موسوعة المصطلحات والمفاهيم || معجم المصطلحات

فلسفة :علم الكلام
التهانوي


ويسمى بأصول الدين، أيضاً، وسماه أ بو حنيفة (ره) بالفقه الأكبر. وفي مجمع السلوك: ويسمى بعلم النظر والاستدلال أيضاً، ويسمى أيضاً، بعلم التوحيد والصفات. وفي شرح العقائد للتفتازاني: العلم المتعلق بالأحكام الفرعية، أي العملية يسمى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام الأصلية أي الاعتقادية يسمى علم التوحيد والصفات، انتهى. وهو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه، فالمراد بالعلم معناه الأعم أو التصديق مطلقاً، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها ويمكن أن يراد به المعلوم، لكن بنوع تكلف بأن يقال علم أي معلوم يقتدر معه، أي مع العلم به الخ. وفي صيغة الاقتدار تنبيه على القدرة التامة، وبإطلاق المعية تنبيه على المصاحبة الدائمة، فينطبق التعريف على العلم بجميع العقائد مع ما يتوقف عليه إثباتها من الأدلة وردّ الشبه، لأن تلك القدرة على ذلك الإثبات إنما تصاحب هذا العلم دون العلم بالقوانين التي تستفاد منها صور الدلائل فقط، ودون علم الجدل الذي يتوسل إلى حفظ أي وضع يراد، إذ ليس فيه اقتدار تام على ذلك، وإن سلم فلا اختصاص له بإثبات هذه العقائد، والمتبادر من هذا الحد ما له نوع اختصاص به، ودون علم النحو المجامع لعلم الكلام: مثلاً إذ ليس تترتب عليه تلك القدرة دائماً على جميع التقادير، بل لا مدخل له في ذلك الترتب العادي أصلاً. وبأن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتدّ بها، وإن كانت مما يستقل العقل فيه، ولا يجوز حمل الإثبات ههنا على التحصيل والاكتساب، إذ يلزم منه أن يكون العلم بالعقائد خارجاً عن علم الكلام ثمرة له ولا خفاء في بطلانه. وليس المراد بالحجج والشبه ما هي كذلك في نفس الأمر، بل بحسب زعم من تصدى للإثبات بناء على تناول المخطئ، ولا يراد بالغير الذي يثبت عليه العقائد غيراً معيناً حتى يرد أنها إذا أثبتت عليه مرة لم يبق اقتدار على إثباتها قطعاً، فيخرج المحدود عن الحدّ. فحاصل الحد أنه علم بأمور يقتدر معه، أي يحصل مع ذلك العلم حصولاً دائماً عادياً قدرة تامة على إثبات العقائد الدينية على الغير وإلزامها إياه بإيراد الحجج ودفع الشبه عنها، فإيراد الحجج إشارة إلى وجود المقتضي، ودفع الشبه إلى انتفاء المانع. ثم المراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد كقولنا الله تعالى عالم قادر سميع بصير، لا ما يقصد به العمل، كقولنا الوتر واجب إذ قد دون للعمليات الفقه. والمراد بالدينية المنسوبة إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام سواء كانت صواباً أو خطأ، فلا يخرج علم أهل البدع الذي يقتدر معه على إثبات عقائده الباطلة عن علم الكلام، ثم المراد جميع العقائد لأنها منحصرة مضبوطة لا تزاد عليها، فلا يتعذر الإحاطة بها والاقتدار على إثباتها، وإنما تتكثر وجوه استدلالاتها وطرق دفع شبهاتها، بخلاف العمليات، فإنها غير منحصرة، فلا تتأتى الإحاطة بكلها، وإنما مبلغ من يعلمها هو التهيؤ التام. وموضوعه هو المعلوم من حيث أنه يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقاً قريباً أو بعيداً، وذلك لأن مسائل هذا العلم إما عقائد دينة كإثبات القدم والوحدة للصانع، وإما قضايا تتوقف عليها تلك العقائد كتركب الأجسام من الجواهر الفردة، وجواز الخلاء وانتفاء الحال، وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، وكون صفاته تعالى متعددة موجودة في ذاته، والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود، والمعدوم والحال، فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلق به إثباتها تعلقاً قريباً، وإن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلق به إثباتها تعلقاً بعيداً. وللبعد مراتب متفاوتة، وقد يقال المعلوم من الحيثية المذكورة يتناول محمولات مسائله أيضاً، فأولى أن يقال من حيث إنه يثبت له ما هو من العقائد أو وسيلة إليها. وقال القاضي الأرموي: موضوعه ذات الله تعالى إذ يبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي هي صفاته الثبوتية والسلبية، وعن أفعاله إما في الدنيا كحدوث العالم، وإما في الآخرة كالحشر، وعن أحكامه فيهم كبعث الرسل ونصب الإمام في الدنيا من حيث إنهما واجبان عليه تعالى أو لا، والثواب والعقاب في الآخرة من حيث إنهما يجبان عليه أم لا، وفيه بحث، وهو أن موضوع العلم لا يبين وجوده فيه، أي في ذلك العلم، فيلزم إما كون إثبات الصانع بيناً بذاته وهو باطل، أو كونه مبيناً في علم آخر سواء كان شرعياً أو لا، على ما قال الأرموي، وهو أيضاً باطل لأن إثباته تعالى هو المقصود الأعلى في هذا العلم. وأيضاً كيف يجوز كون أعلى العلوم الشرعية أدنى من علم غير شرعي، بل احتياجه إلى ما ليس علماً شرعياً مع كونه أعلى منه مما يستنكر جداً. وقال طائفة ومنهم حجة الاسلام الغزالي: موضوعه الموجود بما هو موجود أي من حيث هو هو غير مقيد بشيء، ويمتاز الكلام عن الإلهي باعتبار أن البحث فيه على قانون الاسلام لا على قانون العقل، وافق الاسلام أو لا، كما في الإلهي، وفيه أيضاً بحث إذ قانون الاسلام ما هو الحق من هذه المسائل الكلامية إذ المسائل الباطلة خارجة عن قانون الاسلام قطعاً، مع أن المخطئ من أرباب علم الكلام ومسائله من مسائل الكلام. وفائدة علم الكلام وغايته الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان وإرشاد المسترشدين بإيضاح الحجة لهم، وإلزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم، وحفظ قواعد الدين عن أن يزلزلها شبهة المبطلين، وأن تبتنى عليه العلوم الشرعية، أي يبتنى لعيه ما عداه من العلوم الشرعية، فإنه أساسها وإليه يؤول أخذها واقتباسها، فإنه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلف مرسل للرسل منزل للكتب لم يتصور علم تفسير ولا علم فقه وأصوله، فكلها متوقفة على علم الكلام مقتبسة منه، فالآخذ فيها بدونه كبان على غير أساس وغاية هذه الأمور كلها الفوز بسعادة الدارين. ومن هذا تبين مرتبة الكلام أي شرفه فإن شرف الغاية يستلزم شرف العلم، وأيضاً دلائله يقينية، يحكم بها صريح العقل وقد تأيدت بالنقل، وهي أي شهادة العقل مع تأيدها بالنقل هي الغاية في الوثاقة إذ لا تبقى حينئذ شبهة في صحة الدليل. وأما مسائله التي هي المقاصد فهي كل حكم نظري لمعلوم، هو أي ذلك الحكم النظري من العقائد الدينية، أو يتوقف عليه إثبات شيء منها. والكلام هو العلم الأعلى إذ تنتهي إليه العلوم الشرعية كلها، وفيه تثبت موضوعاتها وحيثياتها، فليست له مباد تبين في علم آخر شرعياً أو غيره، بل مبادئه إما مبينة بنفسها أو مبينة فيه. فهي أي فتلك المبادئ المبينة فيه مسائل له من هذه الحيثية ومباد لمسائل أخر منه لا تتوقف عليها، لئلا يلزم الدور، فلو وجدت في الكتب الكلامية مسائل لا يتوقف عليها إثبات العقائد أصلاً ولا دفع الشبه عنها، فذلك من خلط مسائل علم آخَر به تكثيراً للفائدة في الكتاب. فمن الكلام يستمد غيره من العلوم الشرعية وهو لا يستمد من غيره أصلاً، فهو رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق. بالجملة، فعلماء الاسلام قد دونوا لإثبات العقائد الدينية المتعلقة بالصانع وصفاته وأفعاله، وما يتفرع عليها من مباحث النبوة والمعاد، علماً يتوصل به إلى إعلاء كلمة الحق فيها، ولم يرضوا أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلاً، فأخذوا موضوعه على وجه يتناول تلك العقائد، والمباحث النظرية التي تتوقف عليها تلك العقائد سواء كان توقفها عليها باعتبار مواد أدلتها أو باعتبار صورها، وجعلوا جميع ذلك مقاصد مطلوبة في علمهم هذا، فجاء علماً مستغنياً في نفسه عما عداه، ليس له مباد تبين في علم آخر. وأما وجه تسميته بالكلام فلأنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات، أو لأن أبوابه عنونت أولاً بالكلام في كذا، أو لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه، حتى كثر فيه التقاتل. وأما تسميته بأصول الدين فلكونه أصل العلوم الشرعية لابتنائها عليه، وعلى هذا القياس في البواقي من أسمائه.

مركز الصدرين للمصطلحات والمفاهيم   || معجم المصطلحات