مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

ولاية الفقيه وحدودها

مشهورة أبي خديجة:

قال بعثني أبو عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: «قل لهم، إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري في شيء من الأخذ أو العطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته عليكم قاضياً، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر[1].
والكلام فيه أيضاً من جهة السند والدلالة:
أمّا الأوّل فالعمدة في جواز العمل بها شهرتها واشتهار العمل بها بين الأصحاب، حتّى سميت مشهورة، وإلاّ فنفس الراوي (أبو خديجة) هو محل كلام، واسمه «سالم بن مكرم» فقد صرّح النجاشي بأنه ثقة بينما ضعفه الشيخ (قدس سره) في بعض كلماته فقال أنه ضعيف جدّال، وعنه في بعض كلماته أنه ثقة، وتوقف العلاّمة في الخلاصة في أمره لتعارض الأقوال فيه[2].
ولعلّ خلاف العلمين فيه ناش عمّا ذكروه في الرجال من أنه كان في بعض أيّامه منصرفاً عن الحقّ، تابعاً لأبي الخطاب الملحد المعروف، حتّى هداه الله ورجع عنه إلى الطريق السوي فراجع.
وحينئذ يشكل الاعتماد على أحاديثه بعد عدم معلومية كون نقل هذا الحديث في أي حالة من حالاته، وقوله «بعثني» وإن كان ظاهراً في حال سلامته ولكنّه شهادة منه في حقّ نفسه.
وأمّا من حيث الدلالة فظهورها في حكم القضاة العدول ممّا لا ينبغي الريب فيه، ومن الجدير بالذكر أنه ذكر عنوان القضاء مع قوله «عليكم» وهذا يؤيد ما مرّ منا في تفسير المقبولة وأن للقاضي أيضاً علواً، ولكن لا توجد هذه اللفظة في نسخة التهذيب وكذا في نسخة الكافي (راجع ج 7 ص 412) وكذا في روضة المتقين (راجع ج 6 ص 6 كتاب القضاء) وكذا الجواهر (راجع ج 40 ص 1) كما أنه ذكر مقابل الرجوع إلى القضاة العدول، الرجوع إلى السلطان الجائر، وهذا يدلّ على أن المراد من الرجوع إليه لإرجاعه إلى القضاة أو لتصديهم لمنصب القضاء في بعض الأمور كما لا يخفى على من راجع تاريخ الخلفاء وغيرهم فقد كانوا يتصدون لبعض القضاء بأنفسهم أو بإحضار القضاة والتشاور معهم.
والتعبير بالخصومة والتداري في صدرها، كالتعبير بالتحاكم أيضاً، شاهد ظاهر على كون الكلام في منصب القضاء، وأما قوله «اجعلوا» ليس بمعنى قاضي التحكيم لمنافاته لقوله فإني قد جعلته قاضياً، بل الظاهر منه جعله بمعنى البناء العملى على الرجوع إليه، وإعلام الشيعة بأن يرجعوا إليه في خصوماتهم. دون الرجوع إلى غيره.
3 ـ التوقيع المبارك المعروف:
ما رواه الصدوق في كتاب إكمال الدين، عن محمّد بن محمّد بن عصام عن محمّد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب، قال سألت «محمّد بن عثمان العمري» أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، وورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) : أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك ـ إلى أن قال ـ وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله[3] (والحديث طويل أخذنا مقدار الحاجة وإن شئت تمام الحديث فراجع بحار الأنوار ج 53 ص 180).
والكلام فيه أمّا من حيث السند فقد وقع الكلام في «محمّد بن محمّد بن عصام» ولكنّه من مشايخ الصدوق، مضافاً إلى أن الحديث متضافر في هذه المرحلة من نقله، فقد رواه الشيخ في كتاب الغيبة عن جماعة عن جعفر بن محمّد بن قولويه وأبي غالب الرازي وغيرهما، كلّهم عن محمّد بن يعقوب (الكليني) وهذا التضافر لعلّه كاف في الاعتماد عليه مع نقله في الكتب المعتبرة.
وأمّا إسحق بن يعقوب فلم يرد في كتب الرجال ما يدلّ على حاله بل لعل عمدة روايته منحصرة بهذا التوقيع، لعدم نقل حديث آخر عنه في جامع الرواة، نعم قال الاسترآبادي صاحب الرجال الكبير فإنه قد يستفاد من هذا التوقيع علو رتبته (ولكن الناقل له هو نفسه) اللّهم إلاّ أن يكتفي بنقل الكليني عنه وفيه ما لا يخفى.
أمّا من حيث الدلالة ففيه احتمالات:
1 ـ الرجوع إليهم في الأحكام الكلية والاستفتاء منهم، وقوله «إلى رواة أحاديثنا» قد يكون قرينة عليه، فإن الرواية تكون مرجعاً في الفتوى غالباً.
2 ـ الرجوع إليه عند القضاء في المنازعات.
3 ـ الرجوع إليهم في تدبير أمور الأمة ونظامها والأحكام الولائية.
4 ـ الرجوع إليهم في الجميع.
ولا ريب أن الأقوى هو الأخير، بل قد يقال أن الرجوع إليهم في الأحكام الشرعية لم يكن يخفى على مثل إسحاق بن يعقوب، ولا يناسب التعبير بالحوادث أولاً، وكذا لا يناسب التعليل بكونهم حجّة على الناس ثانياً، فإن حجيّة نقل الأحكام المستفادة من الكتاب والسنّة لا يحتاج إلى هذا المعنى بل هي ثابتة بلا حاجة إلى جعلهم حجّة على الناس.
فالحوادث أمّا ناظرة إلى مسائل القضاء أو الولاية أو أعمّ منها.
هذا ولكن قد يقال أن متن أسئلة إسحاق بن يعقوب غير موجودة عندنا ولذا يشكل الاعتماد على الأجوبة لإبهامها بإبهام السؤال. أقول: محمّد بن عثمان (قدس سره) كان الثّاني من الوكلاء الأربعة لمولانا صاحب العصر والزمان (عج) والظاهر أن السؤال على يده منه (عليه السلام) عن الحوادث الواقعة إشارة إلى ما أفاده شيخنا الأعظم من الحوادث التي يرجع فيها كلّ واحد إلى رئيسه، ولم يكن الوصول في ذاك الوقت إلى ناحيته (عليه السلام) ممكناً لغالب الناس، فكان من اللازم أن يكون هناك مرجع يرجعون فيه إليه، بدلاً عن الرجوع إلى ولاة الجور، وعدم وجود السؤال بأيدينا لا ينافي ذلك، بعد وضوح الجواب، بل عدم ذكر الأسئلة في كلام الراوي لعلّه إشارة إلى وضوحها من الجواب، ومجرد وجود القدر المتيقن في الرواية لا يضرنا لما ذكرنا في محله من أنه غير ضائر بالإطلاق، ولو كان مضراً لم يجز التمسّك به في غالب الاطلاقات لوجود القدر المتيقن فيها غالباً.
ومال جمع من الأعاظم إلى إجمال الحديث، منهم سيدنا الأستاذ الحكيم، واحتمل الرجوع إلى الرواة لمعرفة حكم الحوادث أي الأحكام الكلية الشرعية كما ورد في حقّ غير واحد من أصحابهم (عليهم السلام) أنهم إذا لم يقدروا الوصول إليه في كلّ وقت، فاللازم عليهم الرجوع إلى بعض أكابر الرواة (انتهى ملخصاً) [4] وصرّح في جامع المدارك أيضاً بإجمال الحديث نظراً إلى أن «اللام» في «الحوادث» للعهد والمعهود هنا غير معلوم[5].
واستظهر المحقّق الايرواني في حواشيه على المكاسب كونها ناظرة إلى مجرّد أحكام الشرعية لما فيهما من التعليل بقوله (عليه السلام) فإنهم حجتي عليكم، فإن الظاهر من الحجّة كونه في الأمور التي تحتاج إلى التبليغ.
هذا ولكن الإنصاف أن قبول الأحكام من العلماء إنّما هو من باب رجوع الجاهل إلى العالم، لا يحتاج إلى النصب، ولا إلى التصريح بكونهم حجج المعصومين (عليهم السلام) على الخلق، لما عرفت سابقاً من أن جواز ذلك هو من باب الحكم وليس من المناصب الإلهية، فهذا التعليل دليل على أنه ناظر إلى القضاء والولاية.
واحتمال العهد في الحوادث لا ينافي العموم، بعد توصيفها بالواقعة مضافاً إلى أنه لا خصوصية للحوادث، إذا جاز الرجوع في بعضها إليهم، جاز الرجوع في غيرها فتأمّل.
والحاصل أن مقتضى إطلاقها شمولها للقضاء والولاية، والتعبير بالحادثة والواقعة وكونهم حجّة شواهد ظاهرة على ما ذكرنا، ولا يضرنا عدم وجود أسئلة إسحاق بن يعقوب بأيدينا.
ومنه يظهر الإشكال في ما أفاده المحقّق النائيني (قدس سره) في منية الطالب (بعد نقل الوجوه التي ذكرها شيخنا الأعظم (قدس سره) في مكاسبه) حيث قال: فلعل المراد من الحوادث هي الحوادث المعهودة بين الإمام (عليه السلام) والسائل، و على فرض عمومها فالمتيقن منها هي الفروع المتجدّدة والأمور الراجعة إلى الإفتاء لا الأعمّ[6].
4 ـ حديث «مجاري الأمور... »
روى في تحف العقول في باب المختار من كلمات الحسين بن علي (عليهما السلام) أنه يروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «اعتبروا أيّها الناس بما وعظ الله به أوليائه إلى أن قال: وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعر ونذلك، بأن مجارى الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلاّ بتفرقكم عن الحقّ واختلافكم في السنّة بعد البينة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحملتم المؤونة في ذات الله كانت أمور الله عليكم ترد وعنكم تصدر وإليكم ترجع ولكنّكم مكنتم الظلمة من منزلتكم[7].
والحديث ضعيف سنداً بالإرسال كما هو ظاهر، وأمّا بحسب الدلالة قال بعضهم ـ كسيدنا الأستاذ الحكيم في نهج الفقاهة ـ بإجماله.
وقال المحقّق النائيني (قدس سره) في هذا الخبر وخبر «العلماء ورثة الأنبياء» ونحوها من الأخبار الواردة في علو شأن العالم، أن من المحتمل قريباً كون العلماء فيها هم الأئمّة (عليهم السلام) [8].
وقال المحقّق الايرواني أن المراد بالأمور إمّا الإفتاء فيما اشتبه حكمه، أو القضاء فيما اشتبه موضوعه[9].
ولكن الإنصاف ـ كما يظهر لمن نظر صدره وذيله ـ أن العلماء فيه هم العارفون بدين الله وحلاله وحرامه، كما أن المراد بالأمور ما يشمل الولاية والحكومة، فإن الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وإشارة إلى غلبة أهل الباطل على الولاية، ومنع أهل الحقّ عن محالها، ولو صبروا عادت الأمور إلى محالها، وتكون الحكومة بأيديهم، ولعمري أن ذيلها كالصريح في ذلك، وظني أن القائلين بأنها ظاهرة في خصوص الإفتاء أو هو القضاء قصروا نظرهم إلى خصوص جملة «مجارى الأمور» وإلاّ لو نظروا سائر فقرات الحديث كانت واضحة عندهم فدلالتها واضحة وإن كان سندها مرسل.
5 ـ حديث «العلماء حكّام الناس»
وفي غرر الحكم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «العلماء حكّام الناس» وروى المجلسي (قدس سره) في البحار عن الصادق (عليه السلام) «الملوك حكّام الناس، والعلماء حكّام على الملوك» [10] وضعف سند الحديث بالإرسال ظاهر كدلالته، فإن المراد من الحكومة بقرينة ما روى عن الصادق (عليه السلام) في كلام المجلسي هو الحكومة على القلوب والأفئدة، لا الحكومة الظاهرية وإلاّ لم تناسب جعل حكومتهم على الحكّام، بل لابدّ أن يكون على الناس وهذا ظاهر.
مضافاً إلى أن ظاهرها كونها إخبار عن وقوع هذا الأمر في الخارج لا الإنشاء وجعل هذا المنصب لهم فتأمّل.
6 ـ حديث «الفقهاء أمناء الرسل»
في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :
«الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل يا رسول الله! وما دخولهم في الدنيا؟ قال إتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فأحذروهم على دينكم» ![11].
وفي سند الحديث «النوفلي» و «السكوني» وفيهما كلام معروف، فالركون إليه لا يخلو من إشكال، وإن قبله جماعة، ومع غض النظر عن سنده لا دلالة له على المطلوب، أمّا أولاً: فلأن كونهم أمناء الرسل بنفسه غير كاف، لاحتمال كونهم أمنائهم على الأحكام الشرعية والمعارف الدينية، بل ظاهره ذلك، وثانياً: ما ورد في ذيل الحديث ينادي بأعلى صوته أن المراد منه هو الأمانة على الدين ومعارفه وأحكامه، ولا يمكن التمسّك بإطلاق الأمناء مع قوله فاحذروهم على دينكم فالعلماء حافظون لتراثهم هذا وأمنائهم عليه.
7 ـ حديث «الفقهاء حصون الإسلام»
وفي الكافي أيضاً بسنده عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهم السلام) أن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن المدينة[12] وفي طريقة علي بن حمزة وقد ضعفه أكثر علماء الرجال ونقل ابن محبوب عنه، وهو من أصحاب الإجماع، غير كاف في تصحيح الحديث، كما أشرنا إليه غير مرّة.

واضعف من سنده، دلالته، فإن مجرد كونهم حصوناً لا يدل على مسألة الولاية كما هو واضح، لإمكان كونه ناظراً إلى أنهم حافظون لأحكام الله وحلاله وحرامه، مثل ما ورد في حقّ جمع من أعاظم أصحاب الأئمّة كزرارة بن أعين ونظرائه وأنه لولا هؤلاء لاندرست أحكام النبوة.
نعم لا يبعد أن يكون فيه إشعار بذلك، ولكن كيف يمكن إثبات مسألة مهمّة كولاية الفقيه بمثل هذه الإشعارات.
8 ـ حديث «العلماء ورثة الأنبياء»
روى في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (في حديث يذكر فيه فضل العلماء) أن العلماء ورثة الأنبياء، أن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر[13].
وفي معناه أحاديث أخر في الكافي والبحار وغيرهما.
وأمّا سند الحديث فهو قوي ورجال السند معروفون، والمراد من القداح عبد الله بن ميمون، وهو ثقة كما صرّح به غير واحد.
وأمّا دلالته فقد قال في كتاب البيع: أن مقتضى كون الفقهاء ورثة الأنبياء ـ ومنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسائر المرسلين الذين لهم الولاية العامّة على الخلق ـ انتقال كلّما كان لهم إليهم، إلاّ ما ثبت أنه غير ممكن الانتقال، ولا شبهة في أن الولاية قابلة للانتقال، كالسلطنة التي كانت عند أهل الجور موروثة خلفاً عن سلف[14].
ولكن قال في نهج الفقاهة أن ما ورد في شأن العلماء ـ مع ضعف سند بعضه ـ قاصر عن الدلالة على ثبوت الولاية بالمعين المقصود فإن الأوّل (العلماء ورثة الأنبياء) صريح في إرث العلم[15].
وصرّح المحقّق الايرواني أيضاً بأن المراد منه وراثة العلم، كما يشهد به عنوان الموضوع، ومع الغض عنه ليست القضية مسوقة في مقام البيان، بل هي مهملة، والمتيقن ما ذكرنا، مضافاً إلى إن قوله «وإن الأنبياء» إلى آخره نصّ فيما ذكرنا ومبين لوراثة العلم[16].
أقول: فالمستدل بها يستدلّ بإطلاق الوراثة فتشمل الولاية العامّة، والمنكر يدعى كونها نصّاً في وراثة العلم أولاً، وعدم كونها في مقام البيان حتّى يؤخذ بإطلاقها ثانياً.
والإنصاف ظهورها ـ لولا صراحتها ـ في وراثة العلم، لما ورد في ذيلها، وحاصله أن ميراث الأنبياء هو العلم، والعلماء الآخذون بعلم الأنبياء وارثون لهم. فهو أخبار عن قضية خارجية تكوينية لا قضية انشائية تشريعية كما يظهر بمراجعة أمثاله، التي ورد في هذا المعنى، وليس المراد منه نفي وراثتهم للمال، كما يظهر من الحديث المجعول في أمر غصب فدك، بل المراد أن العمدة في ميراثهم هي العلم ولا منافاة بينه وبين توريثهم أموالاً يسيرة أحياناً، كما يظهر من سياق الحديث، وهو كونه في مقام بيان أمر خارجي تكويني لا تشريعي.
9 ـ حديث «اللّهم أرحم خلفائي»
روى الصدوق في الفقيه عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : اللّهم أرحم خلفائي، قيل يا رسول الله! ومن خلفائك؟ قال الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي.
وفي بعض طرق الحديث زاد: ثمّ يعلمونها[17].
وبعض طرق الحديث مرسلة وبعضها مسندة، وللحديث إسناد مختلفة مروية في كتب متعدّدة، وقد يقال أن كثرة أسانيدها توجب الاطمئنان بصدورها، ولاسيّما أنها مروية من طرق الفريقين، وقد رواه في كنز العمال مع تفاوت يسير، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) رحمة الله على خلفائي، قيل ومن خلفائك يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس[18].
هذا ولكن الكلام في مفاد الرواية، فقد يقال: أن إطلاق الخلافة فيها يشمل جميع مناصب النبي (صلى الله عليه وآله) وقد كان له منصب تبليغ آيات الله، والقضاء، والولاية فهذه الشؤون الثلاثة تكون للعلماء من بعده، بل قد يقال بظهورها في الأخير، فإن الخلافة أمر معهود من أوّل الإسلام ليس فيه أبهام، فلو لم تكن ظاهرة في الولاية والحكومة فلا أقل من أنها القدر المتيقن منها[19].
ولكن أنكر دلالته على غير نشر الأحكام وتبليغها غير واحد منهم، كالمحقّق الايرواني وغيره، والإنصاف أن في دلالتها على المقصود، إشكال من جهتين:
من جهة كون ظاهرها قضية خبرية تحكى عن الخارج، لا في مقام إنشاء الخلافة لرواة الحديث.
ومن أجل أن قوله في ذيلها «ويعلمونها الناس» أو «ويعلمونها عباد الله» أو شبه ذلك، أوضح قرينة على أن المراد بالخلافة فيها هو تعليم الناس وهدايتهم إلى الله، وتبليغ أحكام الدين ومعارفه، وكون الخلافة أمراً معهوداً يدفعه وجوب قرينة صارفة ظاهرة في متن الرواية وهي مسألة التعليم.
وفيها إشكال ثالث من حيث عدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، لأنه فرق واضح بين أن يقال هؤلاء خلفائي، أو يقال اللّهم ارحم خلفائي، فإن الأوّل يمكن أن يكون في مقام البيان من جهة أنحاء الخلافة دون الثّاني، فإنه في مقام الدعاء لهم بعد الفراغ عن خلافتهم.
10 ـ حديث «السلطان ولي من لا ولي له»
وقد اشتهر في الألسن وتداول في بعض الكتب كما أشار إليه شيخنا الأعظم (قدس سره) بل نسبت روايته عن النبي (صلى الله عليه وآله) إلى كتب العامّة والخاصّة «إن السلطان ولي من لا ولي له».
ولعلّ الأصل فيه من كتب العامّة ما رواه البيهقي في سننه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لا تنكح المرأة بغير أمر وليها، فإن نكحت فنكاحها باطل، ثلاث مرّات، فإن أصابها فلها مهر مثلها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له[20].
ويظهر من بعض الكتب أن الأصل فيه في كتب الخاصّة ما رواه في المستدرك في الباب الثّاني من أبواب العاقلة الحديث الثّاني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) الوارد في رجل من أهل الموصل قتل خطأ وقال في آخره ما حاصله: أنه إن لم يكن له في الموصل ولي فأنا وليه[21].
ومن الواضح أنه أجنبي عمّا نحن بصدده لعدم استفادة قاعدة كلية منه.
هذا ولكنّ استدلّ بالحديث صاحب الجواهر وغيره، قال في الجواهر في مبحث أولياء النكاح في نفي كلام المشهور: أنه ليس للحاكم ولاية في النكاح بالأصل، أن الأصل مقطوع بعموم ولاية الحاكم من نحو قوله (صلى الله عليه وآله) السلطان ولي من لا ولي له[22].
والحاصل أنه لا تزيد عن حديث مرسل أو ضعيف مروي من طرق العامّة، اشتهر التمسّك به في بعض الكتب، ولكن لم يثبت الاشتهار بنحو يوجب انجبار السند.
وأمّا الكلام في دلالته فتارة يكون من جهة لفظ «السلطان» وفي بعض كلمات المحقّق الايرواني استظهار كونه هو الإمام المعصوم (عليه السلام) من بعض كلمات شيخنا الأعظم في مكاسبه[23].
والإنصاف: أنه عام في كلّ سلطان عادل ولا وجه لاستظهار خصوص المعصوم (عليه السلام) منه.
وأخرى من جهة احتمال كون ورودها في الميّت الذي لا ولي له كما احتمله في منية الطالب[24].
والإنصاف أنه أيضاً لا دليل عليه.
وثالثة: من جهة أنها ناظرة إلى ثبوت الولاية للسلطان في كلّ ما يحتاج إلى ولي، والاستدلال به لما نحن فيه من ثبوت الولاية للفقيه في ذلك موقوف على عموم النيابة، كما أشار إليه في منهاج الفقاهة[25].
والأحسن أن يقال أنه لا دلالة للحديث في ثبوت الولاية إلاّ للغيّب والقصّر وأمثالهم فإنه ناظر إلى أشخاص يحتاجون إلى ولي لهم، لا إلى المجتمع الإسلامي والحكومة الإسلامية، فإن السلطان العادل ولي جميعهم (على القول بالولاية) لا أنه ولي من لا ولي له، وإن شئت قلت: أنها ناظرة إلى إثبات الولاية في الأمور الخاصّة مثل ما ذكر، لا الأمور العامّة، التي لا فرق فيها بين الأفراد والأشخاص، فالاستدلال بها في غير هذه الموارد مشكل جدّاً، فإن ظاهرها تقسيم الناس إلى قسمين: من ثبت له ولي، ومن لا ولي له، ومن الواضح أن هذا التقسيم يكون في الأمور الجزئية الخاصّة.
وهناك روايات أخرى مرسلة أو غيرها وردت في فضل العلماء وشبهه، لا دلالة لها، اعرضنا عنها لوضوح عدم دلالتها.
والإنصاف أن جماعة ممن لهم ولع بجمع الأدلّة في المسألة وتكثيرها، خوفاً من مكابرة المخالفين، قد أفرطوا في المقام، وتشبثوا بكل ما فيه إشعار، بل وبعض ما ليس فيه إشعار أيضاً، وقد أوجب هذا الأمر الوهن في أصل المسألة، مع أنا في غنى من هذه التكلفات بعد وضوح بعض أدلّة المسألة وكفايتها والحمد لله.
حاصل ما يمكن الاعتماد عليه في إثبات ولاية الفقيه
وقد تلخص ممّا ذكرنا أن العمدة في إثبات ولاية الفقهاء أيدهم الله جميعاً، في أمر الحكومة ونظم البلاد والعباد، هو الدليل العقلي الذي أوردناه في أوّل البحث مؤيداً بسيرة النبي (صلى الله عليه وآله) وبعض الأئمّة الهادين (عليهم السلام).
وما ذكروه في بحث لزوم البعثة، ولزوم نصب الإمام (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في علم الكلام.
ومن بين الروايات العشر تؤيده رواية «الحوادث الواقعة» و «مجاري الأمور» لوضوح دلالتها وإن كان الكلام في اسنادهما، وأمّا غيرها من الروايات فقد عرفت عدم وضوح دلالتها، وهذا المقدار بحمد الله كاف في إثبات الولاية بالمعنى المذكور إن شاء الله، والله العالم بحقائق الأمور.
بقي هنا أمور مهمّة:
الأوّل: هل يكون تعيين الفقيه لمنصب الولاية بالنصب أو الانتخاب
ما هو مقتضى الأدلّة السابقة؟ وما هو مغزاها؟ أمّا الروايات العشر على القول بدلالتها أو دلالة بعضها لا تدل إلاّ على نصب الفقيه بعنوان ولي الأمر من ناحية الإمام المعصوم (عليه السلام) أو النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو يرجع بالمآل إلى نصبه من قِبل الله تبارك وتعالى.
فقوله «إني جعلته حاكماً» الوارد في المقبولة، أو «إني جعلته قاضياً»، الوارد في المشهورة، قوله «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا» أو «أن مجاري الأمور بيد العلماء» يدلّ على ثبوت هذا المنصب لهم من غير حاجة إلى انتخاب الناس، أو بيعتهم، أو شبه ذلك، فهذا أمر ثابت لهم ثبوتاً إلهياً كما هو ظاهر واضح، وليس فيها من أمر الانتخاب عين ولا أثر.
أمّا قوله «فليرضوا به حكماً» معناه وجوب الرضا بحكومتهم، وهو على خلاف القول بالانتخاب أدل، بل صريح فيه، لاسيّما مع تعليله بقوله فإني قد جعلته حاكماً، فالنصب الإلهي يفرض على الناس الرضا بحكومته.
وأمّا قوله «فإن كان كلّ واحد اختار رجلاً من أصحابنا» فهذا إنّما يرجع إلى قاضي التحكيم أو التوكيل في أمر خاصّ، ولا دخل له بالانتخاب في أمر عام، لأنه لا معنى لانتخاب كلّ إنسان من يراه صالحاً للحكومة العامّة، حتّى يكون كلّ منهم حاكماً عاماً ولو كان المنتخب (بالكسر) فرداً واحداً، وإلاّ تعددت الحكّام بعدد الخلائق!
وأمّا الدليل العقلي المؤيد بسيرة النبي (صلى الله عليه وآله) والولي (عليه السلام) فلا يدلّ أيضاً إلاّ على النصب من ناحية الله سبحانه، أو النصب من جانب النّبي (صلى الله عليه وآله) والإمام المعصوم (عليه السلام).
أضف إلى ذلك كلّه أنه لا يرى في روايات أصحابنا وتاريخهم من أمر الانتخاب بالنسبة إلى ولاية الفقهاء عين ولا أثر، ولو كان ذلك لبان، وكم تكلموا في الأبواب المختلفة عن ولاية الفقهاء إثباتاً ونفياً، ولم يتفوه بالانتخاب أحد من الأعاظم وغير ولو بشطر كلمة في ذلك، ولم يتكلم أحد منهم إلاّ بكون ذلك نصباً إلهياً بعنوان النيابة عنه (عليه السلام)، ولذا شاع في كلماتهم تسميته بنائب الغيبة، وتقسيمهم لنوابه (عليه السلام) إلى النواب الخاصّة وهم أربعة أمجاد، والنواب العامّة وهم غيرهم، ومن المعلوم أن النائب سواء كان عاماً أو خاصّاً إنّما يعينه المنوب عنه لا آحاد الناس، وقد كان للأئمّة المعصومين (عليهم السلام) وكلاء منصوبون من قبلهم في كثير من الأزمنة من غير دخل للناس وكذا الحال في وكلائهم العامّين.
ومن العجب، إصرار بعض على كون فعلية الولاية للفقهاء عبر انتخاب الناس، مع أنه لم يرد في أثر صحيح، ولا في رواية ضعيفة، ولا في أي تاريخ من تواريخ أصحابنا.
توضيح ذلك: إن الأمر الوحيد الذي يفرق بين الشيعة وأهل السنّة في أمر الخلافة أن الشيعة تعتقد بأن الإمام (عليه السلام) لابدّ أن يكون معصوماً منصوباً من قبل الله بيد النبي (صلى الله عليه وآله) أو بتنصيص إمام قبله، وأهل السنّة معتقدون بأنه (صلى الله عليه وآله) لم ينص على أحد، وعلى الناس انتخاب الإمام والخليفة، فهذا هو الفارق بين المذهبين، فاختيار الناس لا دخل له في الخلافة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند شيعة أهل البيت لا قليلاً ولا كثيراً.
ومن عجيب الكلام (وما عشت أراك الدهر عجباً) اجتراء البعض في زماننا بأن نصب علي (عليه السلام) بالخلافة في الغدير لم يكن نصباً إلهياً، بل كان اقتراحاً من النبي (صلى الله عليه وآله) ثمّ أجابه الناس بالبيعة له (يعني كان للناس أن لا يبايعوه) مع أن آية التبليغ تنادي بأعلى صوتها بأنه لم يكن لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أيضاً خيرة في هذا الأمر، فكيف بغيره، نعوذ بالله من سوء الفهم.
وبالجملة، ما ذكرناه من كون الإمام المعصوم (عليه السلام) من قبل الله من ضروريات مذهب الشيعة، وقد طفحت كتبهم في علم الكلام والحديث والتفسير والتاريخ بذلك فمن أنكره أنكر ضرورياً من ضروريات هذا المذهب.
ثمّ يجري هذا الكلام بعينه في ولاة الأمر من غير المعصومين من بعدهم، فهم منصوبون من قبلهم، لا من قبل الناس، مأمورون بأمرهم، لا بأمر الناس، فالولاية إنّما هي لله ولمن جعلها له، فتعينها من العالي لا من الداني.
نعم تبقى هنا مسألتان: مسألة «لزوم الفوضى ومسألة «البيعة وموقفها».
أمّا «الأولى» : فحاصلها أنه إن جعلت الولاية للفقهاء عامّة، ولاية فعلية، فأمّا أن يكون لكلّ واحد منهم مستقلاً بالفعل، فهذا يوجب الاختلال، والاختلاف الكثير، لتعدد الولاة بتعدد العلماء، وهو أمر غير ممكن، لوقوع التشاجر واختلال النظام، وأمّا أن يكون ولاية بعضهم مشروطة بولاية بعض، أو كون الولاية للمجموع من حيث المجموع، وهذا ممّا لا محصل له.
فلابدّ أن يقال إن الفقهاء منصوبون لذلك شأنياً، وإنّما تكون ولايتهم فعلية بانتخاب الناس، لا غير.
أقول: عند تعدد الفقهاء لو تصدى بعضهم لأمر الولاية وتدخل فيها، فعلى الباقين قبول قوله وحكمه، كما هو كذلك في أمر القضاء أو رؤية الهلال مثلاً، ولو بلغ حد التزاحم قبل التداخل، فلا يبعد استعمال المرجحات كما ورد في المقبولة، بناءً على دلالتها على المقصود، بل يمكن التمسّك بالأولوية ولو على فرض اختصاصها بأمر القضاء، وتشخيص المرجحات من العلم والفقاهة والتدبير والاحاطة بالأمور والوثاقة وغيرها إنّما هو على أيدي أهل الخبرة، كما هو كذلك في مرجع الفتوى والتقليد، وليس هذا من قبيل الانتخاب أبداً، بل من قبيل تشخيص المصداق الموجود في الخارج كما في تشخيص الطبيب للسلامة والمرض في أمر الصوم.
وبالجملة فإن جميع هذه الموضوعات يرجع فيها إلى أهل الخبرة من دون الحاجة إلى الانتخاب.
وقد جرى هذا الأمر في مرجع الفتوى واستقر تعيين الأعلم في الفقاهة على أهل الخبرة من العلماء في فرد معين أو أفراد معيّنين في كثير من الإعصار، ولم يلزم من ذلك اضطراب، واختلال في نظام الأمة، نعم لا ريب في أنه فرق بين مسألة التقليد والولاية، وليس مقصودنا المماثلة من جميع الجهات، بل الغرض أن حلّ مشكلة التزاحم يمكن عن طريق أهل الخبرة، وليس لآحاد الناس غير العارفين بهذه الأمور حقّ الانتخاب بل ليس لأهل الخبرة أيضاً حقّ الانتخاب، بل تشخيص المصداق كتشخيص الطبيب، وكسائر موارد الرجوع إلى أهل الخبرة.
هذا هو المعيار المتداول في الفقه الذي ينبغي للفقيه متابعته، لا الانتخاب الذي ليس له عين ولا أثر في الفقه ولا في التاريخ.
إن قلت: من أين يعرف أن هذا الشخص من أهل الخبرة دون ذاك.
قلت: كما يعرف الطبيب وغيره من أهل الخبرة فيما يحتاج إليه، فهل الطبيب يكون بانتخاب الناس؟ وكذلك أهل الخبرة في علوم الدين أو معرفة زعمائه ومن فيه المرجحات لتصدي الولاية.
وقد تلخص ممّا ذكرنا أنه إن قام بعض الفقهاء اللائقين بأمر الولاية من غير معارض كان على غيره متابعته من دون الحاجة إلى الانتخاب، وإن وقع التزاحم، فاللازم الأخذ بالمرجحات كما ورد في غير مورد في أبواب الفقه، لانحصار الطريق فيه وعدم المناص عنه، والناظر في هذا الأمر هو أهل الخبرة ولا حاجة إلى الانتخاب، بل لا دليل عليه، لما عرفت من عدم وجوده في رواياتنا ولا كتب فقهائنا.
إن قلت: قد جرت سيرة العقلاء من الأمم على الانتخاب في أمر الولاية، ويشمله أدلّة الوفاء بالعقود، وعموم تسلّط الناس على أموالهم (وبالأولوية على أنفسهم).
قلت: جريان سيرتهم عليه إنّما هو لعدم اعتقادهم بتعيين إلهي من قبل الإمام المعصوم (عليه السلام) وأما نحن، بعد قولنا به وفقاً للأدلّة السابقة، وإن الوظيفة هنا معلومة من قبلهم (عليهم السلام) وإن الولاية من جانب الله فقط لا يبقى لنا مجال لهذا الكلام.
هذا مضافاً إلى الانتخاب الذي دار بينهم إنّما هو انتخاب الأكثرية، لا الجميع لعدم امكانه عادة، بل المراد من الأكثر عندهم أكثر من إن يشترك في دور الانتخاب، وقد لا يشترك فيه إلاّ الأقلون منهم، وقد شاهدنا في كثير من الانتخابات أن وكلاء الناس ينتخبون بآراء قليلة بالنسبة إلى كلّ المجتمع كمليون نفر من بين عشرة ملايين، ولو صحت هذه الحكومات كانت من قبيل حكومة جمع قليل على جمع آخر كثير بغير رضى منهم، ولا توكيل.
إن قلت: أن الولي الفقيه لا يقدر على إنفاذ الولاية من دون مشاركة الناس في أمره، وتأييدهم له، وبذل أنفسهم في نصرته ودعمه، فالانتخاب إنّما هو لجلب مساعدتهم لذلك، وهذا هو المراد من أن ولاية الفقيه لا تكون إلاّ اقتضائياً، وفعليتها بالانتخاب.
قلت: هذا الاستدلال عجيب، فإن عدم قدرة الفقيه على إنفاذ الولاية من دون مساعدة الناس لا يكون دليلاً على عدم فعليتها بدونه، كما في سائر الحقوق، مثل من كان مالكاً لدار وغصبها منه غاصب لا يقدر على أخذ حقّه منه بدون مساعدة الناس، وأين هذا من كون مالكيته شأنياً لا فعلياً، وبالجملة أصل الولاية غير منوط بمساعدة الناس، وإنّما المنوط بها هو إنفاذ الولاية وفرق واضح بين استعمال الولاية وأصل ثبوتها.
هذا كلّه بالنسبة إلى ما تقتضيه العناوين الأولية في المسألة ومقتضى الروايات والأدلّة السابقة.
نعم، قد تقتضي العناوين الثانوية لأمر الانتخاب، وتدعونا إليه من دون أن تكون ولاية الفقيه منوطة شرعاً به، وذلك لدفع تهمة الاستبداد والسلطة على الناس بغير رضى منهم، مضافاً إلى جلب مساعدتهم عن طريق مشاركتهم في هذا الأمر، واعتمادهم على الحكومة، ودفع وساوس الشياطين الذين يعاندون الحكومة الإسلامية وغير ذلك من الأمور، ولكن أين هذا من وجوب الانتخاب شرعاً في أحكامه الأولية، وهذا أمر ظاهر والحمد لله.
________________________
[1] الوسائل: ج18 ب11 من أبواب صفات القاضي ح6.
[2] جامع الرواة، سالم بن مكرم.
[3] وسائل الشيعة: ج18 ب11 من أبواب صفات القاضي ح9.
[4] نهج الفقاهة: ص300.
[5] جامع المدارك: ج3 ص100.
[6] تعليقات المحقّق الايرواني: ص157.
[7] تحف العقول: ص168.
[8] منية الطالب: ج1 ص325.
[9] تعليقاته على المكاسب للشيخ الأنصاري: ص156.
[10] بحار الأنوار: ج1 ص183.
[11] الأصول من الكافي: ج1 ص46.
[12] الأصول من الكافي: ج1 ص38.
[13] أصول الكافي: ج1 ص34.
[14] كتاب البيع: ج2 ص482.
[15] نهج الفقاهة: ص299.
[16] تعليقة الايرواني على المكاسب: ص156.
[17] الوسائل: ج18 ب8 من أبواب صفات القاضي ح50.
[18] كنز العمال: ج1 ص229.
[19] كتاب البيع: ج2 ص468.
[20] سنن البيهقي: ج7 ص105.
[21] مستدرك الوسائل: ج3 ص287.
[22] جواهر الكلام: ج22 ص188.
[23] حواشي الايرواني على المكاسب: ص17.
[24] منية الطالب: ج1 ص327.
[25] الممتحنة: 12.

السابق || التالي 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية