مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

ولاية الفقيه وحدودها


موقف البيعة من أمر الولاية

الثّاني: أو ليست البيعة الواردة ذكرها في الكتاب والسنة بمعنى انتخاب الأمة أحداً للرئاسة والزعامة؟ فهل تنطبق على مسألة الانتخاب المُعتاد في عصرنا أو هو أمر آخر ورائه؟
والجواب على هذا السؤال يحتاج إلى شرح حقيقة البيعة ومغزاها، ثمّ بيان أحكامها.
فنقول: أن البيعة مأخوذة من البيع، كما صرّح به أرباب اللغة، فكما أن البائع يبيع سلعته من آخر، فالذي يبايع، يبيع طاعته لغيره ويبذلها له، وفي مقابله يتعهد هو له بذل النصح والحماية وتدبير أمره، ولذا يقال «المبايعة» من باب المفاعلة.
وبناءً عليه هي من قبيل العقود المشتملة على الإيجاب والقبول، ويمكن أن يقال هي كالإيقاعات في كثير من الأوقات، لأن العهد والالتزام بالطاعة وبذل الأموال والأنفس يكون من طريق واحد فتأمل (فراجع لسان العرب والصحاح والمفردات وغيرها).
والتصافق بالأيدي فيها كالتصافق بها في البيوع والمعاملات المتداولة، هذا هو حقيقتها.
ويستفاد من الروايات والتواريخ أنه كان لها مراتب مختلفة، فتارة البيعة على عدم الفرار، وأخرى على المال والولد، وثالثة على بذل الأنفس، فإذا أعطى شيئاً من ذلك لولي الأمر لابدّ له من الوفاء به، بناءً على شمول أدلّة الوفاء بالعقد أو العهد، أو المؤمنون عند شروطهم، لها.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا يتم هذا البحث إلاّ بالتأمّل في الأمور التالية.
1 ـ البيعة وماهيته
أن ماهية البيعة وجوهرها كما عرفت ليست توكيل الغير على تمشية الأمور وتدبيرها، بل على بذل الطاعة والمساعدة، فهي على عكس الانتخاب والوكالة، ففي الوكالة يتعهد الوكيل على إنجاز ما يريده موكله، ما أبقاه في هذا المنصب، وأما البيعة فهي تعهد من ناحية المبايع على أن يطيع لمن بايعه ولا يتخلف عن أمره، فكأنه يبيعه شيئاً، ولا يقدر على عزله عن هذا المقام، وهذا بخلاف التوكيل فإنه يجعل الوكيل كنفسه، وتصرفاته كتصرفاته، وهذا أمر ظاهر، ومن العجب وقوع الخلط بينهما في بعض الكلمات، مع الاختلاف الواضح بين مغزاهما ومفهومهما.
2 ـ أدلّة مشروعيته
قد وردت البيعة في كتاب الله في سورة الفتح، في بيعه الشجرة في الآية 10 و 18 فقال تعالى: (إن الذين يبايعونك إنّما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً).
وقال تعالى: (لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً) وظاهر الأولى وجوب الوفاء وعدم النكث.
وقد أشير إليها في سورة الممتحنة عند ذكر بيعة النساء فقال تعالى (يا أيّها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً... فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم) [1]. فكان (صلى الله عليه وآله) يجعل يده في إناء من الماء وكانت النساء يضعن أيديهن في الطرف الآخر فتقع البيعة والمبايعة بها (كما في التفاسير والتواريخ).
وليس في كتاب الله غير هذه الآيات الثلاث بالنسبة إلى البيعة، هذا وقد وقعت البيعة من الأنصار في أول إسلامهم في العقبة الأولى والثّانية، ويظهر منها أنّها كانت معروفة قبل الإسلام يعرفها العرب، ولم يكن أمراً حادثاً في الإسلام.
هذا ولكن من الواضح أن البيعة للنبي (صلى الله عليه وآله) لم تكن سبباً لولايته على الناس، فإن الآيات القرآنية صريحة في أن الله جعله (صلى الله عليه وآله) ولياً على المؤمنين وأوجب طاعته بقوله: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) و (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) [2] ولذا لم تكن البيعة من كلّ من يدخل الإسلام، فالإسلام كان بالشهادتين وإظهار الإيمان بالوحدانية والنبوة لا بالبيعة.
كما يظهر من التواريخ كانت البيعة تؤخذ من المسلمين أحيانا، وتتجدد عند وقوع بعض الحوادث الهامة ثانية وثالثة، فبيعة الناس له لم يكن من قبيل انتخابه للولاية، بل تأكيداً للطاعة وبذل الأموال والأنفس، وهذا أمر ظاهر لا حجاب عليه.
كما أن الأمر بالنسبة إلى وصيه (عليه السلام) أيضاً كان كذلك، فقد أوصى من أوّل أمره في وقعة الدار، إلى آخر عمره الشريف بولاية علي (عليه السلام) وقد أمر بتبليغ ولايته الإلهية في الغدير، وأنه إن لم يفعل فما بلغ رسالته، فكأن أخذ البيعة له حينئذ، تأكيداً على الطاعة، لا من قبيل انتخابه وفعلية ولايته ممّا لا يتفوه به من كان له أدنى خبرة بأحاديث ولاية مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام).
ويجوز مثلها أيضاً بالنسبة إلى الفقيه بعدما جعله (عليه السلام) حاكماً وقاضياً على الناس، وأمر بالرجوع إليه في الحوادث الواقعة، وجعل مجاري الأمور بأيديهم، إلى غير ذلك، فالبيعة له أيضاً تأكيد على ما أعطاه الله من المنزلة والمقام وكذا بناء على الدليل العقلي السابق.
سلمنا أن البيعة عقد مستقل بذاتها يجب الوفاء به، ولا يختص بأحد دون أحد كما قد يبدو من بعض رواياتها، ولكن الروايات الواردة في حكم البيعة إنّما هي ناظرة إلى وجوب العمل بها وليست في مقام بيان شروط من يبايعه الناس، وإن أبيت إلاّ عن إطلاقها من هذه الجهة فهي تشمل الفقيه وغير الفقيه، وتكون على خلاف المطلوب أدل، فتدل على جواز اختيار كلّ إنسان صالح بحسب الظاهر للولاية، أي شخص كان فقهياً أو غير فقيه، وجازت البيعة معه، وإليك بعض ما ورد في هذا الباب:
منها: عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام). : كيف ماسح رسول الله (صلى الله عليه وآله) النساء حين بايعهن؟ فقال دعا بمركنه الذي كان يتوضأ فيه فصب فيه ماء ثمّ غمس فيه يده اليمنى فكلّما بايع واحدة منهم قال اغمسي يدك كما غمس رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان هذا مماسحته إياهن[3].
وما روى أحمد بن إسحاق عن سعدان بن مسلم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) أتدري كيف بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله) النساء؟ قلت: الله أعلم وابن رسوله أعلم، قال: جمعهن حوله ثمّ دعا بتور برام، فصب فيه نضوحاً ثمّ غمس يده «إلى أن قال» ثمّ قال: أغمسن أيديكن ففعلن، فكانت يد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الطاهرة أطيب من أن يمس بها كف اُنثى ليست له بمحرم![4].
وما روى محمّد بن علي بن الحسين بإسناده عن ربعي بن عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لما بايع رسول الله (صلى الله عليه وآله) النساء وأخذ عليهن، دعا بإناء فملأه، ثمّ غمس يده في الإناء، ثمّ أخرجها ثمّ أمرهن أن يدخلن أيديهن فيغمسن فيه[5].
وما روى سعدان بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث مبايعة النبي (صلى الله عليه وآله) النساء، أنه قال لهن: اسمعن يا هؤلاء أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ولا تعصين بعولتكن في معروف، أقررتن؟ قلن: نعم[6].
وما روى أبان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكّة بايع الرجال ثمّ جاءه النساء يبايعنه... فقالت (أم حكيم) : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف نبايعك فقال: إني لا أصافح النساء، فدعا بقدح من ماء فأدخل يده ثمّ أخرجها فقال: أدخلن أيديكن في هذا الماء فهي البيعة[7].
وما روى مسمع بن أبي سيارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: فيما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) البيعة على النساء أن لا يحتبين ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء[8].
وما روى ابن جنيد أنه روى أن رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ليبايعه، فقال: يا أمير المؤمنين أبسط يدك أبايعك على أن أدعو لك بلساني، أنصحك بقلبي وأجاهد معك بيدي. فقال: حرّ أنت أم عبد؟ فقال عبد، فصفق أمير المؤمنين (عليه السلام) يده فبايعه[9].
وما روى الطبرسي في (الاحتجاج) عن النبي (صلى الله عليه وآله) في احتجاجه يوم الغدير: عليّ (عليه السلام) تفسير كتاب الله، والداعي إليه، ألاّ وإن الحلال والحرام أكثر من أن أحصيهما وأعرفهما، فآمر بالحلال وأنهي عن الحرام في مقام واحد، فأمرت أن آخذ البيعة عليكم والصفقة منكم (الحديث) [10].
وما روى عيسى بن المستفاد ممّا رواه في كتاب الوصية قال حدثني موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألت أبا جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن بدء الإسلام، كيف أسلم عليّ وكيف أسلمت خديجة؟ فقال لي أبي: أنهما لما دعاهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا علي ويا خديجة إن جبرئيل عندي يدعوكما إلى بيعة الإسلام فأسلما تسلما، وأطيعا تهديا! فقالا: فعلنا وأطعنا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)... الحديث[11].
وما روي عن موسى بن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: لما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة وحضر خروجه إلى بدر دعا الناس إلى البيعة فبايع كلّهم على السمع والطاعة... الحديث[12].
إن قلت: ظاهر ما ورد في نهج البلاغة قبوله (عليه السلام) لأمر البيعة بعنوان معيار لخلافة المسلمين وفي حقّ نفسه فكيف في حقّ غيره، وإليك نماذج منها:
1 ـ قوله (عليه السلام) «أيّها الناس إن لي عليكم حقّاً ولكم عليّ حقّ: فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم و... وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب... » [13].
2 ـ وقوله (عليه السلام) يعني به الزبير «يزعم أنه قد بايع بيده ولم يبايع بقلبه، فقد أقر بالبيعة وأدّعى الوليجة، فليأت عليها بأمر يعرف، وإلاّ فليدخل فيما خرج منه» [14].
3 ـ وقوله (عليه السلام) إلى معاوية «أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد... » [15].
4 ـ وقوله (عليه السلام) إلى معاوية أيضاً «لأنها بيعة واحدة لا يثنى فيها النظر ولا يستأنف فيها الخيار، الخارج منها طاعن والمروّي فيها مداهن» [16].
5 ـ وقوله (عليه السلام) إلى جرير بن عبد الله البجلي لما أرسله إلى معاوية «أما بعد فإذا أتاك كتابي فأحمل معاوية على الفصل، وخذه بالأمر الجزم... وإن أختار السلم فخذ بيعته» [17].
6 ـ وقوله (عليه السلام) إلى طلحة وزبير «أمّا بعد فقد علمتما، وإن كتمتها، أني لم أرد الناس حتّى أرادوني، ولم أبايعهم حتّى بايعوني. وأنكما ممّن أرادني وبايعني وأن العامّة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر فإن كنتما بايعتماني طائعين، فارجعا وتوبا إلى الله من قريب، وإن كنتما بايعتماني كارهين، فقد جعلتما لي عليكما السبيل... » [18].
7 ـ وأوضح من هذا كلّه ما ورد في إرشاد المفيد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أيها الناس أنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنّما الخيار للناس قبل أن يبايعوا فإذا بايعوا فلا خيار لهم و... وهذه بيعة عامّة من رغب عنها رغب عن دين الإسلام، واتبع غير سبيل أهله[19].
«قلت» : لا ينبغي الشكّ في أنها كانت بعنوان الجدل والمماشاة مع الخصم بذكر ما هو مقبول لهم والاحتجاج بما هو مسلّم عندهم، وينادي بذلك بأعلى صوته ما ورد في الكتاب 6 من نهج البلاغة وما حكيناه عن المفيد، فإن خلافة الأوّل والثّاني والثّالث لم تكن صحيحة عنده (عليه السلام) كما صرّح به في الخطبة الشقشقية وغيرها من الخطب التي تدلّ على أن حقّه قد غصب، وإن خلافته كانت بالنصّ وراثة عن النبي (صلى الله عليه وآله) بل كونه منصوصاً من ضروريات مذهب الشيعة، فما ورد في أمر البيعة والاستدلال بها يكون من الأخذ بما هو حجّة عند الخصم، ويشهد على ذلك أن المخاطب في بعضها معاوية، وفي آخر طلحة والزبير، وفي ثالث سعد بن أبي وقاص ونظائرهم ممن تخلفوا عن بيعته (كما في رواية الإرشاد).
فالأمر دائر بين الأخذ بظاهر بعضها ورفض سائر ما ورد في نهج البلاغة وغيرها ممّا يدل على كون الخلافة منصوصة منه (صلى الله عليه وآله) ومعيّنة عنه تعالى، بل رفض ما ثبت بالضرورة من مذهب الشيعة وأحاديث الغدير وغيرها، أو حملها على الجدل الثابت في المنطق والأخذ بمسلمات الخصم، ولا ريب أن المتعين هو الثاني.
ومن الجدير بالذكر جدّاً أن البيعة عند أهل السنّة أيضاً لا تنطبق على الانتخاب المتعارف في عصرنا، بل المعيار عندهم في تعين الإمام اختيار أهل الحلّ والعقد، واختلفوا في عدده، فاختار بعضهم كفاية اختيار الحاضرين منهم فقط، وبعضهم كفاية خمس نفرات، وبعضهم ثلاثة وبعضهم نفر واحد! وإليك نصّ ما ذكره المارودي في «الأحكام السلطانية». : «الإمامة تعقد من وجهين... إلى قوله لأنه حكم وحكم واحد نافذ» ! (الصفحة 6).
والحاصل إن هناك قرائن كثيرة تدلّ على أن هذه الكلمات الواردة في الاحتجاج بالبيعة إنّما صدرت منهم احتجاجاً على الخصم المعتقد بالبيعة:
أوّلاً: ما ثبت من ضرورة المذهب من أن إمامته (عليه السلام) كانت بنصب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن قبل الله من غير حاجة إلى بيعة الناس معه، ويشهد له الحديث المتواتر الذي ورد في الغدير وغيره.
ثانياً: الروايات الواردة في نهج البلاغة نفسها تدلّ على أنه (عليه السلام) كان إماماً بالوراثة عن النبي (صلى الله عليه وآله) من خطبة الشقشقية وغيرها.
ثالثاً: الاحتجاج بالبيعة التي وقعت للخلفاء الثلاث ولا ريب إنه كان من باب الجدل عنده (عليه السلام).
رابعاً: كون المخاطب في غير واحد منها معاوية وطلحة والزبير وأمثالهم من الذين كانوا لا يقبلون النصّ في حقّه إلى غير ذلك من القرائن، والأمر واضح بحمد الله.
إن قلت: نحن نعترف بأن النصّ مقدّم على كلّ شيء، فالأئمّة المعصومون منصوصون من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) أو من جانب إمام معصوم قبله، وفي مثل هذا لا حاجة إلى البيعة ولو كان هناك بيعة كانت تأكيداً كما في بيعة الشجرة وغيرها من بيعات النبي (صلى الله عليه وآله) وكذا إذا ثبت النصّ في حقّ نوابهم ووكلائهم، كالنواب الأربعة، وبالنسبة إلى غيرهم فالبيعة لها أثرها في تعيين ولاة الأمر، كما ورد في نهج البلاغة وغيرها، ولا يجوز الجدل بأمر باطل من أساسه، كما إن استدلال المخالفين بالبيعة ممنوع صغرى وكبرى، أمّا الكبرى فلأنه لا فائدة في البيعة موجود النصّ على أمير المؤمنين (علي (عليه السلام)) وأمّا الصغرى فلعدم تحقّق الاتفاق على غيره ولو من أهل المدينة ولو من أهل الحلّ والعقد منهم.
وأمّا النصوص الواردة في الفقهاء فلا يستفاد منها إلاّ الاقتضاء، أمّا الفعلية (أي فعلية الولاية لهم) فإنّما تكون بالبيعة.
قلت: «أوّلاً» ظاهر روايات البيعة الواردة في نهج البلاغة وإرشاد المفيد وأشباهها أنها مفيدة، مؤثرة ولو في تعيين خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلو تمت لابدّ من رفض الروايات المصرّحة بالنصّ على أمير المؤمنين علي (عليه السلام) والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) من بعده، ورفض ما ثبت بالضرورة من مذهبنا، فلا يبقى مجال إلاّ لحملها على الجدل بمسلّمات الخصم.
فراجع قوله «أرى تراثي نهبا» (الخطبة 3 من نهج البلاغة) وقوله: ولا يقاس بآل محمّد (صلى الله عليه وآله) الخ الوارد في الخطبة 2 من تلك الخطب الجليلة.
وأمّا ما ذكرت من أن الجدل لا يكون بأمر باطل من جميع الجهات فهو ممنوع، بل قد يكون كذلك إذا تم عند الخصم كما في احتجاج إبراهيم على عبدة الأصنام بقوله «هذا ربي» كما صرّح به كثير من المفسرين وكذا غيره من أشباهه.
و «ثانياً» : سلمنا ولكن ظاهرها كون البيعة تمام العلّة لولاية الوالي على الناس كعقد البيع والتجارة لا يتفاوت فيه الفقيه وغيره ممّن كان عادلاً لا الفساق وأهل الفجور لانصراف النصوص عنهم، فهذا على خلاف المطلوب أدلّ.
و «ثالثاً» : ظاهر الأدلّة السابقة كون الفقيه منصوباً فعلاً لا اقتضاءاً (سواء الدليل العقلي والنصوص العشرة السابقة وغيرها) وليس فيها من الاقتضاء عين ولا أثر.
و «رابعاً» : ظاهر ما عرفت من نهج البلاغة كفاية بيعة الحاضرين بل وكفاية بيعة أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، ولا خيار لغيرهم، فهي لا تنطبق على موضوع الانتخاب في عصرنا كما هو واضح جداً.
وبالجملة التمسّك بروايات البيعة لتصحيح الانتخاب المتداول بين أهل العصر أوهن من بيت العنكبوت.
وإذ قد ثبت بحمد الله أصل ولاية الفقيه بالنسبة إلى أمر الحكومة ممّا عرفت من الأدلّة، فلنرجع إلى الفروع المتعلّقة بها.

الثّاني: حدود نفوذ ولاية الفقيه واختيارات الولي الفقيه
لا أظنك تحسب أن معنى ولاية الفقيه على أمر الحكومة المستفادة من الأدلّة السابقة أنه يفعل فيهم ما يشاء ويختار، وإن الأمة من قبيل المماليك له، وأنه يحكم فيهم بما يشاء ويفعل ما يريد، كلاّ لم يرد هذا لا في نصّ ولا في دليل عقلي، بل هو أمر غير معقول لا يقول به أحد، بل لولايته حدود وثغور وشروط وقيود ليس له أن يتعداها ولا أن يخرج من طورها.
1 ـ مراعاة مصالح الأمّة
وأهمها ملاحظة مصالح الأمة ومنافعها وشرفها وعزّها، فليس للفقيه الخروج عنها أبداً وإلاّ خلع عنه لباس الولاية وسقط عن مقام الزعامة.
والدليل على ذلك الرجوع إلى الأدلّة السابقة الدالّة على ولاية الفقيه، فإن الفروع تؤخذ من أصولها، مضافاً إلى غيرها من الأدلّة...
أولها: إن الأخذ بالقدر المتيقن يرشدنا إلى ذلك، فإنه مبني على عدم جواز بقاء الناس بلا رئيس يصلح أمورهم، وإلاّ غلب الفوضى عليهم، واختل النظام وفسدت البيئة، وظهر الفساد في البر والبحر، ولم يبق للدين والدنيا زعامة وتسافل الناس، فلابدّ لهم من إمام لهذه الشؤون، وحيث إنه ليس هناك دليل عام على صلاحية كلّ أحد لذلك، فلابدّ من الأخذ بالقدر المسلّم، وحيث إن الفقيه الجامع للشرائط أخبر بمواضع الأحكام ومصدرها ومخرجها، وصلاح الأمة وفسادها واحتمال الانحراف عن منهج الحقّ فيه أقلّ فهو أحق من غيره.
ومن الواضح أن هذا الدليل لا يقتضي إلاّ تصديه لما فيه صلاح الأمة.
وإن شئت قلت: أن الحكومة ليست من مخترعات الشريعة، بل كانت أمراً دائراً بين العقلاء من قديم الأيّام حين اختار الإنسان الحياة الاجتماعية والشارع المقدس أمضاها بقيود وشروط.
ومن المعلوم أنها شرعت بين العقلاء لحفظ مصالح المجتمع وغبطة الناس صغيرهم وكبيرهم، وإن قلّ من قام بها وأدى حقّها، ولكن كلّ يدعيه، فالحكومة على هذا الأساس قد أمضاها الشرع المقدس، فلا يكون الفقيه ولا غيره مجازاً في الأخذ بغير ما فيه مصلحة للناس.
كما أن حديث «مجاري الأمور» وهو من أحسن ما يدلّ على ولاية الفقيه أيضاً ينادي بأعلى صوته أن مجاري أمور إصلاح المجتمع وإقامة نظام الأمة بيده لا مجاريها بما يريدها وإن كان فيه ضرراً على الأمة أو لم يكن فيه هذا ولا ذاك.
وكذا رواية «الحوادث الواقعة» فإنها إشارة إلى الحوادث المهمّة التي ترتبط بكيان الأمة وحياتها وسعادتها، بل لو قلنا بأنها تشمل كلّ حادثة فلا شكّ أن الرجوع إليهم إنّما هو لإصلاح أمر الحوادث، والأخذ بما هو انفع وأصلح، لا أن الأمر مفوض إلى الفقيه يأتي بما يشاء ويحكم بما يريد.
وكذلك الحال في غير هاتين الروايتين.
ثانيها: أن سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) الأعظم ووصيه أمير المؤمنين (عليه السلام) التي هي الأساس لولاية الفقهاء لم تستقر إلاّ على ذلك، فلم ترَ في مورد من الموارد إلاّ الأخذ بما هو صلاح الأمة وما هو أجمع لمصلحة المؤمنين، بل لم نرَ مورداً أخذا بما فيه بمصلحة شخصيهما، وكلماتهما مشحونة بما ذكرنا كما تأتي الإشارة إلى بعضها.
نعم قد ورد في روايات عديدة أن الدنيا (أو الأرض) كلّها لله ولرسوله وللأئمّة (عليهم السلام) وعقد له في الكافي باباً[20] ولكن مع ذلك لم يعملوا بين الناس إلاّ بما ورد في الشرع من الحقوق.
ثالثها: الآيات والروايات الكثيرة الدالّة على وجوب تحري الصالح أو الأصلح من أئمّة المسلمين وقادتهم، أنه لا يجوز لهم غير ذلك، وإليك الإشارة بشطر منها:
1 ـ قوله تعالى: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) [21] دلّ على أن الحكومة ذريعة لهذه الأمور الأربعة التي فيها المصالح الأخروية والدنيوية للأمة وإن الله وعد بنصر من يقوم بها.
2 ـ قوله، حاكياً عن شعيب: (أن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله) [22] فقد ذكر جميع ذلك فيها بكلمة الإصلاح.
3 ـ ما ورد في نهج البلاغة: أنه لابدّ للناس من أمير برّ أو فاجر، يعمل في أمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفى، ويقاتل به العدو، تأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي[23].
فهذه أمور خمسة ينتظر من الوالي تنفيذها.
4 ـ ما ورد فيه أيضاً: «أيّها الناس أن ليّ عليكم حقّاً ولكن عليّ حقّ فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كي لا تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا» [24] فقد تلخصت وظائف الوالي في هذه الأمور الأربعة.
5 ـ وفي كتابه إلى الاشتر «انصف الله وانصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلاّ تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده» [25].
6 ـ وقال فيه أيضاً «وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعية وحقّ الرعية على الوالي فريضة... فجعلها نظاماً لا لفتهم وعزاً لدينهم فليست تصلح الرعية إلاّ بصلاح الولاة ولا يصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعية» [26].
فالوالي لابدّ أن يكون سبباً لنظام الأمة وعزاً لدينها وحافظاً لمصالحها، لا أن يفعل فيهم ما يشاء من دون لحاظ هذه الأمور.
7 ـ عقد في الكافي باباً لما يجب من حقّ الإمام على الرعية وحقّ الرعية على الإمام، وفيه عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ما حقّ الإمام على الناس؟ قال: حقّه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا. قلت: فما حقّهم عليه؟ قال: يقسم بينهم بالسوية ويعدل في الرعية[27].
وهذا بعض ما على الوالي من الحقوق، يعلم منه غيره، وأن المدار على مصالح الأمة لا غير.
8 ـ وفي مرفوعة عبد العزيز بن مسلم عن الرضا (عليه السلام) (وهي رواية طويلة جامعة لصفات الإمام) ورد «أن الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) ومقام أمير المؤمنين (عليه السلام) وميراث الحسن والحسين (عليهما السلام)، إن الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين، إن الإمامة أساس الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد» [28].
إلى غير ذلك ممّا هو كثير جداً ربّما تبلغ حدّ التواتر، ويغنينا ذلك ملاحظة إسنادها.
ويتحصل من جميع ذلك أنه ليس الوالي والحاكم على المسلمين (وهو الفقيه) كالمولى للعبيد، والمالك بالنسبة إلى المملوك، بل ولا كالولي على الصغار، أو الابن مع الابن حتّى يكون داخلاً في قوله «أنت ومالك لأبيك»، (مع أنا ذكرنا قبل ذلك أن الأب أيضاً لا يجوز له إلاّ لحاظ مصالح ابنه، وإن الحديث المعروف حكم أخلاقي يبين وظيفة الكبار من الأولاد في تجاه أبيهم لا أن له حقّ التصرّف المطلق في أموالهم وأنفسهم كيف يشاء) بل هو كالمتولي في الأوقاف العامّة والخاصّة أو كوكيل إلهي لهم، يتصرف بما هو مصلحة الموقوف عليهم والوقف، ومصالح الموكل، فليس للفقيه التصرّف إلاّ بما فيه مصلحة العباد والبلاد.
ويؤيد ذلك كلّه ما ذكروه في علم الكلام في باب وجوب نصب الإمام بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ـ كما ذكره العلاّمة في شرح كلام المحقّق الطوسي ـ قال: إن الإمام لطف واللطف واجب، أمّا الصغرى فمعلومة للعقلاء، إذ العلم الضروري حاصل بأن العقلاء متى كان لهم رئيس يمنعهم عن التغالب والتهاوش ويصدهم عن المعاصي ويعدهم ويحثهم على فعل الطاعات ويبعثهم على التناصف والتعادل، كانوا إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد وهذا أمر ضروري لا يشكّ فيه العاقل[29].
فإذا كان الإمام المعصوم كذلك فما ظنّك بغير المعصوم مع أنه يظهر من غير واحد من الروايات الآخر ـ كما عرفت سابقاً ـ أنهم مالكون للأرض وما فيها بل الدنيا ملك لهم، ومع ذلك لم نرَ منهم في عصر حكومتهم على الناس ـ عند بسط أيديهم وعند قبضها ـ إلاّ العمل بما هو خير وصلاح الأمة، لا ما هو صلاح لأنفسهم، فالفقيه أولى بذلك.
2 ـ الاستشارة في أموره:
لمّا لم يكن أمر الحكومة على آلاف أو ملايين المسلمين أمراً سهلاً بسيطاً يستطيع معه الوالي وإن كان متقدّماً في العلم والفقه والعقل أن يقود الناس إلى ما هو الأصلح والاليق، بل إلى ما هو صالح ولايق بالمولى عليهم، فمصلحة المسلمين تقتضي أن لا يترك الاستشارة في أموره، لا سيّما في الخطيرة منها، وإلاّ فقد خرج عن وظيفته الواجبة عليه، وسقط عن منصبه السامي، فليس للفقيه الاستبداد برأيه في شيء من الأمور الراجعة، إلى مصالح المجتمع الإسلامي، ولذا ورد في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «من أستبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها» [30].
ومن المعلوم أن هلاك الوالي يؤدي إلى هلاك الأمة أيضاً، بل وقد يؤدي إلى زوال الإسلام في برهة من الزمان.
ولهذا أيضاً ذكر الله الشورى في كتابه في عداد الصلاة والزكاة، وجعلها من علامات الإيمان، فقال عز وجل: (وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون... والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون).
وأي أمر أهمّ من أمر الحكومة؟ بل إضافة الأمر إلى الجميع، وكذا ذكر الانتصار في مقابل البغي بعده، لو لم يوجب له ظهوراً في الأمور الهامّة التي لها صلة بالمجتمع، فلا أقل من أنها أظهر مصاديقها وأوضح مواردها.
بل يظهر من أمره تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) : بالمشاورة مع المؤمنين وجعلها في عداد العفو عنهم والاستغفار لهم وجلب قلوبهم إلى الإسلام.
فقال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوّكل على الله إن الله يحب المتوكلين) [31].
أن المشورة مع الناس من أسباب جلب القلوب ومشاركتهم للوالي في الأمور، واجتماعهم حوله وعدم انفضاضهم عنه، وليست مشاورة النبي (صلى الله عليه وآله) معهم (وإن كان عالماً بالأمور بتعليم الله) أمراً صورياً ظاهرياً، لما في نفس هذا الأمر من المصالح كما قد يتوهم، بل ظاهر قوله تعالى «فإذا عزمت» أن عزمه كان بعد الشورى.
والروايات في الحث على هذا الأمر كثيرة جدّاً ربّما تبلغ حدّ التواتر، و كفاك في ذلك ما يلي:
الأولى ـ ما ورد في نهج البلاغة من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : «والاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه» [32].
فقد جعل الاستشارة عين الهداية، لا طريقاً إليها! وهذا من أبلغ البيان لفوائد المشاورة، ثمّ أكده بقوله: إنّ الاستبداد سبب الخطر ومبدئه.
الثّانية ـ قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما روى الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) عنه (صلى الله عليه وآله) كما في العيون: «من جائكم يريد أن يفرق الجماعة، ويغصب الأمة أمرها، ويتولى من غير مشورة فاقتلوه فإن الله قد إذن ذلك» ![33].
الثّالثة ـ ما رواه بعض الصحابة قال: ما رأيت أحداً قط أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله[34].
والأمر بالقتل وإن كان للأمور الثّلاثة وهو تفريق الجماعة، وغصب الخلافة وترك المشورة أجمع، ولكن عد ترك المشورة منها دليل على شدّة اهتمامه (صلى الله عليه وآله) بهذا الأمر، بل قد يكون هو العلّة في تفريق الجماعة وغصب أمر الأمة كما لا يخفى على الخبير.
فتلخص ممّا ذكرنا: أن المشورة للولي الفقيه ليست من قبيل المستحبات بل من أوجب الواجبات، لما عرفت من أنه الطريق الوحيد إلى تشخيص مصالح الأمة غالباً، التي ليس للفقيه أن يتعداها، مضافاً إلى ما عرفت من الأوامر المؤكدة في ذلك في الكتاب والسنّة التي ظاهرها الوجوب في الجملة.
ومن هنا تظهر حكمة تأسيس مجلس النواب في الحكومة الإسلامية وأنه قد تكون مصلحة الأمة في انتخاب الممثلين من الناس لمشاركتهم في كشف موارد الأحكام وموضوعاتها، وما يكون الصالح والأصلح لهم، ومعاضدتهم للفقيه الوالي، بل قد يكون تركه لذلك مظنّة للهلاك واتهامه بالاستبداد والاستقلال في الرأي، ويوجب انفضاض الأمة من حوله، مع ما في تركه من أنواع الخطأ في تطبيق الأحكام على صغرياتها، فتركه لهذا الأمر مخالف لمراعاة الغبطة المفروضة عليه وينافي عدالته وولايته.
وهذا هو العمدة في مشروعية مجلس النواب والرجوع إلى آرائهم، والأخذ بها عند تقنين القوانين، فآرائهم يؤخذ بها في طريق تطبيق كبريات أحكام الشرع على صغرياتها، وتعيين الموضوعات العرفية وتشخيص الصالح والأصلح فيما توقف الأمر عليه، لا في تشريع الأحكام، لأنه خارج عن اختيارهم، بل وخارج عن اختيار الفقيه، قال الله تعالى: (أن الحكم إلاّ لله أمر أن لا تعبدوا إلاّ إيّاه) [35].
ومن الواضح أن ترك هذه الطريقة في عصرنا من أهم أسباب التهمة والفتنة والانفضاض عن الحكومة الإسلامية، وباعث على تأثير وسوسة الشياطين والمعاندين في قلوب المؤمنين، فلا يجوز للفقيه العدول عنها إلى غيرها.
وبقى هنا أمور ترتبط بأمر المشاورة نطوي البحث عنها، ونرجعها إلى محلّها إن شاء الله وهي:
1 ـ بيان أقسام المشورة، فإنه قد تكون من مقدّمات عزم المستشير وإرشاده إلى ما هو الأصلح، وإن كان الاختيار بيده في نهاية الأمر، وأخرى يجب الأخذ بآراء المشيرين ولا يجوز التعدي عنها، كما هو المتداول اليوم في مجلس النوّاب، ففي الأوّل يجوز مخالفتهم، وفي الثّاني لا يجوز.
والظاهر أن آية آل عمران ناظرة إلى القسم الأوّل، وآية الشورى ناظرة إلى القسم الثّاني.
2 ـ صفات المشير وما يعتبر فيه من الشروط.
3 ـ تعيين المواضع، التي لابدّ فيها الاستشارة، تفصيلاً وإن أشرنا إليها إجمالا.
4 ـ شرح المواضع التي عمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمور الحرب وغيرها ـ إذا لم يكن عنده تكليف إلهي خاص ـ إلى الشورى، وإن أشرنا إليه إجمالا أيضاً، فليكن هذا على ذكر منك كي نتلو عليك منه ذكراً.
___________________________
[1] النساء: 59 والأحزاب: 6.
[2] الوسائل: ج14 ب115 من أبواب مقدمات النكاحح3.
[3] الوسائل: ج14 ب115 من أبواب مقدمات النكاحح4.
[4] الوسائل: ج14 ب115 من أبواب مقدمات النكاحح5.
[5] وسائل الشيعة: ج14 ب117 من أبواب مقدمات النكاحح1.
[6] الوسائل: ج14 ب117 من أبواب مقدمات النكاحح4.
[7] الوسائل: ج14 ب99 من أبواب مقدمات النكاحح1.
[8] الوسائل: ج11 ب4 من أبواب جهاد العدو ح3.
[9] الوسائل: ج18 ب13 من أبواب صفات القاضي ح43.
[10] بحار الأنوار: ج65 ص392.
[11] بحار الأنوار: ج65 ص395.
[12] نهج البلاغة: الخطبة 34 ص79 من طبعة صبحي صالح.
[13] نهج البلاغة: الخطبة 8 ص54 من طبعة صبحي صالح.
[14] نهج البلاغة: الكتاب6 ص366 من طبعة صبحي صالح.
[15] نهج البلاغة: الكتاب7 ص367 من طبعة صبحي صالح.
[16] نهج البلاغة: الكتاب8 ص368 من طبعة صبحي صالح.
[17] نهج البلاغة: الكتاب54 ص445 من طبعة صبحي صالح.
[18] إرشاد المفيد: ص116.
[19] الأصول من الكافي: ج1 ص407
[20] سورة الحجّ: الآية 40 ـ 41.
[21] سورة هود: الآية 88.
[22] نهج البلاغة: خطبة 40.
[23] نهج البلاغة: خطبة 34.
[24] نهج البلاغة: كتاب53.
[25] نهج البلاغة: خطبة 21.
[26] الأصول من الكافي: ج1 ص405.
[27] الأصول من الكافي: ج1 ص200.
[28] شرح تجريد الاعتقاد: ص284 من طبعة مكتبة المصطفوي.
[29] نهج البلاغة: الحكمة 161.
[30] آل عمران: 59.
[31] نهج البلاغة: الحكمة 211.
[32] عيون أخبار الرضا (ع) : ج2 ص62.
[33] السنن الكبرى للبيهقي: ج9 ص218.
[34] يوسف: 40.
[35] قله أبو الفرج الاصفهاني صاحب الأغاني (كما في منتهى الأمال للمحدّث القمي رضوان الله تعالى).

السابق || التالي 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية