس للشعب في النظام الإسلامي دور في تحقق المشروعية)[31].
ثم يقول في نقده للديموقراطية الليبرالية: (تعني الديموقراطية أن تكون المشروعية على أساس العقد الاجتماعي، والديموقراطية الليبرالية تعني ليس كل عقد اجتماعي هو عقد! فمثلا، يعتقد الفيلسوف (هوبز) ان بامكان الشعب. انتخاب شخص ديكتاتوري، وهذا ـ برأيه ـ عمل مشروع... بينما يؤكد الامام الخميني ـ رضي الله عنه ـ ان الاصل في فكرنا هو التكليف والوظيفة وليس النتيجة، أي أن الحساب فرع الوظيفة)[32].
ونحن هنا لا نريد نقد النظرية بقدر ما نريد اثبات صحة الفرضية المتقدمة، لذا نشير أدناه الى الملاحظات التالية:
أولا: لا وجود لاي علاقة علية أو معلولية بين آرائه ومبانيه الفلسفية من جهة وأفكاره السياسية من جهة اخرى.
ثانياً: انتساب الديموقراطية الليبرالية الى آراء (لوك) و(روسو) و(مونتسكيو) أفضل من انتسابها الى (هوبز).
ثالثاً: ان تشبيه الحكومة الإسلامية القائمة على أساس العقد الاجتماعي بمذهب أصالة النظام الذي يمثله (هوبز) وتشبيه نظرية ولاية الفقيه بمذهب أصالة الوظيفة مجرد استحسان، بل ربما يكون العكس أكثر معقولية.
رابعاً: هل يقصد الامام ـ رضي الله عنه ـ من وظيفة المكلف مذهب أصالة الوظيفة لسقراط في مقابل أصالة النظام السياسي؟ أليس هذا هو حفظ النظام (الإسلامي) ومصلحته أقرب الى مذهب أصالة النظام السياسي؟
خامساً: هل نستنتج من أصالة الوظيفة نظرية أم القرى أم يجب أن نستنتج الصدور المطلق للثورة؟ ان أصالة الوظيفة أنسب لرأي من يصطف في مقابل نظرية أم القرى.
2 ـ الكتاب الثاني هو (الحكمة والحكومة) للدكتور مهدي حائري[33]، الذي اشتمل على اسلوب جديد في بيان الفلسفة السياسية الإسلامية، وقد اشتمل القسم الاول من الكتاب على آراء المؤلف الفلسفية، أما القسم الثاني فقد استعرض فيه الفلسفة السياسية، وفي نهايته أشار الى آرائه السياسية.
لقد أوضح في الكتاب مبانيه في الفلسفة الخالصة وسبب انتقاده (كانت وهيوم)، أما أهم
البحوث التي تطرق لها فهي الوظائف الاساسية للحكومة، الفلسفة الوجودية للحكومة، ونظرية الملكية المشاعة. وفي ضوء هذه النظرية: الانسان مسلط على أمواله، والفرد ينتخب ممثله لادارة المجتمع باستشارة العقل العملي بالنسبة الى ملكه المشاع. وفي هذه الحالة يكون جميع الافراد مواطنين وليس المجموع بما هو مجموع، فالبلاد فضاء مفتوح وحر، ينتخب له عدد من الافراد بشكل مشاع لحفظ حياة الفرد وعائلته الطبيعية، وحاكمية الوطن ليست سوى اعتبار حاكمية الملكية المشاعة للمواطنين. والتبعية هي طبيعة الملكية الحقيقية الانحصارية والمشاعة بالنسبة الى الفضاء الخاص وفضاء الحياة الحر. والوكيل وممثل الشعب في دائرة خاصة له وكالة خاصة. والتعددية الإسلامية عام استغراقي بالنسبة الى جميع الازمنة والاماكن، لكن خلافاً للديموقراطية لا تجوز أية ممارسة ضد الاقليات (مثل أحكام أهل الذمة في الإسلام).
والتشريع في الامور التنفيذية في ضوء نظرية الدكتور الحائري ـ غير ممكن ذاتاً، يقول: (عدم امكان التشريع في الامور التنفيذية:
ان أحد النتائج الاخرى في هذا التحقيق هو: لا يمكن لاي حكم ـ مهما تكن أهميته ـ أن يكون ناظراً الى اتيانه أو ضامناً لامتثاله أو مانعاً لتركه، لعدم امكان تصور امتثال أو عصيان أي تكليف أو حكم بعد وجوده الوصفي.
والحكم والتكليف حينما يصدران بعد الارادة التشريعية لهما يتطلبان وقوعهما وتحققهما، اذاً من هذه الجهة أصبح معلوماً ان اجراء الحكم أو عصيانه والتمرد عليه، الذي هو من فعل المكلف، متأخر عقلائياً رتبتين عن الارادة التشريعية لهذا الحكم من قبل الشارع والحاكم، وليس من الممكن أن يكون امتثال الحكم وعصيانه من خصوصيات وشروط موضوع الحكم. ومن الطبيعي ما هو مقدم على نفس الحكم والارادة التشريعية، وضامن لامتثال أي حكم أو قانون يجب أن يكون من الاسباب التي ليس لها علاقة بالحكم والقوى المقننة، وبشكل عام تكون خارجة عن وصف تشريع القوانين والاحكام)[34].
وبيان آخر، ان الامتثال أو العصيان يمكن تصورهما بعد وجودهما الوضعي، والوجود الوضعي متأخر رتبة عن ارادة التشريع التي هي متأخرة عن الحكم. اذاً امتثال التكليف أو عصيانه (المرتبطين بالاجراء)، متأخر رتبتين عن الارادة التشريعية. والخلاصة ان الضامن لتطبيق أي قانون، خارج عن الوضع والتشريع، ولا يمكن لاي قانون وضعي أن يكون سلطة لتنفيذه. فالتنفيذ عقلا في عهدة المكلف نفسه.
أما بخصوص نظرية الدكتور الحائري، أي نظرية الوكالة والملكية المشاعة، فهي بحق نظرية مبتكرة في الفلسفة السياسية الإسلامية، لكن هناك ملاحظات:
أولا: الملاحظ وجود مغالطة في الانتقال من الفلسفة الى الفلسفة السياسية. فهو لم يبين في كتابه علاقة فلسفته بالفلسفة السياسية، وكما مرّ فان آراءه السياسية في آخر الكتاب مترشحة عن شخصيته السياسية.
ثانياً: لم يبين علاقة نظريته بأحكام الإسلام، فمثلا، الانفال من مختصات الامامة وليس لكل فرد حصة فيها. فكان من الافضل أن يجعل نظريته مختصة بالحكومة السياسية فقط.
ثالثاً: ان بحث (عدم امكان التشريع في الامور التنفيذية) ليس عصياً على النقد. لان التنفيذ وانكان متأخراً رتبتين عن الارادة التشريعية، لكن تشريع الشارع في مورد التنفيذ ليس تأخراً بالنسبة لارادته التشريعية.
بعبارة اخرى، اننا نقبل ان نفس الامتثال متأخر رتبتين عن الارادة التشريعية، لكن لا يلزم منه تأخر تشريع الله تعالى في موارد التطبيق (سواء بيد الفقيه أم لا).
ونحن نسلّم ان الشارع حينما وضع شروطاً للامور التنفيذية فان ذلك لا يلزم منه تقدم الشيء على نفسه رتبتين، ولا يلزم من ذلك أي محال آخر.
ولو أعرضنا عن هذا الجواب، هناك جواب آخر متصيد من مسائل اخرى في الاصول والفقه. لا يأتي فيه محذور تقدم الشيء على نفسه، إلاّ اذا أراد الشارع بأمر واحد وضع شروط لاتيان العقل والتشريع له في ذلك الخصوص.
أما اذا أراد فرض تلك الشروط بأمر آخر لا يلزم منه تقدم الشيء على نفسه ولا يلزم منه أي محذور آخر. وعليه فنتيجة امكان التشريع في الامور التنفيذية هي ضرورة مراجعة أدلة ولاية الفقيه العقلية والنقلية.
رابعاً: بما انه جعل استدلاله على عدم امكان التشريع في الامور التنفيذية عاماً، فهو يشمل الولاية السياسية للمعصومين ـ عليهم السلام ـ لان الاصول الكلية والعقلية لا تخصص، مع ان ولايتهم ثابتة بالكتاب {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.....}[35].
خامساً: لقد خلط بين مفهومي المشروعية والقدرة المبيّن آنفاً.
نظرية في الفقه السياسي والفلسفة السياسية
كيفية توزيع السلطة والثروة هما من أهم قضايا الفقه والفلسفة السياسية.
وهنا سنطرح نظرية جديدة في هذا الخصوص، لكن لا يمكن لنا عرض جميع تفصيلاتها في هذه العجالة، ورغم أن هناك تفاوتاً في منهج البحث بين الفقه السياسي والفلسفة السياسية، لكن مع ذلك سنتعرض لهذه النظرية.
النظرية
نقدم أولا بعض التعاريف:
السياسة الإسلامية المنفتحة: والمراد بها تقوية المجتمع المدني، تأمين الحريات الشخصية وحرية العمل والرأي مع مراعاة الاحكام الإسلامية الالزامية، الغاء تفتيش العقائد،التسامح، حكومة عقلانية الوسائل، الغاء التفرد بالسلطة، حكومة القانون.
الاقتصاد الإسلامي المغلق: والمراد به الحيلولة دون التفاوت الطبقي الفاحش، تأمين أدنى مستوى من العيش لجميع الشعب (نظام التأمين الاجتماعي)، تحديد الثروة، ايجاد فرص عمل متساوية لجميع الافراد، تقوية المجتمعات التعاونية، الاشراف القوي للدولة، الحيلولة دون تكريس الثروة بيد مجموعة من الافراد، وبالتالي وجود سلطة اقتصادية واجتماعية وسياسية، الغاء الترف والفساد والاكتناز والربا، ايجاد وسائل فاعلة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية كتصاعد الضرائب مثلا.
وهنا نلفت الانتباه الى الملاحظات أدناه للتأكد من صحة النظرية المتقدمة:
1 ـ ليس لدينا في زمان غيبة الامام المعصوم ـ عليهم السلام ـ نظام اقتصادي كامل، لذا فان منطقة الفراغ واسعة. أما من لم يقل بوجود منطقة فراغ فانه سينتهي الى النتيجة نفسها، لعدم وجود اختلاف كبير في المبنى، لاننا نتمسك بأصالة البراءة في الاصول العملية.
2 ـ يتم ملء منطقة الفراغ في اطار نظرية الشرع الإسلامي. فالعدالة الاقتصادية، والحماية من الفقر ومنع تفاقم الثروة، هما روح الشريعة الإسلامية الحاكمة على البعد الاقتصادي. فالتعليل الوارد لتقسيم الفيء بين الايتام والمساكين وذوي القربى وابن السبيل، في قوله تعالى: (كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم)[36]، هو مناط عام، فالامام المعصوم ـ عليهم السلام ـ يقوم ـ في دولة العدل ـ بتقسيم هذه الاموال بشكل متساو، حتى لا يبقى محتاج الى الزكاة. فقد سأل أبو حمزة الثمالي (وهو أحد الرواة) الامام الباقر ـ عليه السلام ـ ما هو حق الامام على الناس؟ قال: (اطاعة أوامره). ثم سأله: وما حق الناس على الامام؟ قال: (أن يقسّم بيت المال بينهم بالسوية، وان يسلك معهم بالعدل)[37].
يقول الامام علي ـ عليه السلام ـ: "سمعت رسول الله يقول لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف في حقه من القوي غير متتعتع"[38]، "ان الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا عروا إلاّ بذنوب الاغنياء"، "ان الله فرض في أموال الاغنياء قوت الفقراء"[39]، "فما جاع فقير الا بما متع به غني والله تعالى سائلهم عن ذلك"[40]، "ان الله فرض للفقراء في مال الاغنياء ما يسعهم ولو علم أن ذلك لا يسعهم لزادهم"[41].
3 ـ ان الرأسمالية من المسائل المستحدثة، وليس لهذه الظاهرة شكل خاص في صدر الإسلام، فالمطلوب دراسة هذه الظاهرة من زاوية إسلامية. والرأسمالية، سواء الرأسمالية في الدول الاوربية وأمريكا، أو في بعض البلدان الاخرى، لا تنسجم مع مذاق الشارع المقدس، فالإسلام لا يقبل التفاوت الطبقي الفاحش، فكرامة الانسان تهدر في المجتمعات التي تستغل فيه الثروة بعض الناس، بل وتحطم روحياتهم.
4 ـ ان أهداف الشارع المقدس المشار اليها في الفقرة (2). وحداثة الرأسمالية كما ذكرنا في الفقرة (3) اضافة الى سعة منطقة الفراغ في الفقرة (1)، كلها تؤكد ضرورة أن تكون للدولة سيطرة قوية على الاقتصاد، فعليها أن تستخدم وسائل كفيلة بتحقق ذلك، كالضرائب التصاعدية، بالخصوص التصاعد الهندسي المعمول به في الدول الاسكندنافية، تأمين الحد الادنى من امكانات الحياة لافراد الشعب، اعتماد بعض الوسائل كالتأمين الاجتماعي، وتحديد الحد الادنى لاجور العمل، تقوية الجمعيات التعاونية.
ان هذه الوسائل كفيلة بالحيلولة دون حصول تفاوت طبقي فاحش.
ثم ان الكلام المتقدم لا يعني الغاء الملكية الشخصية أو ملكية الدولة في الاقتصاد. فالملكية الخاصة محترمة ضمن حدودها. كما ان المراد من اشراف الدولة ليس هو بالضرورة الاستحواذ على مصادر الثروة والشركات.
وتنمية الثروة وان كان ضرورياً في التنمية الاقتصادية لكن ينبغي أن لا تكرس بيد شخص أو تكون خاصة. فتنمية الثروة ممكنة على شكل أسهم عامة وخاصة، او جمعيات تعاونية، والا فان الفقر وسلب الحقوق والتفاوت الطبقي هي من خصائص الرأسمالية.
5 ـ لم تبين الشريعة أغلب هيكلية النظام السياسي في الإسلام. لذا فان ملء منطقة الفراغ يمكن أن يتم بواسطة الاخصائيين.
فشكل الحكومة (هل هي ملكية كالنبي سليمان عليهم السلام، أو جمهورية إسلامية، كما هي في ايران، وجود أو عدم وجود مجالس نيابية، كيفية توزيع السلطة بين الفرد والمجتمع، تشكيل الاحزاب والجمعيات، والمجتمع المدني، كل هذه منوطة بسيرة العقلاء وعمل الاخصائيين.
6 ـ كل ما يمكن جمعه من مجموع (وصايا) النظام السياسي في الإسلام هو: حرية الافراد، حرية الرأي، نصيحة الحكام، تقوية المجتمع المدني وتحجيم دور الدولة.
أما تحديد الحريات، دراسة الإسلام والديموقراطية، الإسلام وحقوق الانسان، فنوكلها الى فرصة اخرى.
ورغم ما يواجه دليل التنصيب من مصاعب، فانه لا يعني ان الحاكم الإسلامي قادر على مصادرة جميع آراء الشعب على أساس المصلحة، وليس لازم هذا الدليل عدم اعتماد المتخصصين في القضايا الحكومية، بل هناك ضوابط وأصول في العمل.
7 ـ ليست (المصلحة)، التي هي أساس الاحكام الحكومية، غير منضبطة.
فالمصلحة لها اطر مستقلة، وقد بينت بشكل جيد في فقه مدرسة أهل السنة[42].
ثم ان هناك تفاوتاً بين المصالح الواقعية والمصالح المتوهمة، فلا يمكن أخذ أي فكرة تحت عنوان مصلحة النظام.
فالمعنى الصحيح لمصلحة النظام هو: اذا دار الامر بين الحفاظ على النظام الإسلامي والواجب، فيقدم الحفاظ على النظام الإسلامي من باب قاعدة الاهم فالاهم، أما اذا لم يؤدِ الحفاظ على النظام الحفاظ على الاحكام الاهم، فلا يتقدم على القيم. كما أغمض أكثر الائمة ـ عليهم السلام ـ أعينهم عن الحكم من أجل المحافظة على القيم الإسلامية، ونحن ليس أمامنا عنوان خاص باسم (مصلحة النظام) لكي تكون له الاصالة في مقابل المحافظة على القيم الإسلامية.
8 ـ تشتمل الديموقراطية على بحث وضعي وبحث قيمي. فالملاحظ من الجهة الوضعية على طول التاريخ، هو اضعاف القدرات وتقوية الحريات الشخصية وتجذير المجتمع المدني. والملاحظ أن المؤسسات الحكومية أخذت في العصر الحديث مقارنة بالقرون الوسطى تعمق الديموقراطية أكثر.
ثم ان انطباع الفقهاء والمفكرين الإسلاميين عن الديموقراطية قد تغير عن عصر القاجاريين والصفويين، ولم يحصل هذا التطور نتيجة لحداثة الكلمة، وانما لتطور الفكر على طول التاريخ.
أما البحث القيمي للديموقراطية وتطبيق ذلك على الإسلام فلا يسفر عن شيء من غير مراجعة المباني المختلفة للحكومة.
فبسبب عدم بيان كلمة الديموقراطية بدقة، جعل الكثير من الابحاث في هذا الخصوص أبحاثاً شكلية. كما أن هناك اختلافاً في تعريف الديموقراطية بين من يرى انطباق الإسلام على الديموقراطية ومن يرى عدم انطباقه. فأنصار الدين يعتقدون ان الاصل الاولي عندهم تقدم الشرع على المفاهيم الاخرى.
أما في المجالات التي لم يبين فيها الإسلام آراءه فيمكن أن يقال ـ في اطار المباني المختارة ـ إن الإسلام ينسجم ويتلائم مع أسس الديموقراطية، كتأمين الحريات الشخصية، مشاركة الشعب السياسية، تقوية المجتمع المدني.
كما أن القدرة غير محدودة ذاتاً لذا فهي تحتاج الى آلية قوية للاشراف عليها (داخلية وخارجية).
____________________
[1] باحث إسلامي من الحوزة العلمية في قم.
[2] راجع: الكيالي، عبد الوهاب، موسوعة السياسة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1990، ج 4، ص 586 ـ 589.
[3] العالم، عبد الرحمن، أسس علم السياسة، طهران، منشورات ني، ط1984، ص30.
[4] راجع: بار تريج، بي، اج، (السياسة، الفلسفة، والايديولوجيا)، ترجمة مرتضى أسعدي، ص71 ـ 72.
[5] المصدر نفسه، ص83.
[6] المصدر نفسه.
[7] سورة طه، الآية 5.
[8] فمثلا أثبت الشيخ جوادي آملي خلال أحاديثه ولاية الفقيه المطلقة، لكن الدكتور سروش أثبت من خلال قوله بتقدم المبنى العقلي (الحكومة الديموقراطية الدينية). فعلى رأيه أن بحث ولاية الفقيه ليس بحثاً فقهياً، راجع كتابه الاحياء، العدد 5.
[9] للاطلاع على نظريات الدولة في الفقه الشيعي، راجع: محسن كديور، نظريات الدولة في الفقه الشيعي، مجلة (راهبرد)، العدد 4، خريف 1984، ص1ـ41.
[10] اذا قلنا بتطابق الإسلام مع الديموقراطية أو حقوق الانسان، فهذا لا يعني مصادرة مبادئ الإسلام الاصيلة وتغريب وتحديث المفاهيم الإسلامية، وانما الديموقراطية مصداق لابد من بيان وجهة نظر الإسلام بها.
[11] راجع: حقيقت، صادق، المسؤوليات في السياسة الخارجية للدولة الإسلامية، مركز التحقيقات الاستراتيجية، ص 3 ـ 221.
[12] اللاريجاني، محمد جواد، نقد التدين والحداثة، طهران، صحيفة (اطلاعات)، 1993، ص 140 ـ 154.
[13] موسوعة السياسة، مصدر سابق، وبابائي، غلام رضا علي، معجم العلوم السياسية، ج1، ص 205ـ 206.
[14] حقيقت، صادق، واردات اقتصاد الدولة الإسلامية، مجلة (كيهان انديشه)، العدد 56، 1994م، ص109 ـ 115.
[15] المصدر نفسه.
[16] بلوم، ويليام تي، نظريات النظام السياسي، ترجمة أحمد تدين، طهران، منشورات آران، ط 1994، ص956.
[17] المصدر نفسه.
[18] بازار كاد، بهاء الدين، تاريخ الفلسفة السياسية، ج1، ص 45.
[19] بشيرية، حسين، تاريخ الفكر السياسي في القرن العشرين، مجلة (اطلاعات سياسى ـ اقتصادى)، العدد 95 ـ 96.
[20] بازار كاد، تاريخ الفلسفة السياسية، مصدر سابق.
[21] بلوم، نظريات النظام السياسي، مصدر سابق.
[22] ستيس، و. ت، فلسفة هيجل، ترجمة حميد عنايت، طهران، منشورات الثورة الإسلامية، 1993م. ص20.
[23] بوبر، كارل، المجتمع المنفتح وأعداؤه، ترجمة علي أصغر مهاجر، طهران، شركة انتشار، ط1986، ص255 ـ 263.
[24] ستيس، فلسفة هيجل، مصدر سابق، (والقائل هو المترجم السيد حميد عنايت).
[25] بوبر، المجتمع المنفتح وأعداؤه، مصدر سابق، ص392.
[26] بشيرية، تاريخ الفكر السياسي في القرن العشرين، مصدر سابق، العدد 99 ـ 100.
[27] المصدر نفسه.
[28] المصدر نفسه، العدد 101 ـ 102.
[29] الن راين، فلسفة العلوم الاجتماعية، ترجمة عبد الكريم سروش، طهران، شركة المنشورات العلمية والثقافية، 1988، ص207.
[30] باحث متخصص في الفكر السياسي، عضو مجلس الامن القومي في الجمهورية الإسلامية في ايران.
[31] اللاريجاني، نقد الدين والحداثة، مصدر سابق، ص 77 ـ 78.
[32] المصدر نفسه، ص87 و 103 ـ 104.
[33] عالم دين متخصص في الفلسفة، استاذ سابق في الجامعات الامريكية.
[34] حائري، مهدي، الحكمة والحكومة، ص 165 ـ 166.
[35] سورة الاحزاب، الآية 6.
[36] سورة الحشر، الآية 7.
[37] الكليني، أصول الكافي، طهران، دار الكتب العلمية، ج1، ص 405.
[38] الامام علي ـ عليه السلام ـ نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح، عهد الامام علي ـ عليه السلام ـ الى مالك الاشتر.
[39] الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، تحقيق الرباني، ج6، ص16.
[40] الامام علي عليه السلام، نهج البلاغة، قصار الحكم 328.
[41] الحر العاملي، وسائل الشيعة، مصدر سابق، باب ما تجب فيه الزكاة، الباب 1، الحديث 2.
[42] راجع، البوطي، محمد سعيد رمضان، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، بيروت، الدار المتحدة، ط 1، 1990.

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية