مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

ولاية الفقيه وحدودها


حدود وصلاحيات الفقيه

لما وصل البحث في كتاب البيع إلى موضوع (أولياء عقد البيع) طلب مني كثير من الفضلاء البحث في مسألة ولاية الفقيه بشكل واف، فلبيت طلبهم لكون المسألة من المسائل المبتلى بها، لاسيّما في هذا العصر، بل الابتلاء بها أشد من كثير من المسائل الفرعية وذلك لابتناء الحكومة الإسلامية عليها فنقول ونستمد من الله تبارك وتعالى التوفيق والهداية إلى ما يرضاه ويرضى رسوله والأئمّة الهادون من أهل بيته (عليهم السلام).
إنّما عبرنا بهذا العنوان «صلاحيات الفقيه» بدلاً عمّا هو المعروف من «ولاية الفقيه»، لكونه أعمّ وأتم كما سيتبين ممّا سنتلو عليك منه ذكراً، وأعلم أن له صلاحيات مختلفة:
المنصب الأوّل: منصب الإفتاء
قال شيخنا الأعظم في مكاسبه:
«للفقيه الجامع للشرائط مناصب ثلاثة أحدها: الإفتاء فيما يحتاج إليها العامي في عمله، ومورده المسائل الفرعية والموضوعات الاستنباطية من حيث ترتب حكم شرعي عليها».
أقول: الإفتاء كما أنه من مناصب الفقيه فإنه من وظائفه أيضاً، ويجب عليه وجوباً كفائياً، وللعوام أن يقلدوه، ولا بأس بالإشارة إلى دليل جواز التقليد هنا إجمالاً وإن كان شرحه سيأتي لاحقاً.
والعمدة فيه قبل الآيات والروايات سيرةً العقلاء عموماً، وسيرة أهل الشرع خصوصاً في رجوع الجاهل إلى العالم، والأولى حجّة بعد إمضاء الشرع ولو بعدم الردع، والثّانية حجّة من دون حاجة إلى أمر آخر.
أمّا الأولى فهي ظاهرة لمن نظر في أمور العقلاء، لأنّ المتداول بينهم منذ قديم الأيّام إلى حديثها، ومن أرباب الديانات إلى غيرهم، رجوع كلّ جاهل في علم وفن إلى عالمه، لا تجد له نكيراً ولا تسمع فيه خلافاً.
والسرّ فيه أن العلوم والفنون كثيرة، متشعبة بشعب مختلفة، لا يقدر كلّ إنسان ـ أي إنسان كان ـ على الاجتهاد في جميعها، بل ولا في عشر من أعشارها، ولذا قد يكون مجتهداً في علم أو علمين، في فن أو فنين دون غيرها، فالطريق له هو الأخذ بقول من هو مجتهد فيها، فالمهندس يرجع إلى الطبيب إذا مرض، كما أن الطبيب يرجع إليه إذا أراد بناء بيت أو مستشفى، ولا يستغني أحدهما عن الآخر وكذا أرباب الحرف والصنايع والمهن وهذا أمر واضح.
وأمّا العمل بالاحتياط فغير ممكن إلاّ لبعض المتميزين من أهل الفضل، ولا في جميع المسائل، فإن الأمر في بعضها يدور بين المحذورين لابدّ من الاجتهاد فيها، كما إذا نذر الصوم في السفر لا يدري أنه صحيح حتّى يكون واجباً أو باطل حتّى يكون حراماً، وكذا إذا حكم الحاكم بأن اليوم، يوم عيد، فإن قلنا باعتبار حكم الحاكم في الهلال فيحرم عليه الصيام، وإلاّ فيجب عليه إلى غير ذلك من أشباهه.
وما قد يقال ـ كما قال به فئة قليلة ـ إن التقليد حرام وأنه يمكن لجميع الناس الرجوع إلى كتاب الله وكتب الحديث وأخذ الأحكام فيها والعمل بها، فاسد جدّاً، لا يمكن التفوه به إلاّ من غافل عن كيفية استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة، فإنه يحتاج إلى معرفة اللغة والعلوم الأدبية والتفسير والحديث والرجال وعلم الأصول وغير ذلك، ومعرفة الناسخ من المنسوخ، والحاكم من المحكوم، والعامّ من الخاصّ، والمطلق من المقيّد، ومعرفة أحكام المتعارضين، وطريق الجمع بينهما، وكيف يقدر جميع الناس على ذلك، حتّى إذا فرضنا إقبالهم على الفقه وترك جميع التجارات والزراعات والصنايع والحرف، الذي يؤدّي إلى اختلال النظام، لعدم استعداد جميعهم لذلك، حتّى يشاهد في بعض الحوزات العلمية أناس يدرسون أكثر من عشرين سنة لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد ولو في مسألة واحدة فقهية، فكيف بغيرهم، والحقّ إن الاجتهاد أشد من طول الجهاد كما أشار إليه شيخنا الأعظم الأنصاري في بعض كلماته.
وهل يقدر جميع الناس إذا مرضوا بأمراض مختلفة أن يراجعوا بأنفسهم الكتب الطبية ويعملون بما فيها؟ وكذا إذا أرادوا بناء دار أو مدرسة أو سوق أو غيرها يطالعون كتب الهندسة ويستغنون بها عن مراجعة أهل الخبرة، وهذا أمر واضح ظاهر.
وأمّا سيرة أهل الشرع: فقد استقرت منذ زمن النبي (صلى الله عليه وآله) على رجوع الناس في المسائل الشرعية إلى فقهاء الأمة، فكان (صلى الله عليه وآله) إذا فتح بلداً أرسل إليه أميراً وقاضياً، فالأمير لنظم البلد، والقاضي للفتوى والقضاء، ولم يكن القضاء في تلك الأيّام أمراً مستقلاًّ عن الإفتاء، فإذا جهلوا بالحكم سألوه عنه، وإذا اختلفوا وتنازعوا في الحقوق رجعوا إليه للقضاء بينهم.
وقد كان بعضهم جامعاً بين مقام الإمارة والفتوى وإن كان هذا قليلاً بينهم، ومن هنا يتضح حال مقبولة عمر بن حنظلة وأنه لا عجب أن يكون صدره في القضاء وذيلها في الإفتاء.
ثمّ إنه لمّا اتسع نطاق الفقه والعلم انفصل مقام القضاء عن الإفتاء، فقد كان هناك فقهاء عارفون بالأحكام يراجعهم الناس في كلّ بلد وإن لم يكونوا من القضاة فقد قال الصادق (عليه السلام) ـ كما في الحديث ـ لبعض أصحابه: «أحب أن تجلس في مسجد المدينة وتفتي الناس».
نعم، الاجتهاد في تلك الإعصار كان بسيطاً جدّاً بالنسبة إلى عصرنا هذا، يكفيه معرفة اللغة ومعرفة الحديث والرواية وحكم التعارض بين الأحاديث وشبه ذلك.
وما قد يتوهّم أن الاجتهاد والاستنباط لم يكن في تلك الأيّام بل كانوا يكتفون بنقل الأحاديث المأثورة باطل جدّاً، لأن الأحاديث كانت متعارضة، وكلمات أهل اللغة في تفسير بعض الآيات كانت متضاربة، إلى غير ذلك ممّا يحتاج إليه في الإحاطة بمسائل الأصول والفقه واللغة وغيرها، ومن ينكره إنّما ينكره باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان.
هذا كلّه بالنسبة إلى الأحكام.
أمّا الموضوعات: فهي على أقسام ثلاثة:
1 ـ الموضوعات المستنبطة: كالمركبات الشرعية مثل الصلاة والصيام والحجّ التي تستفاد أجزائها وشرائطها من أدلّة الشرع، وفي الحقيقة البحث عن هذه الموضوعات يعود إلى البحث عن أحكام أجزائها وشرائطها وموانعها، وقد حقّق في محلّه أن هذه الأمور منتزعة عن الأحكام الشرعية الواردة في مواردها من الأمر والنهي، لا أنها مجعولة بذاتها، فالتقليد فيها تقليد في الأحكام واقعاً.
2 ـ الموضوعات العرفية غير المستنبطة، وهي على قسمين: قسم منها ظاهرة واضحة يقدر المقلّد على معرفتها كالماء المطلق والمضاف والدم والبول وأشباهها، ولاشكّ أن معرفة حالها بيد المقلّد الذي هو من أهل العرف، حتّى لو خالف علمه علم المرجع والمفتي يعمل بعلمه، ولا يعتنى بقوله، والوجه فيه أنه لا فرق في ذلك بينه وبين مرجعه، فإذا خالفه في علمه بالموضوع لزمه العمل بعلم نفسه فقط.
وقسم آخر الموضوعات العرفية الخفية ممّا تحتاج في فهمها وفهم مصاديقها إلى دقة النظر، وسلامة الذوق، والممارسة والإحاطة بهذه الأمور، فهذا أيضاً يرجع المقلّد فيه إلى مجتهدة، وكثير من المسائل الفرعية في الكتب الفقهية والرسائل العملية من هذا القبيل، فليس فيها كشفاً لحكم شرعي، واستنباطاً من الأدلة الشرعية، بل يكون من قبيل تطبيق الكلي على أفراده، وتعيين الموضوعات الخفية ولو لم يجز التقليد في أمثالها كان ذكر هذه الفروع في الرسائل العملية لغواً بل إغراء بالجهل.
مثلاً فقد ورد في غير واحد من الأحاديث أن السجود جائز على الأرض وما أنبتت إلاّ ما أكل ولبس[1].
والحكم مطلق واللفظ عام شامل ومفهومه ظاهر، ولكن مع ذلك فقد وقع الشك في شمولها لبعض الأمر كقشر الفواكه والأدوية والعقاقير والشاي قبل أن يطبخ وما يكون مأكولاً في بلد دون بلد، أو ملبوساً كذلك، وكذا في ما ليس كذلك بالفعل ولكن يكون مأكولاً أو ملبوساً بالقوّة، إلى غير ذلك من الفروع الكثيرة التي أوردوها في الكتب، ولا يقدر العامي على استنباط أحكامها، فعلى الفقيه ملاحظة حال هذه الفروع و صدق هذين العنوانين عليها وعدمه، فإن غالب العوام غير قادرين على الدقة في هذه الأمور، ولكن الفقيه لمزاولته هذه الفروع وأمثالها قادر على أخذ حقيقة هذه الأمور من أعماق أذهان أهل العرف وردها إليهم، ولا عجب في ذلك فتدبّر جيداً.
وكذلك لاشكّ أن مسافة القصر ثمانية فراسخ كما دلت عليه النصوص، ولكن في صدقها على الثمانية الدورية أو المرتفع في الجو أو في أعماق الأرض غموضاً يتصدى لرفعه الفقيه.
وكذا يظهر من بعض الروايات كفاية المحاذاة للمواقيت وأفتى به الأصحاب، ولكن وقع الكلام في أن المواقيت الخمسة (مسجد الشجرة والجحفة وقرن المنازل ويلملم والعقيق) محيطة بالحرم بحيث ينتهي كلّ طريق إلى أحدها، أو ما يحاذيها أو لا تكون كذلك، حتّى يقع الكلام في حكم مثل هذا الشخص وأنه هل يجب عليه الإحرام من أدنى الحلّ أو غيرها، فهذا وإن كان من الموضوعات الخارجية ولكن إدراكها لأكثر العوام مشكل، فعلى الفقيه بذل الجهد فيه ولو بالرجوع إلى أهل الخبرة ثمّ الفتوى بما تقتضيه الأدلّة بعد إحراز الموضوع، إلى غير ذلك ممّا هو كثير.
بقى هنا شيء ـ وهو أنه هل الإفتاء للفقيه من المناصب أو من الأحكام؟ كلام شيخنا الأعظم صريح أنه من المناصب كالقضاء والولاية، ولازمه أن يكون موكولاً إلى نصب ولي الأمر، ولكن لا دليل عليه بل ظاهر الآيات مثل آية الذكر وغيرها والروايات الكثيرة مثل قوله «فللعوام أن يقلدوه» وغيرها كونه حكماً، فالجاهل في جميع الحرف والصنايع والمهن يرجع إلى العلماء فيها من دون حاجة إلى نصبهم لهذا المنصب من طريق الحكومة، وكذلك في أحكام الدين.

المنصب الثّاني: القضاء والحكم بين الناس
وهذا أيضاً من مناصب الفقيه ووظائفه الواجبة عليه كفاية، وقد يكون واجباً عينياً، ولا بأس بأن نشير إلى دليله إجمالاً وإن كان الكلام فيه بالتفصيل سيأتي في كتاب القضاء.
فنقول أنه ثابت له عقلاً ونقلاً.
أمّا العقل: فلأن وقوع المنازعة والخصومة في المجتمعات البشرية ممّا لا يمكن اجتنابه ما لم تصل إلى مستوى راقي من الإيمان والتقوى والثقافة العالية الدينية، ولابدّ حينئذ من طريق إلى فصلها، كي لا يتسع نطاقها وتطيح بالنظام كلّه ويقع الاضطراب وإراقة الدماء وغيرها، فيجب التصدي لفصل الخصومات والحكم بين الناس لجماعة من العلماء وجوباً كفائياً، وأحق الناس به وأولاهم بل القدر المتيقن من بينهم هو الفقيه الجامع للشرائط، العالم بأحكام الإسلام، وشرائط القضاء والحقوق الواجبة لكلّ أحد كما لا يخفى، فإنه الذي يرجى منه تحقيق هذا الأمر المهم لا غيره. وأمّا النقل: فالمعروف بين الأصحاب بل حكى الإجماع عليه عدم جواز التصدي للحكم لغير المجتهد الجامع لشرائط الإفتاء وإن كان عالماً بالأحكام والحقوق والحدود وأحكام القضاء وشرائطه من طريق التقليد، وهذا يكشف عن وجود نصّ وصل إليهم ولكن خالف فيه شاذ من الفقهاء الأعلام (رضوان الله عليهم) منهم صاحب الجواهر، وقد يستظهر الجواز من إطلاق الآيات الواردة في هذا الشأن مثل قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس إن تحكموا بالعدل) وغيرها من أشباهها، اللّهم إلاّ أن يقال أنها ليست في مقام البيان من هذه الجهة.
وبالنصوص الدالّة على أن القضاء أربعة: «منهم رجل قضى بالحقّ وهو يعلم وهو في الجنّة» [2] وما شابهها، فالمدار في الحكم بالحقّ سواء كان من ناحية التقليد أو الاجتهاد.
وبالسيرة من عصره (صلى الله عليه وآله) إلى ما بعده، فلم يكن جميع القضاة المنصوبين من قبلهم (عليهم السلام) بالغين مرتبة الاجتهاد في كثير من الأوقات.
وبما يظهر من رواية أبي خديجة لظهور قوله «يعلم شيئاً من قضايانا» [3] في الأعمّ من المجتهد المطلّق.
وتحقيق الكلام في ذلك سيأتي في محله، ولكن الذي يجب التصريح به هنا أن معنى جواز التصدي لهذا المقام لغير المجتهد ليس معناه جوازه لكلّ مقلد، بل اللازم العلم بجميع المسائل التي يتصدى للقضاء فيها من الحقوق، والحدود وشرائطها، وفروعها، والعلم بجميع أحكام القضاء، وآدابه، لا يحصل ذلك إلاّ لمقلّد يكون تالياً للمجتهد وقريباً منه، وعلى كلّ حال ثبوت هذا المنصب للفقيه ممّا لا ريب فيه، وأمّا الزائد عنه فهو خارج عمّا نحن بصدده.
بقي هنا شيء وهو انه: لا ينبغي الشكّ في أن القضاء من المناصب التي لا يجوز التصدي لها إلاّ بعد النصب له عموماً أو خصوصاً ويدل عليه:
أوّلاً: أنه كذلك بين جميع الأمم، بل هو جزء من ولاية الحاكم، وشأن من شؤونه، ولا يزال ينصب القاضي من قبل رؤساء الحكومات وولاة الأمور، والسرّ فيه أنهم متصدون لنظام البلاد الذي لا يتم إلاّ بحسن القضاء بين الناس.
مضافاً إلى أن أحكام القضاة لا تنفذ إلاّ بقوّة قهرية تجبر الظالم على أداء حقّ المظلوم، وهذا لا يتحقق إلاّ إذا كان القاضي معتمداً على قوّة السلطان، لأن الناس لا يقومون بالقسط إلاّ بالحديد أحياناً، ولذا أنزله الله بعد إنزال الكتاب والميزان.
وثانياً: وقع التصريح بذلك في مقبولة عمر بن حنظلة في قوله (عليه السلام) «فإني قد جعلته حاكماً» [4] وقوله «فإني قد جعلته قاضياً» في رواية أبي خديجة[5] فإنها ظاهرة بل صريحة في حاجته إلى الجعل وأنه من المناصب الإلهية التي أمرها بيد ولي الأمر.
هذا مضافاً إلى أن المسألة قد اجمع عليها الأصحاب، فقد اجمعوا على أنه يشترط في ولاية القضاء إذن الإمام (عليه السلام) أو مَن فوض إليه الإمام (عليه السلام) وقد جعلوه لكلّ مجتهد عادل في عصر الغيبة كما يدلّ عليه ما مرّ آنفاً.
نعم لا يشترط ذلك في قاضي التحكيم، وهو من تراضى الخصمان بالترافع إليه والحكم بينهما، فإن المشهور بل أدعى الإجماع عليه أنه لا يشترط فيه النصب من قبل الإمام (عليه السلام) والكلام فيه سيأتي في محلّه.

المنصب الثّالث: الولاية
أعني ولاية الفقيه على التصرّف بأنواع التصرّفات، وهي في الجملة ممّا لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه، إنّما الكلام في حدودها، وشروطها، ذكر المحقّق النائيني (قدس سره) في منية الطالب أن للولاية مراتب ثلاثة:
إحداها وهي المرتبة العليا مختصة بالنبي وأوصيائه الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) وغير قابلة للتفويض إلى أحد، واثنان منها قابلتان للتفويض. أمّا غير القابلة فهي كونهم (عليهم السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم بمقتضى الآية الشريفة (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وهذه المرتبة غير قابلة للسرقة ولا يمكن أن يتقمصها من لا يليق بها.
وأمّا القابلة للتفويض فقسم منها يرجع إلى الأمور السيّاسيّة التي ترجع إلى نظم البلاد وانتظام أمور العباد وسدّ الثغور والدفاع عنها والجهاد ضد الأعداء ونحو ذلك، ممّا يرجع إلى وظيفة الولاة والأمراء، وقسم يرجع إلى الإفتاء والقضاء و... (انتهى محلّ الحاجة) [6].

وتبعه في هذا التقسيم جامع المدارك[7].
والإنصاف أن مراتب الولاية العامّة أكثر من ذلك لكلّ منها محل خاصّ في الفقه، ويمكن حصرها في سبع مراتب، بعضها أقوى من بعض لابدّ من ذكرها ثمّ تحقيق حالها بحسب الأدلّة وكلمات الفقهاء الأعلام «رضوان الله عليهم».

الاختيارات السبعة للولّي الفقيه
1 ـ الولاية على أموال القصّر والغيّب من الصغار الذين لا وليّ لهم من الأب والجدّ والوصي وبعض المجانين والسفهاء، أي من لا يتصل جنونهم وسفههم بالصغر على قول مشهور، بل وكذلك من يتصل على احتمال، وكذا الغائبين الذين تكون أموالهم في خطر لابدّ من حفظها حسبة، وشبه ذلك من الأوقاف الخاصّة.
2 ـ الولاية على أخذ الخمس والزكاة والأوقاف العامّة وصرفها في مواردها على ما ذكروها في أبواب الخُمس والزكاة.
3 ـ الولاية على إجراء الحدود الخارجة عن منصب القضاء.
4 ـ الولاية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يتوقف على ضرب أو جرح أو قتل أحياناً، فقد ذكروا في كتاب الأمر بالمعروف أن له مراتب، فما لم يبلغ إلى هذا الحدّ كان من وظائف عموم المؤمنين، وإذا بلغ هذا المبلغ لم يجز إلاّ بإشراف الحاكم.
5 ـ الولاية على الحكومة والسيّاسة، وتنظيم البلاد وحفظ الثغور والدفاع في مقابل الأعداء وكلّ ما يرتبط بنظام المجتمع والمصالح العامّة التي يتوقف عليها وسيأتي أنها هي العمدة في عصرنا هذا في أمر الحكومة الإسلامية.
6 ـ الولاية على الأموال والنفوس مطلقاً ولو كان خارجاً عمّا يحتاج إليه للمراحل السابقة.
7 ـ الولاية على التشريع بأن يكون له حقّ وضع القوانين وتشريعها بحسب ما يراه من المصالح.
كلّ ذلك ممّا لابدّ من أن يبحث حول الولاية. وأيها ثابتة أو غير ثابتة، بحسب الأدلّة القاطعة المذكورة في أبوابها.
فقد تعرض الأصحاب لهذه المسألة تارة في كتاب البيع، وأخرى في كتاب القضاء، وثالثة في الزكاة والخُمس، ورابعة في الحجر، وخامسة في الأمر بالمعروف وسادسة في الجهاد، وسابعة في كتاب الحدود وغيرها.
ثمّ لنتكلم في شروط التصدي للولاية وكيفية حكم الفقيه وموقفه من العناوين «الأولية» و «الثانوية» وموقف الناس وآحاد المؤمنين من أمر الحكومة وكيفية مشاركتهم الفقيه وحكم تعدد الفقهاء، وغير ذلك ممّا هو مهم في هذا الباب.
هذا واللازم على القارئ أن لا يحكم بشيء باتاً في هذه المراتب، حتّى يتم أمر الجميع فإنها مرتبطة بعضها ببعض دليلاً وحجّة، والعجلة ليست من دأب المؤمن العالم.

نظرة إجمالية إلى كلمات القوم في مسألة ولاية الفقيه
ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما ذكره الأعلام هنا على الإجمال، ثمّ الأخذ في تبيين حال كلّ مرتبة من المراتب السبعة.
1 ـ قال صاحب الجواهر أعلى الله مقامه الشريف في كتاب البيع عند البحث عن ولاية الحاكم وأمينه على القصّر والغيّب ما نصّه:
«ولا يمكن استقصاء أفراد ولاية الحاكم وأمينه، لأن التحقيق عمومها في كلّ ما احتج فيه إلى ولاية في مال أو غيره إذ هو ولي من لا ولي له» [8].
وهذا الكلام بقرينة التعليل ناظر إلى «الغيّب» و «القصتر» وأمثالهم من «الممتنع» و «العاجز» ومراده من العموم في كلّ ما احتيج فيه إلى الولاية عمومه لما ذكره في كلامه من أن الحاكم وأمينه يليان كلّ ممتنع أو عاجز عن عقد أو إيقاع أو تسليم حقّ وفي الحقوق الإلهية كالنذر والعهد واليمين وجه، وما أشبه ذلك.
2 ـ وقال (قدس سره) في كتاب الخُمس بعد نقل كلام المجلسي (قدس سره) أنه لا تبرء ذمّة المديون بالخُمس بدفع حصّة الإمام (عليه السلام) بنفسه، بل يجب دفعها إلى الحاكم على رأي أكثر العلماء، أنه يمكن الفرق بين زمان الحضور والغيبة، بأن يقال أنه لا ولاية للإمام (عليه السلام) في حال الغيبة حتّى يتولاها الفقيه نيابة عنه، وفيه بحث ثمّ قال ما نصّه: «على أن ذلك لو سلم لا يجدي في ما نحن فيه من دعوى عموم ولاية الحاكم حتّى لمثل المقام، الموقوفة على دليل، وليس، ولكن ظاهر الأصحاب عملاً وفتوى في سائر الأبواب عمومها بل أصله من المسلّمات أو الضروريات عندهم» [9].
وحاصل كلامه (قدس سره) أنه استشكل في ولاية الحاكم على الخُمس في زمن الغيبة تارة بأن الكلام في أصل ولاية الإمام (عليه السلام) حينئذ، والظاهر أنه لعدم حضوره وعدم تصرفه بالفعل وعدم إمكانه عملاً فاستشكل فيه بقوله: فيه بحث.
ثمّ نقل الكلام إلى الحاكم ثانياً وأنه لا دليل على عموم ولايته لمثل الخُمس.
فأجاب: بأن ظاهر الأصحاب في ساير الأبواب عمومها لمثل المقام، ومن الواضح أن غاية ما يستفاد منها عموم ولاية الفقيه لمثل أخذ الخُمس وأشباهه ونظائره، وأمّا استفادة أكثر من هذا من كلامه غير واضح كما لا يخفى.
والظاهر أن مسألة ولاية الفقيه على أمر السيّاسة والحكومة أظهر من أن يحتاج إلى التشبث بهذه العبارات التي لا تستهدف هذه الأمور.
3 ـ وقال شيخنا الأعظم في مكاسبه بعد تقسيم الولاية إلى قسمين: الولاية المستقلة أي تصرّف الولي بنفسه، وغير المستقلة أي كون تصرّف غيره منوطاً بإذنه، ما ملخصه: أن القسم الأوّل ثابت للنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمّة المعصومين من ذريته (عليهم السلام) بالأدلّة الأربعة، وكذا القسم الثّاني ثابت لهم بمقتضى كونهم أولى الأمر، فلا يجوز لغيرهم إجراء الحدود والتعزيرات وإلزام الناس بالخروج عن الحقوق وغير ذلك إلاّ بإذنهم واستدلّ له أيضاً بروايات.
ثمّ بيّن ضابطة هذه الأمور التي يرجع فيها إليهم وأنها الأمور التي يرجع فيها كلّ قوم إلى رئيسهم.
هذا كلّه بالنسبة إليهم (عليهم السلام) أمّا الفقيه فقد نفى ولايته في القسم الأوّل فلا يستقل هو بالتصرّف لعدم قيام دليل عليه، ثمّ ذكر بعض الأدلّة وأجاب عنها، وقال في آخر كلامه في هذا القسم:
وبالجملة فإقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام (عليه السلام) إلاّ ما خرج بالدليل، دونه، خرط القتاد.
ثمّ جرى في بحثه نحو المقام الثّاني وصرّح بولاية الفقيه في المقام الثّاني، وإن المستفاد من مقبولة «عمر بن حنظلة» كونه كسائر الحكّام المنصوبين في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) والصحابة في إلزام الناس بإرجاع الأمور المذكورة إليه، والانتهاء فيها إلى نظره بل المتبادر عرفاً من نصب السلطان حاكماً، وجوب الرجوع في الأمور العامّة المطلوبة للسلطان إليه» [10].
فالمتحصل من كلامه (قدس سره) أن المنفى في نظره الشريف (قدس سره) ولاية الفقيه على أموال الناس وأنفسهم على نحو العموم مثل الإمام المعصوم (عليه السلام) وأمّا ولايته فيما يتصدّى له السلطان والحاكم في الأمور العامّة التي يرجع إليه فهو ثابت له، فالأمور التي لا يمكن إهمالها مثل إقامة النظم والعدل والأخذ بالحقوق وحفظ الثغور وغير ذلك من أشباهها لابدّ أن يرجع فيها إلى الفقيه، بل لو لم يكن هناك فقيه لا يجوز إهمالها ولابدّ من قيام عدول المؤمنين بها، نعم استشكل في بعض مصاديقه.
ومن العجب أنه اشتهر في الألسن أن شيخنا الأعظم مخالف في مسألة ولاية الفقيه مع أنه صرّح بولايته في ما هو محل الابتلاء من الولاية على نظم المجتمع وإحقاق الحقوق وحفظ الثغور أمر والدفاع.
نعم أنكر ولايته على الأموال والأنفس بغير ذلك، وهو أمر آخر وراء مسألة الحكومة، بل الظاهر أن كلامه أوضح وأصرح من بعض عبارات الجواهر في هذا الباب.
نعم ذكر في آخر كلامه في المقام «أن غاية ما يستفاد من الأدلّة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأمور التي تكون مشروعية إيجادها مفروغاً عنها، بحيث لو فرض عدم وجود الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية، فلا يجوز التمسّك بها فيما يشك في أصل مشروعيته» ولكن من الواضح أن هذا لا يضر بالمقصود في الأمور الراجعة إلى حفظ نظام المجتمع، وإحقاق الحقوق وسد الثغور والدفاع وغير ذلك من أشباهه، فإن ذلك ممّا لا يمكن تركه على كلّ حال، بل لولا وجود الفقيه يجب القيام بها ولو من عدول المؤمنين، وما في بعض كلماته من الإشكال في المسألة لعلّه في بعض الخصوصيات، وإلاّ فالذي يظهر من صدر كلامه وذيله موافقته في ذلك والحمد لله.
والمتحصل من كلامه أمور:
1 ـ لا ولاية للفقيه في جميع الأمور التي تكون الولاية فيها للإمام المعصوم (عليه السلام)، مثل كونه أولى بالأموال والنفوس.
2 ـ ولايته ثابتة في الأمور التي لا يمكن تعطيلها في غيبة الإمام (عليه السلام) وضابطه الأمور الهامة التي تتعلّق بإقامة النظم والعدل التي لا يمكن إهمالها على كلّ حال،
ويرجع فيها إلى الحاكم والسلطان وغير ذلك ممّا لا يجوز التعطيل فيها.
3 ـ إذا شك في بعض مصاديقه فلابدّ من إثبات مشروعيته من دليل آخر فإن الحكم لا يثبت موضوعه.
4 ـ ولصاحب الجواهر كلام آخر في كتاب الأمر بالمعروف عند البحث عن جواز إقامة الحدود للفقيه الذي ذهب إليه مشهور الفقهاء وإن تأمل فيه شاذ، قال بعد كلام طويل له في المسألة ما نصّه:
«فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً، ولا تأمل المراد من قولهم (إني جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجّة وخليفة) ونحو ذلك ممّا يراد منه نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم، ولذا جزم فيما سمعته في المراسم بتفويضهم (عليهم السلام) لهم في ذلك».
ثمّ قال: «نعم لم يأذنوا لهم في زمن الغيبة ببعض الأمور التي يعلمون عدم حاجتهم إليهم كجهاد الدعوة المحتاج إلى سلطان وجيوش وأمراء ونحو ذلك، ممّا يعلمون قصور اليد فيها عن ذلك ونحوه، وإلاّ لظهرت دولة الحقّ كما أومأ إليه الصادق (عليه السلام) بقوله: «لو أن لي عدد هذه الشويهات وكانت أربعين لخرجت».
ثمّ قال «وبالجملة فالمسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى أدلة» انتهى[11].
ولا ينبغي الشكّ أن محل كلامه ولاية الفقيه على إجراء الحدود في عصر الغيبة كما صرّح به قبل ذلك وبعد هذه العبارة أيضاً، وهذا هو الذي وقعت الوسوسة فيه من جانب بعض[12] ولكن تعبيراته وأدلته في المقام أوسع منه وتشمل شيئاً كثيراً ممّا يرتبط بأمر الحكومة الإسلامية.
وبالجملة يظهر من كلامه هذا، المساعدة لولاية الفقهاء في أمر الحكومة في الجملة وإن لم يساعد في كلّها، لفرضه عدم حصولها وقصور اليد عنها، بل لعلّه ظاهر في أنه إذا أتاحت الفرصة إقامة الحكومة الإسلامية وجبت إقامتها.
5 ـ وقال في موضع آخر من كتاب الجهاد عند البحث عن الجهاد الابتدائي «لا خلاف بيننا بل الإجماع بقسميه عليه في أنه إنّما يجب على الوجه المزبور بشرط وجود الإمام (عليه السلام) وبسط يده أو من نصبه للجهاد... بل في المسالك وغيرها عدم الاكتفاء بنائب الغيبة، فلا يجوز له توليه: بل في الرياض نفي علم الخلاف فيه، حاكياً له عن ظاهر المنتهى وصريح الغنية إلاّ من أحمد في الأوّل... ».
ثمّ قال في آخر كلامه: «ولكن أن تمّ الإجماع المزبور فذاك وإلاّ أمكن المناقشة فيه بعموم ولاية الفقيه في زمن الغيبة الشاملة لذلك المعتضدة بعموم أدلّة الجهاد فترجح على غيرها» انتهى[13].
والمتحصل من مجموع كلماته في كتاب «البيع» و «الخُمس» و «الأمر بالمعروف» و «الجهاد» (هذه الكتب الأربعة) بعد ضم بعضها إلى بعض أن عموم ولاية الفقيه كان مفروغاً عنه عنده في أمر الحكومة، وإن كان له تأملاً في عمومها وشمولها لجميع ما يرتبط بذلك نظراً إلى فرضه، قصور اليد عن تحقّق الحكومة الإلهية قبل ظهوره «عجل الله فرجه الشريف) في الخارج فتأمّل جيّداً.
6 ـ وأوضح من هذا كلّه ما ذكره النراقي (قدس سره) في عوائده حيث قال في بعض كلماته في المسألة. : «إن كلية ما للفقيه العادل توليّه وله الولاية فيه أمران» :
«أحدهما» : كلمّا كان للنبي (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام) الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام فيه الولاية وكان لهم فللفقيه أيضاً ذلك، إلاّ ما أخرجه الدليل من إجماع أو نصّ أو غيرهما.
«وثانيهما». : إن كل فعل متعلّق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولابدّ من الإتيان به ولا مفّر منه إمّا عقلاً أو عادة من جهة توقف أمور المعاد أو المعاض لواحد أو جماعة عليه، وإناطة انتظام أمور الدين أو الدنيا أو شرعاً من جهة ورود أمر به أو إجماع أو نفي ضرر أو إضرار أو عسر أو حرج أو فساد وعلى مسلم، أو دليل آخر أو ورد الإذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفة لعين واحد أو جماعة ولا لغير معين أي واحد لا بعينه، بل علم لا بدية الإتيان به أو الإذن فيه لو لم يعلم المأمور به ولا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه، وله التصرّف فيه والإتيان به، ثمّ أخذ في الاستدلال على كلّ واحد منها[14].
7 ـ وقال سيدنا الأستاذ العلاّمة الفقيد البروجردي (رحمه الله) في كلام طويل له في المسألة ستأتي الإشارة إليها إن شاء الله في محله بعد ذكر مقدّمات نافعة ما نصّه:
«وبالجملة كون الفقيه العادل منصوباً من قبل الأئمّة (عليهم السلام) لمثل تلك الأمور العامّة المهمّة التي يبتلى بها العامّة ممّا لا إشكال فيه إجمالا بعد ما بيّناه ولا نحتاج في إثباته إلى مقبولة عمر بن حنظلة غاية الأمر كونها أيضاً من الشواهد فتدبّر» [15].
8 ـ وقال العلاّمة الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (قدس سره) (شيخنا في الإجازة) إن له الولاية على الشؤون العامّة وما يحتاج إليه نظام الهيئة الاجتماعية... ثمّ قال:
وبالجملة فالعقل والنقل يدلان على ولاية الفقيه الجامع على هذه الشؤون فإنها للإمام المعصوم أولاً ثمّ للفقيه المجتهد ثانياً بالنيابة المجعولة بقوله (عليه السلام) «وهو حجتي عليكم وأنا حجّة الله عليكم» [16].
9 ـ وفي الحدائق في كتاب النكاح ما يظهر منه مخالفته لولاية الفقيه فيما هو أهون من ذلك حيث قال: إني لم أقف بعد التتبع في الأخبار على شيء من هذه العمومات والإطلاقات لا في النكاح ولا في المال وإن كان ذلك مشهوراً في كلامهم ومسلّماً بينهم ومتداولاً على رؤوس أقلامهم (مشيراً إلى ما مرّ أو شبهه من كلمات القائلين بالولاية).
ثمّ قال بعد كلام له: وبالجملة فإن عد الحاكم الشرعي في جملة الأولياء كما ذكروا وإن كان مسلّماً بينهم ومتفقاً عليه عندهم إلاّ أنه خال عن الدليل من الأخبار نعم يمكن تخصيص ذلك بالإمام (عليه السلام) من حيث الولاية العامّة وأنه أولى بالناس من أنفسهم[17].
10 ـ ذكر المحقّق النائيني كلاماً طويلاً في المقام وقال بعد المناقشة في كثير من أدلّة ولاية الفقيه ما نصّه:
«نعم لا بأس بالتمسّك بمقبولة عمر بن حنظلة، فإن صدرها ظاهر في ذلك حيث أن السائل جعل القاضي مقابلاً للسلطان، والإمام قرره على ذلك... فإن الحكومة ظاهرة في الولاية العامّة فإن الحاكم هو الذي يحكم بين الناس بالسيف والسوط، وليس ذلك شأن القاضي، ولكن ختم كلامه بهذا القول:
كيف كان فإثبات الولاية العامّة، للفقيه بحيث تتعين صلاة الجمعة في يوم الجمعة بقيامه لها أو نصب إمام لها مشكل» [18].
وممّا يليق بالذكر أن شيخنا الأعظم ذكر في مكاسبه في البحث الآتي من ولاية عدول المؤمنين ما يظهر منه التأكيد على الكبرى الكلية السابقة حيث قال: «ما كان تصرفاً مطلوب الوجود للشارع إذا كان الفقيه متعذر الوصول فالجواز توليّه لآحاد المؤمنين، لأن المفروض كونه مطلوباً للشارع غير مضاف إلى شخص» (وهذا الكلام يشمل أمر الحكومة العادلة لأنها مطلوبة للشارع قطعاً).
نعم استشكل في بعض مصاديقه ولكن الكلام في كبرى المسألة وأمّا صغرياتها فهي أمور أخر قد تختلف فيه الأنظار.
وقال في كلام آخر له (وهو من آخر كلماته في المسألة) : «والذي ينبغي أن يقال أنك قد عرفت أن ولاية غير الحاكم لا تثبت إلاّ في مكان يكون عموم عقلي أو نقلي يدل على رجحان التصدّي لذلك المعروف».
وهذا أيضاً شاهد على قبول هذه الكلمة من ناحيته (أعني قيام الحاكم بأمور لا يمكن إهمالها) ومن البعيد أن لا يكون حفظ نظام المجتمع الإسلامي وكذلك سد الثغور والدفاع عن حوزة الإسلام وغير ذلك من أشباهه داخلة فيها بنظره الشريف، وهل يجّوز أحد إهمال أمر الحكومة وجعل الناس فوضى؟ أو إعطائها بيد الظالمين؟

حكم المقامات السبعة في الولاية
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى البحث عن المقامات السبعة من أنحاء الولاية فنقول ومنه جلّ شأنه التوفيق والهداية:

المقام الأوّل: ولايته على القصّر والغيّب
والمراد منه ولايته على الأيتام عند فقد الأب والجدّ وعلى المجنون والصغير والمفلس وعلى الغائب بحفظ أولاده وأمواله عن الخطر العظيم.
قال العلاّمة في القواعد: «والحاكم وأمينه إنّما يليان المحجور عليه لصغر أو جنون أو فلس أو سفه أو الغائب») [19].
وحكى في «مفتاح الكرامة» بعد شرح هذه العبارة في كلام له عن المحقّق الأردبيلي في مجمع البرهان ما نصّه: «لا خلاف ولا نزاع في جواز البيع والشراء وسائر التصرّفات للأطفال والمجانين المتصل جنونهم وسفههم بالبلوغ، من الأب والجد للأب ومن وصي أحدهما مع عدمهما، ثمّ من الحاكم أو الذي يعينه لهم، وكذا لمن حصل له جنون أو سفه بعد البلوغ، فإن أمره أيضاً إلى الحاكم إذ قد انقطعت ولايتهم بالبلوغ والرشد».
وصرّح الشهيد الثّاني في المسالك في بعض كلماته في المقام: «إن الحاكم ولي عام لا يحتاج إلى دليل» [20].
وقال الفقيه الماهر صاحب الجواهر (قدس سره) في كتاب الحجر: فإن لم يكونا (أي الأب والجد) فللوصي، فإن لم يكن فللحاكم، أي الثقة المأمون الجامع الشرائط، بلا خلاف أجده في ذلك بل ولا إشكال[21].
والحاصل: أنه لا كلام ولا إشكال في المسألة إجمالاً، وقد أرسلوها إرسال المسلّمات، بل ولاية الحاكم على هذه الأمور من المصاديق الواضحة للكبرى الكلّية السابقة من وجوب تصديه لكلّ معروف لا يمكن تعطيله بلا كلام، ولذا تتصدى له الحكومات العرفية أيضاً بحسب قوانينهم.
إنّما الكلام والإشكال في بعض مصاديقه وهو المجنون، أو السفيه البالغ سواء كان سفاهته متصلة بالصغر أو منفصلة عند وجود الأب أو الجد.
فيظهر من الجواهر أن ولاية الفقيه في المنفصل من المسلّمات، حيث نفى وجود الخلاف في السفه المتجدد بعد البلوغ، عدا ما يظهر من الكفاية والرياض، من إرسال قوله فيه، بعود ولاية الأب والجد عليه، ثمّ قال: ولم نتحققه لأحد كما لم نعرف له دليلاً صالحاً يقطعه الأصل... ثمّ قال:
وبالجملة فلا ريب في أن الولاية في ماله للحاكم الذي هو ولي من لا ولي له.
ثمّ جرى في كلامه إلى المتصل سفهه ببلوغه، واستظهر من إطلاق كلام المحقّق في الشرائع وإطلاق كلام غيره أن ولايته للحاكم أيضاً، بل حكى نسبته إلى الأشهر، ولكن مع ذلك حكى عن المفاتيح نسبة عدم الخلاف في ثبوت الولاية للأب والجد على السفيه والمجنون مع اتصال السفه والجنون بالصغر، ولكن صرّح في آخر كلامه
هنا بعدم خلو كلمات الأصحاب هنا عن اضطراب[22].
هذا بحسب الأقوال في المسألة وحاصله عدم الخلاف في ولاية الحاكم على المنفصل مع وجود الخلاف في المتصل.
وأمّا بحسب الأدلّة فالعمدة فيمن أتصل جنونه أو سفهه في الصغر هو استصحاب بقاء ولاية الأب والجد بناء على اتحاد الموضوع هنا عرفاً (وهو غير بعيد) بناءً على جواز الاستصحاب في الشبهات الحكمية (ولكنّه ممنوع على المختار).
هذا مضافاً إلى ما يظهر من قوله تعالى:
(وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) [23].
بناءً على شمولها للجد مع فقد الأب وصدق اليتيم عليه، فتدلّ على استمرار ولاية الجدّ على اليتيم الذي فقد أباه حتّى يكون رشيداً، ويمكن استفادة حكم الأب منه من طريق الأولوية فتدبّر.
وأمّا بالنسبة إلى المنفصل فأصالة عدم ولاية الأب والجد حاكم فيه، فيشمله عموم ولاية الفقيه الشاملة لأمثال المقام قطعاً.
هذا ولكن المترائي من سيرة العقلاء من أهل العرف بقاء ولاية الأب والجد على المجنون والسفيه سواء اتصل السفه والجنون بالصغر أو لا. ومعه لا يصل الدور إلى الحاكم، والظاهر أن هذه السيرة جارية من قديم الزمان إلى زماننا هذا، وحيث أن الشارع لم يمنع منها لابدّ من قبولها، ولكن مخالفة الإجماع في هذه المسألة أيضاً مشكلة، فلا أقل من أن لا يترك الاحتياط بالجمع بين إذن الأب أو الجد والحاكم في المتصل والمنفصل والله العالم.
_________________________
[1] راجع الوسائل: ج3 ب1 من أبواب ما يسجد عليه ص591.
[2] الوسائل: ج18 ب4 من أبواب صفات القاضي ح6.
[3] الوسائل. : ج18 ب1 من أبواب صفات القاضي ح5.
[4] الوسائل:ج18 ب11 من أبواب صفات القاضي ح1.
[5] الوسائل: ج18 ب1 من أبواب صفات القاضي ح5.
[6] منية الطالب: ج1 ص325.
[7] جامع المدارك: ج3 ص98.
[8] جواهر الكلام: ج22 ص334.
[9] جواهر الكلام: ج16 ص178.
[10] راجع المكاسب لشيخنا الأنصاري: مبحث ولاية الفقيه.
[11] جواهر الكلام: ج21 ص397.
[12] وكذا في قوله بعد ذلك «واغرب من ذلك إلى قوله بعد حكم أساطين الفن» راجع جواهر الكلام: ج21 ص397.
[13] جواهر الكلام: ج21 ص11.
[14] عوائد الأيّام: ص187.
[15] تقريراته المسمّى بالبدر الظاهر: ص53.
[16] الفردوس الأعلى: ص54.
[17] الحدائق الناضرة: ج23 ص238.
[18] منية الطالب: ج1 ص327.
[19] مفتاح الكرامة: ج4 ص213.
[20] مسالك الإفهام: ج1 ص250.
[21] جواهر الكلام: ج26 ص103 (كتاب الحجر).
[22] جواهر الكلام: ج26 ص104.
[23] سورة النساء: الآية 6.

السابق || التالي 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية