مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

ولاية الفقيه أبعادها وحدودها

المقصد الأول: في إثبات الولاية العامة للفقيه الجامع للشرائط [الفصل الأول]

وفيه فصول:
الفصل الأول
في بيان الآراء في المسألة
الآراء في المسألة ثلاثة:
الأول: قول المشهور(1) بثبوت ولاية الفقيه ولاية عامة في جميع شؤون الأمة، تلك الولاية التي كانت للإمام المعصوم، وهي رئاسة الدنيا والدين، ومن ثم فله ما كان للإمام من إقامة الجمعة والجماعة مع بسط اليد، والأمر بالجهاد والدفاع عن الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإجراء الحدود، والقضاء والإفتاء وعقد الصلح وقبول الهدنة، وتقسيم الغنائم، وأخذ الأخماس والزكوات، وتولية أمر القصّر والغيّب والأوقاف العامة وتجهيز من لا وليّ له ووراثة من لا وارث له، وأن حكمه نافذ وتوليته باقية؛ كل ذلك من باب ولايته على هذه الأمور.
قال الشهيد: "والحدود والتعزيرات إلى الإمام ونائبه ولو عموماً، فيجوز في حال الغيبة للفقيه الموصوف بما يأتي ـ في القضاء ـ إقامتها مع المكنة. ويجب على العامة تقويته ومنع التغلب عليه. ويجب عليه الإفتاء مع الأمن، وعلى العامة المصير إليه والترافع في الأحكام"(2).
وقال الشهيد الثاني: هذا مذهب الشيخين (المفيد والطوسي)(3) وجماعة الأصحاب، وبه رواية(4) عن الصادق(ع) في طريقها ضعف، ولكن رواية عمر بن حنظلة مؤيدة لذلك، فإن إقامة الحدود ضرب من الحكم وفيه مصلحة كلية ولطف في ترك المحارم وحسم لانتشار المفاسد وهو قوي(5).
وقال العلامة: وفي رواية حفص بن غياث أنه سأل الصادق(ع) من يقيم الحدود، السلطان أو القاضي؟ فقال: "إقامة الحدود إلى من إليه الحكم"(6).
وهل يجوز للفقهاء إقامة الحدود في حال الغيبة؟ جزم به الشيخان عملاً بهذه الرواية، كما يأتي أن للفقهاء الحكم بين الناس فكان إليهم إقامة الحدود، ولما في تعطيل الحدود من الفساد. ثم قال: الحكم والفتيا بين الناس منوط بنظر الإمام (ع)، فلا يجوز لأحد التعرض له إلاّ بإذنه، وقد فوض الأئمة(ع) ذلك إلى فقهاء شيعتهم المأمونين المخلصين العارفين بالأحكام ومداركها. ثم ذكر رواية ابن حنظلة وأبي خديجة(7).
قال صاحب الجواهر: بل هو المشهور، بل لا أجد فيه خلافاً، إلاّ ما يحكي من ظاهر ابن زهرة وابن إدريس، ولم نتحققه، بل لعل المتحقق خلافه(8).
قال ابن زهرة في الغنية: من شرائط وجوب الجهاد أمر الإمام العادل أو من ينصبه الإمام... بلا خلاف أعلمه(9).
وقال ابن إدريس: الإجماع حاصل منعقد من أصحابنا ومن المسلمين جميعاً أنه لا يجوز إقامة الحدود، ولا المخاطب بها إلاّ الأئمة والحكام القائمون بإذنهم في ذلك(10). قال صاحب الجواهر: ويمكن اندراج الفقيه في الحكام عنهم(ع)(11).
وعبارة سلار في المراسم أصرح: قال في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فأما القتل والجراح في الإنكار فإلى السلطان أو من يأمره السلطان، فإن تعذر الأمر لمانع، فقد فوضوا (ع) إلى الفقهاء إقامة الحدود والأحكام بين الناس... وأمروا عامة الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك ما استقاموا على الطريقة ولم يحيدوا(12).
قال صاحب الجواهر تعقيباً على ذلك: فمن الغريب بعد ذلك ظهور التوقف فيه من المصنف وبعض كتب الفاضل، لا سيما بعد وضوح دليله الذي هو قول الصادق(ع) في مقبول عمر بن حنظلة... ومقبول أبي خديجة والتوقيع...
ثم أخذ في الاستدلال بنصوص روايات كثيرة، وأخيراً قال: فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم (ع) أمراً، وتأمل المراد من قولهم: "إنّي جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجةً وخليفة" ونحو ذلك، مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم. وقد قال قبل ذلك: بل لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلقة بشيعتهم معطلة(13).
وأخيراً قال: "هذا حكم أساطين المذهب".(14) كلمة قاطعة، جديرة بالتفخيم والإعظام.
وهذا الرأي هو الذي ارتآه سيّدنا الإستاد الإمام الخميني (دام ظله)، وقام بإعلامه والتشييد من مبانيه في قوة بيان وتمام برهان. وكل ما ذكرته في هذا المجال هو رشفة من بحره الزاخر ونشفة من قطره الغزير(15).
الثاني: رأي المحقق النائيني (قدس سره)؛ فقد أثبت للفقيه حق الإفتاء والقضاء وكل ما يكون راجعاً إلى شؤون القضاء، كأخذ المدّعى به من المحكوم عليه، وحبس الغريم المماطل، والتصرف في بعض الأمور الحسبية كحفظ مال الغائب والصغير، ونحو ذلك، كالحكم بثبوت الهلال، والفصل في الديون والمواريث؛ كل ذلك لولايته على هذه الأمور.
هذه هي المرتبة النازلة من مراتب الولاية، المقصورة على شؤون القضاء فحسب، أما المرتبة العليا منها وهي الولاية على الأنفس وفق نص الآية الكريمة {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} الأحزاب:6، فهي خاصة بالمعصوم لا يتقمصها غيره إطلاقاً.
وبعدها مرتبة أخرى قابلة للتفويض؛ فقسم منها يرجع إلى الأمور السياسية التي ترجع إلى نظم البلاد وانتظام أمور العباد وسد الثغور، والجهاد ضد الأعداء والدفاع ونحو ذلك، مما يرجع إلى وظيفة الولاة والأمراء، وقسم يرجع إلى الإفتاء والقضاء. فقد كان هذان المنصبان في عصر المعصوم لطائفتين: الولاة والقضاة. و ربما كانتا لشخص واحد إذا كانت له الأهلية لكلتا الجهتين، فكانت له الوظيفتان إما أصالة كالنبي (ص)، أو إعطاء في غيره.
قال: لا إشكال في ثبوت منصب القضاء والإفتاء للفقيه في عصر الغيبة، وهكذا ما يكون تابعاً لشؤون القضاء، بعنوان المنصب والولاية عليها، إنما الإشكال في ثبوت الولاية العامة، وأظهر مصاديقها: سد الثغور ونظم البلاد والجهاد والدفاع، وكذا مثل إجراء الحدود وأخذ الزكوات والأخماس وإقامة الجمعة ونحوها.
ثم أخذ في مناقشة أدلة المثبتين، وأخيراً أنكرها وقال: وكيف كان فإثبات الولاية العامة للفقيه، بحيث تتعين صلاة الجمعة بإقامته لها أو نصب إمام لها مشكل(16).
الثالث: رأي سيّدنا الأستاذ الخوئي (دام ظله) حيث أنكر مطلق الولاية للفقيه حتى ولايته في شؤون القضاء، وقال بقصور الأدلة عن إثبات أية ولاية للفقيه إطلاقاً.
قال: إن الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل، وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، بل الثابت حسبما يستفاد من الروايات أمران: نفوذ قضائه، وحجّية فتواه. وليس له التصرف في أموال القصّر أو غير ذلك مما هو من شؤون الولاية، إلاّ في الأمر الحسبي، فإن الفقيه له الولاية في ذلك لا بالمعنى المدعى، بل معنى نفوذ تصرفاته بنفسه أو بوكيله وانعزال وكيله بموته، وذلك من باب الأخذ بالقدر المتقين، لعدم جواز التصرف في مال أحد إلاّ بإذنه، كما أن الأصل عدم نفوذ تصرفانه.. إلاّ أنه لما كان من الأمور الحسبية ولم يكن بدّ من وقوعها في الخارج، كشف ذلك كشفاً قطعياً عن رضى المالك الحقيقي وهو الله تعالى.
والقدر المتقين ممن رضي المالك الحقيقي بتصرفاته هو الفقيه الجامع للشرائط، فالثابت للفقيه جواز التصرف دون الولاية(17).
____________________
1ـ لأنهم أطبقوا على جواز إقامة الجمعة وإجراء الحدود وتولّي شؤون الأمة للفقيه، مع اشتراطهم أن يكون ذلك بأمر الإمام أو نائبه. راجع باب الجهاد والحدود، والفروع المتعلقة بالأمور الحسبية ـ كل ذلك أجازوه للفقيه من باب الولاية لا من باب القدر المتيقن الذي راج أخيراً في بعض الأوساط.
2ـ الدروس، ص165، كتاب الحسبة.
3ـ قال المفيد: "فأما إقامة الحدود فهي إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى وهم أئمة الهدى من آل محمد (ص) أو من نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان ـ إلى أن قال ـ وللفقهاء من شيعة آل محمد (ص) أن يجمعوا بإخوانهم في الصلوات الخمس وصلوات الأعياد والاستسقاء والخسوف والكسوف إذا تمكنوا من ذلك وأمنوا فيه من معرّة أهل الفساد، ولهم أن يقضوا بينهم بالحق ويصلحوا بين المختلفين في الدعاوى عند عدم البيّنة، ويفعلوا جميعاً ما جعل إلى القضاة في الإسلام؛ لأن الأئمة (ع) قد فوّضوا إليهم ذلك عند تمكنهم منه، بما ثبت عنهم فيه من الأخبار وصح به النقل عند أهل المعرفة من الآثار". المقنعة، كتاب الأمر بالمعروف، ص129.
وقال الشيخ: "فأما الحدود، فليس يجوز لأحد إقامتها إلا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى أو من نصبه الإمام لإقامته ـ إلى أن قال ـ وأما الحكم بين الناس والقضاء بين المختلفين، فلا يجوز أيضاً إلا لمن أذن له سلطان الحق في ذلك، وقد فوّضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم في حال لا يتمكّنون فيه من تولّيه بأنفسهم ـ إلى قوله ـ ويجوز للفقهاء من أهل الحق أن يجمعوا بالناس الصلوات ...الخ". النهاية، طبعة بيروت، ص300 و302.
4ـ هي رواية حفص بن غياث الآتية.
5ـ مسالك الإفهام، كتاب الأمر بالمعروف.
6ـ الوسائل، ج18، ص338، باب 28 من مقدمات الحدود، حديث 1.
7ـ التذكرة، ج1، ص459.
8ـ الجواهر، ج21، ص394.
9ـ الجوامع الفقهية، ص583ـ584.
10ـ السرائر، ص161.
11ـ الجواهر، ج21، ص394.
12ـ الجوامع الفقهية، ص661.
13ـ جواهر الكلام، ج21، ص394ـ397.
14ـ المصدر نفسه، ص397.
15ـ حضرت دروسه ذات التحقيقات الموسّعة في جامع الأنصاري بالنجف الأشرف مدة عكوفه في تلك الديار المقدسة بجوار مولانا أمير المؤمنين (ع). وقد سجل طرفاً من أبحاثه القيّمة بيمناه الكريمة ضمن مسائل البيع، ج2، ص459 فما بعد.
16ـ منية الطالب، ج1، ص325ـ327.
17ـ التنقيح، الاجتهاد والتقليد، ص424.

السابق || التالي 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية