من صلاحيات الفقيه: «إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»
المقام الرّابع: من صلاحيات الفقيه: «إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»
لاشكّ أن وجوبهما في الجملة من ضروريات الدين، ورد التصريح به في الكتاب والسنّة
المتواترة، وقد ذكر الأصحاب أن له مراتب ثلاث: «بالقلب» و «باللسان» و «باليد» وقد
صرّح بعضهم بأن وجوب إنكار الأوّل مطلق غير مشروط بشيء، ومعناه أن وجوب الآخرين
مشروط بالشروط الأربعة التي ذكروها، وهو العلم بالمنكر والمعروف، واحتمال التأثير،
وكون الفاعل مصرّاً على الاستمرار، والأمن من الضرر.
وكلّ ذلك موكول إلى محلّه، إنّما الكلام في أن الإنكار باليد أيضاً له مراتب:
1 ـ العمل بالمعروف وترك المنكر بحيث يكون سبباً لدعوة غيره إلى ذلك.
2 ـ الضرب من دون جرح.
3 ـ الضرب مع الجرح إذا لم يكون الضرر مقصوداً، مثل الدفاع والصد التي قد يتولد
منهما الضرر.
4 ـ الضرب مع الجرح وإن كان الضرر مقصوداً.
5 ـ الإنكار باليد ولو بالقتل.
إذا عرفت ذلك فأعلم أن الكلام فيها «تارة» يكون في أصل وجوب هذه المراتب، و «أخرى»
في ترتبها، ووجوب الاقتصار على الأيسر فالأيسر. و «ثالثة» على اشتراط إذن الإمام
(عليه السلام) في المراتب الأربعة الأخيرة، دون المرتبة الأولى أي العمل بأحكام
الله، فإنه فرض على الجميع مطلقاً من دون حاجة إلى الاستيذان، ولنعم ما قال صاحب
الجواهر (رضوان الله عليه) في هذا المقام حيث قال:
«من أعظم أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعلاها وأتقنها وأشدها تأثيراً
خصوصاً بالنسبة إلى رؤساء الدين أن يلبس رداء المعروف واجبه ومندوبة، وينزع رداء
المنكر محرمه ومكروهة، ويستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة، وينزهها عن الأخلاق الذميمة،
فإن ذلك منه سبب تام لفعل الناس المعروف ونزعهم المنكر خصوصاً إذا أكمل ذلك
بالمواعظ الحسنه المرغبة والمرهبة، فإن لكلّ مقام مقالاً ولكلّ داء دواء، وطب
النفوس والعقول أشد من طب الأبدان بمراتب كثيرة، وحينئذ يكون قد جاء بأعلى أفراد
الأمر بالمعروف نسأل الله التوفيق لهذه المراتب (انتهى) [1].
و «رابعة» في أن نائب الغيبة يقوم مقام الإمام (عليه السلام) في جواز الاستيذان منه
في المراتب الأربع.
وقبل التكلّم في هذه المقامات لابدّ من ذكر روايات الباب، ليعلم أحكام الجزئيات
منها، فنقول ومنه سبحانه نستمد التوفيق والهداية:
1 ـ منها ما رواه جابر عن الباقر (عليه السلام) (في حديث) قال: فأنكروا بقلوبكم
والفظوا بالسنتكم، وصكوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائم... الحديث[2].
2 ـ ومنها ما رواه الرضي: وقد قال (عليه السلام) في كلام له يجري هذا المجرى: فمنهم
المنكر للمنكر بقلبه ولسانه ويده فذلك المستكمل لخصال الخير، ومنهم المنكر بلسانه
وقلبه، التارك بيده، فذلك متمسك بخصلتين من خصال الخير ومضيع خصلة... الحديث[3].
3 ـ ومنها ما رواه الطبري مرسلاً في تاريخه عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن علي
(عليه السلام) قال: أني سمعت علياً (عليه السلام) يقول يوم لقينا أهل الشام: أيها
المؤمنون أنه من رأى عدواناً يعمل به ومنكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه، فقد سلم
وبريء، ومن أنكره بلسانه فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة
الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق
ونوّر في قلبه اليقين[4].
4 ـ ومنها ما عن أبي حجيفة عن علي (عليه السلام) يقول: أن أول ما تغلبون عليه من
الجهاد، الجهاد بأيديكم، ثمّ بألسنتكم، ثمّ بقلوبكم، فمن لم يعرف بقلبه معروفاً ولم
ينكر منكراً قلب، فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه[5].
5 ـ ومنها ما عن تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) فقد صرّح في ذيله بهذه
المراتب الثلاث[6].
6 ـ ومنها ما دلّ على قسمين منها «اليد» و «اللسان» الذي يعلم منهما الثّالث أيضاً
وهو ما رواه يحيى الطويل عن الصادق (عليه السلام) قال: ما جعل الله بسط اللسان وكفّ
اليد ولكن جعلهما يبسطان معاً ويكفان معاً[7].
وضعف إسنادها بالإرسال والجهالة غير مضر بعد تضافرها وعمل الأصحاب بها، بل يمكن
الاستدلال على مضمونها في الجملة بدليل العقل.
توضيح ذلك: أن الأصحاب (رضوان الله عليهم) اختلفوا في كون الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر واجبين بحكم العقل مضافاً إلى حكم الشرع، فعن الشيخ والعلاّمة والشهيدين
وغيرهم استقلال العقل بوجوبهما، ولكنّ عن المحقّق الثّاني وفخر المحقّقين بل نسب
إلى جمهور المتكلّمين والفقهاء عدم استقلاله به، وأنهما يجبان بحكم الشرع فقط.
قال العلاّمة في القواعد على ما حكاه عنه في الإيضاح: لا خلاف في وجوبهما إنما
الخلاف في مقامين:
احدهما: أنهما واجبان على الكفاية أو على الأعيان؟
والثّاني: أنهما واجبان عقلاً أو سمعاً؟
والأول في المقامين أقوى، وقال ولده في شرح كلام والده (قدس سرهم) ذهب السيّد
المرتضى وأبو الصلاح وابن إدريس إلى وجوبهما سمعاً وإلاّ لم يرتفع معروف ولم يقع
منكر، أو يكون الله مخلاً بالواجب، واللازم بقسميه باطل فالملزوم مثله[8].
ومراده من هذا الاستدلال هو أنه لو وجبا بالعقل فوجبا على الله تعالى أيضاً لاتحاد
الملاك.
وفيه: منع ظاهر لأن وجوب شيء عقلاً على العباد لا يستلزم وجوبه على الله، كما أن
حفظ النفس واجب علينا ولا يجب عليه تعالى، بل يعمل في ذلك بما تقتضيه مشيئته
البالغة وحكمته العالية، كيف ونحن في بودقة الامتحان، وقد جعلنا الله مختارين حتّى
نستكمل بالبلوى.
وقال في اللمعة: «وهما واجبان عقلاً في أصح القولين، ونقلاً إجماعا».
وقال في المختلف بعد نفي الخلاف عن وجوبهما: إنّما الخلاف في مقامين الأوّل هل هما
واجبان عقلاً أو سمعاً؟ فقال السيّد المرتضى وأبو الصلاح والأكثر بالثّاني، قوّاه
الشيخ في كتاب الاقتصاد، ثمّ عدل إلى اختيار الأوّل، والأقرب ما اختاره الشيخ (أي
وجوبهما عقلاً) [9].
ولكنّ الإنصاف أن وجوبهما في الجملة بحكم العقل ممّا لا سبيل لنا إلى إنكاره، وقد
ارشدنا الإمام الباقر (عليه السلام) إلى دليله العقلي، بقوله (عليه السلام) فيما
روى عنه: «أن الأمر بالمعروف سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام
الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من
الأعداء ويستقيم الأمر» [10].
وقد أشار إليه قبل ذلك مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض كلماته مشيراً
إلى هذه الفريضة «إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلّها هيّنها وصعبها» إلى آخر
الحديث.
وإن شئت قلت: تركهما يؤدي إلى فساد المجتمع كلّه وشيوع الفحشاء والمنكر، فيجبان من
باب المقدّمة للواجب، هذا ولكن القدر المتيقن منه هو وجوب الإنكار والأمر باللسان
واليد، أمّا بالقلب، فلا يمكن إثباته بدليل العقل، اللّهم إلاّ أن يقال: لو لم ينكر
بقلبه أثرّ ذلك في عمله بيده ولسانه، فوجوبه أيضاً من باب المقدّمة. فتأمّل.
هذا وقد يقال: إن المراد من الإنكار بالقلب ما يظهر آثاره في الوجه، ووجوبه حينئذ
ظاهر.
هذا ولكنّ الأمر سهل بعد كون الكلام في الإنكار أو الأمر باليد، والظاهر أن وجوبهما
بدليل العقل ثابت في جميع مراتبه حتّى القتل في الجملة، فلو لم يرتدع الفاعل للمنكر
وكان وجوده منشأ لفساد عظيم في المجتمع جاز قتله بحكم العقل، ودخل في عنوان المفسد
في الأرض في الجملة.
ومن هنا يظهر الحال في «المقام الأوّل» وإن وجوب هذه المراتب بأجمعها من الإنكار
بالقلب إلى آخر مراتب الإنكار باليد واجب بإطلاق ما عرفت من الروايات الشارحة
لمراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل بإطلاق ما دلّ على وجوب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر أيضاً.
إن قلت: ما الفائدة في ترك المنكر بالإجبار، وكذا فعل المعروف كذلك؟ ووجود الإجبار
في بعض المراتب المذكورة ممّا لا يكاد ينكر؟ أو ليس المقصود من تشريع الشرائع تكميل
النفوس ودعوتها إلى فعل المعروف وترك المنكر اختيارا، وقيام الناس بالقسط والعدل؟
وأي فائدة في الجميل الاضطراري؟
قلت: العمل بهذه الوظيفة وإن أدى إلى الإجبار في كثير من الموارد بالنسبة إلى بعض
الناس، لكنّه لطف بالنسبة إلى غيرهم ممّن يعيش في ذلك المجتمع، فإن نشر آثار الفساد
وإشاعة الفحشاء ممّا يوجب ترغيب النفوس نحوه بلا ريب، بل قد يكون لطفاً أيضاً في
حقّ فاعله في الأحداث المستقبلة (إذا لم يكن النهي بقتله) وإن هو إلاّ كإجراء
الحدود والتعزيرات التي لا يمكن إنكار تأثيرها في تربية النفوس.
إن قلت: فوجوب هذه المراتب ثابت في أيّ أمر؟ فهل يجوز قتل من لا يرتدع من شرب الخمر
والقمار مثلاً، كما لعلّه ظاهر إطلاق كلماتهم.
قلت: كلاّ، بل اللازم مراعاة الأهم في البين وإطلاقات الآيات والروايات منصرفة إليه
كإطلاق كلماتهم، فلا يجوز الضرب والجرح أو الكسر والقتل في كلّ مورد من موارد ترك
المعروف وفعل المنكر بل لابدّ من ملاحظة الأهم والمهم.
وإن شئت قلت: يقع التعارض بين أدلّة وجوبهما وأدلة حرمة إيذاء المؤمن وجرحه وقتله،
بل هو من قبيل التزاحم، ومن المعلوم أن مقتضى القاعدة في المتزاحمين الأخذ بالأهم.
ومن هنا يظهر الحال في المقام الثّاني، وأنه يجب الأيسر، فما دامت المواعظ الحسنة
مؤثرة لا يجوز الإنكار بالكلمات الخشنة، وما فيه هتك وتحقير وإيذاء، ومادامت هذه
مؤثرة فلا تصل إلى مرحلة الضرب، وقد يكون الضرب أهون من بعض الكلمات الخشنة، وهكذا
الحال في الإقدام على الجرح أو الكسر أو القتل، ويتفاوت جميع ذلك بحسب الأشخاص
والمقامات.
والدليل عليه (وإن كان بعض كلماتهم مطلقة وظاهرة في عدم الترتب) ما عرفت من التزاحم
بين أدلّة وجوبهما وأدلّة حرمة الإيذاء واللازم الأخذ بالأهم، وكذا بالأيسر ثمّ
الأيسر.
مضافاً إلى ما يظهر من الآية الشريفة في قتال طائفتين من المؤمنين فقد قال سبحانه
(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت أحداهما على الأخرى
فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله) [11].
فقد ذكر فيها الإصلاح أولاً ثمّ القتال إذا لم ينفع الإصلاح.
وكذا ما يظهر من بعض الروايات السابقة الظاهرة في الترتب.
والعجب من بعض أعاظم العصر حيث ذكر في بعض كلماته أن الترتيب غير مذكور في روايات
الباب، وما أفيد من أن النسبة بينها وبين أدلّة حرمة الإيذاء عموم من وجه، منظور
فيه، فإن أنحاء الأمر والنهي ذكر فيها بالواو الظاهرة في عدم الترتيب، وليس من قبيل
العموم، وأمّا الاستشهاد بالآية الشريفة فيشكل لأنه راجع إلى المقاتلة بخلاف
المقام[12].
وفيه مواقع للنظر، أما أولاً: فلأن المقام ليس من قبيل التعارض، بل من قبيل التزاحم
كما عرفت، لأن الملاك محرز من الجانبين، فاللازم الأخذ بأقوى الملاكين وأهم
المصلحتين لا الرجوع إلى قواعد باب التعارض كما هو ظاهر.
وثانياً: العطف بالواو لا يدل على التساوي لاسيّما بعد وجود القرينة ومناسبة الحكم
والموضوع وهي هنا موجودة مع قطع النظر عن أدلّة حرمة الإيذاء، فإذا كان هناك رجل
يشرب الخمر ويرتدع بأدنى كلمة، فأي فقيه يجوّز ضربه أو جرحه أو قتله أخذاً بإطلاق
أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
وثالثاً: دلالة الآية ممّا لا ينبغي أن ينكر فإنه لا فرق بين المقاتلة والقتل لأن
القتل، في المقام أعمّ من أن يكون من طريق المقاتلة أو غيرها.
وممّا ذكرنا يظهر أنه لا يجوز الضرب أو الجرح أو القتل في جميع موارد المنكر أو ترك
المعروف بل لابدّ من ملاحظة الأهم والمهم في كلّ مورد.
أمّا المقام الثّالث ففيه خلاف بينهم.
فالمحكي عن نهاية الشيخ أن الأمر بالمعروف، باليد، بمعنى حمل الناس عليه أمّا القتل
وضرب من الجراحات فهو لا يجوز إلاّ بإذن سلطان الوقت المنصوب للرئاسة العامّة (أي
الإمام (عليه السلام)) فالمراد باليد في الأخبار هو الجري العملي على المعروف
ليتأسى به الناس.
وقد يقال أن الضرب جائز، ولكن الجرح أو القتل لا يجوز إلاّ بإذن الإمام (عليه
السلام) كما عن الفخر والشهيد والمحقّق الثّاني والمقداد.
بل في المسالك أنه الأشهر بين الأصحاب.
وهنا قول ثالث وهو أن إذن الإمام شرط فيما كان الضرر مقصود، أمّا إذا كان شبه
الدفاع أو الصد الذي قد يحصل منها ضرر غير مقصود فلا، ويظهر ذلك من المرتضى فيما
رواه في المختلف عنه[13].
وقول رابع، وهو التفصيل بين الجرح والقتل وإن الأوّل جائز (بغير إذن الإمام) دون
الثّاني، حكاه في الجواهر عن الشهيد الثّاني[14].
وقد يظهر من بعض الكلمات قول خامس، وهو عدم حاجة القتل أيضاً على إذنه (عليه
السلام) وأنه إذا وجب على الإمام (عليه السلام) وجب على غيره بحكم التأسي[15].
هذا ولكنّ الإنصاف عدم تجويز شيء من الضرب والجرح والكسر والقتل إلاّ بإذن الإمام
(عليه السلام) لما في جواز ذلك على آحاد الناس من المفاسد العظيمة التي قد توجب
الإخلال بالنظام والاضطرار، لاسيّما إذا كان فيهم جهال لا يقفون على شيء ولا يعلمون
مواقع الأمور ومقاديرها ـ والجاهل أمّا مفرط أو مفرّط ـ فإعطاء هذه الأمور بأيديهم
يكون ضررها أكثر من نفعها، و «كان ما يفسده أكثر ممّا يصلحه» (كما ورد في الحديث)
بل قد يكون تدخل أفراد الناس في ذلك سبباً لأعمال البغضاء والشحناء من هذا الطريق،
والتطرّق إلى المقاصد السيئة تحت عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما لا
يخفى على من له خبرة بهذه الأمور، فلابدّ في جميع ذلك من الاستيذان من «ولي الأمر»
وهو كما اشتهر في الألسن أن اليد التي يقطعها الحاكم لا دم له!
والتمسّك باطلاقات الباب كالتمسك بإطلاق آية «حدّ الزنا والسارق» ممنوع بقرينة
المقام.
وإن شئت قلت: هناك أمور تتوقف على إذن الحاكم في جميع المجتمعات البشرية فإذا أذن
الشارع المقدس في شيء منها انصرف إليه، وما نحن فيه من هذا القبيل، فلا إطلاق في
الآيات والروايات بعد وجود هذه القرينة الواضحة الظاهرة.
وإن هو إلاّ نظير تنفيذ الحدود والتعزيرات، فقد عرفت أنه لا ينبغي الشكّ في كونها
من وظيفة الحاكم الشرعي، بل إجرائها من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما
لا يخفى على اللبيب.
وقد ظهر من جميع ذلك أن الأظهر بحسب القرائن العقلية والنقلية عدم جواز شيء من هذه
المراتب الأخيرة بغير إذن الإمام (عليه السلام) أو نائبه.
نعم، الإنكار بالقلب، سواء كان بمعنى تنفره في قلبه من المنكر ويكون ذلك لنفسه، أو
كان المراد ظهوره في صفحات وجهه بحيث ينتفع به غيره من دون تكلّم، فقد يكون لسان
الحال أبلغ من لسان المقال، فهذا غير متوقف على شيء، وكذا القول باللسان في جميع
مراتبه، فأدلّتها مطلقة لا وجه لتخصيصها بشيء، وكذا العلم باليد بمعنى كونه «أسوة»
لفعل المعروف، والانتهاء عن المنكر، إنّما الكلام في سائر مراتب اليد.
وأمّا «المقام الرّابع» من مقامات ولاية الفقيه أعني كفاية إذن نائب الغيبة وقيامه
مقام الإمام المعصوم (عليه السلام) فقد صرّح بعضهم بذلك، قال العلاّمة في المختلف
حاكياً عن سلاّر بن عبد العزيز: «أمّا القتل والجرح في الإنكار فإلى السلطان ومن
يأمره، فإن تعذر الأمر لمانع فقد فوضوا (عليهم السلام) إلى الفقهاء إقامة الحدود
والأحكام بين الناس، بعد أن لا يتعدوا «واجباً» ولا يتجاوزوا «أحدا»، وأمر عامة
الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك ما استقاموا على الطريقة.
ثمّ قال العلاّمة (قدس سره) : «والأقرب عندي جواز ذلك للفقهاء، ثمّ استدلّ بأن
تعطيل الحدود يقضي إلى نشر الفساد وارتكاب المحارم، وبما رواه عمر بن حنظلة وغير
ذلك من الأحاديث الشاملة لإقامة الحدود وغيرها[16].
والظاهر أنهم ينظرون إلى إقامة الحدود كأحد مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وهو كذلك، وقال الفقيه الماهر صاحب الجواهر (قدس سره) : «في جواز ذلك (أي
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا أدى إلى (جرح أو قتل) لنائب الغيبة مع فرض
حصول شرائطه أجمع، التي منها عدم الضرر والفتنة والفساد، لعموم ولايته عنهم قوّة،
خصوصاً مع القول بجواز إقامة الحدود له، وإن كان ذلك فرض نادر بل معدوم في مثل هذا
الزمان» [17].
أقول: الحقّ ما ذكره هؤلاء الأعلام، لما سيأتي إن شاء الله من الأدلة العامّة
الدالّة على ولايته في أمثال ذلك، مضافاً إلى ما عرفت من الأدلّة الدالّة على جواز
إجراء الحدود له، الشاملة لما نحن بصدده، بطريق أولى (وقد مرّ الكلام فيه آنفاً في
المقام الثّالث).
وليعلم أن المراد بالجواز في جميع هذه المقامات هو الجواز بالمعنى الأعمّ الشامل
للوجوب، بل مصداقه هنا هو الوجوب، لوجوب الوظيفتين كما لا يخفى.
المقام الخامس: من صلاحيات الفقيه: «الإشراف على الحكومة»
وهذا هو الأهم في هذه الأبحاث، وإنّما تكلمنا في المقامات السابقة ليعلم أن ولاية
الفقيه لا تنحصر في الإشراف على الحكومة، وإن كانت هي أبرز مصاديقها في عصرنا هذا.
ولنتكلم أولاً في ضرورة الحكومة للناس، وأنه لابدّ لهم من أمير وحاكم، ثمّ لنتكلم
عن ما يدل على أولوية الفقيه في الإسلام بهذا المقام، ثمّ نعقبه بشرائطها ثمّ
حدودها، فهذه أمور أربعة لابدّ من البحث فيها.
ضرورة الحكومة للناس
أمّا الأوّل: فيمكن إثباته من طرق:
أحدها: لا ريب في أن الحياة الإنسانية حياه تقوم على المجتمع، فلو تجردت الحياة من
هذه الخصيصة انحدر الإنسان إلى أقصى مراتب الجاهلية الجهلاء والبهيمية والشقاء، لأن
جميع المنافع والآثار المطلوبة الحاصلة في المجتمع البشري من الحضارات والتقدّم نحو
الكمال، والأخلاق والآداب والعلوم المختلفة، إنّما تكون ببركة حياته الاجتماعية،
والتعاون والتعاضد، في مختلف الحقول، واجتماع القوى والطاقات، وتعاطي الأفكار بعضها
ببعض، كما هو ظاهر، فالإنسان إذا عاش في غير المجتمع كان كأحد الحيوانات، وإنّما
أعطاه الله الميل والتجاذب نحو هذا اللون من الحياة كي يحصل على هذه المنافع
العظيمة، والكمال اللائق بحاله في جانبيه المعنوي والمادي، وقد أكد الشارع المقدس
الإسلامي على الاحتفاظ بهذا النوع من الحياة، وجعله كأصل ثابت، وكحجر أساسي في جميع
أحكامه وقوانينه، كما لا يخفى على من سبر أحكام الإسلام بالدقة والتأمّل.
ثمّ من الواضح أن حياة الإنسان في المجتمع، على رغم شتى البركات والمنافع الضرورية،
لا تخلو عن منافسات واختلافات ومنازعات، لا لغلبة الشهوات على الناس فحسب، بل لما
يقع هناك من الخطأ في تشخيص الحقوق وحدودها، فلابدّ لهم من قوانين تبين لهم ما
يستحق كلّ واحد منهم، وما هو طريق التخلّص من التزاحم وردّ التعدي والتجاوز، وغير
ذلك، وهذه القوانين بنفسها لا أثر لها في نفي هذه الأمور، حتّى يكون هناك من ينفذها
ويجريها، ولا يتحقق ذلك إلاّ بقيام الحكومة ولو بشكل بسيط.
ولذا اتّفق المتكلمون من أصحابنا وغيرهم، على أن الإمامة واجبة بين المسلمين إلاّ
ما قد يحكى عن أبي بكر الأصم من العامّة أنها غير واجبة، إذا تناصفت الأمة ولم
تتظالم، وهو شاذ جدّاً[18].
وكذا اتفق العقلاء من جميع الأمم على ضرورة الحكومة للمجتمعات البشرية عدا ما يلوح
من الشيوعيين من عدم لزومها بعد تحقّق التكامل لأبناء البشر، وبعد طرد النظام
الطبقي فإن الحكومة إنّما شرّعت لحفظ مصالح الطبقة الحاكمة، فإذا انتفى هذا النظام
انتفت الحكومة.
ولكنّ هذه كلّها مجرّد أوهام لا أهمية لها عندما نلمس الحقائق الموجودة في المجتمع
البشري، أمّا بلوغ الإنسان إلى مستوى عال من الأخلاق والتقوى الذي ينفي أي اختلاف
بين أبناء المجتمع فهو أمر بعيد المنال لا ينبغي الاتكال عليه في هذه الظروف التي
نعيشها وفي المستقبل على ما نعهده.
ولو سلمنا تحقّق ذلك فهذا لا يغني عن الحكومة، لأنها ليست لرفع الاختلافات فحسب، بل
هناك أمور كثيرة تتعلّق بحياة المجتمع ليست في طاقة فرد أو أفراد خاصة، كبناء
الطرق، واسجلاب الأرزاق ودفع الآفات والقيام بشؤون الصحّة والتعليم والتربية،
وتنظيم البرامج الاقتصادية التي لا تستغني عنها الأُمة إطلاقاً، أو تقع في حرج شديد
وعسر عسير، فما ذكر من بلوغ الأمة إلى حد التناصف، أو بلوغها إلى حدّ حذف الطبقة
الظالمة، على فرض تحقّقها، إنّما يوجب استغناء الأمة عن النظام القضائي وما يتعلّق
به فقط، وأمّا ما تتصدى له الآن وزارة «الصحّة» و «التعليم» و «الثقافة» و
«الاقتصاد»، وغير ذلك ممّا هو كثير فضرورتها قائمة ما بقى الإنسان في المجتمع، فحذف
الحكومة من حياة الإنسان وهم في وهم، وخيال في خيال!
وإن شئت إن تستدل عليه في صبغة إسلامية، فراجع آراء المتكلمين عند ذكر وجوب بعث
الرسل وإنزال الكتب، أو وجوب نصب الإمام بعد ارتحال الرسول (صلى الله عليه وآله) من
دار الدنيا، فإنه ينادي بأعلى صوته على ضرورة الحكومة في كلّ عصر وزمان، مثل ما
ذكره العلاّمة الطوسي في شرح تجريد الاعتقاد، حيث قال في بحث لزوم البعثة:
«منها: أن النوع الإنساني خلق لا كغيره من الحيوانات، فإنه مدني بالطبع، يحتاج إلى
أمور كثيرة في معاشه، لا يتم نظامه إلاّ بها، وهو عاجز عن فعل الأكثر منها إلاّ
بمشاركة ومعاونة، والتقلب موجود في الطبائع البشرية، بحيث يحصل التنافر المضاد
لحكمة الاجتماع، فلابدّ من جامع يقهرهم على الاجتماع وهو السنّة والشرع ولابدّ
للسنّة من شارع يسنها ويقرر ضوابطها... بحيث يتم النظام ويستقر حفظ النوع الإنساني
على كماله الممكن، ومنها أن مراتب الأخلاق وتفاوتها معلوم يفتقر فيه إلى مكمل
لتعليم الأخلاق والسياسات بحيث تنتظم أمور الإنسان بحسب بلده ومنزله».
وقال في بحث لزوم نصب الإمام (عليه السلام) بعده (صلى الله عليه وآله) :
«واستدلّ المصنّف على وجوب نصب الإمام على الله تعالى بأن الإمام لطف واللطف واجب،
أمّا الصغرى فمعلومة للعقلاء، إذ العلم الضروري حاصل، بأن العقلاء متى كان لهم رئيس
يمنعهم عن التغالب والتهاوش ويصدهم عن المعاصي ويعدهم ويحثهم على فعل الطاعات
ويبعثهم على التناصف والتعادل، كانوا إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد» (انتهى محل
الحاجة).
ثانيها: أن أحكام الإسلام لا تنحصر بالعبادات، بل فيها أحكام كثيرة ترتبط بالشؤون
السياسية، والاجتماعية، وغيرها، كأحكام الجهاد والحدود والقضاء والزكاة والخُمس
والأنفال وغيرها ممّا لا يمكن تعطيلها في أي عصر وزمان، سواء عصر غيبة الإمام (عليه
السلام) أو حضوره، فهل يمكن تعطيل القضاء بين الناس، مع كثرة الخلافات والتنازع
بينهم؟ أو هل يمكن تعطيل الحدود والقصاص وشبهها الموجب لتجري أهل الفتنة والفساد في
الأرض؟ أو هل يمكن ترك الدفاع عن ثغور الإسلام عند هجوم الأعداء عليها من الخارج أو
من أهل النفاق من الداخل؟!
ثمّ هل يمكن إعطاء كلّ من هذه الأمور حقّها بغير تأسيس الحكومة القوية القادرة على
تنفيذ الأحكام الخاصّة بهذه المسائل؟ ومن أنكر هذه إنّما ينكره باللسان وقلبه مطمئن
بالإيمان.
فلذا نرى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) عندما هاجر إلى المدينة وثبتت قدماه
في أرضها أقدم على تأسيس الحكومة الإسلامية قبل كلّ شيء، بتجنيد الجنود، وتعيين بيت
المال، وجمع الزكوات، وإرسال الرسل، ونصب القضاة و بعث العيون، وغير ذلك، ولولاها
لما ثبتت للإسلام قائمة، فإنه لم يكن الإسلام مجرد تبليغ الأحكام وتعليمها، وأي أثر
للتعليم المجرّد عمّا يوجب إنفاذ الأحكام وإجرائها، اللّهم إلاّ أثراً ضعيفاً، بل
السرّ في انتشار الإسلام في أكثر بقاع المعمورة من الأرض في مدة قليلة قد لا تبلغ
قرناً واحداً، هو اعتماده على تأسيس الحكومة وإيجاد حُكم يخضع لأوامره، كما لا يخفى
على الخبير.
ثالثها: الروايات الكثيرة الدالّة على ضرورتها للأمة الإسلامية منها ما يلي:
1 ـ ما ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه لما سمع كلام
الخوارج «لا حكم إلاّ لله» قال: «كلمة حقّ يراد بها الباطل، ولكن هؤلاء يقولون «لا
أمرة إلاّ لله» وأنه لابدّ للناس من أمير برّ أو فاجر، يعمل في أمرته المؤمن،
ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع بها الفيء، ويقاتل بها العدو،
وتؤمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي» [19].
وحاصله أن الحكم له معنيان: أحدهما: الحكم بمعنى تشريع القانون الإلهي فهو منحصر
بمشية الله وإرادته، والثّاني بمعنى إجراء هذا القانون، وهذا لا يكون إلاّ بواسطة
إنسان إن كان براً فهو، وإلاّ خلّفه فاجر، ولكن الخوارج قد لبسوا على أنفسهم وعلى
الناس، بالخلط بين المعنيين، ثمّ أشار (عليه السلام) إلى فوائد سبعة لتأسيس الحكومة
لا تتيسر بدونها.
وفي بعض الروايات المروية من طرق العامّة أنه لما قال (عليه السلام) : لا يصلح
الناس إلاّ بأمير برّ أو فاجر، قالوا: يا أمير المؤمنين! هذا البر، فكيف بالفاجر؟
قال أن الفاجر يؤمن الله به السبل، ويجاهد به العدو، ويجبي به الفيء، ويقام به
الحدود ويحج به البيت، ويعبد الله فيه المسلم آمناً[20].
وهذا دليل أيضاً على أن حكومة الظالمين وإن كانت على خلاف ما أمر الله به ولكنها
أحياناً تحصل بها بعض المنافع المرتقبة من الحكومة العادلة، كالموارد المذكورة في
الرواية، وهذا أمر ظاهر في بعض الحكومات الموجودة في شتى أنحاء العالم.
2 ـ الرواية المعروفة لفضل بن شاذان رواها في «علل الشرائع» وفيها بيان علل كثيرة
لأصول وفروع الدين ومنها بيان علل جعل أولي الأمر، وقد ذكر (عليه السلام) له عللاً
ثلاثة:
«أولها» : لزوم إجراء الحدود، وأنه لولا ذلك لظهر الفساد في الأمة، ولا يكون ذلك
إلاّ بنصب ولاة الأمر.
و «ثانيها» ما نصّة: «إنا لا نجد فرقة من الفرق، ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا
إلاّ بضمّ رئيس».
وذكر في «الثّالث» حكمة حفظ أحكام الشرع عن الاندراس، والمنع عن تغيير السنة وزيادة
أهل البدع[21].
ويظهر من «الوسائل» من أبواب مختلفة، أنه رواها عن الرضا (عليه السلام)، ولكن ليس
في البحار إلاّ روايته عن الفضل بن شاذان من دون انتهائه إلى الإمام (عليه السلام)،
ولكن من البعيد جدّاً نقل، مثل هذه الرواية، من غير المعصوم (عليه السلام)،
فراجع[22].
هذا مضافاً إلى ما حكاه في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) فإنه بعد نقل تمام
الحديث قال: «سأله علي بن محمّد بن قتيبة الراوي عن الفضل أن هذه العلل عن استنباط
منه واستخراج؟ قال: ما كنت لا علم مراد الله عز وجل من ذات نفسي، بل سمعتها من
مولاي أبي الحسن الرضا (عليه السلام) شيئاً بعد شيء فجمعتها» [23].
والعلل المذكورة لا تختص بالإمام المعصوم (عليه السلام)، بل يقوم بها الفقيه أيضاً
ما عدا الأخير على وجه.
3 ـ ما رواه النعماني في تفسيره عن علي (عليه السلام) بعد ذكر آيات من كتاب الله
«وفي هذا أوضح دليل على أنه لابدّ للأمّة من إمام يقوم بأمرهم، فيأمرهم وينهاهم
ويقيم فيهم الحدود، ويجاهد العدو، ويقسم الغنائم، ويفرض الفرائض، ويعرفهم أبواب ما
فيه صلاحهم، ويحذرهم ما فيه مضارهم، إذ كان الأمر والنهي أحد أسباب بقاء الخلق،
وإلاّ سقطت الرغبة والرهبة ولم يرتدع، ولفسد التدبير، وكان ذلك سبباً لهلاك
العباد[24].
4 ـ ما رواه في البحار أيضاً عن الصادق (عليه السلام) قال: لا يستغني أهل كلّ بلد
عن ثلاثة، يفزع إليه في أمر دنياهم وآخرتهم، فإن عدموا ذلك كانوا همجاً: فقيه عالم
ورع وأمير خير مطاع، وطبيب بصير ثقة[25].
إلى غير ذلك ممّا هو ظاهر أو صريح في عدم استغناء نوع الإنسان عن الحكومة، يجدها
المتتبع في تضاعيف كتب الرواية.
أولوية الفقيه من غيره
أمّا المقام الثّاني: أعني كون الفقيه الجامع للشرائط أولى بذلك من غيره فقد يستدلّ
له تارة بما يشبه، دليلاً عقلياً وأخرى بروايات كثيرة وردت في أبواب مختلفة.
أمّا الأول فهو ما يستفاد من كلمات بعض الأساتذة الأعلام (قدس سره) وحاصله بتقرير
منّا أنه لاشكّ ـ كما عرفت في المقام الأوّل ـ في أنه لا يمكن إهمال أمر المجتمع
الإسلامي من حيث الحكمة، وأنه لابدّ لهم من ولي وأمير يدير أمورهم ويأخذ حقّ الضعيف
من القوي، ويدافع عنهم عند هجوم الأعداء، وينتصف لهم ومنهم، ويجري الحدود، ويسوس
جميع ما يحتاجون إليه في أمر دينهم ودنياهم.
كما أنه لا ينبغي الشكّ في أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان بنفسه يتولى هذه
الأمور، ومن بعده كان هذا للأئمّة الهادين (عليهم السلام)، وأمّا بعد غيبة ولي الله
المنتظر (عليه السلام) فأما أن يكون المرجع في هذه الأمور خصوص الفقيه الجامع، أو
يصحّ لكلّ أحد القيام بها، والقدر المتيقن من الجواز هو الأوّل، لعدم قيام دليل على
الثّاني، والأصل عدم ولاية أحد على أحد، خرجنا من هذا الأصل في الفقيه لأن جواز
ولايته ثابت على كلّ حال، وإنّما الكلام في جواز غيره.
وإن شئت قلت: الحكومة الإسلامية حكومة إلهية لا تنفك سياستها عن ديانتها وتدبيرها
عن تشريعها الإلهي، فالقائم بهذا الأمر لابدّ أن يكون عارفاً بأحكامه معرفة تامة،
كما لابدّ أن يكون عارفاً بالأمور السياسية وتدبير المدن، وكيف يسوغ لغير الفقيه
الذي لا يعرف أحكام الشرع حقّ معرفتها التصدي لهذه الحكومة الإلهية.
وبعبارة ثالثة الحكومات على قسمين: الحكومات الناشئة عن عقيدة ومدرسة فكرة
والحكومات الناشئة عن الأهواء والنزعات القومية، والقسم الأول «إلهية» والقسم
الثاني «الحادية»، والإلهية كالحكومة الإسلامية، والإلحادية كالماركسية، وفي كلّ من
هذين القسمين لا يكون الرئيس إلاّ من هو عارف بتلك العقيدة معرفة تامة، ويعرف ذاك
المذهب على حدّ الاجتهاد فيه كما لا يخفى على من علم حال غير المسلمين أيضاً في هذه
الحكومات.
وبالجملة: الحكومة الإلهية الإسلامية لا يمكن انفكاكها عن رئيس عالم بالأسس التي
تتبنّاها المدرسة الإسلامية، لا أقول أنه يعمل فيهم بما يشاء بل عليه الرجوع إلى
أهل الخبرة والاستناد إليهم، والاستشارة في كلّ ما يحتاج إلى الرجوع إليهم، وسيأتي
شرح هذا المعنى بالتفصيل إن شاء الله.
روايات الولاية:
وأمّا الروايات التي استدلّ بها على هذا المعنى فهي كثيرة، بعضها لا يزيد عن حدّ
الإشعار، بل لعلّه لا إشعار في بعضها، وإنّما جمعها بعضهم حرصاً على تكثير الأدلّة،
مع أن تكثيرها بما لا دلالة فيها أحياناً يوجب الوهن فيما يدل، وزيل بالاعتماد
بالنسبة إلى غيره، فالأولى والأجدر في جميع المباحث صرف النظر عن زيادة الأدلة إذا
كان هناك بعض الأدلة الضعيفة، والاكتفاء بما يصلح للدلالة، أو يحتمل دلالتها على
المطلوب على الأقل، فنقول ومنه سبحانه نستمد التوفيق والهداية: ما قيل أو يمكن
القول بدلالتها على المقصود روايات:
1 ـ مقبولة عمر بن حنظلة
وهي اشهرها في كلماتهم، رواها في الوسائل في كتاب القضاء أبواب صفات القاضي ـ.
قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو
ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليه في حقا وباطل
فإنّما تحاكم إلى الطاغوت... قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممّن قد
روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته
عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم الله وعلينا ردّه،
والراد علينا الراد على الله وهو على حدّ الشرك بالله[26].
والكلام فيها تارة من حيث السند وأخرى من حيث الدلالة.
أمّا الأوّل فالمعروف أن الأصحاب تلقوه بالقبول، حتّى سميت في كلماتهم بالمقبولة،
وإلاّ يشكل الاعتماد عليها بحسب حال الرواة، والعمدة في الإشكال في سندها نفس عمر
بن حنظلة لعدم ورود توثيق له في كتب الرجال.
نعم في السند «صفوان بن يحيى» وهو من أصحاب الإجماع، ولكن ذكرنا في محلّه إن ما هو
المشهور من أن وجود بعض أصحاب الإجماع في سند الحديث يغنينا عن ملاحظة حال من بعده،
ممّا لا دليل عليه، بل لعل معنى أصحاب الإجماع كون الأصحاب مجمعين على قبول روايات
أنفسهم وتوثيقهم.
هذا مضافاً إلى نقل روايتين في ترجمة الرجل تدلان على توثيقه، احدهما ما ورد في باب
أوقات الصلاة عن يزيد بن خليفة، قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : إن عمر بن
حنظلة أتانا عنك بوقت. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) : إذا لا يكذب علينا[27].
وفي رواية أخرى عن عمر بن حنظلة قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : القنوت يوم
الجمعة. فقال: أنت رسولي إليهم في هذا، إذا صليتم في جماعة ففي الركعة الأولى وإذا
صليتم وحداناً ففي الركعة الثّانية[28].
وذكر المحقق المامقاني في تنقيح المقال بعد ذكر هاتين الروايتين يظهر منهما توثيقه.
أقول: الاستناد إليهما في توثيق الرجل مشكل جدّاً:
أمّا الأول فلاشتماله على «يزيد بن خليفة» وهو مجهول، والراوي في الثّاني هو نفس
عمر بن حنظلة والاستناد إليه في إثبات وثاقته دور باطل، فالأولى في تصحيح سند
الحديث ما مرّ من كونه مستنداً للأصحاب ومقبولاً عندهم.
ومن الجدير بالذكر أن الشهيد الثّاني وثقه في درايته على ما حكاه عنه المجلسي في
روضة المتقين[29].
أمّا دلالتها فهل هي بصدد نصب الحاكم بمعنى الوالي أو القاضي، أو بصدد بيان المرجع
للتقليد في الأحكام الشرعية، أو صدرها في شيء وذيلها في شيء آخر، كلّ ذلك محتمل.
وغاية ما قيل أو يمكن أن يقال في دلالتها على الحكم بالمعنى الأول أمور:
1 ـ أن لفظ الحكم، ظاهر في الحكومة بمعنى الولاية لا القضاء.
2 ـ أن الرجوع إلى السلطان أو إلى القضاة (كما ورد في الحديث) يشمل المنازعات التي
تحتاج إلى القضاء وما لا تحتاج إلى ذلك، كالتنازع لأجل عدم أداء الحقّ من الدين أو
الميراث أو غيرهما بعد ثبوت الحقّ، فإن مرجعها السلاطين والأمراء.
3 ـ قوله من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت... أيضاً ظاهر في
خصوص الولاة.
4 ـ الآية التي استشهد بها وهي قوله تعالى (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما
اُنزل إليك وما اُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد اُمروا أن يكفروا
به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً) [30].
5 ـ قوله (عليه السلام) «فليرضوا به حكماً» يكون تعييناً للحاكم مطلقاً، لأن الرجوع
إلى القضاة لا يعتبر فيه الرضا، فهذا دليل على عدم إرادة خصوص القضاء.
6 ـ عدوله (عليه السلام) عن قوله «جعلته قاضياً» إلى قوله «جعلته عليكم حاكماً».
7 ـ لا يبعد أن يكون عنوان القضاء أيضاً أعمّ من قضاء القاضي وحكم الحاكم.
8 ـ التعبير بـ «على» في قوله «جعلته عليكم حاكماً» مع أن المناسب للقاضي أن يقول
جعلته قاضياً بينكم، ومن جميع ذلك يعلم أن الأظهر أن قوله «فإني قد جعلته عليكم
حاكماً» هو جعل الفقيه حاكماً في القضاء والولاية العامّة.
9 ـ بعدما ثبت ضرورة الحكومة في جميع الإعصار وعدم جواز تعطيلها، ودلت المقبولة على
حرمة الانقياد للطواغيت والرجوع إليهم، يظهر منها قهراً أن المتعين للولاية هو
الواجد للصفات التي ذكرها الإمام في المقبولة.
10 ـ القضاء من شؤون الولاية، فإذا ثبت اشتراطه بالولي الفقيه فيثبت في غيره.
11 ـ استناد بعض الفقهاء إليه في مبحث ولاية الفقيه مؤيد للمطلوب، هذا صاحب الجواهر
(قدس سره) الشريف استند إليه في الأبواب المختلفة فراجع.
12 ـ التعبير فيها بالسلطان الظاهر في الولاة.
وهذه الوجوه ذكرناها مبسوطة وإن كان يمكن إدغام بعضها في بعض، كي نؤدي البحث حقّه،
ومع ذلك بعضها ظاهر البطلان، وبعضها غير خال من الإشكال.
أمّا الأوّل: فلا ينبغي الشكّ لمن راجع موارد استعمال كلمة «الحكم والتحكم» في
القرآن المجيد والأخبار والآثار، إن الأظهر فيها هو القضاء (نعم في استعمالات اللغة
الفارسية الدارجة ظاهرة في الحكومة، ولعل منشأ الاشتباه لدى البعض هو هذا) كالآيات
الكثيرة الدالّة على أن الله يحكم يوم القيامة بين الناس، وما دلّ على مؤاخذة
الكفّار على ما يحكمون (مالكم كيف تحكمون) الواردة في الآيات المتعدّدة، وما دلّ
على حكم داود وحكم النبي (صلى الله عليه وآله) في اختلاف الناس، وما ورد في أبواب
القضاء وأحكام القضاة وما أكثرها، ولذا ذكر الراغب في مفرداته عند ذكر معناه الأصلي
«أن الحكم بالشيء أن تقضي بأنه كذا أوليس بكذا» وهذا أمر ظاهر لمن راجع اطلاقات لفظ
الحكم في الكتاب والسنّة، ولا أقل من عدم ظهوره في غير هذا المعنى.
وأمّا الثّاني: فلأن الظاهر من المنازعة: هي المنازعة التي تحتاج إلى القضاء بلا
ريب.
وأمّا الثّالث والرابع: فلأن الظاهر من الآية الشريفة أن المروي عن أكثر المفسرين
كما في مجمع البيان أنها نزلت في خصومة كانت بين يهودي ومنافق، فقال اليهودي أرضى
بمحمّد (صلى الله عليه وآله) وقال المنافق بل كعب بن أشرف! لعلمه بأنه يقبل الرشوة،
فالطاغوت بمعنى القاضي الجائر هنا.
وأمّا الخامس: فلأنه إشارة إلى قاضي التحكيم، وهو الذي يختاره الرجلان لأن يحكم
بينهما وهو غير القاضي المنصوب، وإلاّ فقوله فليرضوا به حكماً لا يناسب الحكومة
بمعنى الولاية، لعدم اعتبار الرضا فيها كما هو ظاهر.
ويظهر الجواب من السادس بما مرّ في الأول، فإن الحاكم هو القاضي، وأعجب من الجميع
السابع وهو أن يكون القضاء عاماً يشمل الولاية مع أن المتبادر منه غيره.
وأمّا الثامن: فلأن العلو كما يكون في الوالي يكون في القاضي، لنفوذ حكمه، فيناسب
استعمال كلمة «على».
وأمّا التاسع: من أعجب هذه الوجوه، لأنه استدلّ بدليل خارجي لا يرتبط بالرواية
وظهورها في المطلوب، كما لا يخفى.
وأمّا العاشر: فلأن كون القضاء من شؤون الولاية ليس دليلاً على اعتبار جميع ما
يعتبر فيه في الولاية، فلذا كانت القضاة في جميع الإعصار من العلماء ظاهراً، حينما
كانت الولاة من غيرهم أيضاً.
وأمّا الحادي عشر: فلأن استناد بعضهم إليه لا يكون دليلاً أصلاً، بعدما حكم كثير
منهم بأن المقبولة ظاهرة في القضاء فقط.
فقد صرّح المحقّق الخونساري، وكذا المحقّق الايرواني، بظهور المقبولة في القضاء
(راجع جامع المدارك وتعليقة المكاسب) وغيرهما كما سيأتي.
وأمّا الثّاني عشر: فسيأتي جوابه عند الكلام في المشهورة.
والإنصاف أن قوله «بينهما منازعة في دين أو ميراث» وقوله «من تحاكم إليهم في حقّ أو
باطل» وقوله «ما يحكم له فإنّما يأخذه سحتاً» وكذا الاستدلال بالآية الشريفة (بما
عرفت من شأن نزولها) وما ورد في ذيلها من اختلافهما في الحكم الذي هو كالصريح في
الاختلاف في القضاء لا الولاية، فهذه قرائن خمسة قوية ظاهرة في أن المراد من الحكم
فيها هو القضاء، وأظهر منها ما ورد في ذيل الرواية من استعمال المرجحات بين مأخذ
الحكمين الذي بمعنى المستند للفتوى أو القضاء فإنه لا معنى لكون الحكم فيه بمعنى
الولاية، فهذه شواهد قوية على كونها بصدد بيان منصب القضاء والفتوى لا غير.
وعلى كلّ حال، فإن صدر الرواية وذيلها يشير، إشارة قوية أنها بصدد بيان تعيين
القضاة العدول.
نعم يمكن أن يكون الذيل ناظراً إلى مرجع الفتوى أو القضاء في الشبهات الحكمية، فإن
مراجعة القضاة لا يختص بالشبهات الموضوعية، لاسيّما مع ما عرفت من أن المتعارف في
تلك الأزمنة وحدة القاضي والمفتي في كثير من الأحيان، ولذا استدلّ بها جمع كثير على
قبول منصب القضاء للفقهاء، منهم المحقّق النراقي في عوائده حيث قال: «فلهم ولاية
القضاء والمرافعات، وعلى الرعية الترافع إليهم، وقبول أحكامهم»، ثمّ استدلّ له
بمقبولة عمر بن حنظلة[31].
وقال سيدنا الأستاذ الحكيم (قدس سره) في نهج الفقاهة:
أمّا الحكم في المقبولة فالظاهر منه من له وظيفة الحكم، أمّا بمعنى الحكم والقضاء
بين الناس، فيختص لفصل الخصومة أو مطلقا، فيشمل الفتوى كما يشير إليه العدول عن
التعبير بالحكم إلى التعبير بالحاكم حيث قال (عليه السلام) «فليرضوا به حكماً فإني
قد جعلته عليكم حاكماً» مضافاً إلى ما يأتي مثله في المشهورة، وليس له ظهور بمعنى
السلطان أو الأمير كي تكون له ولاية التصرّف في الأمور العامّة فضلاً عن أن يكون
بمعنى من له الولاية المطلقة بالتصرّف في النفوس والأموال[32].
فقد تحصل من ذلك كلّه عدم دلالة المقبولة على أزيد من حكم القضاء في الشبهات
الموضوعية والحكمية جميعاً.
__________________________
[1] جواهر الكلام: ج21 ص382.
[2] الوسائل: ج11 ب3 من أبواب الأمر بالمعروف ح1.
[3] الوسائل: ج11 ب3 من أبواب الأمر بالمعروف ح9.
[4] الوسائل: ج11 ب3 من أبواب الأمر بالمعروف ح8.
[5] نهج البلاغة: الحكمة 375.
[6] راجع الوسائل: ج11 ب3 من أبواب الأمر بالمعروف ح12.
[7] الوسائل: ج11 ب3 من أبواب الأمر بالمعروف ح2.
[8] إيضاح القواعد: ج1 ص397.
[9] مختلف الشيعة: ج1 ص158.
[10] الوسائل: ج11 ب6 من أبواب الأمر بالمعروف ح1.
[11] سورة الحجرات: 9.
[12] جامع المدارك للمحقّق الخوانساري: ج5 ص409.
[13] المختلف: ص159.
[14] الجواهر: ج21 ص284.
[15] نفس المصدر: ص285.
[16] مختلف الشيعة: ج1 ص159.
[17] جواهر الكلام: ج21 ص385 ـ وما أفاده من أنه فرض نادر في زمانه عجيب، يدل على
غلبة أهل الأهواء في عصره بحيث لم يمكن إقامة الحدود فيه أصلاً وليس كذلك في عصرنا
بحمد الله تعالى.
[18] حكاه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج2 ص308.
[19] نهج البلاغة: الخطبة 40.
[20] كنز العمال: ج5 ص75.
[21] رواها المجلسى (قدس سره) في البحار: ج6 ص60.
[22] راجع البحار: ج6 ص58 وراجع الوسائل: ج7 ص4 و 173.
[23] عيون أخبار الرضا: ج2 ص121.
[24] بحار الأنوار: ج90 ص541.
[25] بحار الأنوار: ج75 ص235.
[26] وسائل الشيعة: ج18 ب11 من أبواب صفات القاضي ح1.
[27] الفروع من الكافي: ج3 باب وقت الظهر والعصر ح1.
[28] وسائل الشيعة: ج4 ب5 من أبواب الفنون ح5.
[29] روضة المتقين: ج6 ص27.
[30] سورة النساء:60.
[31] العوائد: ص195.
[32] نهج الفقاهة: ص300.