مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

ولاية الفقيه وحدودها

المقام الثّاني: ولاية الفقيه وحقّ التصرّف بالخُمس والزكاة وما شابهها

ظاهر كلام الأصحاب جواز دفع الزكاة و الخُمس إلى الحاكم الشرعي في عصر الغيبة، إنّما الكلام في وجوبه وعدمه.
قال شيخ الطائفة في الخلاف في المسألة 42 من مسائل زكاة الفطرة:
يستحبّ حمل الزكوات: زكاة الأموال الظاهرة والباطنة، وزكاة الفطرة، إلى الإمام، ليفرقها على مستحقيها، فإن فرقها بنفسه جاز، وقال الشافعي:
لباطنة هو بالخيار والفطرة مثلها والظاهرة فيها قولان: «احدهما» يتولاه بنفسه، و «الآخر» يحملها إلى الإمام، ومنهم من قال الأفضل أن يلي ذلك بنفسه إذا كان الإمام عارفاً، فإن كان الإمام جائراً فإنه يليها بنفسه قولاً واحداً، وإن حملها عليه (إليه) سقط عنه فرضها، دليلنا إجماع الفرقة وإخبارهم، وأيضاً قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) يدلّ على ذلك، والإمام قائم مقام النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك» (انتهى).
وقال العلاّمة في التذكرة: «لو تعذر الصرف إلى الإمام (عليه السلام) حال الغيبة استحب دفعها إلى الفقيه المأمون من الإمامية، لأنه أبصر بمواقعها، ولأنه إذا دفعها إلى الإمام أو الفقيه برئ لو تلفت قبل التسليم، لأن الإمام أو نائبه كالوكيل لأهل السهمين، فجرى مجرى قبض المستحق، ثمّ قال: لو طلب الإمام الزكاة منه وجب دفعها إليه إجماعاً، لأنه معصوم يجب طاعته وتحرم مخالفته، فلو دفعه المالك إلى المستحقين بعد طلبه و إمكان دفعها إليه فقولان لعلمائنا: الأجزاء وهو الوجه عندي، لأنه دفع المال إلى مستحقه... وعدمه لأن الإخراج عبادة لم يوقعها على وجهها لوجوب الصرف إلى الإمام بالطلب، فيبقى في عهدة التكليف ولا خلاف في أنه يأثم بذلك» [1].
وقال الشهيد الثّاني في الروضة في كتاب الزكاة: «ويجب دفعها إلى الإمام (عليه السلام) مع الطلب بنفسه أو بساعيه... قيل وكذا يجب دفعها إلى الفقيه الشرعي في حال الغيبة لو طلبها بنفسه أو وكيله، لأنه نائب الإمام، كالساعي، بل أقوى... ودفعها إليهم ابتداء من غير طلب أفضل من تفريقها بنفسه، لأنها أبصر بمواقعها، وأخبر بمواضعها، قيل والقائل المفيد والتقي:
يجب دفعها ابتداء إلى الإمام أو نائبه، ومع الغيبة إلى الفقيه المأمون.
وقال القاضي ابن البرّاج في المهذب في مبحث زكاة الفطرة ما يدلّ على وجوب حملها إليه (عليه السلام) وعند الغيبة إلى فقهاء الشيعة ليضعها في مواضعها، لأنهم أعرف بذلك (انتهى ملخصاً) [2].
وفي الجواهر بعد اختيار هذا القول أعني وجوب دفعها إلى الفقيه عند طلبها، والاستدلال بإطلاق رواية التوقيع عن صاحب الأمر (عليه السلام) : أنه يمكن تحصيل الإجماع عليه من الفقهاء، فإنهم لا يزالون يذكرون ولايته في مقامات عديدة، لا دليل عليها سوى الإطلاق الذي ذكرناه[3].
ومعلوم أنه من قبيل الإجماع على القاعدة لا الإجماع على خصوص المسألة.
والمحكي عن أكثر فقهاء العامّة إيجاب الدفع إلى الأمراء وإن علم عدم صرفها في محالها، ورووا ذلك عن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة والحسن البصري وإبراهيم النخعي وغيرهم، بل حكي عن بعضهم أنه سئل عن الزكاة فقال: ادفعوها إلى الأمراء ولو أكلوا بها لحوم الحيات![4].
ويتحصل من جميع ذلك أن في المسألة أقوالاً ثلاثة:
أولها: وهو الأشهر بينهم أنه يجب دفعها إلى الفقيه إذا طلبها، وقال السيد (قدس سره) في العروة: يجوز دفع الزكاة إلى الحاكم الشرعي بعنوان الوكالة عن المالك في الأداء، كما يجوز بعنوان الوكالة في الإيصال، ويجوز بعنوان أنه ولي عام على الفقراء[5].
وقد تلقاها المحشون بالقبول.
ثانيها: وجوب دفعها إليهم مطلقاً كما عن المفيد والتقي:
ثالثها: عدم وجوبه مطلقاً كما لعلّه يظهر من كلمات الاصبهاني في شرحه على الروضة على ما حكاه في الجواهر.
إذا عرفت ذلك فاعلم: أن الأقوى في المسألة قول رابع فيه تفصيل ستعرفه إن شاء الله بعد ذكر أدلّة المسألة، فنقول ومنه جلّ ثنائه التوفيق والهداية. : أنه لم يرد في المسألة نصّ خاصّ بل المستفاد من كلماتهم في المقام استنادهم في مسألة جواز دفع الزكاة أو وجوبه أمور:

1 ـ أنه اعرف بمواضعه ومصارفه كما ورد في كلام المهذب وغيره.
وفيها أن مجرد كونه أعرف بذلك لا يدل على وجوب الدفع إليه، بل ولا على جوازه إلاّ أن يكون الفقيه وكيلاً عن المالك، ومضافاً إلى أنه لا يختص الحكم به بل بكلّ عارف بمصارفها ولو تقليداً.
2 ـ أولويته من الساعي حيث يجب الدفع إليه إذا طلبها، وفيه ما حكي عن الاصبهاني في شرحه على الروضة من أن الساعي إنّما يبلغ أمر الإمام (عليه السلام) فأطاعته إطاعة الإمام (عليه السلام) بخلاف الفقيه، ولا يجدي كونه أعلى رتبة انتهى، وحاصله أن اللازم إثبات عموم ولاية الفقيه في هذا الأمر أولاً، فمجرد كونه أعلى رتبة من الساعي لا يفيد شيئاً بعد كون يد الساعي يد الإمام المعصوم (عليه السلام).
3 ـ قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، وهذا الأمر دليل على وجوب الأخذ ولا أقل من جوازه (إذا كان في مقام دفع توهم الحظر).
وفيه أن الاستدلال بها فرع ثبوت نيابة الفقيه عنه (صلى الله عليه وآله) ومعه لا يحتاج إلى هذا الاستدلال، لأن جواز أخذه (صلى الله عليه وآله) الزكاة من الضروريات الغنية عن البرهان.
4 ـ تحصيل الإجماع عليه كما عرفت في كلام الجواهر، ولكن قد عرفت أنه من قبيل الإجماع على القاعدة، بناءً على كونه من باب الإجماع على إطلاق التوقيع وشبهه، وإلاّ فالمسألة كما عرفت خلافية ذات أقوال متعدّدة وليست اجماعية.
5 ـ إن الفقيه نائب عام عن الإمام (عليه السلام) في أمثال هذه الأمور، ووكيل عن الفقراء ـ وهذا هو العمدة في المقام، وتوضيحه يحتاج إلى ذكر مقدمة وهي: إن المستفاد من أدلّة تشريع الزكاة أنها إنّما شرعت لسد خلّة الفقراء ودفع الشدّة عنهم، مضافاً إلى شدّ حوائج الحكومة الإسلامية، بل دفع النوائب عن الفقراء أيضاً من وظائف الحكومة العادلة القائمة على أساس العدل، كما لا يخفى على الخبير.
ومن أقوى الشواهد عليه المصارف التي نصّ عليها كتاب الله عز وجل، منها سهم العاملين عليها الذين هم العاملون للحكومة والمأمورون من قبلها، وكذا سهم المؤلفة قلوبهم الذين يألفهم الحكومة على موافقة المسلمين، بل يستمد من قواهم في مقابل الأعداء كما ورد في سيرته (صلى الله عليه وآله) من إعطاء المؤلفة قلوبهم من أهل مكّة أو غيرها.
وأوضح منه سهم سبيل الله والقدر المتيقن منه الجهاد، ومن الواضح أن الجنود والعساكر تكون تحت سيطرة الحكومة، ولو قلنا بأن مفهومه عامّ لكلّ خير يكون منفعة عامّة، كان أيضاً من الأمور الراجعة إلى الحكومة قبل غيرها، لأنها المعدة لمثل هذه الأمور كما لا يخفى، بل قد عرفت أن سهم الفقراء والمساكين ذريعة لإقامة العدل، وأحق الناس بها هو الحكومة.
ومن هنا يظهر أن الزكاة في الحقيقة من منابع بيت المال، فإن الحكومة لا تقوم إلاّ ببيت المال، لمصارفها وحل مشاكلها، وبيت المال يحتاج إلى منافع، ولعلّ حكم بعض العامّة بوجوب دفعها إلى الأمراء وإن لم يصرفوها في مصارفها مأخوذة من ملاحظة ماهية الزكاة ومحتواها، وإن وقعوا في الخطأ من حيث توهم كون الدفع إليهم موضوعياً، مع أنه طريقي، فإذا علم بعدم صرفهم إياها في مصارفها لابدّ من منعها منهم قطعاً.
ويؤيد تشريع الزكاة في المدينة عند بناء الحكومة الإسلامية من ناحيته (صلى الله عليه وآله) وكذا ما ورد في آداب المصدق وانه إذا أتى صاحب المال يقول لهم... فهل لله في أموالكم من حقّ فتؤدوه إلى وليه[6].
وبعد ذلك كلّه نقول: إن قلنا إن الفقيه هو الذي يتصدى للحكومة الإسلامية ـ كما سيأتي في المقام الخامس إن شاء الله ـ فإذا كان مبسوط اليد فيمكن القول بوجوب دفعها إليه كما ذكرنا في تعليقاتنا على العروة الوثقى ما هذا عبارته: هذا (أي أفضلية نقل الزكاة إلى الفقيه) إنما هو في زمان قبض يد الإمام (عليه السلام) أو الحاكم، أمّا في زمان بسط اليد فلا يبعد وجوب دفعها إليه لأنه الحافظ لبيت مال المسلمين، والإسلام ليس مجرّد فتاوي (وأحكام) ونصائح بل الحكومة جزء منها لا ينفك، وهي تحتاج إلى بيت مال متمركز، كما يشهد له سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) الولّي (عليه السلام) ولو إن كلّ إنسان أعطى زكاة ماله بنفسه لا يكون لبيت المال ومن يكون عيالاً عليه، قائمة.
والحاصل: أنه إذا تحققت الحكومة الإسلامية العادلة الكاملة العيار فالأقوى ولا اقل من الأحوط وجوب دفعها إليها ابتداء ولو من دون طلب، وأمّا بدون ذلك فهو أفضل، ولو طلبها لبعض المصالح ولو في زمن قبض اليد، واجب أيضاً بأدلة الولاية الآتية والله العالم. هذا كلّه بالنسبة إلى حكم الزكاة.
أما الخُمس: فهو أوضح حالاً من الزكاة ولذا كان المعروف بينهم عدم جواز تصدي صاحب الخُمس لصرفه (بالنسبة إلى سهم الإمام (عليه السلام)) وإليك بعض كلماتهم:
1 ـ قال العلاّمة المجلسي (قدس سره) : أكثر العلماء قد صرّحوا بأن صاحب الخُمس لو تولى دفع حصّة الإمام (عليه السلام) لم تبرء ذمته بل يجب عليه دفعها إلى الحاكم وظني أن هذا الحكم جار في جميع الخُمس[7].
2 ـ وقال شيخنا المفيد في الرسالة الغرية ومتى فقد إمام الحقّ ووصل إلى الإنسان ما يجب فيه الخُمس فليخرجه إلى يتامى آل محمّد (صلى الله عليه وآله) ومساكينهم وأبناء سبيلهم (انتهى).
وظاهر هذا الكلام عدم الحاجة إلى أذن الفقيه، ولكن المحقّق في المعتبر بعد نقل هذا الكلام منه قال: وما ذكره المفيد حسن... لكن يجب أن يتولى صرف ما يحتاجون إليه من حصّة من له النيابة عنه في الأحكام، وهو الفقيه المأمون من فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) [8].
3 ـ قال العلاّمة في المختلف في كتاب الزكاة والخُمس: اختلف أصحابنا في مستحق الإمام (عليه السلام) في حال الغيبة من الأخماس والأنفال وغيرها... إلى أن قال: وهل يجوز قسمته في المحاويج من الذرية كما ذهب إليه جماعة من علمائنا الأقرب ذلك... إذا ثبت هذا فإن المتولي لتفريق ما يخصه (عليه السلام) في محاويج الذرية من إليه الحكم عن الغائب (عليه السلام) لأنه قضاء حقّ عليه، كما يقضي عن الغائب، وهو الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى والحكم، فإن تولى ذلك غيره كان ضامناً (انتهى موضع الحاجة) [9].
4 ـ هذا ويظهر من بعضهم وجوب دفعه إلى الأعلم من العلماء مثل شيخنا «كاشف الغطاء» في الفردوس الأعلى حيث قال: أمّا الدليل على لزوم إعطاء سهم الإمام (عليه السلام) للمجتهد فإنه يكفي فيه كون المجتهد هو الوكيل العامّ للإمام (عليه السلام) فهو مال الغائب يجب دفعه إلى وكيله، ولا أقل من أنه هو القدر المتيقن لبراءة الذمّة فيجب، والواجب دفعه إلى الأعلم، فكما يجب تقليد الأعلم كذلك يجب دفع الحق إليه... أمّا اليوم فقد صار مال الإمام (عليه السلام) كمال الكافر الحربي! ينهبه كلّ من استولى عليه![10] وكلامه هذا دليل على شدّة تأسفه على ما آل إليه الأمر بالنسبة إلى هذا السهم المبارك في زمانه.
5 ـ وفي مقابله قول من قال بجواز صرفه من ناحية المالك بعد إحراز رضى الإمام (عليه السلام) كما في المستمسك حيث قال: «نسب إلى أكثر العلماء تارة وأكثر المتأخّرين أخرى... وجوب تولي الحاكم لحصته (عليه السلام) بل عن الشهيد إجماع القائلين بوجوب الصرف للأصناف على الزمان لو تولاه غير الحاكم... ولاسيّما إذا كان الحاكم بمرتبة عالية من العقل والعدالة والأمانة والاهتمام بالمصالح الدينية والقدرة على تمييز الأهم والمهم منها، فإنه حينئذ يكون أبصر بمواقعه وأعرف بمواضعه، فيتعين الرجوع إليه في تعيين المصرف» ولكنّه مع ذلك أجاب عن كلّ ذلك ولم يقبله، ثمّ قال: «فإذا أحرز رضاه (عليه السلام) بصرفه في جهة معينة جاز للمالك تولي ذلك بلا حاجة إلى مراجعة الحاكم الشرعي» [11].
وهذه الكلمات كما ترى في طرفي الخلاف والنقيض من اعتبار الأعلمية أو عدم اعتبار شيء حتّى الاجتهاد والعدالة.
6 ـ ولنتم هذه الكلمات بما أفاده المحقّق في الشرائع في كتاب الخُمس حيث قال: «ويجب أن يتولى صرف حصة الإمام (عليه السلام) في الموجودين، من إليه الحكم بحقّ النيابة، كما يتولى أداء ما يجب على الغائب».
وقال ثاني الشهيدين في المسالك في شرح هذه العبارة: «ولو تولى ذلك غيره كان ضامناً عند كلّ من أوجب صرفه إلى الأصناف» [12].
هذا شطر من كلمات الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب، ويظهر منها أن الأقوال فيه أيضاً مختلفة ولكن الأشهر أو المشهور هو لزوم دفع سهم الإمام (عليه السلام) إلى الحاكم الشرعي، وأمّا دفعه إلى الأعلم أو جواز صرفه من ناحية المالك فهو شاذ.
إذا عرفت هذا فاعلم: أن هذه المسألة مبنية على أن تعلم ما الواجب في سهمه (عليه السلام) في عصر الغيبة، فقد اختلفت فيه الأقوال وتضاربت تضارباً شديداً حتّى أن المحقّق النراقي حكى في المستند في كتاب الخُمس أقوالاً تسعة بالنسبة إلى سهم الإمام (عليه السلام) وأقوالاً خمسة في سهم السادة فأصبحت أربعة عشر قولاً فراجع[13].
وذكر في الحدائق أيضاً أربعة عشر أقوال في المقام[14] وعمدتها عشرة أقوال ذكرناها في التعليقة على العروة وإليك موجزها وملخصها:
1 ـ إباحتها للشيعة وسقوطها مطلقاً (سهم السادة وسهم الإمام (عليه السلام)) كما عن سلاّر وصاحب الذخيرة.
2 ـ عزله بجميعه والوصية به كما عن المفيد.
3 ـ دفنه كما حكاه المفيد عن بعض من لم يسمه!
4 ـ دفع حقّ السادة إليهم وأمّا حصة الإمام (عليه السلام) يودع أو يدفن!
5 ـ حقّ السادة يدفع إليهم أمّا حصته (عليه السلام) فتقسم على الذرية كما هو المشهور بين جمع من المتأخرين.
6 ـ صرف حقّ السادة إليهم، وأمّا حصته (عليه السلام) فهو مباح للشيعة في عصر الغيبة كما في المدارك وغيره.
7 ـ صرف حقّ السادة إليهم، أمّا سهمه (عليه السلام) فيصرف في مواليه العارفين بحقّه إذا كانوا فقراء كما عن ابن حمزة وغيره.
8 ـ إن حقّ السادة يدفع إليهم، وأمّا خُمس الأرباح مباح مطلقاً.
9 ـ صرف حقّ الأصناف الثلاثة (حقّ السادة) إليهم، والتخيير في حصته (عليه السلام) بين الدفن والوصية وصلة الأصناف مع الاعواز، بإذن الفقيه، كما عن الشهيد في الدروس.
10 ـ وهو العمدة والمختار، دفع سهم الأصناف الثلاثة إليهم، وأمّا سهم الإمام (عليه السلام) فيصرف في كلّ أمر يحرز به رضاه، من تعظيم الدين، ونشر العلم وتبليغ الإسلام، وصلة الأصناف وغيرهم من الفقراء والمحتاجين، وغير ذلك ممّا يحرز به رضاه (عليه السلام).
وإذ قد عرفت ذلك فاعلم أن الحقّ من بين هذه الأقوال هو الأخير، والسرّ فيه أنه لا ينبغي الشكّ أن تشريع حكم الخُمس بالنسبة إلى حصة الإمام (عليه السلام) إنّما هو لإمامته الإلهية، وكونه منصوباً للحكومة على الأمة، وإلاّ فسهم الإمام (عليه السلام) ليس مصرفاً شخصياً له لأنه كانسان يحتاج إلى شيء يسير من هذه الأموال الضخمة، ومن البعيد جدّاً بل من الممتنع في حكمة الحكيم أن يجعل له ما لا يحتاج إليه إلاّ شيئاً قليلاً منه جدّاً، فإن الناس لو أدوا خُمس أموالهم في جميع أقطار الأرض بلغ سهم الإمام (عليه السلام) مبلغاً عظيماً لا يقدر ا ي إنسان على مصرفه إلاّ أن يكون على رأس الحكومة ويصرفه في مصارفها.
لا أقول أن سهم الإمام (عليه السلام) ملك للمقام لا لشخصه، حتّى يكون تلقي الفقيه النائب له إذا كان على رأس الحكومة تلقياً استقلالياً من غير حاجة إلى وساطة الإمام المعصوم (عليه السلام)، بل أقول أنه (عليه السلام) مالك له بسبب كونه مبعوثاً لهذا المقام، فلو كان حاكماً بالفعل صرفه في مصارفه الحكومية والمقامية، ولو منعه الظالمون من ذلك صرفه فيما يمكن أن يصرفه فيه من مصارفه، ويبيحه للشيعة أحياناً في مواقع خاصّة، كما ورد في غير واحد من روايات الباب، لا الإباحة المطلقة لاختلاف الأزمنة في ما يقتضيه من المصالح.
وبالجملة احتمال كونه مالكاً لهذه الأموال الضخمة الكثيرة بما أنه شخص خاصّ بعيد جدّاً لا يحتمله الخبير قطعاً، بل بما أنه سائس عام وحاكم إلهي على الأمة.
والفرق بينهما ظاهر، ففي الأوّل يرث هذه الأموال جميع وراثة، وفي الثّاني لا يرثه إلاّ الإمام، الذي بعده، كما ورد في بعض الأحاديث.
ومن الواضح أن غيبته (عليه السلام) لا توجب نفي هذه المصارف، بل كثير منها باقية ولو من دون قيام الحكومة، وكلّها باقية عند إقامتها، فلا وجه لدفنها، كما لا وجه لإيداعها والوصية بها، بل اللازم صرفها في مصارفها مهما أمكن، والمأمور بهذا الصرف هو نائبه الخاصّ أو العام، فإذا أثبتنا ولاية الفقيه مطلقاً أو في الجملة بحيث يشمل المقام كان اللازم دفعها إليه.
وبالجملة كلّ من حكم بدفنه أو الايصاء به، أو أن الفقيه ينظر فيه كأموال الغيّب اعتبره أنه مال شخصي له كسائر أمواله الشخصية، مع أنه ليس كذلك قطعاً، بل هو ملك له بماله من المقام، فلو حرم الناس من لقائه (عليه السلام) وتصرفه فيهم، لم يمنع ذلك من صرف هذه الأموال العظيمة في مصارفها إن كانت الحكومة الإسلامية مبسوطة السلطة قائمة، وإلاّ ففيما يمكن من مصارفها من نشر العلم وتبليغ الإسلام ودعم الحوزات العلمية وحفظ ضعفاء الشيعة، وتكميل سهم الأصناف، وغير ذلك من أشباهه، ولا يمكن تعطيل جميع ذلك في غيبته.
فالمراد من صرفه في ما يحرز به رضاه هو ذلك، فإن رضاه يتعلق بهذه الأمور ولو كان هو (أرواحنا فداه) حاضراً شاهداً صرفها فيما ذكر قطعاً.
والمتكفل لهذا الصرف هو الفقيه الجامع للشرائط. لا لأنه أبصر بمصارفه فقط، لما عرفت أن مجرّد أبصريته غير كافية في إثبات المراد.
ولا لأنه وليّ الغائب فإن ذلك فرع كونها أموالاً شخصية.
ولا لأنه مجهول المالك، لأن عدم القدرة على تسليم المال لمالكه مع كونه معلوماً لا يجعله بحكم مجهول المالك، نظراً إلى اتحاد الملاك وهو عدم إمكان الوصول إليه سواء كان لعدم معرفته أو لعدم الوصول إليه، فإن هذا الاحتمال ضعيف جدّاً لا تدل عليه أدلّة حكم «مجهول المالك».
بل لأمرين آخرين احدهما: أدلة الولاية العامّة الآتية إن شاء الله، فإن القدر المسلّم منها هو هذه الأمور وأشباهها.
ثانيهما: أصالة اشتغال الذمّة وعدم اليقين بالبراءة بدونه، ولا إطلاق هنا يدلّ على البراءة وجواز صرف المالك بنفسه، وإن شئت قلت: القدر المتيقن من رضاه ذلك، ودعوى العلم برضاه ولو بدون ذلك مشكل جدّاً لا يجتري عليه الخبير.
ومن هنا يظهر الإشكال فيما ذكره في الحدائق حيث قال ـ معترضاً على العلاّمة المجلسي فيما عرفت من كلامه في زاد المعاد ـ: إنا لم نقف له (لدفعه إلى الفقيه) على دليل، وغاية ما يستفاد من الأخبار نيابته بالنسبة إلى الترافع إليه، والأخذ بحكمه وفتاواه، وأمّا دفع الأموال إليه فلم أقف له على دليل لا عموماً ولا خصوصاً، وقياسه على النوّاب الذين ينوبونهم... لا دليل عليه[15].
قلت: دليله ما عرفت من شمول عموم أدلة الولاية من قبله (عليه السلام) لمثله كما سيأتي إن شاء الله، مضافاً إلى أن جواز صرفه بنفسه يحتاج إلى دليل، وإلاّ فاصالة الاشتغال كافية في المنع.
ولعلّ هذا هو مراد صاحب الرياض حيث قال أن الأوّل (مباشرة الفقيه) أوفق بالأصول[16].
كما يظهر لك أن الجمع بين أدلّة الولاية (أعني ولاية الفقيه عن الإمام (عليه السلام)) وأدلّة توليته التصرّف في مال الغائب كما ذكره في المستند[17] أيضاً لا وجه له لما عرفت من الفرق الكثير بين الولايتين فإن الأوّل ولاية عنه والثّاني ولاية عليه.
بقى هنا أمور:
الأوّل: أنه على ما ذكرنا يمكن أن يقال لو قامت الحكومة الإسلامية المطلقة السلطة كان الفقيه المتصدي لها أولى من غيره بحصة الإمام (عليه السلام)، لأن المفروض أن مصرف هذه الأموال في الواقع هو إقامة هذا الأمر، وكذلك إذا كان الفقيه كافلاً للحوزات العلمية كان أولى به من غيره، وكذا إذا كان كافلاً لغير ذلك ممّا يهتم به الإمام (عليه السلام) من نشر الإسلام وعلومه في أقطار الأرض عامة، وبلاد المسلمين خاصّة.
وبالجملة كلّ فقيه مبسوط اليد أولى من غيره بمقدار بسط يده، بل قد يجب الدفع إليه إذا احتاج إليه احتياجاً مبرماً مع كونه مبسوط اليد فتدبّر جيّداً.
وممّا ذكرنا يظهر الحال في الأوقاف العامّة، وإن الفقيه هو المتصرّف فيها عند فقد المتولي الخاصّ، بل له نصب المتولي للأوقاف التي لا متولي لها، أو جعل الناظر للمتولي إذا احتمل خيانته، لأن أدلّة الولاية تشملها، وليست ملك الأوقاف أولى من الأخماس والزكوات التي عرفت حالها.
الثّاني: أنه قد عرفت عند نقل كلام شيخنا كاشف الغطاء (قدس سره) في الفردوس الأعلى حكمه بوجوب دفع سهم الإمام (عليه السلام) إلى الأعلم، وأنه كما يجب تقليد الأعلم يجب دفع الخُمس إليه، وكم فرق بينه وبين من قال بجواز صرفه في المصارف الشرعية ولو من دون الدفع إلى المجتهد.
وعلى كلّ حال فالظاهر أن دليله هو الأخذ بالقدر المتيقن، ولكنّه كما ترى لعدم جواز الأخذ به بعد عموم أدلّة الولاية واطلاقاتها، ولو في مثل هذه الأمور، كما سيأتي وقياسه على مسألة التقليد قياس مع الفارق جدّاً، لقيام الدليل على وجوب تقليد الأعلم ولو عند العلم التفصيلي أو الإجمالي بالاختلاف بينه وبين غيره في موارد الابتلاء، لبناء العقلاء على ذلك قطعاً وهو المدار الأصلي في مسألة التقليد، وقد أمضاها الشرع بعدم ردعه، بل بالتصريح باعتباره بناء على دلالة مقبولة عمر ابن حنظلة عليه في قوله «الحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما... » [18] (وفيه كلام في محله) والأخماس ليست كذلك قطعاً ومجرّد كون الأعلم أبصر من غيره، غير كاف، مع أنه لو كان أبصر بحكمه فليس أبصر بموضوعه كما لا يخفى.
الثّالث: قد يرى بعض الفقهاء على مقلديهم بإيصال الأخماس إليهم، فهل هذا مجرّد استدعاء منهم، أو يوجب لهم تكليفاً إلهياً في ذلك؟ الظاهر عدم الدليل على ذلك، لأن هذا ليس على سبيل الفتوى، فإن الفتوى إنّما تشتمل على حكم كلّي لا شخصي جزئي كما هو ظاهر، وأمّا نفوذه من باب حكم الحاكم أيضاً محل تأمّل، لأن حكم الحاكم إنّما يتعلّق بمصالح الأمة، وكون ذلك دائماً مصلحة الأمة أول الكلام حتّى في اعتقاده، ولازم ذلك أنه لو حكم أحد الفقهاء بدفع جميع الأخماس إليه وجب، وهو كما ترى.
نعم لو كان الفقيه مبسوط اليد كان الأولى بل اللازم في بعض الفروض الدفع إليه لاسيّما إذا طلبه كما عرفت، وكذلك لو علم المقلّد بأن غير مقلده يصرفه فيما لا يوافق فتواه كماً أو كيفاً يشكل الدفع إليه، لعدم براءة ذمّة المقلِّد (بالكسر)، طبقاً لفتوى مرجعه، اللّهم إلاّ أن يقال تبرأ ذمة المقلد بمجرد الدفع إلى أحد حكّام الشرع لأنه الولي من قبل الإمام (عليه السلام) ولا يهمه فيما يصرفه هذا الولي، والاحتياط هنا كسائر المقامات سبيل النجاة، كما أن الأحوط للمجتهد الذي يدفع إليه الخُمس أن يصرفه في ما هو المتيقن المعلوم من مصارفه إذا كان المعطي غير مقلد له، والله العالم.

المقام الثّالث: من صلاحيات الفقيه: «إقامة الحدود الشرعية»
المعروف بين الأصحاب جواز إقامة الحدود في حال غيبة الإمام (عليه السلام) للفقهاء العارفين العدول، مع الأمن من ضرر سلطان الوقت، بل يجب على الناس مساعدتهم عليه، بل قد ادّعى في الجواهر عدم وجدانه الخلاف فيه إلاّ ما يحكى عن ظاهر ابني زهرة وإدريس، ولكن قال: لم نتحققه بل لعل المتحقّق خلافه.
وقد حكي عن سلاّر بن عبد العزيز قولاً ثالثاً بالتفصيل، وهو جواز الإقامة ما لم يكن قتلاً أو جرحاً، وهذه النسبة أيضاً غير ثابتة، ولذلك كلّه تعجب صاحب الجواهر (قدس سره) من قول المحقّق في الشرائع قيل يجوز للفقهاء العارفين إلى آخر ما ذكره، لأن نسبته إلى «قيل» بعد هذه الشهرة العظيمة ممّا لا ينبغي صدوره منه.
وأعلم أن هذا الحكم عنونه كثير منهم في آخر أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبعضهم في أبواب الحدود.
وقال في المسالك: هذا القول مذهب الشيخين وجماعة من الأصحاب (انتهى) [19].
وعلى كلّ حال يمكن الاستدلال عليه بأمور:
الأول: أن علّة تشريع الحدود معلومة بحكم العقل، وتناسب الحكم والموضوع وتصريح بعض الروايات الواردة في علّة تشريعها، فحد الزنا للمنع عن تداخل المياه، وحدّ شرب الخمر للكفّ عنها، وحد السرقة لحفظ الأموال إلى غير ذلك.
ومن الواضح أن هذه العلل باقية في عصر غيبة الإمام (عليه السلام) بل تعطيل هذه الحدود يوجب مفاسد عظيمة، وقد يكون سبباً لاختلال نظام المجتمع الإسلامي، فلا معنى لتعطيلها بعد بقاء علّتها، وليست ممّا يدور مدار ظهوره (عجل الله فرجه) بل الأمر فيها أوضح من الزكوات والأخماس التي قد عرفت عدم جواز تعطيلها بعد بقاء مصارفها.
وهذا أمر ظاهر لمن عرف فلسفة الحدود ومغزاها ولا لبس عليه.
الثّاني: ما ذكره في مباني تكملة المنهاج تبعاً للجواهر من أن أدلة الحدود كتاباً وسنّة، مطلقة غير مقيّدة بزمان دون زمان، كآيتي «الجلد» و «القطع»، وظاهرها وجوب إقامتها في كلّ زمان، ثمّ قال: فإن قلنا بجواز تصديه من كلّ أحد لزم الفوضى واختلال النظام، وعدم استقرار حجر على حجر، فلابدّ من تصدي بعض لها، والقدر المتيقن منه هو الفقيه الجامع للشرائط انتهى[20] وهو جيّد.
الثّالث: عمومات أدلة الولاية كما سيأتي الكلام فيها مفصلاً إن شاء الله من مقبولة عمر بن حنظلة أو التوقيع المبارك، أو غيرهما، فإن شمولها لمثل هذه الأمور ممّا لا ينبغي الكلام فيه.
الرّابع: ما رواه حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن يقيم الحدود؟ السلطان أو القاضي؟ فقال إقامة الحدود إلى من إليه الحكم[21].
وسند الرواية وإن كان قابلاً للكلام ولكنّها مجبورة بعمل الأصحاب، وبما عرفت من سائر الأدلّة، ودلالتها ظاهرة بعد كون من إليه الحكم هو الفقيه الجامع للشرائط قطعاً.
الخامس: إن إجراء الحدود يلازم القضاء في كثير من مواردها، لأنها قد تكون من حقوق الناس كحدّ القذف والسرقة، وما يكون من حقوق الله كحدّ الزنا وشبهه قد يحتاج إلى إثباته عند القاضي، ومن البعيد جدّاً أن يطالب من القاضي إثبات الحقّ دون إجرائه، لأن الأوّل مقدّمة للثّاني، ولا فائدة في المقدّمة بدون ذيلها.
ويؤيده أيضاً ما ذكره المفيد (قدس سره) وهو في حكم رواية مرسلة، قال في المقنعة: فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله وهم أئمّة الهدى من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكّام (الحديث) [22].
ولكنّ مع ذلك كلّه قد يعارض ما ذكر بما رواه مرسلاً في دعائم الإسلام عن الصادق (عليه السلام) قال: لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلاّ بإمام[23] بناءً على أن المراد بالإمام، فيه، هو الإمام المعصوم (عليه السلام) ويرد عليه تارة بضعف سنده بالإرسال (وأما روايته عن الاشعثيات فهو غير ثابت، مضافاً إلى أن الإشكال فيه أكثر، لعدم ثبوت اعتبار نفس الكتاب) وأخرى بضعف دلالته لأن المراد من الإمام، فيه، يمكن أن يكون معنىً عاماً يشمل الفقيه، كما يشهد له ذكره بصورة النكرة، ويؤيده ذكر الحكم أي القضاء فيه، بل وصلاة الجمعة مع العلم بأن القضاء والحكم لا ينحصر في الإمام المعصوم (عليه السلام) بل وصلاة الجمعة أيضاً، سلّمنا لكن أدلّة الولاية تدلّ على قيام الفقيه مقام الإمام المعصوم (عليه السلام) في أمثال ذلك والله العالم.
بقى هنا أمور:
1 ـ هل هذا الحكم على سبيل الوجوب أو الجواز، قال المحقّق النراقي في العوائد: «الظاهر من القائلين بثبوت الولاية لهم الأوّل (أي الوجوب) حيث استدلوا بإطلاق الأوامر، وبإفضاء ترك إجراء الحدود إلى المفاسد، وصرّحوا بوجوب مساعدة الناس لهم، وهو كذلك لظاهر الإجماع المركب، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في رواية ميثم، الطويلة التي رواها المشايخ الثلاثة الواردة في حدّ الزنا: «من عطل حدّاً من حدودي فقد عاندني» [24].
أقول: مقتضى الأدلّة الخمسة السابقة كلّها الوجوب، ولابدّ في أخذ هذه الخصوصيات من الرجوع إليها، أمّا علّة التشريع فواضح، وأمّا إطلاق الأوامر في باب الحدود فهو أوضح، وأمّا مقتضى أدلّة الولاية وإن لم يكن الوجوب بل الجواز ولكنّ من المعلوم أن الولي المنصوب عموماً أو خصوصاً لو لم يقم بوظائفه وما يقتضيه الغبطة والمصلحة فيمن ولىّ عليهم فقد خان أميره، وخانهم أيضاً، وهذا غير جائز.
وأمّا إذا قلنا بأن إجراء الحدود من لوازم القضاء كثيراً فإذا قلنا بوجوب القضاء عيناً أو كفاية، فكذلك حكم إجراء الحدود، لأنه من تمام القضاء، وكذا رواية حفص ابن غياث، وبالجملة لا ينبغي الشكّ في المسألة، بل الظاهر أن من عبّر بالجواز أراد الجواز بالمعنى الأعمّ، وإلاّ فإن هذا الحكم من الأحكام التي يدور أمرها بين الحرمة والوجوب، ولا يقبل الجواز بمعنى الإباحة كما لا يخفى.
2 ـ هل يجب مساعدة الناس لهم في ذلك؟ الظاهر المصرّح به في كلماتهم نعم، والعمدة فيه أن المخاطب في هذه الأوامر، مثل (أمر فاجلدوا واقطعوا) هو الجميع، إلاّ أن الفقيه بمقتضى الأدلّة السابقة مأمور بها بلا واسطة، وسائر الناس بواسطة الفقيه وإن شئت قلت: أنها ترجع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو وظيفة جميع الناس، كلّ بحسب قدرته وإمكانه وصلاحيته.
3 ـ هل التعزيرات أيضاً داخلة فيما ذكر أم لا؟
ظاهر كلماتهم هو خصوص الحدود، لذكر هذا العنوان فيها، إلاّ أن الإنصاف عموم الحكم للأولوية أولاً، ولعموم كثير من الأدلّة السابقة ثانياً، ولأن الحدّ في كثير من المقامات معناه عام يشمل التعزير أيضاً ثالثاً.
4 ـ ذكر المحقّق النراقي في عوائده في مقام تأييد أصل الحكم، ما دلّ على أن ما أخطأت القضاة، من دم أو قطع، ففي بيت مال المسلمين[25].
ولكنّ الأنصاف أنه أجنبي عن موضوع البحث لعدم كونه في مقام البيان من هذه الجهة، ولعلّه ناظر إلى من كان منصوباً من قبل الإمام (عليه السلام) بالخصوص، وبالجملة ظاهره كونه بصدد بيان حكم غير ما نحن بصدده، فلا يمكن الركون إليه في إثبات المقصود.
_____________________________
[1] تذكرة الفقهاء: ج1 ص241.
[2] المهذّب البارع في الفقه: ج1 ص175.
[3] جواهر الكلام: ج15 ص421.
[4] جواهر الكلام: ج15 ص419.
[5] العروة الوثقى: كتاب الزكاة الفصل 10 المسألة 3.
[6] الوسائل: ج6 ب14 من أبواب زكاة الإنعام ح1.
[7] جواهر الكلام: ج16، ص178.
[8] المعتبر في شرح المختصر: ج2، ص641.
[9] مختلف الشيعة: ج2 ص37.
[10] الفردوس الأعلى: ص55.
[11] المستمسك على العروة الوثقى: ج9 ص583.
[12] مسالك الإفهام: ج1 ص69.
[13] مستند الشيعة: ج2 ص87.
[14] الحدائق الناضرة: ج12 ص437.
[15] الحدائق الناضرة: ج12 ص470.
[16] رياض المسائل: ج1 ص301.
[17] مستند الشيعة: ج2 ص87.
[18] الوسائل: ج18 ب9 من أبواب صفات القاضي ح1.
[19] مسالك الإفهام: ج1 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
[20] مباني تكملة المنهاج: ج1 ص224.
[21] الوسائل: ج18 ب28 من أبواب مقدّمات الحدود ح1.
[22] الوسائل: ج18 ب28 من أبواب مقدّمات الحدود ح2.
[23] نفس المصدر: ح3.
[24] الوسائل: ج18 ب1 من أبواب مقدّمات الحدود ح6.
[25] راجع الوسائل: ج18 ب10 من أبواب صفات القاضي ح1.

السابق || التالي 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية