اعتراضات وأجوبتها 1
1ـ قد يقال أولاً:
إنّ حدسنا بوثاقة من روى عنهم هؤلاء لا يجدي في إثبات وثاقتهم، لأن الشهادة
بالوثاقة لا يكفي فيها الحدس المحض، بل لابد من الاستناد إلى الحس، إمّا قطعاً أو
احتمالاً[1].
وجوابه:
إننا لا نستدل على وثاقة ذلك الرجال بحدسنا، بل نستدل بإخبار العصابة عن هؤلاء
بصحّة ما يصحّ عنهم، الظاهر ظهوراً تاماً بأن السبب في ذلك هو أنهم لا يروون إلاّ
عن ثقة، كما صرح به وفهمه الكثيرون.
وإخبار العصابة هذا يحتمل أن يكون حسياً. كما أن وثاقة من يروون عنه يحتمل أن تكون
قد ثبتت لهم هم بالحس أيضاً. وهذا يكفي في قبول خبرهم، باعتراف المعترض نفسه.
2ـ وقد يقال ثانياً:
إن العبارة في نقل الإجماع مختلفة، فبالنسبة للستّة الأول ـ الذين هم من أصحاب
الباقر والصادق (عليهما السلام) ـ جاء النص هكذا: (اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء
الأولين من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)، وأصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)،
وانقادوا لهم في الفقه، فقالوا: أفقه الأولين ستة: زرارة، ومعروف... الخ).
وقال بالنسبة للستّة الثانية الذين هم من أصحاب الصادق (عليه السلام): (أجمعت
العصابة على تصحيح ما يصحّ من هؤلاء، وتصديقهم لما يقولون، وأقرّوا لهم بالفقه، وهم
دون أولئك الستة الذين عددناهم وسمّيناهم، ستة نفر: جميل بن دراج... الخ). والعبارة
بالنسبة للستة الثالثة أيضاً لا تختلف عن هذه[2]. وعليه، فإن ما ذكر، إنما يتم
بالنسبة لمن ذكر في الستة الثانية والأخيرة؛ حيث نص فيهما على الإجماع على تصحيح ما
يصحّ عنهم، وأما بالنسبة للستة الأول، فلم يذكر إلا الإجماع على تصديقهم، والإقرار
لهم بالفقه. فلو ثبت ما تقولون، فهؤلاء لا يكونون داخلين في إجماع العصابة على
تصحيح ما يصح عنهم.
بل إن عدم ذكر هذه الفقرة بالنسبة للستّة الأوائل يصلح قرينة على مراده منها حينما
ذكرها بالنسبة لمن بعدهم، وأن المقصود هو مجرد التوثيق والتصديق للمذكورين
كالأوائل، هذا إن لم نقل إن إمكان العكس في القرينية يوجب إجمال الكلام، فلا يبقى
لهذه الفقرة ظهور فيما ادُّعي أصلاً[3].
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن هذا الاختلاف في العبارة يؤيد ما نذهب إليه، لأن
المذكورين أولاً قد كانت روايتهم غالباً عن الإمامين اللذين انتشر عنهما العلم،
وهما الباقر والصادق (عليهما السلام) مباشرة وبلا واسطة؛ فيكفي للحكم بصحة الحديث
تصديقهم فيما يقولون، نظراً إلى الغالب مما ينقلونه من الروايات.
وأما المذكورون في الطبقة الثانية، فإن روايتهم عن الباقر (عليه السلام) مع الواسطة
غالباً، وكذلك المذكورون في الطبقة الثالثة، فإنهم يروون غالباً عن الصادق والباقر
مع الواسطة أيضاً.
فلم يكف الحكم بصدقهم للحكم بصحة الحديث، ولذا احتاج إلى إضافة العصابة على تصحيح
ما يصح عنهم. فالتصديق ناظر لما يروونه عن الإمام بلا واسطة، وتصحيح ما يصح عنهم
إنما هو بالنسبة إلى ما ينقلونه عن الإمام الذي لا يعاصرونه بواسطة آخرين[4].
ولكن هذا لا يعني أن الطبقة الأولى لا تشارك الأخيرين في الاجتماع على تصحيح ما
يصحّ عنها؛ فإن نفس العبارة المنقولة في الطبقة الثانية والثالثة صريحة في أنها
ناظرة إلى ما تقدم في الأولى وفي الثانية، وأن ما ذكر هنا إنما هو عطف على ما ذكر
هناك، وأنه على حدّه، وأن الحكم فيهما واحد، وليس أمراً مستقلاً عنه، وهذا يدل على
أن هذا التفنن في العبارة ناظر على ما ذكرناه ليس إلاّ. أضف إلى ذلك أنه قد نقل
الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن الستة الأول كثيرون آخرون، فراجع[5].
3ـ ثالثاً:
لقد أوردوا على الإجماع المذكور ـ وخطر في بالي أيضاً ـ بأننا نجد المذكورين في هذا
الإجماع يروون عن الضعفاء والمجاهيل، كرواية جميل عن الحكم بن عتيبة بواسطة زكريا
بن يحيى الشعيري، وروى عنه الفضيل بن يسار أيضاً.
وكرواية ابن أبي عمير، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، عن علي بن أبي حمزة البطائني، و
هو واقفي مذموم جداً.
وكرواية يونس، عن عمرو بن جميع الأزدي البصري، قاضي الريّ، وقد ضعّفه الطوسي
والنجاشي صراحة.
وكرواية ابن محبوب عن الحكم الأعمى، وابن أبي عمير، وصفوان، عن الحكم بن أيمن.
وهذان الحكمان مجهولان[6].
ولكننا نقول: إن روايتهم عن كل هؤلاء لا تضرّ في صحة أحاديثهم، لا لأننا نعتقد أن
حديثهم محكوم بالصحة ولو رووه عن معروف بالفسق أو الوضع، فقد تقدم أن هذا غير صحيح،
وإنما لما يلي:
(1) أما بالنسبة لروايتهم عن البطائني ـ علي بن أبي حمزة ـ فإننا نقول إن الروايات
عنه إذا تمّ سندها إليه، تكون صحيحة، ويعمل بها على هذا الأساس؛ وذلك لما يلي:
ألف ـ إن الشيعة ما كانوا يروون عنه أيام وقفه، وإنما ما رواه عنه الشيعة إنما كان
أيام استقامته، وقد كان حينئذٍ إمامياً ثقة صالحاً لأن يعتمد عليه لإمام (عليه
السلام) ويجعله وكيلاً عنه.
ويكفي للتدليل على ما نقول أن نذكر أن الشيعة قد نبذوا الواقفة على الإمام موسى بن
جعفر خاصة، وابتعدوا عنهم، حتى لقد لقّبوا من وقف عليه (عليه السلام) بالمطورة، أي
(الكلاب الممطورة)[7] ، وذلك لشدة التحاشي عنهم، والحذر من الاقتراب منهم، وغلب
عليهم هذا الاسم، وشاع وذاع، فلا يعقل أن يروي كبار علماء الشيعة ـ والحالة هذه ـ
عن رئيس الواقفة بعد وقفه، ولا أن يتخذوه شيخاً أو مصدراً لمعارفهم، كما هو
ظاهر[8].
باء ـ إن ابن أبي عمير، والبزنطي، وصفوان بن يحيى، الذين ينص الشيخ على أنهم لا
يروون إلا عن ثقة، يروون عنه.
جيم ـ بل لقد ادّعى الشيخ عمل الطائفة بأخبار علي بن أبي حمزة البطائني، وسماعة بن
مهران، فيما لم يكن عندهم خلافه[9].
(2) وأما بالنسبة للحكم بن عتيبة، وابن جميع الأزدي، فيمكن أن يكون قد ظهر لجميل،
والفضيل، ويونس صدقهما في نقلهما، إما مطلقاً، أو في ذلك المورد الخاص الذي نقلوه؛
لقرائن خاصة. كما أن تضعيف علماء الرجال لهما لعلّه لأجل مذهبهما غير المرضي عندهم،
مع عدم ثبوت وثاقتهما لهم في النقل.
ولو فرض أنه قد كان ثمة قدح في المورد، فإنه يقع التعارض بينه وبين هذا التوثيق،
الناشئ من رواية هؤلاء الذين لا يروون إلاّ عن ثقة عنه.
هذا كله، لو ثبتت رواية هؤلاء عن الحكم، وعن عمرو بن جميع، وصحّ السند إليهم في
الرواية في موردها.
(3) وأما بالنسبة للحكمين المجهولين، فإن كانا غير الحكم بن عتيبة، فإن رواية هؤلاء
عنهما، وهم من المجمع على تصحيح ما يصحّ عنهم، كما أن من بينهم من نص الشيخ على أنه
لا يروي إلاّ عن ثقة. ـ إنّ ذلك ـ يكفي للحكم بوثاقتهما. كما أن مثل هذا المورد هو
محل كلامنا، ومحط نظرنا في تفسير عبارة (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم)، فلا
يصلح نقضاً في المقام.
وهكذا يتضح أن رواية عمر بن حنظلة المتقدمة يمكن اعتبارها موثقة بل صحيحة، وليس فقط
حسنة، فضلاً عن مقبولة. وأن عمر بن حنظلة نفسه يعتبر من ثقات الأصحاب، الذين يمكن
الاعتماد على روايتهم، وليس من المجاهيل كما ربما يقال.
سند الصدوق إلى ابن حنظلة
ويقولون إن طريق الصدوق إليه: الحسين بن أحمد بن إدريس (رضي الله عنه) عن أبيه، عن
محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن
عمر بن حنظلة، والطريق ضعيف بالحسين بن أحمد)[10] انتهى.
ولكن الحقيقة هي أن الصدوق قد صرح في مقدمة كتابه (من لا يحضره الفقيه) بأنه صنف
كتابه بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه وإن كثرت فرائده، قال: (ولم أقصد فيه قصد
المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتى به، وأحكم بصحته،
وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربّي... الخ)[11].
فلربما يستفاد من ذلك تصحيح أسانيد الرواية التي تكون بمفردها سنداً لفتوى الصدوق
في هذا الكتاب، فإذا كان الحسين بن أحمد قد ورد في الفقيه في رواية لها هذه
الخصوصية، فيمكن أن يقال إن معنى ذلك هو اعتماد الصدوق على الحسين هذا، وقبوله
لروايته. إلا أن يقال إن الصحة في اصطلاح القدماء لا تلازم وثاقة الراوي، كما تقدم،
وتقدم مناقشة النوري في ذلك أيضاً.
هذا، ولكن يمكن استفادة وثاقة الحسين بن أحمد من طرق أخرى أيضاً؛ فقد ذكر صاحب
التعليقة أن الصدوق كلما ذكر هذا الرجل ترضى وترحم عليه، حتى لقد قال المجلسي: ترحم
عليه عند ذكره أزْيَد من ألف مرة فيما رأيت من كتبه.
فاعتماد الصدوق عليه إلى هذا الحد واتخاذه شيخاً، وترضّيه وترحمه عليه هذا المقدار
يكشف عن أنه كان (رحمة الله) في غاية الجلالة ومحلاً للاعتماد.
أضف إلى ذلك كله أنه من مشايخ الإجازة، ولا يعقل أن يستجيز المستجيزون من شخص كذاب
أو وضاع، بل لابد وأن يكون من الأعلام والمحترمين المعروفين بالاستقامة والعلم[12].
دلالة الرواية على ولاية الفقيه
وأما بالنسبة لدلالة صحيحة عمر بن حنظلة، فإن ما يهمنا التعرض له في هذه العجالة،
هو مدى دلالتها على ولاية الفقيه.
وقبل بيان ذلك نود أن نشير إلى: أنه لا ريب في أن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)
لهم ولاية عامة، حتى على الأموال والأعراض والأنفس. ولهم الحكم والسلطنة وحق التصرف
في الأمور. بل هم أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وذلك أمر بديهي معلوم من الكتاب
والسنة، لا يحتاج إلى مزيد بيان ولا إلى إقامة برهان، وقد تقدم.
كما أنه لا ريب في أنهم (عليهم السلام) قد منحوا الفقهاء الذين لهم مواصفات معينة،
منصب القضاء وفصل الخصومات وبعض الصلاحيات الأخرى التي يُرجع إلى القاضي فيها عادة.
ولكن الكلام في أنه هل منح الأئمة لأحد من الناس نوعاً من الولاية يزيد على ولاية
القضاء هذه أم لا؟!، فهل أعطوا أحداً حق الحكم بين الناس، وتدبير أمورهم في
المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها، بحيث تكون مجاري الأمور بيده، وهو
الحاكم، والزعيم، والقائد ـ مثلاً ـ أم لا؟!
لقد اختلف العلماء في ذلك، وتباينت أقوالهم ومذاهبهم، كما هو معلوم. ولسنا هنا في
صدد استقصاء البحث في هذا المجال. ولكننا نبادر إلى القول بأن رواية عمر بن حنظلة،
التي أثبتنا قوّة سندها، ظاهرة الدلالة أيضاً على أن الفقيه هو الحاكم ، والقائد،
والمدبر للأمور في المجالات المختلفة؛ وذلك ببيان:
أنه قد ورد فيها قوله (عليه السلام)، في مقام إرجاع المتخاصمين إلى الفقيه: "فإني
قد جعلته عليكم حاكماً"[13].
وهو ظاهر ظهوراً تاماً في منح الفقيه العارف بأحكام الله تعالى حق تولّي أمور
الناس، وأنه لابد من الرجوع إليه في البت فيها وحسمها؛ لأن الحاكم هو من يرجع إليه
في الأمور للبت والفصل فيها. ومورد الرواية ـ وإن كان هو القضاء وفصل الخصومة ـ إلا
أن من المعلوم أن المورد لا يخصص الوارد، وإنما يكون مصداقاً له. والوارد هنا هو
إعطاء منصب عام للفقيه، وهو حق الحاكمية على الناس، وإدارة شؤونهم، وتصريف أمورهم،
من قبل من له أن يمنح حقاً كهذا.
والقضاء واحد من شؤون حكومة الفقيه على الناس، وإن كان السلطان الجائر قد اغتصب هذا
الحق[14]. واغتصابه له لا يسقطه عن كونه حقاً للفقيه؛ ولذلك صرحت رواية عمر بن
حنظلة بأن من يتحاكم إلى السلطان وإلى القضاة، فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما أمروا
أن يكفروا به، وفي رواية أبي خديجة: ".. وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان
الجائر.."[15].
ولو كان المقصود مجرد منح الفقهاء منصب القضاء وفصل الخصومة، دون ما سوى ذلك لم
يستقم التعبير بـ (عليكم) في الفقرة المشار إليها، بل كان الأصح حينئذٍ إما حذفها،
أو استبدالها بكلمة (بينكم)؛ ولذلك نجد أن الحكم بمعنى القضاء قد جاء في القرآن
الكريم، بل وفي غيره على هذا النحو ليس إلاّ، أي أنه إما استعمل وحده، أو أنه نصب
كلمة (بينكم)، أو (بين الناس) ونحوه ظرفاً له. ولم يرد مع كلمة (على)، لا متقدمة
عليه، ولا متأخرة عنه. فكما لا يصح قولك: جعلت فلاناً عليكم جندياً، أو جابياً
للزكاة، أو ساعي بريد، كذلك لا يصح قولك: جعلته قاضياً عليكم، أو جعلته عليكم
قاضياً. وقوله: قضى عليه، معناه: قضى على خلاف ميله، وأصدر الحكم ضده، وبضرره، وكذا
الحال بالنسبة لـ "جعلته حاكماً عليكم"، أو جعلته عليكم حاكماً، إذا كان الحكم
بمعنى القضاء. نعم لو كان الحكم بمعنى السلطة، فإنه يصح إضافة (على)، وسيأتي بعض
الشواهد لذلك. حين ذكر موارد استعمال كلمة (حاكم) بمعنى المتولّي للأمور.
وعلى كل حال، فقد قال الشيخ الأنصاري ما يلي:
(مضافاً إلى ما يستفاد من جعله حاكماً، كما في مقبولة عمر بن حنظلة، الظاهر في كونه
كسائر الحكام المنصوبة في زمان النبي (ص) والصحابة، في إلزام الناس بإرجاع الأمور
المذكورة إليه، والانتهاء فيها إلى نظره، بل المتبادر عرفاً من نصب السلطان حاكماً،
وجوب الرجوع في الأمور العامة المطلوبة للسلطان إليه)[16].
وقال صاحب الجواهر ـ وهو يتكلم عن اعتبار الاجتهاد في القاضي وعدمه ـ: (ويمكن بناء
ذلك ـ بل لعله الظاهر ـ على إرادة النصب العام في كل شيء، على وجه يكون له ما
للإمام (عليه السلام)، كما هو مقتضى قوله (عليه السلام): "فإني جعلته حاكماً"، أي
ولياً، متصرفاً في القضاء، وغيره من ولايات، ونحوها)[17].
وقال في موضع آخر، وهو يتكلم عن اعتبار الإذن منهم (عليهم السلام) للقاضي: (وما
عساه يشعر به قوله (عليه السلام) في نصب نائب الغيبة: "فإني قد جعلته حاكماً")[18].
وقال المحقق النائيني:
(نعم، لا بأس بالتمسك بمقبولة عمر بن حنظلة، فإن صدرها ظاهر في ذلك؛ حيث إن السائل
جعل القاضي مقابلاً للسلطان، والإمام (عليه السلام) قرّره على ذلك؛ فقال: سألت أبا
عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا تنازعا في دين أو ميراث؛ فتحاكما إلى
السلطان، أو إلى القضاة، أيحل ذلك؟.. انتهى.
بل يدل عليه ذيلها أيضاً، حيث قال (عليه السلام): "ينظر إلى من كان منكم قد روى
حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته
عليكم حاكماً". فإن الحكومة ظاهرة في الولاية؛ فإن الحاكم هو الذي يحكم بين الناس
بالسيف والسوط، وليس ذلك شأن القاضي..)[19].
ولكنه (رحمه الله) عاد فاستظهر أن المراد بالحاكم القاضي، وسنتعرض إلى كلامه فيما
يأتي إن شاء الله تعالى.
توضيح
وبعد، فإننا نزيد في توضيح ما تقدم، فنقول: إن لفظ الحكم ومشتقاته يطلق على معان:
الأول: المنع من الفساد، يقال: حكم فلاناً، إذا منعه من الفساد.
الثاني: القضاء وفصل الخصومة، يقال: حكم، إذا قضى وفصل.
الثالث: البت في الأمور والفصل فيها، من دون اختصاص له في موارد الخصومة والقضاء.
الرابع: السلطة والحاكمية والولاية والسيطرة[20].
والظاهر هو أن تلك المعاني كلها ترجع إلى معنى واحد، وهو من يرجع إليه للبت والفصل
في الأمور، ويمنع من الفساد. ولكن الاختلاف إنما هو بملاحظة الموارد ليس إلا. وإنما
أطلق لفظ (حاكم) على القاضي؛ لأنه يحسم الأمر في مورد النزاع، ويبت فيه، ويمنع من
استمرار الفساد بين المتنازعين.
ونظير العبارة المتقدمة في رواية ابن حنظلة ما روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
"العلماء حكام على الناس"[21]، وفي نص آخر عنه (عليه السلام): "الملوك حكام على
الناس، والعلماء حكام على الملوك"[22]، وفي نص آخر: "الملوك حكام على الناس والعلم
حاكم عليهم"[23]. وفي نص آخر: "العلم حاكم والمال محكوم عليه"[24].
وليس المقصود بكلمة (حكام) في هذه الفقرة مجرد من لهم الخصومة والقضاء؛ إذ لا معنى
لفصل الخصومة بالنسبة إلى الملوك، ولا معنى لتعدية كلمة حكام بـ (على). بل المراد
أن لهم حق التصرف والإشراف والنظر في الأمور، الأمر الذي يلزمه السلطنة والتوليّ
للأمور، ولأجل ذلك نجد أنهم يذكرون أنهم قد ولّدوا من كلمة (الحكم) معنى الولاية،
وأطلقوا الحاكم على الوالي[25]. وإن كان سيأتي أنها غير مولدة أيضاً، وإنما هي
مستعملة فيها على نحو الحقيقة، حسبما ألمحنا إليه في الشواهد الكثيرة الآتية.
وبعد، فإنه إذا كان للفقيه حق البت في الأمور، فإن معنى ذلك هو أن مجاري الأمور
لابد وأن تكون على يده، وهو الذي يملك حق التدبير والتصرف فيها دون سواه. وهذا معنى
ما روي عن الإمام الحسين (عليه السلام): "مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء
بالله، الأمناء على حلاله وحرامه"[26]، الأمر الذي يعني أن لهم وحدهم حق السلطان
والحاكمية على الناس، دون كل أحد.
شواهد ودلائل
وبعد، وحتى لا يبقى ثمة شك وشبهة في المقام، فقد رأينا أن نورد بعض الشواهد
والدلائل على أن كلمة (حاكم) قد أريد منها من بيده أزمة الأمور، وإليه يرجع في أمور
الناس، وإدارة شؤونهم السياسية وغيرها. فنقول:
لقد قال السيد الحميري (رحمه الله تعالى)، بمناسبة أخذ المهدي العباسي البيعة من
الناس لولديه الهادي والرشيد بولاية العهد، قال في جملة أبيات له:
وطاعة المهــدي ثم ابنه موسى على ذي الإربة الحازم
وللرشيد الرابع المرتضى مفترض من حــقه اللازم
ملكهم خمســون معدوة برغم أنف الحاسد الراغم
ليس علينا ما بقوا غيرهم في هذه الأمة من حاكم[27]
وحينما ذهب أبو طالب (رضوان الله تعالى عليه) لطلب يد خديجة (رضوان الله تعالى
عليها) للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب بهذه المناسبة، فكان مما قال:
"الحمد لربّ هذا البيت، الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل، وأنزلنا حرماً
آمناً، وجعلنا الحكام على الناس"[28].
فأبو طالب لا يريد أنهم قضاة بين الناس، وإنما يريد أن إليهم يرجع في المهمات،
وبيدهم أزمة الأمور، وهم القادة والسادة كما هو ظاهر.
وعلى هذا المعنى جاء قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته القاصعة، وهو يصف
حال الماضين، الذين رأى الله جد الصبر منهم على الأذى في محبته:
"جعل لهم من مضايق البلاء فرجاً؛ فأبدلهم العزّ مكان الذلّ، والأمن مكان الخوف؛
فصاروا ملوكاً حكاماً، وأئمة أعلاماً"[29].
كما أنه (عليه السلام) بعد أن يذكر حال ولد إسماعيل وإسحاق وبني إسرائيل في
الجاهلية، وتشتتهم وتفرقهم، ثم كيف تغيّرت حالهم بعد بعثة الرسول الأكرم (صلى الله
عليه وآله وسلم)؛ فأصبحوا ـ كما يقول (عليه السلام) ـ:
"قد تربّعت الأمور بهم في ظل سلطان قاهر، وآوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب، وتعطفت
الأمور عليهم في ذرى ملك ثابت، فهم حكام على العالمين، وملوك في أطراف الأرضين،
يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم، ويمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم[30]،
لا تغمز لهم قناة، ولا تقرع لهم صفاة"[31].
وقال (عليه السلام)، وهو يصف صنف المنافقين من المحدثين:
"فتقرّبوا إلى أئمة الضلالة، والدعاة إلى النار، بالزور والبهتان، فولّوهم الأعمال،
وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس"[32].
وورد في حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله)، يذكر فيه أن المسلمين إذا فعلوا بعض
الأشياء رماهم الله بأربع خصال، وذكر منها "الخيانة من ولاة الحكام"[33].
وعن الصادق (عليه السلام):
"يكون شيعتنا في دولة القائم سنام الأرض، وحكامها"[34].
وعن علي بن الحسين (عليه السلام)، في هذا المورد بالذات:
"ويكونون حكام الأرض، وسنامها"[35].
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام):
"وهم القضاة والحكام على الناس"[36].
وحينما سئل الصادق عن أصحاب القائم (عليه السلام)، فقيل له: ليس على ظهرها غير
هؤلاء، قال: "بلى في الأرض مؤمنون غيرهم، ولكن العدة التي يخرج فيها القائم (عليه
السلام)، وهم النجباء، والقضاة، والحكام، والفقهاء في الدين.. الخ"[37].
وقال (عليه السلام):
"هم أصحاب الألوية، وهم حكام الله في أرضه على خلقه"[38].
وفي نص آخر عن الصادق (ع):
"فإذا قام القائم (ع) ولّى هؤلاء القوم، ويكونون حكام الأرض"[39].
بل لقد ورد في ذيل صحيحة عمر بن حنظلة نفسها قوله (عليه الصلاة والسلام): "قلت:
جعلت فداك، فإن وافقها الخبران جميعاً، قال: ينظر إلى ما حكامهم عليه أميل وقضاتهم؛
فيترك، ويؤخذ بالآخر، قلت: فإن وافق حكامهم وقضاتهم الخبران جميعاً.. الخ".
____________________
[1] قواعد الحديث، ص61.
[2] راجع: رجال الكشي، ص238 و375 و556 ورسالة أبان للجيلاني، ص4، ومستدرك الوسائل،
الخاتمة، ج3، ص757، وقواعد الحديث، ص38 و39 و40، والوسائل، ج2، ص79ـ80، ومقباس
الهداية، ص73.
[3] راجع: قواعد الحديث، ص48، ورسالة أبان بن عثمان للجيلاني، ص5، ومقباس الهداية،
ص73، عن السيد محسن الأعرجي.
[4] راجع: رسالة أبان بن عثمان للسيد محمد باقر الجيلاني، ص5، ومستدرك الوسائل، ج3،
ص769، ونتيجة المقال للبارفروشي، ص77.
[5] راجع: مقباس الهداية، ص73 و70، وقال: هذا الإجماع قد تواتر نقله.
[6] راجع: قواعد الحديث، ص75 و76.
[7] راجع: فرق الشيعة للنوبختي، ص91 و92، والمقالات والفرق للأشعري، ص92.
[8] بعد أن كتبت ذلك رأيت أن البعض قد تنبّه له؛ فراجع مقباس الهداية، ص72.
[9] راجع: عدة الأصول، ص61، وقواعد الحديث، ص98، والوسائل، ج20، ص88، ومقباس
الهداية، ص73.
[10] معجم رجال الحديث، ج13، ص33.
[11] من لا يحضره الفقيه، ج1، ص3.
[12] راجع: رجال المامقاني، ج1، ص318.
[13] ولا سيما إذا كان له عموم وضعي، فإن هذه العبارة "فإني قد جعلته عليكم حاكماً"
مما يصح أن يبتدأ به، فيكون له عموم وضعي، كقوله: فإن المجمع عليه لا ريب فيه ـ كذا
ذكره الاشكوري في حاشيته على المكاسب ـ والمراد أنه إذا كانت الجملة مما يصح
الابتداء بها، فإنها لا تكون مختصة في المورد، بحسب استعمال أهل اللغة، كما هو
ظاهر.
[14] ويدل على أن ذلك من شؤون حكومة الفقيه العادل ما عن الصادق (عليه السلام):
"اتقوا الحكومة، فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين،
لنبيّ أو وصيّ نبيّ"، راجع: الوسائل، ج18، ص7.
وقال تعالى: {يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} سورة ص.
فالتفريع في الآية يدل على ما ذكرناه دلالة ظاهرة. ثم هناك قول علي (ع) لشريح: "لقد
جلست مجلساً لا يجلسه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ" الوسائل، ج18، ص7، والكافي،
ج7، ص406، والتهذيب، ج6، ص217، والفقيه، ج3، ص4، وعن المقنع، ص132.
وعدا عن ذلك، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) قد كانوا
حكاماً على الناس، وبيدهم أزمة الأمور. وكانوا في الوقت نفسه يقضون بين الناس،
وإليهم المرجع في فصل الخصومات والقضاء، أو إلى من ينصبونه لذلك؛ فالقضاء ـ كما هو
معلوم ـ من شؤونهم وصلاحياتهم، التي يفترض فيهم أن يمارسوها، إما بالمباشرة أو
بالاستنابة.
[15] راجع: تهذيب الأحكام للطوسي، ج53، ص303، حديث53 والوسائل، ج 18، ص100 عنه.
[16] المكاسب للشيخ الأنصاري، ص154.
[17] جواهر الكلام، ج40، ص18.
[18] المصدر السابق، ص17.
[19] منية الطالب للخوانساري، تقريرات لبحث النائيني، ج1، ص327.
[20] محيط المحيط للبستاني، ص184.
[21] مستدرك الوسائل، ج3، ص189، وغرر الحكم للآمدي، ج1، ص20 مع الفارسية.
[22] مستدرك الوسائل، ج3، ص188 عن كنز الفوائد للكراجكي، وشرح نهج البلاغة
للمعتزلي، قسم الحكم رقم 484، ج20، ومستند الشيعة، ج2، أوائل كتاب القضاء، وقصار
الجمل، ج2، ص64 عنه، والبحار، ج1، ص183.
[23] البحار، ج2، ص48 عن أمالي الشيخ.
[24] غرر الحكم، المطبوع مع الترجمة الفارسية، ج1، ص75.
[25] محيط المحيط للبستاني، ص184.
[26] تحف العقول، ص169، ومستدرك الوسائل، ج3، ص188 وعن الوافي للفيض، ج2، ص30،
ومستند الشيعة، ج2، أوائل كتاب القضاء.
[27] الأغاني، طبعة ساسي، ج7، ص14، وعصر المأمون، ج2، ص345، وديوان السيد الحميري،
ص406ـ407.
[28] مصادر هذا النص كثيرة، سواء من طريق الشيعة أو من طرق غيرهم؛ ولذا فلا حاجة
إلى تعدادها.
[29] نهج البلاغة شرح محمد عبده، ج2، ص177، الخطبة القاصعة رقم187، وراجع: مصادر
نهج البلاغة، ج3، ص57ـ58 للاطلاع على مصادر أخرى.
[30] من يمضي الأحكام بالسيف والسوط هو السلطان، حسبما تقدم.
[31] نهج البلاغة، ج2، ص179، الخطبة القاصعة، ومصادر نهج البلاغة، ص57ـ58 للاطلاع
على مصادر أخرى.
[32] نهج البلاغة، ج2، ص214ـ215، الخطبة رقم 205، وراجع كتاب: مصادر نهج البلاغة،
ج3، ص115.
[33] راجع: يوم الخلاص، ص337.
[34] البحار، ج52، ص372 عن الاختصاص للمفيد، ويوم الخلاص، ص195.
[35] البحار، ج52، ص317، والخصال، ج2، ص541، طبع سنة 1389هـ.
[36] يوم الخلاص، ص187.
[37] يوم الخلاص، ص195، والملاحم والفتن لابن طاووس، ص205.
[38] يوم الخلاص، ص195.
[39] الملاحم والفتن، ص209.