موسوعة المصطلحات والمفاهيم
موسوعة
علم الحديث

الشيخ مهدي السماوي
أسباب الوضع وإثارة الشبهات

كل ما مر من العوامل لإخفاء النص وما مر من الأحداث التي يلزم أن نضعها نصب أعيننا، ونحن نتابع موضوعاً كهذا له حساسيته، وله أهميته العظمى، فإن ما يتمخض عن كل عامل بانفراد، أو بتفاعل بعضها مع البعض هو البلبلة والإضاعة لكثير من الحقائق، والتشويه لكثير من الصور.
ويمكن أن نوجز تلك العوامل أمام استعراض النصوص، ومعرفة من هو الإمام بنص الكتاب.
1 ـ عامل العصبية:
ويتصل بهذا النحو أحاديث وضعها الواضعون في تفضيل القبائل العربية بعضها على بعض، ذلك أن هذه القبائل كانت تتنازع الرئاسة والفخر والشرف فوجدوا في الأحاديث باباً يدخلون به إلى المفاخرة، كالذي وجدوه في الشعر ((فكم من أحاديث وضعت في فضل قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار والأشعريين والحميريين، وكم من حديث وضع في تفضيل العرب على العجم والروم، فقابلها هؤلاء بوضع أحاديث بفضل العجم والروم والترك)).
2 ـ الأغراض السياسية:
فإن للجهاز الحاكم أثره في إخضاع المؤلفين لمآربهم، وفق سياساتهم وقد كان بديهياً في السياسة الأموية، وكذلك العباسية محاربة أهل البيت والتنقص من قيمتهم، والبراءة منهم، حتى أعلن معاوية ((لقد برئت الذمة ممن يروي فضيلة لأبي تراب، وقد استخدمت السلطات لهذه المهمة القصاص، والشعراء، والكتّاب لبثّ ما يرغب في ترويجه جهاز الدولة الحاكم.
وواضح أن فضائل الإمام علي، وما ورد في حقه من نصوص مما يثير سخط الولاة ونقمتهم على مَن يتصدى لذكرها، فبوسع الباحث في التاريخ أن يتساءل ما هي جريرة عمرو بن الحمق الخزاعي، وحجر بن عدي، وهما هما في الصحبة والجهاد، وغيرهما أمثال ميثم التمار ورشيد الهُجَري والنسائي، والكميت ودعبل وغيرهم ممن طاردتهم السلطات ونكلت بهم أبشع تنكيل، فما جريرتهم سوى ولائهم لعلي بن أبي طالب (ع) أو جرأتهم في التحدث بفضل أهل البيت، (وتلمح أحاديث كثيرة لا تكاد تشك وأنت تقرؤها أنها وضعت لتأييد الأمويين أو العباسيين، أو الحط منهم، كالخبر الذي ورد أن رسول الله (ص) قال في معاوية:
اللهم قِهِ العذاب والحساب، وعلِّمه الكتاب. وكالذي روي أن عمرو بن العاص: قال رسول الله (ص) أن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحوا المؤمنين.
وقد قال ابن عرفة: إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقرباً إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم.
3 ـ عامل المبالغة:
والإغراق في الذم أو المدح من قبل الأدباء الذين يملكون الأداة التعبيرية في التاريخ، فقد كان مستساغاً جداً أن يقف الشاعر بين يدي الخليفة ليمدحه فيقول وهو يسمع:
وأَخَفْتَ أهل الشِركِ حتى انه
لتخافك النُطَفُ التي لم تُخلق
ويقف شاعر آخر على خليفة ثان فيقول:
ما شئت، لا ما شاءت الأقدار
فاحكم فأنت الواحد القهار
والشواهد الأدبية على ذلك ليس لها حصر، حتى شاع عن الشعر، أعذبه أكذبه.
4 ـ الطائفية:
وليس خفياً ما لعبته الطائفية من أدوار في تشويه الحقائق وخلق الأراجيف، وكثرة الموضوعات، وهل دوخ المسلمين على المدى البعيد عامل أخطر وأفتك من الطائفية.
5 ـ حب الظهور:
فإن رواج سوق الحديث في الأوساط الإسلامية وشغف العامة بها من الأمور البارزة والملحوظة في التاريخ، وقد استغل الحكام هذا الصنف من الناس ليكونوا قصّاصين في المساجد، فيتصدى كثير من أهل الرغبة في الشهرة، ويتصدر هذه المجالس ليقص، وكثيراً ما يكون قصير الباع، محدود المعرفة، فينفذ ما عنده فيضطر إلى الوضع. ولا أظنني بحاجة إلى سرد الأمثلة على ذلك لوضوحه، ولأنه يبعدنا عن الإيجاز.
ـ الملجآت المعاشية:
فبحسب الراوي فضيلة لآل أمية أو بني العباس، أو المروج لأحد الولاة والسلاطين، اللقاء السمح، والعطاء السخي، والوجاهة المحببة.
وعلى العكس من روج لغير ما تشتهيه الولاة، وإن كان حقاً لا شوب فيه فإن الحرمان والأذى بأبشع صوره بعض ما ينتظر له، وقد عرف أناس بتزلفهم للسلاطين، ووضع أحاديث لهم كما يرغبون، كالذي ((حكي عن غياث بن إبراهيم أنه دخل على المهدي بن المنصور، وكان بعض هواياته اللعب بالحمام، فروى له حديثاً يحبب اللعب بالحمام، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام ليخرج قال المهدي: أشهد أن قفاك كذاب على رسول الله (ص)، ما قال رسول الله (جناح)، ولكنه أراد أن يتقرب إلينا)).
7 ـ الاجتهادات الغريبة:
فقد نقل عن ابن عبد ربه الأندلسي جوابه لمن سأله: لماذا هذا التزيد من الحديث على رسول الله (ص)؟ فأجاب: بأن رسول الله (ص) قال: ((مَن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))، وأنا أكذب له لا عليه.
وقد قيل بوضع أحاديث في تفسير البيضاوي ((عند ختم كل سورة فلما سئل من أين هذه الأحاديث؟ قال: لما رأيت اشتغال الناس بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق وأعرضوا عن حفظ القرآن وضعت هذه الأحاديث حسبة لله تعالى)).
فأنت ترى إن هؤلاء لم يكونوا يرون الوضع عن رسول الله (ض) نقيصة خلقية، ولا معرة دينية، روى مسلم عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه قال: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث وفسر مسلم هذا بأنه (يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب) وبعضهم كان سليم النية يجمع كل ما أتاه على أنه صحيح، وهو في ذاته صادق فيتحدث بما سمع، فيأخذه الناس عنه مخدوعين بصدقه كالذي قيل في عبدالله بن مبارك فقد قيل إنه ثقة صدوق اللسان ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر. وقوم كانوا يتحرون فقط أن يكون الكلام حقاً في ذاته فيستجيزون نسبته إلى رسول الله قال خالد بن يزيد سمعت محمد بن سعيد الدمشقي يقول: إذا كان كلام حسن لم أر بأساً أن أجعل له إسناداً. وكان أبو جعفر الهاشمي المديني يضع أحاديث حق وقوم جوزوا وضع الحديث في الترغيب والترهيب، قال النووي: (وقد سلك مسلكهم بعض الجهلة المتسمين بسمة الزهاد ترغيباً في الخير في زعمهم الباطل).
8 ـ الأحقاد:
وما أكثر ما تملي الأحقاد على بعض الأشخاص المنتمين إلى مذهب أو ولاء معين فيلفقون ضد المذهب أو النحلة التي لا ينتمون لها من الأخبار التي لا يستسيغها إلا مَن يستسيغ الكذب ولنا في التأريخ من الشواهد والأمثلة على ذلك ما لا يحصى.
هذه جملة كبيرة من الأسباب التي تمون التاريخ بمادته التي صيغ كثير من الأحاديث بدافع من ضغوطها وتوجيهاتها وقد يجتمع في تلفيق حادثة واحدة أكثر من سبب واحد من هذه الأسباب.
9 ـ انفساخ المجال للإسرائيليات:
فقد كان الوضع العام للأمة رغم قوتها وهيبتها وتقدمها في الفتوح كثيراً في أيامها الأولى ولكن التلاعب الكبير باسم الدين له مجاله الواسع حتى كان من ذلك ضخ إسرائيلي كبير تجد آثاره في التفسير والتأريخ والروايات وقد سميت فيما بعد بالإسرائيليات وكم لليهود من مؤامرة غادرة ومحاولات لئيمة لغرض خلق البلبلة والإساءة إلى المسلمين في شؤونهم المختلفة كلما واتتهم فرصة أو انفسخ لهم مجال وعلى ذلك ألف دليل ودليل لا تسع هذه العجالة التوسع فيها.
10 ـ اللادينية:
يحدثنا التاريخ عن نشاط الزنادق الدائب واللادينية بعموم من أجل زرع الشك في أذهان المسلمين وبلبلة أفكارهم ونزع الثقة من أنفسهم بدينهم. وقد استعرض المحقق الكبير العلامة الجليل السيد مرتضى العسكري نشاط ثلاثة نماذج من الزنادقة:
أحدهم مهمته أن يترجم الكتب الأجنبية وينشرها بين المسلمين ويروج لها، والثاني: مهمته نشر التفسخ الخلقي، والدعارة والمجون والتحلل من كل الضوابط الإنسانية.
والثالث: جم النشاط كثير التنقل، دؤوب نشيط في تشويش عقائد المسلمين وبلبلة أفكارهم. وهم جميعاً يشتركون فيما يؤثرون عامدين في المجتمع الإسلامي من تخلخل وزعزعة لكيانهم الحضاري ونظامهم الاجتماعي وعندما يشيع أمر أحدهم فيسجن ويقدم للقضاء الشرعي ليقتل باعتباره مفسداً في الأرض وحينئذ تكثر شفعاؤه لدى الخليفة فيكتب لواليه بالكف عنه غير أنه سبق السيف العزل. وعند يأسه من الحياة يعلن بأنه وضع أربعة آلاف حديث يحلل فيها الحرام ويحرم فيها الحلال.
نقل عن ابن الجوزي في كتابه الموضوعات: إنه روى عن المهدي الخليفة العباسي إنه قال: أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمائة حديث فهي تجول في أيدي الناس وقد كان من هؤلاء الزنادقة مَن يفعل الشيخ في كتابه فيدس فيه ما ليس في حديثه فيروي به ذلك الشيخ ظناً منه أنه من حديثه. قال: وقال رجاء بن زيد وضعت الزنادقة أربعة آلاف حديث وقصة استخلاف المهدي ـ تدل على لباقة الزنادقة في وضعهم الأحاديث وتحينهم الفرص الدقيقة من أجل كسب الخلفاء إلى جانبهم في ضيعة أو دالة أو يد يقدمونها للخليفة في ساعة مناسبة حتى يكون عوناً لهم في أغراضهم الجهنمية الخبيثة .. وتستطيع أن تستشف من هذه الرواية كثيراً من الحقائق فقد نقل أن المنصور أراد أخذ البيعة لولده المهدي .. وكان أحد هؤلاء المعروفين بالزندقة (مطيع) قد اشترك في مراسيم التهنئة بولاية العهد … وبعد أن انتهى (مطيع) من دوره في الإنشاد قال للمنصور: يا أمير المؤمنين حدثنا فلان عن فلان إن النبي (ص) قال: المهدي محمد بن عبدالله وأمه من غيرنا يملأها عدلاً كما ملئت جوراً .. وهذا العباس بن محمد أخوك يشهد على ذلك .. ثم أقبل على العباس .. وقال: أنشدك الله هل سمعت هذا؟ فقال: نعم مخافة من المنصور فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهدي.
ولما انفض المجلس قال العباس: أرأيتم هذا الزنديق إذ كذب على الله ورسوله لم يكتف حتى استشهدني على كذبه فشهدت له خوفاً. وشهد كل مَن حضر علي بأني كاذب.
ويحدثنا المحقق الكبير السيد العسكري عن سيف المتهم بالزندقة (فإنه وضع آلافاً من الأحاديث مما لا يُدرى عددها ذهبت في مصادر إسلامية منذ مئات السنين استطاع فيها سيف أن يحرف التاريخ الإسلامي ويبرزه على خلاف حقيقته فإن كان ابن أبي العوجاء وضع أربعة آلاف حديث يحرم فيها الحلال ويحلل فيها الحرام فإن سيفا وضع آلافاً في الأحاديث أبرز فيها أروع أصحاب النبي سخفاء جناة .. والمغموضين في دينهم ذوي حجى وورع ودين ـ استطاع أن يدخل أساطير خرافية في التأريخ الإسلامي شوه فيها الحقائق الإسلامية وأثر فيها على عقائد المسلمين وعلى رأي غير المسلمين في الإسلام. وفي هذا يشترك سيف مع مَن ذكرنا من الزنادقة في تأثيرهم على العقائد الإسلامية ).
(وإن كان سند مطيع في عمله ما وضعه من حديث في بيعة المهدي وبذلك كسب حماية المهدي له فإن سيفاَ وضع جل أحاديث في تأييد السلطة القائمة والحط من مناوئيها فكسب بذلك حماية السلطة لموضوعاته وكسب رواجها إلى اليوم هذا).
ولقد مضى الزمن وسجل التأريخ أدواراً خطيرة نشط فيها الوضع وشاع الكذب حتى قال ابن معين الرجالي المعروف: (كتبنا عن الكذابين وسجرنا به التنور وأكلنا خبزاً نضيجاً).
ويعترف ابن العذاقري بدسه أربعين ألف حديث .. ولا يثير فيك الغرابة هذا العدد الهائل فحسبك أن تقرأ التحقيق الجليل للعلامة المحقق الكبير السيد مرتضى العسكري في كتابه ((ابن سبأ)) أتدري مَن هو ابن سبأ؟
لقد أظهر التحقيق العلمي أنه الشخصية الخرافية الملفقة .. هذه الشخصية الوهمية التي لعبت في أخبار المسلمين وتأريخهم أدوارها الكبيرة حتى كان من بعض نتائجها التأثير على سمعة ألمع الشخصيات الإسلامية وكهربتهم في أسلاكها .. وإذا به من الوضع المفضوح لا نصيب له من الواقع بل لقد ظهر لهذا الباحث الكبير (خمسون ومائة صحابي مختلق) ومن هنا سيظهر للعيان فعل الأيدي اللعوب والعداء الديني السافر والأحقاد المتوارثة والعصبيات المتناحرة. فكان في تفاسير المسلمين لأعظم مقدساتهم وفي أخبارهم وتواريخهم الإسرائيليات والخرافات والتجاوزات الظالمة.
ومن هنا يظهر جلياً مغزى ما روي عن ابن عباس، وبشير العدوي يحدثه، وهو لا يسمع إليه فيسأله عن السبب في عدم سماعه فيقول له: ((إنا كنا إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله (ص) ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)).
هذا والعهد قريب في عهد النبوة فما رأيك بعد ذلك من الأزمان والأسباب تتضاعف كل يوم موجباتها ((فلما فتحت الفتوح فدخل في الإسلام مَن لا يحصى كثرة من الأمم المفتوحة من فارسي، ورومي، وبربري، ومصري وهوري، وكان من هؤلاء مَن لم يتجاوز إيمانهم حناجرهم أكثر الوضع كثرة مزعجة وسال الوادي حتى طمّ على العزي. قال ابن عدي لما أخذ عبدالكريم بن أبي العوجاء الوضاع ليضرب عنقه قال: لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها وأحلل.
وكان عبدالكريم هذا خال معن بن زائدة واتهم بالمانوية وكان يضع أحاديث كثيرة بأسانيد يغتر بها مَن لا معرفة له بالجرح والتعديل وتلك الأحاديث التي وضعها كلها ضلالات في التشبيه والتعطيل، وفي بعضها تغيير أحكام الشريعة.
وحسبك دليلاً على مقدار الوضع أن أحاديث التفسير التي ذكر عن أحمد بن حنبل إنه قال لم يصح عنده منها شيء قد جمع فيها آلاف الأحاديث. وإن البخاري وكتابه يشتمل على نحو سبعة آلاف حديث منها نحو ثلاثة آلاف مكررة قالوا إنه اختارها وصحت عنده من ستمائة ألف حديث كانت متداولة في عصره. فقد كتب على غلاف البخاري: خرّجت كتاب الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث لست عشرة سنة وعدد أحاديث صحيحه 7275 بإسقاط المكرر وهو أربعة آلاف.
(وقال سفيان: سمعت جابراً يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث ما ا ستحل أن أذكر منها شيئاً وإن كان لي كذا وكذا).
وهكذا القول في بقية المذاهب يقول أحمد أمين: (فلا تكاد تجد فرعاً فقهياً مختلفاً فيه إلا وحديث يؤيد هذا وحديث يؤيد ذاك حتى مذهب أبي حنيفة الذي يذكر العلماء إنه لم يصح عنده إلا أحاديث قليلة قال ابن خلدون: ((إنها سبعة عشر)) ملئت كتبه بالأحاديث التي لا تعدو أحياناً بنصوص هي أشبه ما يكون بمتون الفقه، ويطول بنا القول لو ذكرنا أمثلة على هذا النحو من الوضع).
وفي الختام أرجو أن تحضر انتباهك لما ذكر في التفسير المنسوب للإمام العسكري عن أصناف من الكذابين.
((منهم مَن يتعمدون الكذب ليتجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم ومنهم قوم نصاب لا يقدرون على القدح فينا فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا وينتقصون بنا عند أعدائنا ثم يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها فيقبله المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا فضلوا وأضلوا.
أولئك أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي (ع) هكذا يضيفون إليه أضعافه وأضعاف أضعافه من الأكاذيب .. أولئك أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي (ع) أرأيت .. ؟ وقد ورد عن الإمام الصادق (ع): ((إن الناس أولعوا في الكذب علينا كأن الله افترضه عليهم ولا يريد منهم غيره)).
وهذا غاية ما يمكن أن يقال في الاهتمام بالكذب بحيث أولعوا فيه كأنه فريضة شريعة فرضها الله تبارك وتعالى عليهم ولا يريد منهم غيرها فقد حصروا اهتمامهم فيه وهذا منتهى ما يتصوره انسان في احتمال اهتمامهم بالكذب والوضع والتزوير والدس .. ولا أظنك عزيزي القارئ وقد سايرت البحث إلى هذه النقطة قد بقي عندك أدنى شك أو شبهة في أن التلاعب بمقدرات الأمة قد بلغ أقصاه وعند هذا الحد فإن من حقك أن تستنتج ما تعطيه هذه الأسباب من نتائج .. تخيل بدقة حكومة معاوية وآل أمية وهي تهيمن على الأمة أكثر من ثمانين عاماً تستغل غاية ما تملك من ضغوط تكم بها الأفواه الجريئة وتستخدم ما تقوى عليه من غير قيد أو التزام وتكتل كل الطاقات الفاعلة من أجل غاية فيها بقاء الحكم وفيها إرضاء وإرواء الرغبات والحاجات للعظمة الحاكمة .. ماذا سينتظر الساعون في هذا الصدد الممعنون في الدس والوضع؟ الدينار العزيز والجاه العريض والعيش الرضي والمناصب الفاتنة لمن يروي فضيلة .. من فضائل أبي تراب منسوبة ليس لعثمان فحسب ولو كان في حق غيره حتى تضيع فضائله إذ لا يكون حينئذ له مزيد عليهم أو مزيد فضل وقد مر عليك ((قول ابن عرفة إن أكثر الأحاديث الموضوعة في حق الصحابة افتعلت أيام بني أمية تقرباً إليهم بما يظنون إنهم يرغمون به أنوف بني هاشم)).
كما ذكر أحمد أمين ما قوبلت الشيعة به من قبل (البكرية) بمطاعن كثيرة في علي وفي ولديه، ونسبوه تارة إلى ضعف العقل وتارة إلى ضعف السياسة وتارة إلى حب الدنيا والحرص عليها.
سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم وجرأة كبيرة على الله ورسوله وحبيب رسوله بلا حياء، ولا خجل وليس هذا بمستكثر لمن درس الأوضاع باتقان ونظر إليها بدقة .. هذا في الطبقة الأولى فما رأيك في الطبقات التالية والفتن المتلاحقة والظلمات التي يتبع بعضها بعضاً أو يتبع آخرها أولها ولا ينفد آخرها .. فهل تنتظر بعد ذلك أن تصل إليك فضائل الإمام علي (ع) المجرد من السلطة .. والذي جهدت سلطات متعددة متتالية على محو اسمه لو أمكنها ذلك والقضاء على سمعته التي اندمجت بالإسلام ونبي الإسلام منذ البدء وحتى النهاية.
ورغم المحاولات المخططة والمدعمة بكل الإمكانات المتعارفة للدعاية وبرغم ذلك يستطيع المتبصر أن يراها محاولات فاشلة فقد باءت بالفشل فإذا بالنور يلوح للنظار حجة قائمة، وبياناً وضاحاً ينادي ((علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار)) فقد قيل ((ماذا أقول في رجل كتم أعداؤه فضائله حسداً له، وكتم أحباؤه فضائله خوفاً على أنفسهم وظهر .. ما بين ذين وذين ما ملأ الخافقين .. )) يقول الجاحظ في البيان والتبيين: (وتنقص ابن لعبدالله بن عروة بن الزبير علياً رحمه الله).
فقال له أبوه: والله ما بنى الناس شيئاً قط إلا هدّمه الدين ولا بنى الدين شيئاً فاستطاعت الدنيا هدمه .. ألم تر إلى عليّ كيف يظهر بنو مروان من عيبه وذمه .. (والله لكأنما يأخذون بناصيته رفعاً إلى السماء .. أو ما ترى ما يندبون به موتاهم من التأبين والمدح,
والله لكأنما يكشفون عن الجيف , ..
* المصدر : الامامة في ضوء الكتاب والسنة /ج1

مركز الصدرين للمصطلحات والمفاهيم    || موسوعة علم الحديث