مركز الصدرين للدراسات السياسية || الدراسات السياسية

الديمقراطية والحكم الإسلامي (نظرية ونقد)
السيد عباس نبوي


كانت مسألة الجمع بين الديمقراطية والحكم الإسلامي المسألة الأولى التي طرحت على بساط البحث السياسي غداة انتصار الثورة الإسلامية، وقد اتخذ النقاش صيغة محددة: «الجمهورية الإسلامية‏» أو «الجمهورية الديمقراطية الإسلامية‏».
وعاد هذا الموضوع إلى الظهور مرة أخرى على صعيد النظريات السياسية، وهي عودة ينبغي استقبالها وذلك لأن الفلسفة السياسية، من حيث وجهة النظر الإسلامية، يجب أن تجيب عن جميع الاسئلة المطروحة على هذا الصعيد واحدة فواحدة. في هذه المقالة يتناول حجة الإسلام السيد عباس نبوي ـ وهو من المحققين في العلوم والفلسفة السياسية في (مكتب التعاون) ـ مفهوم الديمقراطية المجرد، والديمقراطية الغربية السائدة، واهمية رأي الأكثرية، ودور أصالة الفرد في‏الديمقراطية الغربية، بالدراسة والتحليل. وفي النهاية يتناول بالنقد نظرية كل من الدكتور سروش وراشد الغنوشي، من قادة النهضة الإسلامية في تونس، والدكتور ترابي، احد علماء السودان، فيما يتعلق بالانسجام بين الديمقراطية والحكم الإسلامي.
المدخل إلى البحث
الفلسفة السياسية المعروفة هي نقطة التقاء الفلسفة بالدراسات الاجتماعية، كان طبيعة البشر في العلوم الاجتماعية كانت وما تزال التوجه ابتداء إلى تحسين البنى والنشاطات الاجتماعية، ومن ثم تأخذ بتفسيرها تفسيرا عقلانيا، الامر الذي يتطلب أن يكون الوضع معكوسا في الواقع! من الأمور ذات الحقيقة التاريخية هي أن قادة الثورات والمصلحين ودعاة الاصلاح في المجتمع يشرعون اولا بطرح الصور الأساس للسلوك الاجتماعي الذي يرونه هم انه هو السلوك الصحيح، بل يسعون بكل قواهم أن يحققوا ذلك عمليا، ثم بعد ذلك يأتي دور الفلاسفة للخروج من وراء الستار ليضعوا للصور السائدة الجديدة فلسفتها ويدخلونها في حياة الإنسان الاجتماعية[1]، بينما الحق هو أن تقوم الفلسفة السياسية بتحقيق عقلانية أصول الأسس والنشاطات الاجتماعية،[2] ومن ثم تخطو نحو العثور على نماذج للسلوك الاجتماعي وأسسه.
كان القرن العشرون، وعلى الاخص نصفه الثاني، قرنا سام فيه العلماء الغربيون من الفلسفة السياسية المتعارف عليها، وتخلوا عن الابحاث المطولة حول فلسفة الحكم والحكومة ومساهمة الشعب والحرية وما إلى ذلك. وكان كذلك قرن التوجه نحو التعسف العقيدي dogmatism أو اصطناع المثل السياسية. ولهذا فان التغافل عن هذا الامر المهم لا يغير شيئا من حقيقة الحاجة إلى الفلسفة السياسية، إذ ان اي نموذج وبرنامج ‏سياسي بدون الاتكاء على أصول الفلسفة السياسية الخاصة به، لا يمكن أن يتقدم بتسويغ عقلاني مناسب لعمله. ولكن رجال الفكر السياسي، الغربيون لا يقيمون وزنا كبيرا للابحاث العقلانية في النظريات السياسية، بل انهم يتجنبون ذلك إلى حد ما، الا انهم بدلا من ذلك يعنون باصطناع المثل وتصنيف السلوك السياسي. إن التعنت السياسي يكشف عن نفسه في سعيه للدعاة والترويج لأسسه السياسية الاجتماعية عن طريق توكيد الديمقراطية الغربية توكيدا مستمرا.
ان نظرية الديمقراطية ـ التي لا يحصى عدد مفسريها المختلفين فيما بينهم والمتعارضين احيانا، مثل ديمقراطية ماركس والديمقراطية الليبرالية، على امتداد نحو ثلاثة الآف سنة من تاريخ الفكر السياسي عند البشر ـ لم تستطع ابدا النجاة سالمة من النقد والتمحيص الموجهين إلى أصولها وجذورها. ولهذا اصطدمت، بعد بلوغ اوجها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بجدار الفاشية والنازية والشيوعية. واليوم، بعد تجربة نصف قرن تقريبا عادت لتواجه النازية الجديدة والفاشية الجديدة، وعلى الاخص فيما بعد الحداثة[3]، حيث لا يعلم أن كان فلاسفة الديمقراطية الغربيون القليلون في دنيا الغرب يستطيعون أن ينقذوا حبيبتهم من مذبح القرابين هذا، أو أن دورا جديدا من الصراع السياسي الغربي قد بدأ. إن الفلاسفة من ذوي البصيرة النافذة في الفلسفة السياسية الغربية لم يستطيعوا ابدا أن يتغاضوا عن عدم معقولية بعض أسس الديمقراطية الغربية[4]، حتى انهم لم يعتبروا برنامجها العملي ناجحا، وذلك لأن المؤسسات السياسية الغربية كانت دائما تتبع وجهة نظر رؤساء الاحزاب والاحداث السياسية، وعلى الاخص الشركات الاقتصادية، فقد كانت هناك مساومات معقدة في التعامل بين الاحزاب والسياسيين وكبار اصحاب رؤوس الاموال البارزين والبيروقراطية الحكومية، إلى درجة أن آراء الشعب، في هذا الخضم، لا تتعدى سواد الكثرة! ولكن في الوقت نفسه يجمع اولئك الفلاسفة على أن الديمقراطية الغربية ادعى إلى القبول من الديمقراطيات الأخرى المجربة، مثل الفاشية وغيرها، وان من الحق أن لا نضيع مثل هذه الفرصة من ايدينا وان نستمر عليها. ولهذا يطرح (پوپر) نظرية الهندسة الاجتماعية التدريجية أو جزءا فجزءا[5]، اي أن نترك المجتمع مفتوحا، معتمدين على انفسنا في سعينا لتحسين العادات والسنن السياسية والاجتماعية بمرور الزمان. وهو يرى أن هذا الأسلوب هو طريق التطور والتقدم، وانه هو الديمقراطية الحقيقية. وبالطبع يأمل (پوپر) أن تظهر الصور التالية للديمقراطية في التحليل الهندسي الاجتماعي افضل وانفع واقرب للقبول. انه الامل نفسه الذي كان يرجوه كل من (ديفيد هيلد) و(فوكوياما)[6]. اللذين قدما آخر التقارير بشأنها.
ان هذا الضرب من التفكير الذي ساد في الغرب، حيث قام اشخاص مثل (موسوليني) و(هتلر) بذبح الملايين من الناس يمكن تفهمه إلى حد ما. بيد أن الهروب من الفاشية والنازية إلى الديمقراطية الغربية لا يثبت عدم وجود اية فلسفة سياسية أخرى لا تستطيع، من حيث عقلانيتها وعملها وتطويرها حياة الإنسان، أن تتفوق على الديمقراطية الغربية. وبناء على ذلك فان مساعي (پوپر) واصحابه الكثيرين في اثبات انحصار الامر بالديمقراطية الغربية لا يمكن أن تجعل تلك الفلسفة السياسية احكم الفلسفات وآخر مكاسب العقل والتجارب البشرية، ولا أن تجعل من تاريخ (فوكوياما) امرا واقعا.
بعد قرون من التطورات في الفكر السياسي ـ ومنها ما طرأ على الديمقراطية ـ واخفاقها جميعا في ايجاد بنية متكاملة معقولة ومرضية، اصبح طريق الامل في العثور على فلسفة سياسية تشتمل على محاسن آراء مختلف السياسات، وتخلو على قدر الامكان من نقائصها، مغلقا بالنسبة إلى حتمية الديمقراطية. والواقع أن بحثا كهذا هو من لزوميات الهندسة الاجتماعية التي يقول بها (پوپر) ايضا، وذلك لأنه يغلق جميع ابواب الاعتبار والحجية امام نفسه، ولا يعترف بغير الامل والتحرك باتجاه اصلاح المؤسسات الاجتماعية. لنا أن نتجاوز عن القول بأن منطق الاصلاح التدريجي (الپوپري) ليس في الحقيقة فلسفة سياسية، بل هو اصطناع النماذج والتطور التدريجي للمؤسسات السياسية ـ الاجتماعية، من دون أن يكون هناك اي بحث عن اية غاية أو اي هدف هو من لوازم كل بحث تحقيقي في ميدان الفلسفة العملية في بحثه وتحقيقه.
ان النقطة الايجابية في بحث (پوپر) في الفلسفة السياسية الجديرة بالذكر هي أن (پوپر)، في تصوير اصطناع النماذج، في السياسة التي يريدها، كثيرا ما يؤكد انه لا يتقيد بالالفاظ والاصطلاحات[7]. انه يرى أن الديمقراطية حكومة يمكن الخلاص من شرها بدون اراقة دماء. اما الديكتاتورية فيراها حكومة لا يمكن التخلص منها الا بالثورة. ثم يقول: إذا اطلق احد اسم الديمقراطية على الثانية، واسم الديكتاتورية على الاولى، فسيكون من مؤيدي الأولى وان كان اسمها الديكتاتورية. إن مساعي (پوپر) في رفض التلاعب بالالفاظ والاصطلاحات، وخاصة في الفلسفة والعلوم السياسية أو العلوم الاجتماعية، تستحق التقدير في الواقع. وهذا البحث قائم أيضا على مفاهيم تعنى بتحليل المعنى الواقعي لذلك، وفي هذا لا يكون للالفاظ دور كبير. وبناء على ذلك إذا كان هناك من يفترض ابتداء هذا القلم ضد الديمقراطية، ويصدر حكما سريعا على لفظة الديمقراطية، فليس لدينا ما نقوله له. اما الذين يريدون بحثا حقيقيا في الفلسفة السياسية التي ترتبط بالسيطرة الدينية ارتباطا مباشرا، فليلتحقوا بنا من دون تخوف ولا توهم بالنسبة لالفاظ مثل الديمقراطية والفاشية والأصولية وامثالها.
إن نظرية الديمقراطية واحدة من اهم المباحث التي طرحت نفسها امام الحاكمية الدينية بعد انتصار الثورة الإسلامية وقيام النظام الجمهوري الإسلامي. على الصعيد الدولي، يستخدم هذا الاصطلاح كمصدر ضغط لقمع الحركات الإسلامية، وعلى الاخص الجمهورية الإسلامية، ولهذا حديث طويل آخر.
هذه النظرية تثير كذلك المناقشات الكثيرة فيما بين المحققين والمفكرين. بعض منهم يرى، على منوال ما كان قبل الثورة، أن الديمقراطية الغربية سبب كل فساد فيدينها. وبعض آخر ممن يمثلون الغالبية العظمى من المفكرين الحوزويين والجامعيين ينتظرون نتائج مزيد من التحقيقات الجارية على هذا الصعيد، لذلك فهم لا يرفضونها كليا ولا يقبلونها كليا. وثمة بعض آخر يرون أن الديمقراطية مكسب عظيم من المكاسب العلمية الغربية. بل ان بعضهم يقول انها آخر المكاسب العلمية الإنسانية في الفكر السياسي، وهم يسعون، على حد زعمهم، إلى ايجاد الاتساق بين الحاكمية الدينية والديمقراطية المذكورة، وذلك لكي يجمعوا بين العلم والدين في ميدان السياسة البشرية، وينالوا بذلك رضا الخالق والمخلوق معا.
على كل حال، يبدو أن السؤال الرئيس الذي يدور في اذهان جميع المفكرين المسلمين في عالمنا اليوم بشأن الديمقراطية هو سؤال واحد: هل يمكن أن نوفق بين الحاكمية الدينية والديمقراطية المعاصرة الحديثة؟ فاذا كان ذلك ممكنا، فكيف وعلى اي مثال ؟
اذا استثنينا الذين يجيبون بالرفض المطلق عن هذا السؤال، فان المفكرين المسلمين المعنيين بهذا الموضوع مصابون بنوع من التخوف من التحقيق خشية أن يصل اعداد النموذج المنسجم مع الديمقراطية الجديدة والحاكمية الدينية إلى حيث ‏يفلت زمام البحث ‏باتجاه مصلحة أسس الفلسفة الديمقراطية المعاصرة، بما يعود بالضرر على الأصول الدينية. انك لتجد هذا التخوف موجودا في ذوي القلق الديني، على شي‏ء من الشدة والضعف. انما مسيرة النفاق والممالئة هي وحدها التي تستطيع التضحية، بكل يسر وسهولة، ومن دون اي تخوف أو تهيب، بحاكمية الدين على مذبح الفلسفة السياسية الغربية.
في معرض مواصلة البحث نعالج ثلاث نظريات حول المساوقة بين الديمقراطية والحاكمية الدينية، تلك النظريات التي يكمن فيها شي‏ء من التخوف المذكور من التحقيق، بالاضافة إلى أن اسباغ صفة العلمية على الديمقراطية الغربية يكشف عن التأثير المباشر للفرض المذكور على كل من هذه النظريات في كيفية بيان فكرة الاتساق والانسجام. هذه النظريات الثلاث هي: نظرة الدكتور سروش، ونظرة راشد الغنوشي من قادة النهضة الإسلامية في تونس، ونظرة الدكتور الترابي في السودان.
قبل دراسة هذه النظريات يجدر بنا أن نلقي نظرة على أسس الديمقراطية الغربية لدراسة مدى عقلانيتها وواقعيتها في ميدان السياسة البشرية، وذلك لأننا سوف نحتاج اليها في نقد هذه النظريات الثلاث وتحليلها.
أسس الديمقراطية الغربية
قامت الديمقراطية الغربية في الغرب تدريجيا على ثلاثة أسس رئيسة ومهمة، ومازالت كذلك حتى الوقت الحاضر، وهي تطرح على اعتبار أنها آخر مكاسب الغرب، واطلق عليها اسم الديمقراطية الليبرالية:
1ـ في البداية برز النزاع الالفي بين الكنيسة والحكومة في صورة نزاع بين الدين والمجتمع، ثم منع الدين من التدخل في المجتمع، وعلى الاخص عندما فصل بينه وبين السياسة. وفي خضم هذا النزاع لم يبق من دين الغربيين سوى قلب الإنسان المؤمن وباطنه. وفي الحوزات الاجتماعية والسياسية الكبرى اصبح العقل والتجربة هما القاعدة الرئيسة. وكان (ميلتن) اول من خطا الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، بقوله: «على كل امرئ أن يعين لنفسه كتابه المقدس وان يفسره بنفسه. وما من احد في هذا العالم يستطيع أن يطمئن إلى انه قد فهم فعلا. وعليه ليس للشرطي ولا للحاكم ولا للكنيسة أن يدس تفسيره الخاص للكتاب المقدس في حلق الناس بالقوة... الكنيسة تتعامل مع الإنسان المتدين، والافكار لا يمكن بيانها بالقوة، بينما الحكومة تعنى بشؤون الفرد الخارجية، لا الشؤون الداخلية القلبية. وهاتان المؤسستان (الحكومة والكنيسة) متمايزتان من حيث الطبيعة والهدف، ولذلك لابد من الفصل بينهما»[8].
والخطوة التالية خطاها (لاك)، فقال: «كل عمل في المجتمع تابع لموافقة اكثرية افراد ذلك المجتمع‏»[9]. وازدادت هذه الخطوة قوة بمرور الزمن بحيث انه في القرن العشرين اصبح عدم حضور الدين في ميادين الفكر السياسي والاجتماعي مبدأ بديهيا. وعليه فإن طرد الدين من المسرح الاجتماعي إلى زاوية قلب المؤمن، والاعتماد على النفس في تنظيم جميع المؤسسات السياسية والاجتماعية، سواء في البعد العلمي والنظري أو في البعد القيمي، اصبح هو المبدأ الاول في ديمقراطية الغرب.
2ـ ثم جاءت الفلسفة الاستغلالية أو النفعية لتضع الأساس الثاني للديمقراطية الغربية، إذ نهض كل من (بنتام) و(جيمزميل) و(ستيوارت ميل) يبحثون عن اكثر النفع لاكبر عدد من افراد المجتمع، وعرض كل منهم صورة مختلفة بعض الشي‏ء للديمقراطية، مما لا يتسع صدر هذا المقال لذكر تفاصيلها. وانتهى هذا السعي إلى القول بان اي طلب من مطالب الناس ورغباتهم إذا وقع موقع القبول من جانب الأكثرية اعتبر معقولا واعترف برسميته. وهكذا اتجه الاهتمام الاصلي للفلاسفة الليبراليين إلى أن طريق سعادة المجتمع وخيره هو في وضع قوانين تستند إلى ارادة الأكثرية ورغباتهم مما يضمن منفعة الأكثرية وخيرهم. والحقيقة أن الرائد في هذا الطريق كان (بنتام) الذي يقول:
«ان خير المجتمع وصلاحه في يد المشرع الذكي، فهو الذي يستطيع أن يقرر الهدف الغائي في صورة حكومة يتنبأ بها حيث ‏يتوافر اكثر اللذة للاكثرية العددية من افراد المجتمع، كما يستطيع أن يحقق تلك الاهداف الغائية عن طريق وضع القوانين لتنظيم الاعمال والسلوك غير المطلوب، والدوافع المانعة للناس من ارتكابها. يستطيع المشرع أن يقيم أسس البركة والسعادة بيدي العقل والقانون»[10].
ولابد من القول ان «الاهداف الغائية‏» و«الاعمال غير المطلوبة‏» في نظر الفلاسفة الليبراليين تستند إلى رأي الأكثرية، إذ ان رغبات الأكثرية هي التي تبين هذه الامور.
وعلى ذلك كانت النتيجة الباقية لهذه الخطوة الثانية هي النفعية وطلب اللذة لاكثرية افراد المجتمع، واعتبرت هي المبدأ الثاني للديمقراطية. وهذا بالطبع هو الذي يظهر في اكثر الاوقات بصورة شعار مثالي في ديمقراطية الغرب، ولكنه عمليا يضحي بمصلحة الأكثرية لمصلحة الاقلية واصحاب رؤوس الاموال، ولذلك لم يلق هذا المبدأ قبولا يذكر.
3ـ نظرية أصالة الفرد: مهما يكن المصطلح الذي تطلقه عليها، فهي آخر واهم ركن من اركان الديمقراطية الغربية. إن المساعي التي بذلها كل من (سارتر) و(راسل) واتباعهما كانت ترمي إلى القول بان المنطق الاجتماعي الغربي يرى أن الفرد البشري هو الاصل والأساس والغاية للوجود كله، وان ما له الأصالة والقيمة والاعتبار هو ارادة الفرد الإنسان، على شرط أن لا يعتدي على الآخرين. ولنا أن نتغاضى عن تفسير الشرط الاخير هذا، وهو تعيين حدود اعتداء الفرد على الآخرين، بالنظر إلى انه قد اهمل اهمالا كليا بحيث ان الفلاسفة الغربيين يفضلون اليوم عدم الاشارة اليه اطلاقا. الا أن (پوپر) يشير إلى هذا الركن الأساس والمهم في الديمقراطية الغربية، فيقول: «ان نظرية أصالة الفرد تقترن بها ارادة الآخر كقاعدة لمدينتنا في الغرب بحيث اصبحت النواة المركزية لجميع النظريات الأخلاقية الناجمة عن التمدن والمثيرة لذلك التمدن ومحور التعاليم المسيحية.» إذ ان الكتاب المقدس يقول: «حب جارك لا عشيرتك!» وهذا المفهوم هو ما ورد في تعاليم (كانت) المحورية في فلسفته الأخلاقية. يقول (كانت) : «اعلم دائما أن الفرد هو الغاية، فلا تتخذه مجرد وسيلة للوصول إلى غايتك! ليست هناك ثمة نظرية أخرى تمتاز بمثل هذه القدرة على تنمية الأخلاق الإنسانية‏»[11].
وعلى أساس مقولة أصالة الفرد لابد من احترام ارادة كل فرد من افراد المجتمع على قدر الامكان، ومن ايجاد الظروف اللازمة لتحقيقها، ولا تعلو ارادة اي فرد وارادة اية قوة ارضية أو سماوية على الآخر. وهذه هي النقطة الاخيرة في الديمقراطية الغربية التي يبدو انهم قد توصلوا اليها.
تحت ضوء أصالة الفرد هذه ومنطقها تعتبر امور مثل اللواط والسحاق والاجهاض وحرية العلاقات الجنسية وكل ضروب التعالق والسلوك التي يرتأيها بعض الناس، فيما إذا لم تتعارض مع ارادة الآخرين، من مصاديق التحقق الواقعي للديمقراطية، وذلك لأن الديمقراطية هذه لا تقوم على قاعدتها الأساس، وهي الأكثرية، الا إذا قامت ‏بوجهها مبادئ أخرى مثل الفطرة والدين أو ارادات معارضة لمجموعة أخرى من الناس، بحيث تفوز نظرية أصالة الفرد بالاكثرية وبمشروعيتها. ولكن في الحالات التي تكون فيها ارادات الافراد منسجمة مع المبادئ الفطرية والدينية، يصبح من المحتمل أن تقع مشروعية الديمقراطية تحت تأثير المبادئ الفطرية والدينية. اي أن الارادة الفردية المستقلة تفقد فرصة بروزها للعيان، إذ في مثل هذه الحالة، على الرغم من قيام الديمقراطية بتحقيق الارادة الفردية، فان تحقيق ذلك بصورة جادة ومستقلة مشكوك فيه.
وعلى هذا الأساس لا ينظر الغرب إلى تنفيذ الديمقراطية واعتماد رأي الأكثرية في نظام الجمهورية الإسلامية نظرة جادة، ويرى أن تلك الديمقراطية تسير خلف المبادئ الدينية من دون جدل. إن اكثرية هذا موضعها من التابعية لا تعتبر ديمقراطية عند الغرب، بل انه يصفها بانها ديكتاتورية الأكثرية على الاقلية. وقد تكلم كل من (راسل) و(هانا آرنت) و(گالبرايت)[12] بالتفصيل على ديكتاتورية الأكثرية على الاقلية في فلسفتهم السياسية، ورفضوا الاعتراف بقيمة رأي الأكثرية بصفتها تحققا للديمقراطية في مثل هذه الحالة.
انني لا انوي في هذه المقالة أن اتصدى لشرح أسس الديمقراطية الغربية ونقدها، وانما انا اسعى لتقديم خلاصة للديمقراطية الغربية ابين فيها أن للديمقراطية الغربية اليوم فلسفة سياسية قائمة على محور أصالة الفرد وتأخذ على عاتقها تنظيم كل انواع الافعال وردودها تنظيما أساسا. وهنا يلاحظ أن هذه الديمقراطية قد امتزجت ‏بالليبرالية امتزاجا جعل الفصل بينهما في صورهما الخارجية وفي المؤسسات والسلوكات الاجتماعية غير ممكن البتة.
الديمقراطية، كما يعرفونها، تعني «حكم الشعب‏» أو «الحكومة الشعبية‏»، وقد برزت مظاهر متعددة لها منذ ايام افلاطون حتى الآن[13]. إن النزاع القائم بين الغربيين وغيرهم، خصوصا مع علماء المسلمين، لا يتعلق بلفظة الديمقراطية ولا بتحقق احد مصاديقها على امتداد التاريخ. وحتى إذا قامت ‏حكومة اليوم بتطبيق الديمقراطية التي قال بها (مل) و(بنتام) أو ديمقراطية النخبة التي قال بها (شومپيتر) في نظامها السياسي، فانها لا تحظى بالقبول والرضا من جانب الغربيين على صعيد الديمقراطية. في هذا العقد الاخير من القرن العشرين يجري النزاع على آخر نموذج للديمقراطية، اي ديمقراطية الكثرة الليبرالية، ويزعم الغربيون انها آخر حلقة في التقدم البشري في ميدان النظام والحكم السياسي وقد اطلق عليها (فوكوياما) اسم نهاية التاريخ[14].
وعلى هذا الأساس تقوم الدول ويقوم المفكرون والمنظرون السياسيون في الغرب، متحدين فيما بينهم، بالضغط على جميع الدول الأخرى ضغطا مستمرا للسير في هذا الاتجاه، بحجة أن هذا هو مصير البشرية المحتوم، وعلى حد زعم (فوكوياما) أن آخر درجة في سلم التطور السياسي هي هذه الديمقراطية الليبرالية التي تجب اقامتها في ارجاء الكرة الارضية لنصل إلى نهاية التاريخ، تلك النهاية التي لا وجود فيها لصورة اكثر تطورا ولا اكفأ ولا انفع من الديمقراطية الليبرالية في البنية السياسية للإنسان.
ان في مفهوم الديمقراطية المجرد جانبا مقبولا عقلا وتجربة، وهو توكيد مشاركة عموم الشعب في مصيره السياسي والاجتماعي، وهو امر مطلوب عقلا، كما اثبتت التجربة أن النظام الذي لا يحظى بتأييد الشعب وحمايته لا يكتب له الاستقرار والقوة، ولا امل له في البقاء. بديهي أن تحقق هذا المفهوم بشكل مجرد ومن دون اي نوع من التشكل وتعيين نماذج السلوك واستقرار المؤسسات السياسية امر غير ممكن، إذ ان مشاركة الشعب وحمايته يجب أن تكونا في قالب دقيق من السلوكات والمؤسسات السياسية التي يرى الغربيون اليوم أن اكثر انواعها تقدما، على حد زعمهم، هي الديمقراطية الليبرالية. اما السؤال الرئيس فهو: هل يعتبر الأسلوب الانحصاري لمساهمة الشعب السياسية وضمان رضاهم مقصورا على رأي الأكثرية؟ الا توجد صورة معقدة أخرى تكون، بالاضافة إلى الفوز برضا الشعب وحضوره في الميدان السياسي في المجتمع، منزهة من الاعراض الجانبية لحماقة فكرة رأي الأكثرية المطلقة؟ ما الذي يحدونا إلى أن نتقبل فكرة الأكثرية على جميع الصعد ونصر عليها وكأنها شعار لا يخطئ؟ ما الذي يمنعنا من أن نقوم بتحليل دقيق وعقلاني لمعرفة المواضع التي يمكن فعلا اللجوء فيها إلى الأكثرية حصرا في المواضع التي لا مندوحة منها؟
قيمة رأي الأكثرية في الديمقراطية الغربية
ان الخط البياني لمسيرة فلسفة الديمقراطية في الغرب يكشف لنا عن منحى لادوار ما بعد عصر النهضة الاوربية حيث اخذت فكرة امكان التحقق العملي لمساهمة الشعب الفعلية عن طريق رأي الأكثرية يعتورها الشك تدريجيا، ومن ثم اخذت تقل اهمية رأي الأكثرية في بناء الحياة السياسية ـ الاجتماعية للشعب، فيما اخذت تزداد اهمية الارادة الفردية والاقلية ومشروعيتها بحيث اصبحت المساهمة الشعبية ظاهرة مقتصرة على بعض الفعاليات الاجتماعية (مثل اعطاء الرأي في المؤسسات النقابية)، وفي قبال ذلك ازداد الاحترام لارادة القلة ازديادا مستمرا. وفي الواقع وصلت الفلسفة السياسية الغربية إلى مرحلة لا يكون رأي الأكثرية فيها محترما الا إذا ضمن الارادة المستقلة للقلة أو كان مصحوبا بجو عام في المجتمع.
وفي الوقت الذي يعظم الغربيون فيه قيمة رأي الأكثرية في ديمقراطيتهم باستمرار، فإنهم من جهة أخرى ينحون باللائمة على الدول الأخرى، على كونها من اوائل نقاد الديمقراطية الذين ألقوا ظلا من الشك على قيمة رأي الأكثرية من جوانب مختلفة.
يعتقد (راسل)[15] أن ترجيح رأي الأكثرية على الاقلية امر شكلي وظاهري ولا يمكن أن يضمن الحق والعدالة، ولهذا فهو لا يرى فرقا بين قيام الاقلية بقمع فكر الأكثرية أو بالعكس، واذا اعتبرنا احدى هاتين الصورتين امرا معقولا، كطرد الأكثرية لفكر الاقلية، فلابد من أن نقبل بالصورة المعكوسة ايضا. وفي الحقيقة يريد (راسل) أن يقول ان الديمقراطية العددية غير عقلانية وهراء، وذلك لأن كثرة العدد والعدة وقلتهما لا يحددان مشروعية اي طرف.
(پوپر) يتحدث بلغة اوضح قائلا ان رأي الأكثرية ليس سوى طريق لاستمرار العمل[16]. بل انه ينوه حتى باحتمال هزيمة الديمقراطية ويقول اننا في تلك الحالة نستنتج أن ليس هناك سوى طريق الديكتاتورية، وهو بالطبع يرى أن هذه تجربة ثمينة!
وعلى هذا فان من يرى أن مبدأ الديمقراطية يعني ترجيح الأكثرية، ولا يعني حكومة الأكثرية، ليس ملزما أن يعتبر نتيجة رأي الأكثرية بالأسلوب الديمقراطي دليلا موثوقا به على الصحة والاحقية. إن شخصا كهذا، على الرغم من انه يتقبل قرار الأكثرية كوسيلة لاستمرار عمل المؤسسات الديمقراطية، فانه يرى نفسه حرا في استعمال الوسائل الديمقراطية لمحاربة ذلك القرار ولبذل الجهد في اعادة النظر فيه. واذا رأى يوما أن رأي الأكثرية سوف يؤدي للقضاء على المؤسسات الديمقراطية، فانه يصل من هذه التجربة المحزنة إلى النتيجة القائلة ان ليس ثمة أسلوب يمكن أن يقف سليما بوجه حكومة جبارة[17].
(پوپر)، في مجتمعه المفتوح، لا يعرض الديمقراطية على انها فلسفة سياسية، بل على انها نموذج قابل لاخضاعه للتجربة، ولو انه نموذج افضل بكثير مما هو مطروح فيما بين الفلاسفة الغربيين، ولكنه في الوقت نفسه ليس لديه ما يقوله في تصوير الديمقراطية والدفاع عنها، بل قد يقع احيانا في التناقض. انا شخصيا لم افهم قوله: «رأي الأكثرية يقضي على المؤسسات الديمقراطية‏». يبدو أن المؤسسات الديمقراطية، في منطق السياسية الغربية، ممكنة التحقق بدون رضا الأكثرية ولها هويتها المستقلة حتى يمكن افتراض أن رأي الأكثرية يقضي عليها. واذا كان حقا القول بوجود هوية مستقلة للمؤسسات الديمقراطية، فمن اين تنبع جذورها، مادمتم تنكرون الفطرة والمبادئ الدينية؟ إذا كانت الدمقراطية، على رأي (پوپر) هي ترجيح رأي الأكثرية، فان رأي الأكثرية هو الديمقراطية بذاتها، وفي هذه الحالة، القول بأن «رأي الأكثرية يقضي على المؤسسات الديمقراطية‏» خطأ لا يغتفر صدوره من اي فيلسوف. ولكن الواقع هو أن جوهر الديمقراطية، في نظر (پوپر) هو أصالة الفرد، لا رأي الأكثرية، وهو ينتقد بشدة الخير العام والمصلحة العامة:
«اولا، ليس هناك شي باسم الخير العام منحصر بالفرد حتى يمكن للاكثرية أن توافق عليه، أو يمكن بقوة الدليل العقلاني حملها على قبوله. لأول وهلة لا يبدو هذا الامر ناجما عن القول بان بعض الناس يريدون اشياء غير الصالح العام، بل ينجم عن واقعية اقوى أساسا، وهي أن للصالح العام معاني متباينة في نظر الجماعات المختلفة. ثانيا، حتى إذا حظي صالح عام واحد بقبول كاف من جانب الأكثرية، فإن اجاباته عن المسائل الفردية لن تكون حاسمة. إذ من الممكن أن تكون الآراء بهذا الشأن متباينة إلى درجة تؤدي إلى خلق مخالفات أساس بالنسبة إلى هدفها. ثالثا، كنتيجة للنقطتين الأولى والثانية المذكورتين، هي أن المفهوم الخاص للارادة الشعبية يتلاشى كما يتلاشى الضباب، وذلك لأن هذا المفهوم يسلتزم وجود الصالح العام المنحصر بالفرد ويدركه الجميع.
وحتى لو أن المعتقدات والاماني لكل فرد من افراد المواطنين كانت معطيات حاسمة ومستقلة تماما في العملية الديمقراطية، وحتى لو أن كل امرئ عمل بها بعقلانية وبسرعة مثالية، فليس من المحتم أن تحصل النتيجة الالزامية القائلة بان القرارات السياسية الناجمة عن تلك العملية والتي تؤلف المادة الخام فيها الارادة الفردية، سوف تتخذ مظهرا يفيد، باي شكل من الاشكال، معنى «الارادة الشعبية‏». إن هذا الامر فضلا عن كونه مفهوما، يمكن القول بأنه إذا ما تشعبت ارادة الافراد تشعبا كبيرا، فمن المحتمل جدا أن لا تكون القرارات السياسية الناتجة منسجمة مع «ما يريده الشعب حقا». إن أسلوب صياغة المواضيع وارادة الشعب حول تلك المواضيع منفردة يشبه إلى حد كبير نداء المنادين على بضائعهم. هنا أيضا ستبذل مساع للاتصال باللاوعي، وهو فن ايجاد الارتباطات المفرحة والمحزنة التى كلما كانت غير عقلانية اكثر، كانت ذات تأثير اكبر[18].
(شومپيتر)، في ختام بحثه يسعى في عرضه نظرية «ديمقراطية النخبة التنافسية‏» أو «التنافس لاجتذاب آراء الشعب‏» إلى أن يفتح طريقا إلى واقعية قيمة رأي الأكثرية في الديمقراطية وتقبلها عقلانيا، الا أن النقد الذي يوجهه هو نفسه إلى نظريته هذه نافذة ايضا، وذلك لأنه إذا كانت آراء الشعب نداء تجاريا فعلا، فانها لا تمنح مشروعية للنخبة المتنافسة ايضا.
وفي تلخيص موجز لآراء العلماء الغربيين في الديمقراطية نلاحظ أن قيمة رأي الأكثرية كوسيلة اصيلة لتحقيق الديمقراطية، في صورها المختلفة، قد تدنت في الواقع. إن مسيرة الديمقراطية الغربية نحو آخر نماذجها، اي الديمقراطية الليبرالية، تبين أن ما في جوهرها، في الواقع، هو التخلي عن الدين والفطرة، وتوكيد النفعية الغريزية، والتمحور حول أصالة الفرد، واحترام ارادة جميع الافراد على قدر الامكان، والاكثر من ذلك والمشكوك في معقوليته وقيمته هو رضا الشعب ومساهمته في الحكم السياسي. والحقيقة أن الغرب اليوم يستخدم الديمقراطية لاستخراج رأي الأكثرية لتوكيد أصالة الفرد فقط.
مشكلة الجمع بين الديمقراطية الغربية وحاكمية الدين
هنا تكمن صعوبة الجمع بين ديمقراطية الغربيين اليوم وحكم الدين، بل استحالته. إن كل صورة تقرر عن حكم الإسلام لابد أن يكون المعيار فيها مبادئ الإسلام وأسسه التي لا يمكن للدين أن يتنازل عنها كأمر بديهي وضروري، ولذلك فإن المساهمة الجماعية في ذلك، باي شكل كان، تكون محدودة، اما الديمقراطية الليبرالية فتعمل على تحقيق رغبات كل فرد من الافراد، وعلى هذا الأساس تقترح الوقوف بوجه تزايد نفوس البشر عن طريق فتح احضان الجنس المخالف للجنس الموافق بعض لبعض، مع الاهتمام بعملية منع الحمل اهتماما واسعا، وعلى هذا الأساس أيضا أفتى المتطرفون الليبراليون بان يكون الاحداث والمراهقون متحللين من كل قيد وحظر أخلاقي وجنسي.
بعض المفكرين المسلمين يحسبون الديمقراطية الغربية من اكثر صور الحكم السياسي مطلوبية، بل وتقدما. فاذا الغيت جوانبها السلبية وتمت مطابقة جوانبها الايجابية مع الحكم الديني، امكن الحصول على ديمقراطية إسلامية.
ان المساعي التي يبذلها المفكرون المسلمون لعرض نظرية للتطابق بين الديمقراطية الغربية والحكم الإسلامي انما تجري لرغبة هؤلاء في الحفاظ على تعلقهم بكليهما. بيد أن سدى الديمقراطية المذكورة ولحمتها متداخلة مع الليبرالية وأصالة الفرد تداخلا يستحيل معه فصل الجوانب التي يقول عنها هؤلاء انها جوانب ايجابية.
حان الوقت الآن لدراسة تصنيف ما يراه المتفكرون المسلمون فيما يتعلق بالديمقراطية والحكم الإسلامي.
نظريات التكييف بين الديمقراطية والحكم الديني
1ـ نقرأ للدكتور (سروش) عن النموذج الاول للتكيف مع الديمقراطية: «ان الحكومات الدينية التي تستند على المجتمعات الدينية ونابغة منها، لا تكون ديمقراطية الا إذا سعت للفوز برضا الخلق والخالق معا، وكان ظاهر الدين وفيّا لباطنه، وكانت تحترم العقل والأخلاق السابقين على الدين بقدر احترامهم لما سبقها من عقل وأخلاق، وبحفظ التوازن والتعادل بين هذين الاثنين تفوز بكيمياء يحسبها الإنسان اليوم، من باب الغفلة، امرا لا يمكن العثور عليه، أو هو غير مرغوب فيه»[19].
بالرجوع إلى التوضيح الذي سبق أن ذكرته بشأن الديمقراطية وتحليل جوانبها بشكل موجز، ليس ثمة نقد لنظرية التكييف هذه افضل من أن نعتبر تفسير الديمقراطية بانها «الوفاء لما هو خارج الدين‏» «العقل والأخلاق السابقان على الدين‏» تفسيرا ذاتيا خارجا عن المفهوم الحقيقي ‏للديمقراطية المتداولة اليوم في الفلسفة السياسية الغربية.
ثم انني اشرت إلى أن آخر مكاسب الغربيين في موضوع الديمقراطية ليس «ارادة الخلق والخوف من رضاهم‏» بل هو اشباع ارادة كل فرد وهواه ورغباته على قدر الامكان، وليس المفهوم العام لرضا الخلق الذي يتجلى في القرار الجماعي، بينما يهاجمه (شومپيتر) ويستنكره. وعليه إذا فرضنا تحقق هذا القرار الجماعي في الواقع، فانها لن تكون الديمقراطية المتقدمة للعقد الاخير من القرن العشرين، بل ستكون في نظر الغربيين مصداقا للديمقراطية الافلاطونية التي تحمل في طياتها الكثير من (اليوتوبيا) والتخيلات الاجتماعية المثالية.
يربط الدكتور (سروش) الديمقراطية «بالأخلاق السابقة على الدين‏» كما لو كان ينفي الفكر الأخلاقي الديني السائد والسابق على الدين وكونه لازمة من اللوازم الاصلية للديمقراطية، وبالنتيجة يغلق الطريق امام التوافق بين الديمقراطية والحكم الإسلامي. اترى نزاعنا مع الفلاسفة السياسيين الغربيين في تصور الديمقراطية يدور حول بضعة مبادئ اولية عقلانية وإنسانية بحيث انه إذا اعترف الحكم الإسلامي بهذه المبادئ امكن حل مشكلة التكيف والتوافق المذكورة؟ ألم يورد الامامية ـ وكذلك المعتزلة ـ في مئات من كتبهم الكلامية الادلة على الحسن والقبح العقليين المستقلين السابقين على الدين[20]؟ أليس هذا الاصل من الأصول الرئيسة في الكلام عند الشيعة ؟ هل حصلت لديهم مشكلة في توافق هذه الأصول مع الحكم الإسلامي بحيث‏ يكون هذا الحكم محتاجا إلى التوصية بمراعاة الأصول المذكورة؟ لقد اعتبر المتكلمون الشيعة قضية الحسن والقبح العقليين جارية حتى في الفعل الالهي، وهم متفقون على أن ما هو «حسن في نفسه‏» يقع ضمن الارادة الالهية، وليس الامر انه بعد وقوع الفعل الالهي تكون صفة الحسن عارضة عليه، كما يقول الاشاعرة، وكما يميل إلى القول به الدكتور (سروش) في «دانش وارزش‏» [العلم والقيم] ميلا شديدا.
البحث في الأصول الأخلاقية السابقة على الدين، مثل العدالة والحرية الإنسانية، ليس فيه اي تلازم حصري بالديمقراطية الغربية، ولا هو يتعارض مع حكم الإسلام، بل ان أساس المذهب الشيعي يرى أن هذه الأصول العقلية تنسجم مع حكم الإسلام اكثر من انسجامها مع اي حكم آخر، سواء اقبلت اكثرية افراد مجتمع ما، أو حتى اكثرية افراد البشر، بالمبادئ الاولية للعدالة والحرية وحرمة شخصية الإنسان، ام لم تقبل بها، مثلما بدأ تيار ما بعد الحداثة يشك بجميع الأصول العقلية الأساس، فان هذه الأسس مقبولة في علم الكلام عند الشيعة، بل هي القاعدة الاصلية لكلام الشيعة، ولا مجال فيه للتهيب من المخلوق، بمثلما انه لا دخل له في الأسس والمبادئ الدينية وتعليماتها، وذلك لأن المبادئ الاولية للأخلاق الإنسانية في إطار الفكر الإسلامي قائمة على الفطرة وحكم العقل المستقل، من دون أن يكون لرضا المجتمع ورغبته اي ارتباط بذلك. انني ليأخذني العجب كيف ان الدكتور (سروش) لم يفطن لحقيقة كون العدو الحقيقي للأخلاق السابقة على الدين في عصرنا الحاضر هو هذه الديمقراطية الغربية، خاصة بعد امتطائها النسبية المعرفية. إن الديمقراطية الغربية هي التي تستطيع بكل يسر أن تتقدم إلى حيث تدوس باقدامها الأخلاق السابقة على الدين، وان لا تعنى الا برغبات الفرد وطلباته. بينما الحكم الإسلامي، على العكس من ذلك، هو المدافع الثابت عن هذه الأخلاق السابقة على الدين ضد الهجوم الواسع الذي تشنه الديمقراطية الغربية عليها.
وفي موضع آخر من احاديثه يقول: «ان الحكومات الدينية، لكي تكون دينية، يتوجب عليها أن تجعل الدين هو الهادي والحكم في مشكلاتها ومنازعاتها، ولكي تكون ديمقراطية يتوجب عليها استخدام فهم الدين الاجتهادي في الانسجام مع العقل الجماعي»[21]. انني في الحقيقة لا استطيع أن اخفي عجبي من هذا التفسير الذي يقول ان الديمقراطية تعني توافق العقل الجماعي في فهم الدين! لست ادري ما العلاقة بين هذا التفسير والديمقراطية في الفلسفة السياسية الغربية، وكيف يمكن الجمع بينه وبين اي مبدأ أو تفسير سائد للديمقراطية؟ وما هذا الرأي سوى تكرار لنظرية القبض والبسط في قالب من الالفاظ جديد.
يمكن للحكومة الدينية أن تستفيد من العقل الجماعي في فهم الدين، ولها أن ترجح عقل فرد واحد، بل لها أن تعتبر فهم عدد من النخبة حجة، أو أن تلجأ إلى طرق أخرى يمكن تصورها عند وجود الحاجة. غير أن هذه كلها صور من وجود الحكومة الدينية، وكل صورة منها تبين نوعا من المعرفة الدينية الخاصة بها، وان ما يلفت النظر هو أن تركيبا من هذه الأساليب أو انواع المعرفة ممكن التحقق، وليس ثمة ما يلزم اختيار أسلوب بعينه للمعرفة الدينية يكون ضروريا للحكومة الدينية، ولكن النكتة المهمة والأساس هي أن هذه الأمور كلها غريبة على الديمقراطية الغربية.
هنالك، مع ذلك، شي‏ء من التوافق في المبادئ الفرعية بين الحكم الديني والديمقراطية الغربية السائدة اليوم ـ هذا بالطبع إذا لم تقض الليبرالية والنسبية في الفلسفة الغربية على هذا التوافق الجزئي ـ مثلما أن هناك توافقا بين الديمقراطية الغربية والفلسفات السياسية الأخرى، كوجود التوافق في السلوك العملي بين ديمقراطية الغرب والحكم الإسلامي، الا أن هذه ليست قادرة على ادخال أسس الفلسفة الديمقراطية الغربية، التي وصلت من (ميلتن) إلى (پوپر)، في الحكم الإسلامي بحيث ‏يسودهما الانسجام التام. ثم، ما الذي يقصده الدكتور سروش بالعقل الجماعي؟ هل يمثل رأي الأكثرية العقل الجماعي؟ هل يصنع توافق النخبة، أو الخبراء الدينيين، العقل الجماعي؟ هل المقصود من العقل الجماعي يتمثل في الخبرة الادارية والحكومية؟ لقد سبق أن رأينا (شومپيتر) يهاجم، من حيث الأساس، وجود نقطة تعكس النظرة الواقعية للجماعة كجماعة، ولعل الحق معه في هذا. إن ما يمكن، في هذا الشأن، أن يستلفت اهتمام العقل ويجوز تأييده ويعطي انعكاسا أصح عن الواقع هو قرار النخبة والخبراء في المجتمع ـ بالطبع عند وجود امل اكبر في امكان اظهار الواقع. ومع ذلك، فان وجود مثل هذه الحالة يكون غريبا على الديمقراطية الغربية، وعلى الاخص حيثما يضع الخبراء الدينيون اقدامهم!
واذا تجاوزنا كل ذلك، فان القول بحقوق الإنسان قبل الدين والأخلاق الخارجة عن الدين يكون مقبولا ممن يعترف، في الاقل، بمكانة العقل والفطرة، والتوافق العام ـ على فرض حصوله في الواقع ـ في اثبات بعض القيم، كما فعل (پوپر) في الاعتراف بنوع من المسؤولية العقلانية أو التوافقية للقيم الإنسانية، على الرغم من فصله بين المعرفة والقيم[22]. اما الذي لا يرى امكان قبول اي من القيم بدون حجة إلهية، وبفصله بين المعرفة (عقلية كانت أو تجريبية) والقيم، يرى أن منشأ القيم ينحصر في الوجوب النهائي الصادر عن الله[23]. إن شخصا كهذا لا يحق له الكلام على حقوق الإنسان والقيم الإنسانية قبل الدين.
دع كل ذلك. إن الديمقراطية التي يقصدها الدكتور سروش انما هي تفسير مصطنع وغريب عن فلسفة السياسة الغربية. وحتى في المصاديق التي يقع فيها التعارض بين الديمقراطية بمفهومها المجرد (رأي الأكثرية) والدين (مهما يكن افتراض مفهوم الدين) فان نظريته التوافقية ليس لديها ما تقوله. انما هناك طريق واحد يمكن أن يقتلع جذور التعارض طبقا لهذه النظرية، وهي أن نفهم الدين ـ مهما يكن ـ كما تفهمه الأكثرية، هذا إذا استطعنا، بالطبع، أن نجيب عن ما أشكله (شومپيتر) على وجود رأي حقيقي للاكثرية! ولكن، في الوقت نفسه، هذا التوافق ليس هو ما يقصده الدكتور (سروش)، وذلك لانه، على الرغم من سعيه للتوسع في مفهوم الدين، كثيرا ما يؤكد انه لا يقبل الا الفهم المنهجي للدين.
ان نظرية الدكتور (سروش) فضلا عن كونها لا تحمل اية اشارة إلى التوافق بين ديمقراطية الغرب المعاصرة (بما فيها من أسس ومقتضيات خاصة) والحكم الإسلامي، فإنها تتسم بشي‏ء من سذاجة النظرة. يحاول الدكتور (سروش) أن يفصل ين الديمقراطية والليبرالية الغربية، مستخدما الأولى للملاءمة بينها وبين الحكم الديني، مع اقصاء الثانية عنها، في الوقت الذي سوف يسخر فيه العلماء الغربيون قبل غيرهم من مثل هذه المحاولة، وذلك لأن كلتا الديمقراطية والليبرالية الغربية مدينتان على حد سواء للمبادئ الثلاثة: الخلاص من الدين، والنفعية، وأصالة الفرد. وقد اتخذت هاتان هوية واحدة في بناء السياسة الغربية بحيث انه إذا اخرجت الديمقراطية بدون الليبرالية من هذا البناء، كانت النتيجة انكار الديمقراطية ومسخها في نظر الغربيين.
ان بالامكان أن نتصور نماذج من المشاركة العامة للنخبة من رجال الدين والعلم ومن عموم الناس، في تنظيم بنية الحكم الإسلامي، مستفيدين من مزايا الفهم الديني الجماعي والعقل الجماعي، بمثلما نجد جوانب من النظام الجمهوري الإسلامي قائما على ذلك. ولكن ليعلم الدكتور (سروش) أن الصاق اسم الديمقراطية بهذه النماذج من الحكم الديني لا هو قابل للهضم عند الغربيين ولا هو اكثر من مجرد تلاعب بالالفاظ.
من الأمور الواقعية هي أن الفلسفة السياسية مهجورة فيما بين العلماء المسلمين، في حين أن الحاجة اليها اشد من الحاجة إلى جميع العلوم الاجتماعية. انها لم تحظ حتى الآن الا بالقليل من العناية من جانب العلماء المسلمين. لذلك فان العناية بالفلسفة السياسية من المنظور الإسلامي مع النظرة التحليلية اصبحت على قدر كبير من الاهمية في جو الحكم الإسلامي السائد بصفته نموذجا يحتذى في العالم. إن هذه النظرة هي التي يجب أن تبين، استنادا إلى العقلانية المؤمنة بالدين، أسس القوة، والحرية، والحكم، والأمن، والمصلحة، والاجزاء الأخرى الضرورية لمقولة فلسفة سياسية إسلامية. وكل هذا يمكن أن يستمد العون من الابحاث الجماعية أو الفردية أو اي نوع آخر من العون، لعرض نموذج للفلسفة السياسية الإسلامية، مع الاخذ بنظر الاعتبار مقتضيات العصر. ومهما تكن النتيجة النهائية فانها سيكون لها موضع في إطار الفلسفة السياسية الإسلامية، ولا تكون لها علاقة بالفلسفة الديمقراطية الغربية. وهذا الامر صادق فيما يتعلق بالحكومة الإسلامية ايضا.
بديهي اننا نستطيع، في تحليل مستقل، أن ندرس فلسفة السياسة الإسلامية ونقارنها بفلسفة الديمقراطية الغربية، لتحليل مواضع الائتلاف والاختلاف بينهما. إن هذا النهج الواضح يختلف عن الطريق الذي يسلكه المتنورون الدينيون العجلون. هؤلاء يحاولون أن يغربلوا فلسفة السياسة الغربية وانتخاب أصولها الايجابية (بحسب زعمهم) وادخال هذه الأصول في إطار الفكر الإسلامي، ليستخلصوا فلسفة إسلامية جديدة بحيث تعرض فكرا إسلاميا سائدا متقدما ومتوسعا فيه من جهة، وتكون قابلة للعرض على العلماء الغربيين ومطابقة لطبعهم. اي أن تكون كيمياء خالدة. الا أن مزيجا هذا شأنه، لكي يتحقق، لابد له أن يغمض عينيه عن الجوانب الواقعية التي تتعارض فيها البنية الكلية لفلسفة السياسية الغربية مع فلسفة السياسة التي يرتأيها الإسلام ـ مهما يكن النهج المستلخص من مجموع النصوص الإسلامية. إن اي طالب لدية معرفة بالقرآن والسنة، ومطلع على أسس فلسفة السياسة الغربية لا يمكن أن يتغاضى عن ذلك التعارض، ولا أن يرتضي عمل جماعة متساهلة في الحكم بين الاثنين.
لنتجاوز الميدان الواسع لفلسفة السياسة الإسلامية والغربية، ولنعد إلى دراسة النظريات القائلة بالانسجام بين الحكم الإسلامي والديمقراطية.
2ـ النظرية الثانية في الانسجام لراشد الغنوشي
في الواقع ان أساليب ادارة العلائق البشرية وآليتها في الحكومة الإسلامية لا تختلف كثيرا عن النظام الديمقراطي السائد في العالم. وبعبارة أخرى، أن الحكومة الإسلامية موافقة لحكم الأكثرية المتمثل بالانتخابات الحرة، وبمجلس الشورى وبالمجالس المحلية وبالسلطة القضائية المستقلة وباحترام الرأي العام. وليس هناك في هذه الأساليب اختلافات رئيسة ناجمة عن المدنيات المختلفة[24].
يحاول الغنوشي، عن طريق التفسير الظاهري لاستقرار النظام الداخلي ومقبولية امور مثل الأكثرية في الحكومة الإسلامية، أن يقول ان الديمقراطية الغربية في قالبها الظاهر وأساليبها التنفيذية تجد في الحكومة الإسلامية مكانها المناسب، وعلى هذا فهو ينكر وجود اختلافات رئيسة بين الحكومة الإسلامية والديمقراطية الغربية، بل ولا بينها وبين المدنيات المختلفة في العمل والتطبيق.
ولكن المشكلة الحقيقية ليست في آلية تحقيق الحكومة الدينية أو الديمقراطية الغربية وأساليبها الظاهرية في التنفيذ، بل هي في فلسفة هاتين النظرتين وأصولها الرئيسة، ويظهر التعارض بينهما عند ترجيح احداهما على الأخرى من باب الضرورة. وهذا التعارض هو نفسه الذي يحمل الغنوشي على التقليل من قيمة الأكثرية في الحكومة الدينية ويراها مخالفة لأساس الديمقراطية الغربية في تفسيره، وذلك لأنه يحترم الأكثرية في إطار الوحي فقط.
ثم يقول الغنوشي ما مفاده: إن الاختلاف بين الفلسفة القائمة على المادية وأصالة العقل واللذة بمثابة هدف الحياة، والاستكبار الوطني بصفته إطار العلائق السياسية من جهة، ومن جهة أخرى بين نموذج النظام الإسلامي الذي يعتبر الايمان بالله فلسفة الوجود وسر الحياة الإنسانية، ويرى الإنسان خليفة الله، ويعطي الوحي شرعية مطلقة، ويبين شرعية الرأي العام في إطار الوحي، واضح[25].
وعلى الرغم من أن الغنوشي قد اظهر انه يدرك موضع التعارض إلى حد ما، فإنه لا يتوقف عن الاصرار على ايجاد موضع للديمقراطية في الحكومة الدينية، الا أن اصراره هذا لا يزيد عن كونه مجرد ادعاء ليس غير. وبالرغم من انه يعترف بالاختلاف بين الفلسفتين المذكورتين ويصرح بذلك، فإنه لا يني يكرر القول بامكان ايجاد الانسجام بينهما:
ان النموذج الديمقراطي القائم على حكم رأي الأكثرية لا ينفي وجود شرعية (ظاهرة أو خفية) أعلى من حكم الرأي العام، كالايمان بمبادئ القانون الطبيعي، أو المبادئ والقيم العالمية لحقوق الإنسان، والقوانين الدولية. إن هذه النظرة تستوجب القول بعدم الايمان بشرعية الوحي واصالته كجسر غير قابل لعبور شرعية استغلال قيم النموذج الديمقراطي في تنظيم حكومة إسلامية مطابقة لما هو جار في الوقت الحاضر، وذلك لأن عناصر النموذج الديمقراطي، كالانتخابات، والفصل بين السلطات وتقسيم القوى عن طريق الاحزاب في نظام سياسي، يمكن أن تجد موضعها في إطار النموذج الإسلامي[26].
لا نعلم كيف يستطيع الغنوشي أن يرضى بالتغافل عن مواضع التعارض الجادة. إن روح كلامه في هذه القطعة تؤكد الرأي بانه مثلما أن حكم الرأي العام في بلد ما لا ينكر الأصول والموازين الدولية المعترف بها، فان حكم الرأي العام هذا يمكن أن يكون منسجما مع الحكم الديني، بل ان يجتمعا معا. الا يعلم الغنوشي ولا يرى أن قضية التعارض هذه بين الحكم الداخلي ـ وان بني على الرأي العام ـ وحكم المعايير الدولية هي من اهم القضايا التي لم تحل في الجو السياسي العالمي اليوم؟ الا يرى انه حتى في هذه الآلية وهذا الشكل الظاهري، تتصارع الديمقراطية الداخلية والدولية وتنكر كل واحدة منهما الأخرى؟ لقد برز التعارض بين حكم الديمقراطية الداخلية والديمقراطية ‏الاقليمية بشكل واضح في نشوء الاتحاد الاوربي، وما يزال الصراع قائما من دون حل، وما تزال المشكلة في عنفوانها، على الرغم من أن هذا الاتحاد يحاول أن يتجاوز مواضع التعارض الجادة بالتغاضي عنها. ولكن هل يجدي التغاضي عن مشكلات الإنسان الجادة والرئيسة في حياة البشر في حلها وازالتها؟ ثم انه لما يستوجب العجب أن نرى الغنوشي يشبه قضية الجمع بين الديمقراطية والحكم الإسلامي بحالة لا تخلو من التعارض بحد ذاتها، لذلك فهي باقية غير محلولة. إن عليه أن يستنتج من تشبيهه وتنظيره هذا العكس مما استنتجه، اي كان عليه أن يقول: مثلما أن هناك عند الجمع بين حكم الرأي العام والمعايير الدولية المعترف بها تعارضا دائميا بين الدول وهيئة الامم المتحدة، وانه لا يحتمل حله بسهولة، كذلك في فلسفة الديمقراطية وحكم الإسلام أيضا لا يمكن التوصل إلى نموذج منسجم بين الاثنين.
عندما ينظر الغنوشي إلى فلسفة سياسة الغرب يرى بوضوح الاختلاف بين الديمقراطية الغربية والحكم الإسلامي في الأصول والأسس. ولكنه عندما ينظر إلى الآلية الظاهرية في تطبيق الديمقراطية الغربية والحكم الإسلامي، يظن انه بتوحيد الرؤية الظاهرية يبرز التعارض، وتندرج الدمقراطية ضمن إطار نموذج الحكم الإسلامي!
من المستبعد أن يقبل اي فيلسوف أو عالم متمرس في ميدان السياسة بهذا التوحيد، وان ينظر إلى قيام نموذج كهذا من الانسجام نظرة تفاؤل. اني اكرر مرة أخرى أن قضية انعدام الانسجام بين هاتين النظرتين لا تعود إلى الظواهر، بل ان المشكلة تكمن في مبادئ الفلسفة السياسية، المتمثلة بلا ابالية الديمقراطية الغربية بالدين وبالقبول المطلق لرأي الأكثرية، وباعتبار الأصالة لارادة الفرد، بينما حكم الإسلام هو التزام الدين، واحترام رأي الأكثرية في إطار الوحي، وجعل اصل العبودية لله هو الأساس.
ومما يستوجب التنويه به هو أن الغنوشي وغيره من المفكرين والمتنورين المسلمين لابد لهم أن يعلموا أن الفلاسفة الغربيين قد اغلقوا منذ سنوات باب الاستفادة من ظاهر الديمقراطية الغربية من دون التمسك بمبادئها، وهم يرون أن النموذج ذا القشرة الديمقراطية والنواة غير الديمقراطية ليس، من حيث الأساس والبنية، ديمقراطيا. ولهذا يصرح (موريس دوورژه): «ان من يحاول، عن طريق استخدام الديمقراطية الظاهرية، اكتساب رأي الأكثرية للدفاع عن آرائه الخاصة، وينسى بعد الفوز جوهر الديمقراطية (أصالة الفرد) ويكتفي بتحقيق افكاره الخاصة، ليس له الحق في الاستفادة من الاجهزة التنفيذية الديمقراطية. والصحيح هو أن يوقف امثال هؤلاء عند حدودهم بالقوة والعنف، وان تتم المحافظة على ماهية الديمقراطية بهذه القوة وهذا العنف». يرى (دوورژه) أن الديمقراطية لا تكون مقبولة الا عندما يبقى الفائز بعد الفوز ملتزما ظاهرها ومحتواها الباطني وأصولها، لا أن يلتزم الظاهر اولا، ثم بعد الفوز يترك الظاهر والباطن معا، أو ينكر، في الاقل، محتوى الديمقراطية[27].
هنا ينكشف سر هذا الامر. لماذا حال الغربيون دون وصول الإسلاميين في الجزائر إلى الحكم، مع انهم قد حازوا على آراء الأكثرية؟ ولماذا اتجهت جهود العالم الغربي للتحشد والتحرك للحيولة دون تحول الدول الإسلامية إلى جزائر أخرى؟ ولماذا لا تحظى عملية الأكثرية في حكومة الجمهورية الإسلامية برضا الغربيين؟
ان السياسيين والعلماء الغربيين لا يورطون أنفسهم ابدا في التناقض بين ظاهر ديمقراطيتهم وباطنها، ولا يجيزون لاحد أن يختار ظاهرها فقط، بحيث انه يتجاوز قبول أصولها الباطنية. واذا ما فعل ذلك شخص ما، فان ضرورة اختيار الجانبين تفرض عليه فرضا بالقوة! نعم، الحكم الإسلامي يستعين بآراء الأكثرية، ويعتبرها حجة في بعض الحالات. ولكن اي سياسي يتقبل هذا الأسلوب في أصول تلك الديمقراطية الغربية وأسسها؟ واي عارف بالإسلام يمكن أن يرى أسس الديمقراطية الغربية تنسجم مع الحكم الإسلامي؟ ان نظرية الانسجام الغنوشية تعنى بقشر الديمقراطية ولونها الخارجي، وتهمل الكلام على النواة والاصل. إن النموذج الساذج الذي يذكره في نظريته عن الانسجام يمكن بيانه في قوله: «عندما تصطبغ ملامح حكمين سياسيين بصبغة واحدة، فهناك انسجام بينهما». ان سذاجة هذا المعلومة ظاهرة للعيان، كما انها باطلة منطقيا والغربيون يقولون ان رأي الأكثرية يبين ظاهر الديمقراطية فقط، بينما اصلها وباطنها هو اللادينيية وأصالة الفرد. وهم يرون أن هذا الظاهر ليست له قيمة ذاتية، ولا يستطيع أن يضمن حقيقة الحرية ولا أصالة الفرد. انهم يرون انه يجب الايمان بأصالة الفرد بصورة مستقلة وتلقائيا، ومن ثم يكون احترام رأي الأكثرية محملا لتحقيق أصالة الفرد هذه في بنية المجتمع السياسية. إن الديمقراطية الغربية ليست تنحصر في أخذ رأي الأكثرية، بل ان الغربيين لا يهضمون عملية أخذ الرأي هذه من حيث الأساس إذا كانت مقطوعة عن جذورها الفلسفية. إن الديمقراطية الغربية هي تلك الأصول الثلاثة التي يرونها خير وسيلة لتحقيق الديمقراطية. اما احترام رأي الأكثرية فيكون في نطاق تلك الأصول نفسها.
ان استقرار الديمقراطية استقرارا تاما في الحكم الديني لا يكون مقبولا لدى الغرب الا عندما تدلي الأكثرية المتدينة، مرة واحدة في الاقل، برأيها ضد مبادئها الدينية، وتظهر انها قد وضعت ارادتها في قبال ارادة الدين وزادتها درجة. إن الغربيين يعلمون جيدا انه إذا قدم الحكم الديني، ولو مرة واحدة، رأي الأكثرية على رأي الدين، ومنح ارادة الفرد منزلة وحجية بصورة مستقلة عن المثل الدينية، حينذاك يكون الطريق قد انفتح امام مسيرة الديمقراطية الغربية الحقيقية. إن الأكثرية التي تحكم على (سلمان رشدي) بالاعدام، وتطرد المذاهب التي يصطنعها الاستعمار، مثل البهائية، وتحدد الحرية الجنسية ضمن حدود الاطر الدينية، لا يمكن أن يعتبرها الغرب من الديمقراطية في شي‏ء، بل على العكس من ذلك، انهم يطلقون على هذه الأكثرية اسم الأصولية. نعم، ان الديمقراطية الغربية ملك مطلق للغربيين، لأنها بناء قائم على الرأي القائل بأصالة الفرد الغربي، وان نقلها من مكان إلى آخر يعني انتقالها بدون اركانها وقواعدها!
3ـ الدكتور (ترابي) بخلاف النظريتين السالفتين، لا يسعى إلى ايجاد الانسجام بين الديمقراطية الغربية والحكم الدينى. انه يشير إلى أن جذور الديمقراطية الغربية وأصولها تستند إلى القول بأصالة الفرد، فيقول: ان هدف الليبرالية الأساس هو اعطاء الأصالة للإنسان بصفته كائنا غير مسؤول امام الله[28]. ويشير أيضا إلى عدم نجاح الديمقراطية نجاحا حقيقيا في الغرب، ويعتقد أن المساعي المبذولة ‏لخلق الانسجام بين الحكم الإسلامي والديمقراطية الغربية أن هي الا نتيجة للاستضعاف الفكري، فيقول: ليس باستطاعة احد أن يزعم أن النظم السياسية الغربية انما هي انعكاس لارادة الشعوب، وذلك لأن بين الشعوب والنظم السياسية ثمة بطانات من القادة الحزبيين وبطانات من مصالح الطبقات الخاصة. وعلى الرغم من أن بعض المسلمين يسعون إلى اظهار الإسلام مطابقا للتطورات العصرية، فإننا يجب أن نقول ان هذه المساعي تمثل نماذج للفكر الإسلامي تحت ظروف الاستضعاف[29].
ان حصيلة نظرية الدكتور (ترابي) هي السعي لادخال نماذج من المساهمة العامة في المؤسسات السياسية للحكم الإسلامي، مما يمكن أن يكون تقريرا غريبا تماما عن الديمقراطية الغربية ـ في الظاهر والباطن ـ وان يعتبر مجرد بيعة إسلامية، كما أن اقرب تقرير له من الديمقراطية يكون فقط في ظاهر ارتباطه بالديمقراطية البسيطة والمثالية الافلاطونية. إن نظريته تبتعد، على كل حال، مسافات مديدة عن الديمقراطية الغربية المعاصرة.
يرى الدكتور (ترابي) أن الحكم الإسلامي هو الاصل، ويرسم على ضوئه صورة الرأي العام، ولكنها صورة تمثل في نظريته مفهوما إسلاميا، وان القرآن الكريم يوصي بنموذجه الديني عموما، وعلى هذا الأساس تتحقق المساهمة العامة، على قدر الامكان، في قوالب من النماذج الدينية العملية، ويستفيد المجتمع من مزايا مساهمة عامة كهذه. وعليه، فليس من المهم هل يمكن اطلاق اسم الديمقراطية على ذلك أو لا يمكن. في نظرية الدكتور (ترابي) هنالك ظواهر عديدة من فعل الحكم الإسلامي يتفق انسجامها مع الحكم الديمقراطي الغربي، الا انه انسجام في الظاهر وفي التنفيذ، ولا يستوجب خروج نظريته في جوهرها وبنيتها من إطار الدين الإسلامي بحيث تجعل أصالة الفرد هي المدار في البحث عن النماذج. يقول: انني اعتقد أن حكم الشريعة الإسلامية باعتبارها دستور الحياة السياسية، والحرية بصفتها رمزا للتوحيد، هما ركنان اصيلان في النظام التوحيدي، وان جميع الانبياء يسيرون تحت ‏حكم هذا النظام نحو الله، من دون أن يتعصبوا لاي حزب أو جماعة أو قبيلة. هؤلاء الناس يعبرون عن وجهات نظرهم في الشؤون العامة بكل حرية ومن دون اي ضغط. وفي مثل هذا النموذج يعم نظام الشورى في كل انحاء الحياة الاجتماعية، ويتم حل عقدها عن طريق السعي للعثور على افضل الطرق بالاجماع[30].
يقترح (الترابي)، في إطار الشريعة الإسلامية وحكمها، اقامة نظام الشورى، وهو اقتراح لم يتبلور بعد في فكر الدكتور (ترابي) في صورة فلسفة السياسة الإسلامية، ولكنه يرى أن فلسفة الشورى السياسية هذه، مهما تكن، تقوم على أسس من الأصول الدينية. وبناء على ذلك فان نظريته في الجمع بين الديمقراطية والحكم الديني، تضحي بالفلسفة الديمقراطية الغربية على مذبح الحكم الإسلامي، وذلك لأنه ادرك بفراسته أن الديمقراطية الغربية تقوم على مبادئ بحيث ان الاحتفاظ بها لا ينسجم مطلقا مع الحكم الإسلامي.
لابد من القول ان تعميم نظام الشورى في المجتمعات الإسلامية فكرة مغلقة جدا، إذ ان تحليلا دقيقا من جانب علم الاجتماع السياسي في المجتمعات المعاصرة يمكن أن يعتبر ذلك مجرد مثال خيالي. ولكن فكرة الاستفادة من نظام الشورى في ميادين خاصة، على كل حال، حيثما يمكن أن يكون فاعلا، فكرة مقبولة. الا أن نظرة الدكتور (ترابي) في أن تعميم نظام الشورى هو في الواقع محمل لبلوغ الاجماع العام، انما هو غاية خيالية لا يمكن تصورها حتى في إطار الفكر الديني. إن هناك واقعا مسلما به هو أن المجتمع، وخاصة في عالمنا اليوم، لا يعيش على وفق الاجماع، وهو لا يبحث عن طرق للشورى للوصول إلى الاجماع، بل الهدف هو الاكثار من المساهمة وانكار الاستبداد.
على كل حال، سوف نقف منتظرين من الدكتور (ترابي) أن يقدم نظريته في عرض ادق لكي تتاح فرصة أوفى لدراستها ونقدها. ولكنه في جماع فراسته في ضرورة رسم صورة الحكم الإسلامي في إطار الشريعة الإسلامية يستحق التقدير، وهو، في دقته في بيان تمايز فلسفة الحكم الإسلامي عن فلسفة ديمقراطية الغرب، يدل على تعمقه في هذا الميدان.
على صعيد الفكر الإسلامي، كل مثال من الحكم الإسلامي يمكن أن يوضع على بساط البحث والدرس، بصرف النظر عن الالفاظ والاسماء والمحتوى الديني والعقلي. ولمثال الدكتور (ترابي) مكانة خاصة في هذا المجال. واليوم، إذ يتوجه العالم الإسلامي اكثر فاكثر نحو الشريعة الإسلامية، فانه ـ وهو المهم ـ يطالب بنموذج مفصل للحكم الإسلامي من العلماء المسلمين ورجال الدين، وبذلك يضع على كواهلهم واجبا ثقيلا هو البحث المفصل والوسيع لبيان افضل صورة متقنة للحكم الإسلامي.
وعلى صعيد الفكر الشيعي، اقام الامام الخميني (ره) مثال الحكم الإسلامي على محور «ولاية الفقيه‏» نظريا وعمليا. وظن بعضهم أن اقامة هذا الركن الركين على يد الامام الراحل (ره) قد كشف عن نموذج الحكم الإسلامي بتمامه وكماله. الا أن هذا الظن خطأ، وذلك لأن حكومة «ولاية الفقيه‏»، بنماذجها الكثيرة التي لها مواضع متفاوتة في المؤسسات السياسية، منسجمة. إن ما ابانه الامام الراحل (ره) لم يكن سوى المحور الاصلي والركن الأساس للحكم الإسلامي. غير أن القائد الخالد لم تتح له الفرصة لعرض نموذج تفصيلي وشامل لحكم «ولاية الفقيه المطلقة‏» ولوضعه موضع التجربة العملية. ولكنه مع ذلك، بالنظر لحاجة المجتمع الإسلامي الايراني السياسية، ولاهتمامه الخاص شخصيا بتوسيع النموذج العملي للحكم الإسلامي واكماله، حقق اول برنامج اصلاحي وتكميلي على صعيد التنظيم الأصح لنموذج حكم «ولاية الفقيه‏» فيما انجزه المجلس الاستشاري باعادة النظر في الدستور.
لقد بين الامام الخميني (ره) بكل وضوح ضرورة توصل العلماء المسلمين إلى نموذج شامل يتناسب مع الزمان على صعيد الحكم الإسلامي:
«من المحتمل جدا أن تتغير في السنوات القادمة أساليب ادارة شؤون الناس، وتلجأ المجتمعات البشرية لحل مشكلاتها إلى مسائل إسلامية جديدة. إن على علماء الإسلام العظام أن يباشروا منذ الآن بالتفكير في ذلك»[31].
البحث في الحكم الإسلامي لا يتناول محوره الاصلي الرئيس فحسب، بل، بعد التسليم بأن المحور هو «ولاية الفقيه المطلقة‏»، يأتي دور البحث في اجزاء كثيرة واركان متعددة لها دورها في بنية الحكم الإسلامي، وتنظيمها جميعا يتطلب نموذجا تفصيليا وشاملا. وفي عبارة قصيرة، لابد أن اشير إلى موضوع مهم، وهو أن مجرد اطلاق اسم ولاية الفقيه لا يعني ابدا انكار اصطناع الانظمة الدينية في الميدان السياسي، بل إذا افترضنا مقدما انه ليس في عالمنا اليوم اي نموذج لحكومة غير منسجمة وغير منظمة، فان هذا الاطلاق لابد أن يكون ملازما للعناصر الدينية والعقلية التي تصوغ بناء الحكم الإسلامي.
الخلاصة
على الرغم من أن الحكومة الإسلامية في عالم اليوم ليست معروضة في شكل فلسفة سياسية جامعة نسبيا، فان الديمقراطية الغربية مادامت قائمة على الأصول التي سبق ذكرها، ومادامت تمر متهاونة ومتغافلة بالشكوك والاعتراضات العقلية الموجهة اليها، لا ينتظر امكان ايجاد الانسجام بينها وبين الحكم الإسلامي. إن على العلماء الإسلاميين أن يسعوا في رسم صورة نموذج تقدمي فعال يمتاز بالعقلانية الشاملة للحكم الإسلامي، بعيدا عن التلاعب بالالفاظ حول الديمقراطية والليبرالية وامثال ذلك. وفيما يتعلق بالمجتمع الإسلامي والحكم الديني فلا فرق في أن تنسجم فلسفته السياسية مع طبيعة الغربيين المتلونة القلب، أو لا تنسجم. المهم هو تدوين الحكم الإسلامي والفلسفة السياسية الإسلامية على أحكم أساس من الفهم الديني وأدقه. وهذه الفلسفة، على اي تقدير، ينبغي أن تقدم تفسيرا جليا لامتداد الولاية الالهية في المجتمع الإسلامي وبنيته السياسية. وقبل ذلك عليها أن تبين مكانة الوحي في المؤسسات والسلوكات السياسية. وعلى كل حال، لا ينتظر، في محيط الفكر الإسلامي، أن يتم التغاضي عن محورية «الولاية‏» في الفلسفة السياسية الإسلامية، سواء إذا قبلت «ولاية الفقيه‏» من منظور فقهي أو لم تقبل، وسواء إذا جعلنا مذهب الشيعة هو المعيار، أو اخترنا المذاهب الإسلامية الأخرى. من البديهي إذا امكن اثبات محورية الولاية بصفتها أساس الحكم الإسلامي وقاعدته، عندئذ تكون الصورة الفقهية لازمة وحتمية إلى جانب الشروط الأخرى...
----------------------------------------------
[1] لمزيد من الاطلاع راجع: جورج ساباين «تاريخ نظريات سياسي‏» ترجمة بهاء الدين پازرگاد. ومايكل ب. فوستر وجونز «خداوندان انديشه سياسي‏» ترجمة علي رامين. ان سير تطور النظرية والعمل في مسيرة التاريخ السياسي الذي يصوره هذان وغيرهما من مؤرخي الفكر السياسي، يثبت رأينا.
[2] انطوني كوئينتين «الفلسفة السياسية‏» ترجمة مرتضى اسعدي، المقالة الاولى: عمل النظرية السياسية.
[3] Postmodernism
[4] المصدر الاول، ج2، ص309. المصدر الثاني، المقالة التاسعة بقلم (شومپيتر.) جون كنت گالبرايت (اناتومي قدرت‏» ترجمة محبوبه مهاجر، ص131.
[5] پوپر «جامعه باز ودشمنان آن‏» ترجمة عزت الله فولادوند، ص51.
[6] ديفيد هلد «مدلهاى دموكراس‏» ترجمة عباس مخبر، الفصل التاسع. فرانسيس فوكوياما، مقاله «نهاية التاريخ‏» مجلة «سياست ‏خارجي‏» السنة السابعة، العددان 2 و 3.
[7] كارل پوپر، المصدر السابق، ص30.
[8] جورج ساباين، المصدر السابق، ج2، ص154.
[9] المصدر نفسه، ص174.
[10] المصدر نفسه، ص282.
[11] جورج ساباين، المصدر السابق، ص277.
[12] برتراند راسل «قدرت‏» ترجمة نجف دريا بندري، ص 338. استيون لوكس قدرت‏» ترجمة فرهنگ رجاء، المقالة الرابعة. گالبرايت، المصدر السابق، الفصل الاول.
[13] ديفيد هلد، المصدر السابق.
[14] فوكوياما، المصدر السابق.
[15] برتراند راسل، المصدر السابق، فصل: «رام كردن قدرت‏».
[16] كارل پوبر، المصدر السابق، ص301.
[17] المصدر نفسه.
[18] انطوني كوئينتين، المصدر السابق، المقالة التاسعة «دو مفهوم از دموكراسى‏».
[19] مجلة «كيان‏»، العدد (11) ص12ـ 15.
[20] راجع العلامة الحلي «شرح تجريد الاعتقاد» فصل: افعال الله تعالى. ايضا: محقق لاهيجي «گوهر مراد». الفخر الرازي «مباحث مشرقية‏». الاستاذ الشهيد مرتضى مطهري (ره) «عدل الهى‏» وغيرها من كتب الكلام الإسلامية.
[21] مجلة «كيان‏» المصدر السابق.
[22] كارل پوپر، المصدر السابق، الفصل الخامس.
[23] عبدالكريم سروش، «دانش وارزش‏»، ص310.
[24] مجله «كيان‏»، العدد (17)، «حكومت إسلامي ازديدگاه راشد غنوشي‏».
[25] المصدر نفسه.
[26] المصدر نفسه.
[27] موريس دوورژه «أصول علم سياست‏» ترجمة ابو الفضل قاضي، ص200.
[28] مجلة «كيان‏»، العدد (12)، «الگوى انديشه ديني در حاكميت ‏سودان‏».
[29] المصدر نفسه.
[30] المصدر نفسه.
[31] مجموعه رهنمودهاى امام خميني «صحيفه النور»، ج21، ص100.

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية