المقصد الأول: في إثبات الولاية العامة للفقيه الجامع للشرائط [الفصل الثاني]
الفصل الثاني
في طرق الاستدلال لإثبات ولاية الفقيه
الطرق المعروفة لإثبات هذه المسألة الأصولية ـ لأنها امتداد لمسألة الخلافة الكبرى
بعد رسول الله (ص) ـ أربعة:
1ـ الإجماع من فقهائنا المحققين القدامى والمتأخرين، حسبما عرفت آراءهم بالإجماع
والاتفاق في الفصل الأول.
2ـ الدليل العقلاني وهو المعبر عنه أخيراً بالأخذ بالقدر المتيقن.
3ـ عموم الكتاب، فيما يرتبط بمسألة "أولي الأمر" على الإطلاق.
4ـ النصوص الواردة بشأن ولاية الفقيه إن عامة أو خاصة.
هذا.. وأما النافي لولاية الفقيه فإنه لا يملك مستنداً لاختيار طريق الإنكار، سوى
مناقشات فنية أوردها على أدلة المثبتين، إما تضعيفاً لسند، أو تشكيكاً في دلالة،
معتمداً على أصالة العدم، حيث الأصل الأوّلي هو عدم ولاية أحد على أحد وعدم وجوب
إطاعة أحد لأحد، إلاّ ما ثبت بدليل.
ونحن نذكر مناقشاته تباعاً عندما نستعرض أدلة المثبتين إن شاء الله:
1ـ الطريق الأول: أجمع فقهاؤنا على ثبوت ولاية الفقيه في جميع ما يرتبط بشؤون
الأمة، السياسية والإدارية، وفق ما كان للإمام المعصوم(ع).
وقد سبقت عبارة صاحب الجواهر "هذا حكم أساطين المذهب"، وقال قبل ذلك: "بل هو
المشهور، بل لم أجد فيه خلافاً، إلاّ ما يحكى عن ظاهر ابن زهرة وابن إدريس ولم
نتحققه". وقد أشبعنا الكلام في ذلك في الفصل الأول، فلا نعيد(1).
2ـ الطريق الثاني: الأخذ بالقدر المتيقن:
وهو استدلال عقلاني تستنتجه مقدمات ضرورية معلومة من حال الشرع، ومعروفة عن مقام
حكمته. وهو يقوم على مقدمات:
الأولى: الإسلام دين جامع وكافل لإسعاد الإنسان في كافة شؤون حياته الإدارية
والاجتماعية والسياسية "ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنة"(2).
وفي خطبته (ص): "ما من شيء يقرّبكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلاّ وقد أمرتكم
به"(3). والأسانيد صحيحة(4).
الثانية: الإسلام دين الخلود والشمول، دين يبقى خالداً مع الأبدية ويشمل جميع
الأزمان والأعصار "حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه إلى يوم القيمة". والأدلة
على خاتمية دين الإسلام هي الكافلة لإثبات هذا المدّعى.
الثالثة: الإسلام نظام ذو مسؤولية قائمة في كل زمان، قال الإمام الصادق (ع) "ما
زالت الأرض إلاّ ولله فيها الحجة؛ يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله".
وقال: "إن الله لا يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل". وقال:
"إن الأرض لا تخلو إلاّ وفيها أمام، كيما إن زاد المؤمنون شيئاً ردّهم وإن نقصوا
شيئاً أتمّه لهم". وقال: "إن الله أجلّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل"(5).
وبعد.. فإذا كان الإسلام دين الشمول والخلود إلى نهاية العالم، وذا نظام جامع
مسؤول، فهل من المعقول أن يترك مسؤوليته سدىً في فترة غير قصيرة المدى، وبلا تعيين
من يقوم بالمسؤولية الكبرى التي تستدعيها عظمة هذا الدين وسعته وشموله وخلوده
وأبديته؟!.
ومن ثم فإن دليلنا على إثبات ولاية الفقيه في عصر الغيبة، هو دليلنا على مسألة
الإمامة(6) والخلافة الكبرى بعد رسول الله (ص).
قال سيدنا الأستاذ الإمام الخميني (دام ظله): "لا يعقل ترك ذلك من الحكيم الصانع،
فما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر (عجّل الله
فرجه) ولا سيما مع طول الأمد"(7).
إذن فتعيين المسؤولية أمر لابدّ منه من الحكيم الصانع، فهل هي للمؤمنين كافة؟ الأمر
الذي يستدعي الفوضى، أم لخصوص عدولهم مطلقاً حتى مع فقد العلم والكفاءة؟ الأمر الذي
يستبعده العقل. فلابدّ أنه "للعارف بأحكام الإسلام الورع الكفؤ" وهو المصطلح عنه
بالفقيه العادل الكفوء.
ونوقش هذا الاستدلال بوجود احتمال رابع، وهو أن تكون المسؤولية على عاتق الأكثرية
مع اشتراط إشراف الفقيه على تصرفاتهم، لضمان انسجامها مع الشريعة الإسلامية، أو
تكون الولاية بيد الخبراء الاختصاصيين في مجالات السياسة وإدارة المجتمع، على أن
يراجعوا الفقهاء، بقدر ما يتصل بالفقه الإسلامي، وهو أمر غير الولاية العامة
للفقيه(8).
لكن المناقشة غير واردة، إذ ذهب عن المناقش أن القول بولاية الفقيه لا يعني
الاستغناء عن الفئتين الأخريين: الأكثرية، ليكونوا عماده في الحكم عند المشورة،
والخبراء، ليكونوا سنده في تمشية الأمور.
ولعل المناقش حسب من ولاية الفقيه تصديه شخصاً لجميع شؤون الأمة جزئيها وكلّيّها،
إداريها وسياسيها، اجتماعيها واقتصاديها، ليكون الفقيه هو الحاكم وهو القاضي وهو
المحتسب وهو المباشر لكافة شؤون الدولة، الأمر الذي لم يفعله رسول الله (ص) مباشرة،
بل كان يستعين بذوي البصائر في إدارة البلاد وتنظيم شؤون العباد. ومن ثم كان (ص)
مأموراً بمشاورة ذوي الرأي والبصيرة في الأمور {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل
على الله}(9).
نعم يكون العزم والتصميم النهائي والأخذ بزمام جلّ الأمر، والتصدي لرأس الحكم، من
وظيفة ولي المسلمين، حيث بيده الحزم والجزم في الأمور، متوكلاً عليه تعالى، لا على
غيره من المخلوقين إطلاقاً.
وسنبحث ـ في فصل قادم ـ عن ضرورة الأخذ بالمشاورة و متابعة رأي الأكثرية في إدارة
شؤون الدولة وسياسة البلاد، فيأتي دور ذوي الاختصاص للاستناد إليهم لا التفويض
إليهم كما زعموه.
وعليه فاحتمال استقلال أحد الفريقين المذكورين ـ في المناقشة ـ بالحكم، إبعاد
للإسلام عن مجال الحكم. وقيد النظارة كلام ظاهري أو سفسطة في الجدل، لا يلتزم به
الحكام إذا انفصلوا عن زعماء الدين. ولنا التجربة عبر عشرات القرون، تأسست خلالها
حكومات على أسس إسلامية عريقة، لكنها سرعان ما تقوّضت دعائهما وتبدّلت إلى أحكام
طواغيت استبدّوا بالأمر وأخذوا بالقرع على رؤوس المسلمين، بتلك الأيدي التي تقوّمت
الحكومة بجهودها في سبيل إقامتها! ولله عاقبة الأمور.
على أن مسألة النظارة إن كانت مع قيد المسؤولية، فهي الولاية بعينها، وإن كانت بلا
تحمل مسؤولية، فلا موقع لها ولا أثر يذكر.
3ـ الطريق الثالث: عموم القرآن الكريم:
قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن
تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير
و أحسن تأويلاً * ألم ترَ إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من
قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمِروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن
يضلهم ضلالاً بعيداً * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت
المنافقين يصدّون عنك صدوداً}(10).
في هذه الآية الكريمة دستور بليغ بإطاعة الله وإطاعة الرسول وإطاعة أولي الأمر، وإن
الله والرسول وأولي الأمر هم وحدهم مراجع الأمة في جميع الشؤون الإدارية والسياسية
التي هي لإحلال النظام محل الفوضى والاختلاف، كما قال في آية أخرى:
{وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر
منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلاّ
قليلاً}(11).
إذن، فهل هذا الدستور خاص بعهد الحضور، وأن الأمة مرخصة في الرجوع إلى الطواغيت
والدخول في ولايتهم الظالمة، عند فقد الولي؟! لاشك أن ذاك دستور لا يقبل تخصيصاً
بعهد دون عهد أو بفترة دون أخرى، بعد أن كان معللاً بأن هناك ولايتين: ولاية الله،
وولاية الشيطان؛ وليس يرخص مؤمن أن يدع ولاية الله البيضاء ويرضخ تحت ولاية الطاغوت
الظلماء {الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم
الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}(12).
فهناك جبهتان متقابلتان: جبهة الحق، وجبهة الضلال؛ وليس من شأن المؤمن العارف بالله
أن يترك النور إلى الظلمات، الأمر الذي يحتم من استمرار الحكم بالرجوع إلى ولاة
الأمر الشرعيين في جميع الشؤون التي ينبغي فيها الرجوع إلى ولاة الأمر، ولا يجوز
لمسلم مهما تغير الزمان واختلفت الأحوال أن يرجع إلى طاغوت أو يتخذه وليّاً. كيف
وقد أمروا أن يكفروا به؟!
وعليه، فمن هم الولاة الشرعيون الذين يجب الرجوع إليهم والدخول في ولايتهم؟
والخلاصة: المعلوم من نصوص الكتاب العزيز، أن من وظيفة المؤمن الالتزام بولاية الله
وأن لا يرضخ لطاغوت أبداً. وهذا حكم عام يشمل كل الأدوار والأوضاع ولا يختص بدور أو
بوضع محدود.
وعليه فلنتساءل: إذا كان الواجب هو الاستسلام لولاة الأمر، فهل المقصود مطلق الولاة
حتى ولو كانوا من الطواغيت الذين أُمرنا أن نكفر بهم ولا نستسلم لولايتهم إطلاقاً،
أم هم الولاة العدل الشرعيون؟
وإذا كان الثاني هو الصحيح، فمن هم الولاة الشرعيون؟
أفهل يمكن العثور عليهم في غير صنف الفقهاء الأكفاء العدول؟ لأنهم هم مثل الأنبياء
وورثة المعصومين وأعلم الناس بمواقفهم في تسيير الأمة وتوجيهها إلى جادة الصواب
وساحل النجاة.
قال تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحقّ أن يتّبع أمن لا يُهدّي إلاّ أن يهدى فمالكم
كيف تحكمون}(13).
قال أمير المؤمنين (ع) "أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه".
وقال: "ولا يحمل هذا العلم إلاّ أهل البصر والصبر والعلم بمواضع الحق"(14).
وقال: "إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به"، ثم تلا {إن أولى الناس
بإبراهيم لَلذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله وليّ المؤمنين}(15).
4ـ الطريق الرابع: الاستدلال بالنصوص:
النصوص الواردة بشأن "ولاية الفقيه" كثيرة، منها عامة يستنبط منها ولايته في عصر
الغيبة، ومنها خاصة ناصّة على خصوص ولايته في الغيبة الكبرى. ونحن نذكر منها الأعلى
سنداً والأظهر دلالة:
الحديث الأول:
روى الصدوق (رحمه الله) في العيون بأسانيد ثلاثة، وفي معاني الأخبار بسند رابع، وفي
المجالس بسند خامس، و اعتمد عليها، فأرسلها في الفقيه إرسال المسلمات، قال: وقال
أمير المؤمنين (عليه السلام): قال رسول الله(ص) "اللهم ارحم خلفائي. قيل: يا رسول
الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي"(16).
يبدو من هذا الكلام الذهبي أنه (ص) كان بصدد التعريف بمن يخلفه في الأمر من بعده
على الإطلاق، تعريفاً عاماً صالحاً للاستناد إليه في جميع العصور. ومن ثم كرّر
قوله: "اللهم ارحم خلفائي" ثلاثاً استلفاتاً لتنبه أصحابه واهتماماً بالأمر، فعادوا
يسألونه: ومن خلفاك؟ الأمر الذي كان (ص) قد أراده من البدء، فأدلى ببيانه الشافي
المحدد لجوانب هذه الخلافة والسمات التي يعتبر وجودها في شخص الخليفة، فقال (ص):
"يأتون من بعدى يروون حديثي وسنتي".
رواية الحديث والسنة هي بمعنى القدرة على نشر سنته وسيرته (ص) بين الأمة نشراً
يتجلى فيه مثاله الكامل من أقواله وأفعاله أجمع، أي تتجلى في شخصية القائم بالدعوة
شخصية الرسول الأعظم (ص) في جميع أبعادها قولاً وعملاً، فيكون مثاله المتجسد في
توجيه الأمة إلى ساحل النجاة؛ إذ ليس المقصود من السنة (في لفظ الحديث الشريف) هي
السنة المصطلحة الشاملة لأقواله (ص) أيضاً، بلا حاجة إلى ذكر "حديثي" منضمّاً إلى
"سنّتي".
ومن ثم ليس المقصود من "الرواية" في قوله "يروون" هي الرواية المصطلحة، إنما
المقصود من "السنة" هي سيرته الكريمة في قيادته الحكيمة لهذه الأمة الكبيرة.
فالمقصود من رواية حديثه وسنته، هي كون شخصية الخليفة مرآة منعكساً فيها شخصية
الرسول الأعظم، في جميع أبعاد حياته القيادية الكبرى، التي تتمثل في أقواله
وأعماله، التي قام بها في توجيه الأمة نحو سعادة الحياة.
وعليه فكل من صلح للقيام بهذه المهمة الكبرى وتمثلت في شخصيته شخصية الرسول الأكرم،
فكان مثاله الكامل في بيان أقواله والقيام بأعماله القيادية، أي مرآة صافية ينعكس
منها مثال نبي الله العظيم سيرة وسنة، كان ذلك خليفته في إدارة شؤون هذه الأمة
وتسيير أمورهم.
وقرينة أخرى في الكلام: إضافة "سنتي" بما يفيد الشمول والعموم، أي من يكون مرجعاً
للناس في معرفة طريقتي والاطلاع على أقوالي أجمعها، إذ ليس رواة الحديث مراجع الأمة
في معرفة مطلق شؤونه (ص)، إنما المرجع في معرفة شؤونه (ص) وأنحاء سنته وأقواله في
شتى شؤون الدين وإدارة أمور المسلمين هم الفقهاء العارفون بحقائق الإسلام، أصوله
وفروعه، الصالحون لبيان حقيقة ما عمل به النبي وتحدث به، فيما يمس الشريعة المقدسة،
بياناً عملياً متجلية فيه سيرة النبي وكلامه المستند إلى الوحي.
إنما هذا شأن الفقهاء وليس من شأن رواة الحديث، الذين لا يهمّهم سوى مجرد الرواية
في بعض ما سمعوه من أقواله أو وعوه من أعماله، لا في كلها جميعاً على نحو
الاستيعاب، الذي هو شأن الفقيه الجامع الكفي.
هذا.. وقد كان الأئمة المعصومون (عليهم السلام) في عصر الحضور هم المثل الأعلى
لشخصية الرسول العظيمة، وكانوا هم مراجع الأمة في معرفة شؤون النبوة والولاية
لتوجيه الأمة نحو الخير والصلاح.
وأما بعد وقوع الغيبة الكبرى، فالفقهاء الأمناء على الحلال والحرام الأكفاء، هم
الذين يمثلون شخصية النبي الكبرى في جميع أبعادها، سنةً وسيرةً، قولاً وعملاً، فهم
ولاة الأمر بعد الأئمة المعصومين وهم خلفاؤه المفوض إليهم إدارة شؤون الأمة وولاية
أمورهم، بعموم هذا النص الضافي.
وهنا ـ أيضاً ـ نكتة دقيقة يجب التنبّه لها، وهي تمس جانب نطاق ولاية الفقيه سعة
وشمولاً، يعرف ذلك من لحن الحديث الشريف(17).
ذلك أن حدود "ولاية الفقيه" إنما تدور مدار نطاق مرجعيته للأمة وعلى أساس ما تمكن
من دعم قواعد الإسلام وتحكيم سيادة الشريعة بين الأنام، فبقدر ما توسعت سيطرته
الفكرية على الأمة الإسلامية، بذلك المقدار شملت حكومته الشرعية وتوسعت ولايته على
الناس. إن فقيهاً استطاع السيطرة التوجيهية على أمة بكاملها فهو وليّهم الشرعي
والحاكم عليهم والمتصرف في شؤونهم، لا يزاحمه غيره ممن لم تكن له يد في توجيه الأمة
على الإطلاق. وإذا كانت سيطرته أوسع شمولاً أو أضيق دائرة، فإن ولايته الشرعية
تتقدر بقدرها سعة وضيقاً لا محالة.
الأمر الذي يستفاد من لحن كلامه(ص) "يروون حديثي وسنتي"، فبقدر ما يروون، أي يروون
وجه الإسلام للأمة، يكونون خلفاء الرسول، كما قال الصادق (ع) "اعرفوا منازل الرجال
منّا على قدر رواياتهم عنّا"(18).
واعترض على التمسك بالحديث بأن خير ما يمكن أن يقال في تقريب دلالته هو التمسك
بإطلاق "الخلافة" لإثباتها في كل ما يحتمل خلافتهم عنه (ص). إلاّ أن الإطلاق الموجب
للسريان والشمول لا يجرى في المحمول، فمثلاً لو قيل: زيد عالم، لم يدل ذلك بالإطلاق
على كونه عالماً بكل شيء، بل مهمل من هذه الجهة، وإنما الثابت هو علمه في الجملة.
وهكذا الثابت بهذا الحديث هي الخلافة في التعليم والإرشاد، فيكون الحديث بصدد بيان
عظمة الرواة والرواية والإرشاد(19).
لكن لا أساس لهذا الاعتراض، نظراً لعدم فرق بين الإطلاق في الموضوع أم في المحمول
إذا توفرت شرائطه (مقدمات الحكمة)؛ فقولنا: أكرم العالم، كما يكون للعالم إطلاق ـ
وهو موضوع ـ كذلك يكون للإكرام إطلاق ـ وهو محمول ـ فيشمل وجوب إكرامه بجميع أنحاء
الإكرام، تمسكاً بالإطلاق.
وأما التمثل بقوله "زيد عالم" فلا يصلح شاهداً لمدّعاه، حيث الإهمال في جانب
المحمول في هذا المثال، لأن المتكلم بمثل هذا الكلام إنما يكون بصدد إبداء كون زيد
عالماً وليس بجاهل، ليرفع به عن مقام الجهال إلى مجال العلماء، وليس بصدد بيان
أنحاء معارفه، ليكون حذف المتعلق دليلاً على إرادة العموم. وهذه قاعدة بيانية يقتصر
المتكلم على بيان مقصوده بمقدار فلا يزيد شيئاً؛ فلو كان بصدد كون زيد معطياً، يجب
أن لا يذكر المعطي ولا المعطى له ولا يؤخذ بإطلاق كلامه حينذاك، أما إذا كان بصدد
بيان المعطي أو المعطى له، وجب ذكره فقط دون الآخر، إلاّ إذا كان غرضه بيان الجميع
فيذكر الجميع.
وعلى أية حال، فإن الدلالة التصديقية للكلام (التي هي مناط الأخذ بالإطلاق) تابعة
للإرادة الجدية من الكلام. وللكشف عن هذه الإرادة وسائل وأدوات معروفة.
ثم إن قرائن الأحوال والأوضاع المكتنفة بالكلام وكذلك حال المخاطبين، هي من خير
الأدلة على تعيين مراد المتكلم.
والمتكلم ـ هنا ـ وهو النبي الكريم، إنما تكلم بهذا الكلام عن مقام نبوته ورئاسته
وقيادته. والمخاطبون هم أصحابه وأمته ومتابعوه، فهكذا متكلم إذا خاطب هكذا مخاطبين
بمثل هكذا كلام، أفلا يفهم منه إرادة الخلافة في جميع شؤونه المرتبطة بمقام إمامته
على الأمة؟ فأين الإهمال؟ واين مجال الأخذ بالقدر المتيقن؟
وقد ناقشت المعترض ـ شفاهاً ـ بمثل ما ذكرته هنا، وقلت له أفلسنا نأخذ بإطلاق
الخلافة في قوله (ص): "هذا علي خليفتي" ونعتبره نصاً على مقام خلافته بعد رسول الله
في جميع شؤون الإمامة؟ فلم يحر جواباً وأحال إلى مجال آخر.
واعتراض آخر ذكره البعض، قالوا بالفرق بين قوله: "هذا خليفتي" وقوله: "اللهم ارحم
خلفائي"، إذ لم يكن الثاني بصدد تعيين الخليفة لأنه في مقام الدعاء لا الإخبار. نعم
يظهر منه كونهم خلفاءه في الجملة.
مضافاً إلى أن عنوان الخليفة من مقولة التشكيك، فكما يشمل اللفظ خلفاءه من جميع
الجهات كالأئمة (ع) كذلك يشمل خلفاءه في بعض الجهات، لا سيما وقوله "يروون حديثي
وسنتي" قرينة على إرادة خلافته من هذه الجهة فقط.
قالوا: ولو شمل مطلق الراوي للحديث والسنة ليكون الجميع خلفاءه بقول مطلق وفي جميع
الجهات، لكان منافياً لما دلّ على حصر خلفاءه(ص) في اثني عشر. وعليه فالرواية مجملة
لا تصلح للاستدلال بها(20).
وهذه المناقشة كسابقتها موهونة، إذ لا فرق بين بيان الحكم صريحاً أو بالكناية
والتعريض، إذا كان مفهوماً كالصريح، وهذه من عادة أمراء الكلام حيث يؤدون مقاصدهم
في لحن القول أكثر مما يؤدونها في صريح الكلام. ومن ثم رغبوا أهل النباهة من
أصحابهم ليعرفوا معاريض الكلام ويدققوا في نكاتها. هذا ولا سيما التكرار في الدعاء
المزبور، خير شاهد على إرادة هذه التنبيه البليغ.
وأما كون عنوان "الخليفة" من مقولة التشكيك، فإن مقام التكلم وشخصية المتكلم وسمته
الاجتماعية هي التي تعين المرتبة المقصودة، وكذلك جماعة المخاطبين بذلك الكلام، فإن
نوعيتهم غالباً تعين المراد من اللفظ.
مثلاً إذا كان صاحب البيت يريد السفر وقال لأهله: فلان خليفتي عليكم، يعلم إرادة من
ينوب عنه في إدارة البيت. وهكذا إذا قال رئيس شركة أو مصنع كل بحسب ما يقوم به من
وظيفة خاصة وفي محيطه الخاص.
وعليه فإذا كان المتكلم بهذا الكلام رئيس دولة، وكان المخاطبون هم الرعايا، فإن
مقتضى ظاهر هذا الكلام هو إرادة الخلافة في جميع ما يكون مرتبطاً بشؤون ولايته
وزعامته عليهم.
وأما مسألة حصر خلفاءه (ص) في اثني عشر، فهو من باب التنصيص الخاص على الأولى
والأحق بهذا المقام، الأمر الذي لا يتنافى مع عموم استحقاق الخلافة لمن استجمع
الشرائط وصدق عليه العنوان المذكور في ظرف فقد المنصوص عليه بالمخصوص.
وهذا نظير ما ورد "يصلي على الميّت أولاهم بميراثه" مع قولهم يصلي عليه ولده
الأكبر، إذ لا تنافي بين الكلامين، نظراً لأن العرف يفهم أولوية الولد الأكبر مع
وجوده، أما مع فقده فسائر الورثة ممن كان أقرب إلى الميت أولى من غيرهم بالصلاة
عليه.
والخلاصة: أن بيان حكم عام ثم ورود نص خاص، إنما يعنى الأهمية والأولوية، مما لا
يتنافى وثبوت الحكم العام.
الحديث الثاني:
روى ثقة الإسلام الكليني بإسناد صحيح عن علي بن أبي حمزة البطائني ـ وهو ثقة عندنا
لرواية الإجلاء وأصحاب الإجماع عنه، ولا سيما مثل صفوان وابن أبي عمير، فقد أكثر
الأخير الرواية عنه. وقال الشيخ في العدة: عملت الطائفة بأخباره. وفي ذلك كفاية ـ
قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (ع) يقول: "إذا مات المؤمن بكت عليه ملائكة
السماء ـ إلى أن قال ـ لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها".
وفي رواية أخرى: "إذا مات المؤمن الفقيه..."(21).
فقد شبّه (ع) مقام الفقهاء في الإسلام بالحصون الحصينة الصامدة في وجه هجمات
الأعداء، فهم دعاة الدين وحفظته والمدافعون عنه فإذا كنا نعرف من الدين سيطرة
سياسية وإدارية واجتماعية تشريعاً وتنفيذاً، فالمدافع عنه، هو المسؤول الأول لبسط
الدين وتحكيم قواعده، ومن ثم تشمل سيادته كافة أبعاد حياة المسلمين. وهل هذا إلاّ
معنى "الولاية العامة" الثابتة للفقهاء الأكفاء؟!
وهذا هو معنى ما ورد: "مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على
حلاله وحرامه"(22).
وروى الآمدي في الغرر عن أمير المؤمنين (ع) قال: "العلماء حكام على الناس"(23).
والروايات يعضد بعضها بعضاً، ومن ثم كان الاطمئنان بالصدور إجمالياً قطعياً.
ولعل معترضاً يقول: هب أن الفقهاء مسؤولون عن الدين، ولكن هذا لا يعني مسؤوليتهم عن
المؤمنين؛ فالمسؤولية عن الإسلام شيء، والمسؤولية عن المسلمين شيء آخر!
لكن لا موضع لهذا الاعتراض بعد كون المقصود من حراسة الإسلام هي حراسة كيانه في
وجود المسلمين، لا حراسة ثبته طيّ الكتب والسطور وفي مخازن المكتبات، إذ الإسلام
يزول بزواله عن النفوس المؤمنة إذا سيطر عليهم العدو ـ لا سمح الله ـ ولم يكن من
يقوم بشؤونهم ويدافع عن كيانهم ويقف سداً منيعاً في وجه العدو الغادر الذي يريد
استعمار المسلمين فكرياً ثم سياسياً وعسكرياً في نهاية الأمر.
وهذا بعينه نظير قولنا: الأئمة (ع) بعد النبي (ص) حفظة الدين ودعاة الإسلام، الأمر
الذي لا يعني سوى المسؤولية الكبرى والولاية العامة، كما كانت للرسول الأعظم (ص).
الحديث الثالث:
قال الإمام أمير المؤمنين (ع) في خطبة يصف فيها موقفه من الخلافة: "أيها الناس، إن
أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه"(24).
ومقصوده (ع) من "هذا الأمر" هي مسؤولية الأمة، فهي حق لأقوى الناس بالقيام به و
الأعلم بحكم الله في تحمل هذه المسؤولية. وهذا هو المعنى بقولنا: الفقهاء الأكفاء.
وهكذا جاء في كلامه الآخر(ع): "إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به"(25).
يعنى أحقهم بميراث الأنبياء؛ وليس ميراثهم سوى مسؤوليتهم في التشريع والتنفيذ لحكم
الله على الخلائق، وهي معنى الولاية المطلقة لا شيء سواها؛ فالعلماء هم ورثة
الأنبياء (كما في الحديث)(26) في أظهر شؤونهم الرسالية.
وقد عبّر الإمام أمير المؤمنين(ع) عن زعامة المسلمين التي هي حقه الشرعي بعد رسول
الله (ص) بالتراث، قال: "فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهباً"(27).
وقال في خطبة أخرى: "ولا يقاس بآل محمد (ص) من هذه الأمة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت
نعمتهم عليه أبداً؛ هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق
التالي، ولهم خصائص حق الولاية، وفيهم الوصية والوراثة؛ الآن إذ رجع الحق إلى أهله
ونقل إلى منتقلة"(28).
الحديث الرابع:
قول أمير المؤمنين (ع) أيضاً في خطبته المعروفة بالشقشقية: "أما والذي فلق الحبة
وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء
أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها..."(29).
الكظة: التخمة تعرض البطن على اثر الأكل على الشبع.
والسغب: شدة الجوع.
والمقصود استئثار الظالم بحق المظلوم، أي أخذ الله ميثاق العلماء أن لا يصبروا على
استئثار الأقوياء بحقوق الضعفاء، بل يقوموا في وجههم ويأخذوا حق المظلوم من الظالم.
فعلى العلماء مسؤولية بسط العدل في جامعة المسلمين والأخذ بأعباء الأمر بكاهل الجد،
مهما مكنتهم القدرة على ذلك. وما هي إلاّ إمامة المسلمين والولاية على شؤونهم
الإدارية والسياسية والعسكرية، ومن ثم طبقها (ع) على الخلافة وزعامة الأمة، عند
توفر شروطها المادية والمعنوية.
الحديث الخامس:
روى ثقة الإسلام الكليني بإسناد موثق عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: قال رسول
الله (ص): "الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا...."(30).
هذا الحديث رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسين بن يزيد النوفلي عن
إسماعيل بن أبي زياد السكوني عن أبي عبد الله (ع).
والنوفلي كان من أعلام الشيعة، كوفي سكن الريّ ومات بها، وكان من شدة ولائه لآل
البيت أن رماه القمّيون بالغلو، لكن لم يؤثر منه ما يدل على ذلك، الأمر الذي يكشف
عن مبلغ استسلامه لأهل بيت العصمة وعدم محاباته في إظهار الولاء في مديح شعره وقريض
أدبه.
وله في الفقه وغيره روايات كثيرة عمل بها الأصحاب، كما قد وقع في إسناد كامل
الزيارات الذي ضمن مؤلفه ابن قولويه وثاقة الرواة الذين يشكلون سلسلة أسانيد هذا
الكتاب. وقد اعتمده سيدنا الأستاذ الخوئي (دام ظله).
وأما إسماعيل بن مسلم (ابن أبي زياد السكوني) فهو عامي ثقة اعتمده الأصحاب، وكان من
أصحاب الصادق (ع) وروى عنه روايات كثيرة معمول بها في الفقه. وقد روى عنه أصحاب
الإجماع مثل عبد الله بن المغيرة وفضالة بن أيوب، كما قد وقع في إسناد كامل
الزيارات أيضاً. قال الشيخ في العدة: "عملت الأصحاب برواياته" دليلاً على الثقة
بالرجل. قال سيدنا الأستاذ الخوئي (دام ظله) في معجم رجال الحديث: السكوني ثقة وكذا
النوفلي الراوي عنه أيضاً ثقة على الأظهر(31).
فالحديث من حيث الإسناد معتبر بلاشك.
أما فقه الحديث، فالمعني بالأمناء هم المستودعون لأداء رسالة الله في الأرض، بنفس
المعنى الذي أطلق على الأنبياء أيضاً.
قال علي (ع) في وصف الأنبياء:
"فاستودعهم في أفضل مستودع ـ إلى أن قال ـ وانتخب منها أمناءه"(32).
وقال في أولى خطبة من نهج البلاغة:
"واصطفى سبحانه من ولده (آدم) أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة
أمانتهم"(33).
فكما أن الأنبياء هم مستودع أمانة الله في الأرض، كذلك العلماء، قد حملوا أمانته
تعالى التي هي خلافة الله في الأرض.
وفي حديث الأمام الرضا (ع)، رواه الصدوق بإسناد معتبر قال: "إن الخلق لما وقفوا على
حد محدود وأمروا أن لا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا
يقوم إلاّ بأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم ـ
إلى أن قال ـ فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد"(34).
فقد عبّر (ع) عن مقام النبوة بمستودع أمانة الله والقوامة الشرعية على الخلق؛
فالنبي أمين الأمة والقيّم لهم في تسيير حياتهم نحو السعادة، فإذا كان الفقيه أيضاً
أميناً بهذا المعنى فهو وليّ المسلمين والمسؤول عن إدارة شؤونهم وفق منهج الشريعة.
وفي حديث أمير المؤمنين (ع) مع شريح: "إن إمام المسلمين يؤتمن من أمورهم على ما هو
أعظم"(35).
هذا.. وقد كرر لفظ أمين في القرآن تعبيراً عن مقام النبوة والأمانة في أداء رسالة
الله في الأرض:
{إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين}(36).
{إذ قال لهم أخوهم هود إلا تتقون * إني لكم رسول أمين}(37).
{إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين}(38).
{إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون * إني لكم رسول أمين}(39).
{إذ قال لهم أخوهم شعيب ألا تتقون * إني لكم رسول أمين}(40).
{...وجاءهم رسول كريم * أن أدّوا إلىّ عباد الله إني لكم رسول أمين}(41).
{أبلّغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين}(42).
وعليه فمسألة الأمانة هي من خصائص النبوات؛ فإذا كان الأنبياء أمناء الله في أداء
رسالته، كان الفقهاء أمناء الرسل في تبليغ رسالتهم إلى الناس، فقد تحملوا من
الوظائف ما تحمله الأنبياء من غير فرق، حسبما تؤديه هذا النصوص، وهذا هو تحقيق
مفهوم "الولاية" الثابتة للأنبياء أصالة، ثم للفقهاء الأكفاء امتداداً وتبعاً.
الحديث السادس:
مقبولة عمر بن حنظلة ـ على حد تعبير الأصحاب ـ قال: "سألت أبا عبد الله (ع) عن
رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة،
أيحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل، فإنما تحاكم إلى الطاغوت ـ إلى أن
قال ـ قلت: فكيف يصنعان: قال (ع): ينظران من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا
وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته عليكم حاكماً؛ فإذا حكم
بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على
الله، وهو على حد الشرك بالله"(43).
وإنما عبّروا عنها بالمقبولة لتلقي الأصحاب لها بالقبول وعملوا عليها واستندوا
إليها في مسألة القضاء والإفتاء، حتى إن الشهيد الثاني في كتاب الأمر بالمعروف من
المسالك ذكر استناد الأصحاب في مسألة جواز إجراء الحدود للفقيه إلى رواية حفص
وضعفها، ثم أيّدها برواية عمر بن حنظلة، وأخيراً قوّاها؛ الأمر الذي يدل على مبلغ
الثقة بهذه الرواية بحيث تصلح لوحدها سنداً لفتوى المشهور.
نعم غمز سيّدنا الأستاذ الخوئي في "عمر" نظراً لعدم توثيقه في كتب التراجم بالخصوص،
لكن مجرد ذلك لا يصلح دليلاً لإسقاط الإسناد، على أن عمل الأصحاب برواياته
واعتناؤهم به، وكذا رواية أصحاب الإجماع الإجلاء عنه مثل زرارة وهو من الستة
الأوائل، وعبد الله بن بكير وهو من الستة الأواسط، وصفوان بن يحيى وهو من الستة
الأواخر، و علي بن رئاب وهو الثقة الجليل من علية علماء الشيعة، ومنصور بن حازم وهو
العين الصدوق من أجلة أصحابنا وفقهائهم، وأبو أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز الثقة
الكبير المنزلة، وعلي بن الحكم الثقة الجليل القدر، وهشام بن سالم الثقة الثقة...
كل ذلك لدليل واضح على مكانة الرجل ووثاقته واعتماد الأصحاب عليه قديماً وحديثاً،
حتى إن الشهيد الثاني وثقه صريحاً كما في جامع الرواة. ومع ذلك فلا موضع للغمز في
مثله إن لم يكن من الجفاء بشأن شخصية عالية من شخصيات أصحاب الأئمة (عليهم السلام).
وأما وجه الدلالة، فقد اعترف سيّدنا الأستاذ الخوئي (دام ظله) بتمامية دلالتها
لإثبات ولاية القضاء للفقيه العادل(44). نعم أنكر دلالتها لإثبات الولاية
العامة(45).
لكن دلالتها ـ كما فهمها الأصحاب جميعاً ـ واضحة، فإن قوله: "فإني قد جعلته عليكم
حاكماً" هو بمنزلة تعليل الحكم وبيان كبرى كلية مستند إليها في إجابة السائل، إذا
كان يكفي في الجواب إرجاع المتنازعين من الشيعة إلى فقهائهم. فذكر هذه الجملة زيادة
على المقدار الكافي للجواب، دليل على عناية المعصوم (ع) بالخصوص لجهة تعميم شأن
الفقهاء في المرجعية الكبرى للشيعة، بما يشمل مورد السؤال وغيره، كأنه (ع) يريد
إبداء أن مثل هذه المسائل تتبيّن طرق حلّها بحلّ كلّي أساسي، هو نصب القيّم والوليّ
للشيعة بشكل عام، وهم الفقهاء من الشيعة الأكفاء المنصوبون من قبل الأئمة المعصومين
(عليهم السلام)، مراجع وملاجئ، يتحملون مسؤولية الأمة على كافة أنحائها المحتاج
إليها.
ثم بيّن (ع) أن أحكامهم نافذة وإطاعتهم واجبة على نمط إطاعة الإمام المفترض الطاعة،
الأمر الذي يؤكد من تثبيت مقام ولايتهم و زعامتهم الكبرى على الأمة.
أما الخدشة في الدلالة المذكورة بإرادة القضاء من الحكومة لا مطلق الزعامة والحكومة
بين الأمة، أو كون الإطلاق مستفاداً من ناحية المحمول، أو اختصاص الرواية بقاضي
التحكيم(46)، كل ذلك لا موضع له أصلاً، إذ في تعبير الإمام (ع) بالحكم بدلاً من
القضاء، مع تصريح السائل بالأخير (القضاء)، دلالة واضحة على إرادة التعميم حسبما
بيّنا.
كما لا فرق في الإطلاق بين كونه في الموضوع أم في المحمول حسبما تقدم، وأما قاضي
التحكيم فلا أساس له على اختيارنا حسبما شرحناه في مسألة القضاء(47).
الحديث السابع:
روى الصدوق بإسناد صحيح عن أبي خديجة سالم بن مكرم عن الإمام الصادق (ع) قال:
"إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً
من قضائنا، فاجعلوه بينكم قاضياً، فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه"(48). وهكذا
رواه الكليني(49)، وفي نسخة صاحب الوسائل "يعلم شيئاً من قضايانا"(50).
وروى الشيخ أيضاً عن أبي خديجة، قال: "بعثني أبو عبد الله (ع) إلى أصحابنا، فقال:
قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى بينكم في شيء من الأخذ والعطاء أن
تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق؛ اجعلوا بينكم رجلاً ممن قد عرف حلالنا وحرامنا
فإني قد جعلته قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر"(51).
أما الدلالة فلأن المستفاد من الحديث إعطاء ولاية القضاء للفقيه من قبل المعصوم
(ع)؛ فللفقيه ولاية الحكم في كل ما ينبغي الرجوع فيه إلى ذوي الصلاح من مراجع الأمة
الصالحين، وكان الناس (المسلمون عامة) يراجعون فيها إلى ولاة الجور مطلقاً في كل
شأن من الشؤون؛ فإنه (ع) منع الشيعة منعاً باتاً من الرجوع إلى ولاة الجور إطلاقاً،
ثم جعل لهم مرجعاً صالحاً يرجعون إليه ويكفيهم مؤونة الرجوع إلى سائر الحكام
والسلاطين.
فالفقهاء العدول الأكفاء ـ وفق هذا النص ـ هم مراجع الأمة في جميع الشؤون التي كان
يرجع فيها إلى القضاة والحكام والولاة بصورة عامة.
وهذا معنى كفاية مؤونتهم بوجود الفقهاء، فلا حاجة إلى الرجوع إلى غيرهم إطلاقاً، إذ
لو كانوا مراجع في القضاء فقط، لكانت الحاجة إلى سائر الولاة باقية، مع تصريح النص
بكفايتهم عن الرجوع إلى السلاطين بالإضافة إلى الحكام والقضاة جميعاً.
ومن ثم، فالصحيحة صريحة في كون الفقهاء العدول مراجع الأمة في جميع الشؤون،
الإدارية والسياسية والاجتماعية بصورة عامة، ولا يجوز للأمة أن ترجع إلى غيرهم مع
وجودهم وإمكان تصرفهم، فلا يزال الفقهاء هم حجج الله على الخلق منذ وقوع الغيبة
الكبرى.
فالمستفاد من هذا الحديث الشريف أمور ثلاثة:
الأول: اعتبار الاجتهاد في مرجع الأمة (الفقيه الجامع للشرائط).
الثاني: ثبوت ولاية القضاء لهذا الفقيه باعتبار كونه منصباً.
الثالث: ثبوت الولاية العامة له باعتبار كونها خلفاً عن الإمامة.
أما الجهة الأولى: فلأن ظاهر قوله (ع) "يعلم شيئاً من قضائنا، أو قضايانا" هو العلم
الحاصل بالنظر والاجتهاد المعبّر عنه بالاستنباط. وهكذا قوله: "قد عرف حلالنا
وحرامنا"، أي معرفة حاصلة من استنباطه الخاص، بقدرته على رد الفروع إلى الأصول، كما
قال الصادق(ع): "إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تفرّعوا"(52). وقال
الرضا (ع): "علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع"(53). والأسانيد صحيحة.
والتنوين في "يعلم شيئاً" للتفخيم أي كمية معتنى بها، فهو دليل على الاجتهاد المطلق
ليؤهله للقيام بالقضاء بين الناس، وهكذا القيام بمرجعية الأمة لحل مشاكلهم على
الإطلاق، وذلك لأن الاجتهاد ـ على ما فسّرناه في مباحث القضاء ـ هو الاستنباط
الفعلي، لا مجرد ملكة الاستنباط؛ لأن القدرة على الشيء غير حصوله، مع العلم أن
الشرط هو فعلية الاجتهاد، حسب قوله (ع) "نظر" "عرف" "علم".
ومن ثم، فالاجتهاد المطلق، بمعنى حصول الاستنباط فعلاً في جميع الفروع على نحو
الاستغراق الحقيقي، شيء غير ممكن عادة؛ وإنما الممكن عادة، هو حصوله في معظم
الأحكام وأمهات المسائل والفروع، الأمر الذي يعنيه قوله "يعلم شيئاً... الخ".
والمناقشة في ذلك بأن علوم الأئمة(ع) وإن لم تكن قابلة للإحاطة بها، إلاّ أن
قضاياهم وأحكامهم في موارد الخصومات قابلة للإحاطة بها ولا سيما لمن كان في
عهدهم...(54) لا موضع لها، لأن الخصومات ـ وهي متنوعة بحسب مواد الاختلاف ـ ليس لها
موارد خاصة محصورة في إطار محدود، ليمكن الحصول عليها بسهولة، بل مواردها منتشرة
انتشار مواد الاختلاف في مطلق أبواب المعاملات، بل ومعظم أبواب العبادات، فضلاً عن
أحكام الانتظامات وما شاكلها، بحيث كانت الإحاطة على بمواردها تستدعي الإحاطة
الكاملة بمعظم أبواب الفقه من معاملات وعبادات وانتظامات كما لا يخفى.
وأما الجهة الثانية وهي (ولاية القضاء) بسمة كونها منصباً شرعياً، فهي المستفاد من
ظاهر قوله (ع) في صحيحة أبي خديجة: "فإني جعلته عليكم قاضياً". وقوله في مقبولة عمر
بن حنظلة: "فإني قد جعلته عليكم حاكماً". لأنه نصب عام صدر من المعصوم (عليه
السلام) لكل فقيه جامع للشرائط.
ولأن القضاء لو كان مثل الإفتاء في عدم كونه منصباً رسمياً في الشرع، لما كان بحاجة
إلى الإذن أو النصب من قبل الإمام المعصوم، إذ لم يقل أحد باحتياج الإفتاء إلى
الإذن من وليّ المسلمين، بل التقليد سيرة عقلائية في رجوع الجاهل في كل فن إلى
العالم به، وقد قرّره الإسلام كسائر عادات العقلاء غير المردوعة شرعاً.
أما القضاء، فالإجماع منعقد إلى احتياجه إلى إذن رسمي، إن عاماً أو خاصاً، الأمر
الذي يجعله منصباً لا محالة.
هذا وقد كان قضاة ذلك العهد يتصدون منصب القضاء بعنوان كونه ولاية، وكانت تخوّلهم
حق نصب القيّم على القصّر والغيّب بعنوان الولاية على ذلك، دون مجرد الوكالة أو
بعنوان (القدر المتيقّن) الذي قاله سيّدنا الأستاد الخوئي (دام ظله).
ويدل على ذلك ما في صحيحة ابن بزيع، قال: مات رجل من أصحابنا ولم يوص، فرفع أمره
قاضي الكوفة، فصيّر عبد الحميد القيّم بماله، وكان الرجل خلف ورثة صغاراً ومتاعاً
وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه عن بيعهن، إذ لم
يكن الميت صيّر إليه وصيته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي، قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر
(ع) وقلت له: فما ترى في ذلك؟ فقال: "إذا كان القيّم به مثلك أو مثل عبد الحميد فلا
بأس"(55).
فقد كان القضاة ينصبون القيّم بعنوان ولايتهم على النصب، فكان ذلك شيئاً معهوداً من
شؤون القضاء. وعليه فإذا منح الإمام (ع) حق القضاء لفقهاء الشيعة، فقد خوّل إليهم
جميع ما كان يرجع فيه إلى القضاة في ذلك العهد. ومعنى ذلك هو إعطاء حق ولاية
القضاء، نظير ما كان لسائر القضاة.
وناقش في ذلك سيّدنا الأستاذ الخوئي (دام ظله) بأن الثابت للفقيه وفق هذه الصحيحة
هو منصب القضاء، وهو شيء آخر غير أمر الولاية، لأنها خارجة عن مفهوم القضاء؛ فقد
دلّتنا الصحيحة على أن الشارع نصب الفقيه قاضياً نافذاً حكمه في المرافعات وفصل
الخصومات، ولا دلالة لها بوجه على أن له ولاية على نصب القيّم والحكم بثبوت الهلال
ونحوه.
قال: وقد كان الخلفاء ذلك العهد يعيّنون للقضاء أشخاصاً، وللولاية أشخاصاً آخرين،
كما كانت هي العادة قريب عصرنا أيام الحكومة العثمانية(56).
لكن الاعتراف بكون القضاء منصباً رسمياً في الشريعة ومحتاجاً إلى إذن ونصب من قبل
وليّ المسلمين، إن عاماً أو خاصاً، وكذلك الاعتراف بنفوذ قضاء القاضي المنصوب، كل
ذلك متنافٍ مع إنكار مقام ولايته، إذ لا معنى للولاية إلاّ كونها منصباً رسمياً
نافذاً قضاؤه نفوذاً موضوعياً، بما لا يشبه مسألة الإفتاء في شيء من خصوصياته
وميزاته.
هذا مضافاً إلى معهودية تصدّي النصب والحكم بثبوت الهلال بسمة كونه من شؤونه
الولائية النافذة، في ذلك العهد وفي سائر العهود حتى في عصرنا الحاضر، إذ كل ذلك
معروف من شؤون القضاة الرسميين في جميع الأقطار الإسلامية، امتداداً للعادة
المألوفة الجارية منذ الصدر الأول.
وقد عرّف الشهيد الأول (قدس سره) القضاء بأنه "ولاية شرعية على الحكم في المصالح
العامة من قبل الإمام"(57)، وقد توافق عليه الأصحاب على ما أسلفنا في مباحث القضاء،
ودلّلنا عليه بكثير من الآيات والروايات، منها قوله تعالى: {يا داود إنّا جعلناك
خليفة في الأرض فاحكم بين الناس}(58).
وقوله: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس}(59).
وقول علي (ع) "مجلس لا يجلسه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ"(60).
كل ذلك لدليل على أن القضاء امتداد لولاية الله وخلافته في الأرض، فهو جزء أصيل من
النبوة والإمامة، ويكون المتصدي له متصدياً لشؤون النبي والإمام، وشاغلاً لمنصب من
مناصبهما؛ ومن ثم فهو بحاجة إلى إذن ونصب من قبلهما، ولا يجوز لأحد أن يتصدى لهذا
المنصب الخطير بلا إذن صريح، إن عاماً أو خاصاً، وإلاّ فهو غاصب وحاكم جائر.
أما الجهة الثالثة، أي دلالة الصحيحة والمقبولة على ثبوت مطلق الولاية للفقيه
المعبّر عنه بالولاية العامة، فقد ظهر وجهه في مفتتح الكلام عن الدلالة، حيث
المستفاد من الحديث "فإني قد جعلته قاضياً أو حاكماً" هو إعطاء عموم الولاية
للفقيه، في جميع الشؤون التي يمكن الرجوع فيها إلى القضاة والحكام والسلاطين، لأن
الإمام (ع) منع الشيعة منعاً باتاً من الرجوع في شؤونهم إلى ولاة الجور، ثم جعل لهم
مرجعاً يكفيهم مؤونة الرجوع إلى تلكم الولاة، بأن جعل الفقهاء العدول من الشيعة
مراجع لهم يرجعون إليهم في كافة شؤونهم، قضاءً وحكومة وسائر شؤون إدارة البلاد
وسياسة العباد.
وذلك كأن السائل سأل عن المخرج فيما يرجع فيه إلى شؤون القضاء فقط، لكن الإمام (ع)
طرح المسألة على صعيد أوسع، فتكلم عن مطلق الشؤون التي يرجع فيها إلى السلاطين وإلى
الحكام وإلى القضاة. فكأنه (ع) حاول إلفات نظر الشيعة إلى ناحية أهم، كانت تمس
حياتهم الاجتماعية في كافة شؤونها، وإن المسألة لا تنحصر في حاجة القضاء فحسب، بل
الأعم منها الشامل لمطلق إدارة المجتمع الشيعي في كل عصر يسطو عليه سلطان الجور ولم
يتمكنوا من اللجوء إلى أحضان عدل الإمام المعصوم.
هذا.. ومن ناحية أخرى فإن هذه الجملة "فإني قد جعلته قاضياً أو حاكماً" ألقيت بصورة
كبرى كلية، دليلاً على مستند الجواب، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد.
ومضافاً إلى أن القضاء والحكم مستعملان في القرآن الكريم في مطلق الحكم السياسي
وغيره:
قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة
من أمرهم}(61).
ومورد الآية الكريمة هو الشؤون السياسية المرتبطة بإدارة البلاد، وهي تعني مسألة
ولايته (ص) {النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم}(62).
وقال تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن
يقولوا سمعنا وأطعنا}(63).
فهذا القضاء والحكم الذي كان ثابتاً للنبي (ص) بنص الكتاب العزيز والسنة القطعية،
فإنه ثابت لوليّ المسلمين الشرعيّ، الإمام المعصوم في عصر حضوره (ع)، ثم للفقيه
العادل في عصر الغيبة، بنص الصحيحة والمقبولة وغيرهما من نصوص معتبرة، وهي ولاية
شرعية ممتدة من ولاية النبي والإمام المعصوم (ع).
الحديث الثامن:
التوقيع الشريف الذي تلقاه الأصحاب بالقبول وذاع صيته بين الخاصة والعامة بحيث أصبح
رمزاً للشيعة وشعاراً يمتازون به.
روى شيخ الطائفة هذا التوقيع في كتاب الغيبة بإسناد فيه إكبار وعظمة، قال: أخبرني
جماعة، عن جعفر بن محمد بن قولويه وأبي غالب الزراري وغيرهما، عن محمد بن يعقوب
الكليني، عن إسحاق ابن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رحمه الله) أن يوصل
لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الأمر
(الدار) وفيه "... وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجّتي
عليكم وأنا حجة الله عليكم ..."(64).
هذا التوقيع رواه الشيخ عن جماعة عن جماعة؛ والجماعة الأولى هم مشايخه أمثال الشيخ
المفيد وابن الوليد القمي وابن بابويه الصدوق وغيرهم من أعلام الشيعة، والجماعة
الثانية هم ابن قولويه و أبو غالب الزراري وغيرهما، عن ثقة الإسلام وقطب مدار
الشيعة محمد ابن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب...
فالسند إلى إسحاق هذا صحيح لا مغمز فيه، إنما الكلام في إسحاق صاحب التوقيع.
قال المحقق الرجالي المعاصر الشيخ محمد تقي التستري: هو أخو الكليني وشقيقه، وفي
رواية الإكمال: "والسلام عليك يا إسحاق ابن يعقوب الكليني"(65). وعليه فهو إسحاق بن
يعقوب بن إسحاق أخو الكليني الأكبر، وقد تسمى باسم جده كما هي العادة في تسمية
الولد الأكبر باسم الجد. وقد عد من أشياخه(66) مما يؤكد كونه أخاه الأكبر.
وقال ابن حجر: إسحاق بن يعقوب من رجال الشيعة، وحكي أنه خرج له توقيع من الإمام
صاحب الوقت، يخبر فيه عن أشياء، ومن جملتها أن الخمس حلال للشيعة خاصة. روى عنه سعد
بن عبد الله القمي(67).
وسعد بن عبد الله القمي شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها، جليل القدر عظيم المنزلة
كبير الشأن، لا يروي إلاّ عن ثقة، معتمد عليه في الحديث. وهذا بنفسه دليل على وثاقة
الرجل. كما اعتمد عليه الكليني والشيخ والصدوق(68) والطبرسى(69) وغيرهم، فنقلوا
التوقيع عنه معتمدين عليه وأرسلوه إرسال المسلمات. وقد عرفت تلقي الأصحاب له
بالقبول. ولعل في ذلك كله كفاية.
وهذا التوقيع رواه الصدوق عن محمد بن محمد بن عصام الكليني عن محمد بن يعقوب
الكليني. ومحمد بن محمد بن عصام هو طريقه إلى الكليني وإلى جميع كتاب الكافي، كما
ذكره في آخر الفقيه(70).
أما فقه الحديث، فالمقصود من "رواة الحديث" هم الوعاة ممن اهمّتهم الرعاية
والدراية، لا مجرد النقل والرواية، قال الصادق (ع): "رواة الكتاب كثير ورعاته قليل،
فكم من مستنسخ للحديث مستغش للكتاب؛ والعلماء تحزنهم الدراية، والجهّال تحزنهم
الرواية"(71).
وعليه فالمقصود هم الفقهاء الذين يمكنهم فهم معاريض كلام المعصومين (عليهم السلام)
والمستنبطون الذين يمكنهم ردّ الفروع إلى الأصول الملقاة من قبلهم (عليهم السلام)،
وهذا واضح.
وهكذا المقصود من "الحوادث الواقعة" مطلق شؤون الأمة مما يمس حياتهم الفردية
والاجتماعية، الإدارية والسياسية، بمقتضى إفادة الجمع المحلى باللام للعموم الوضعي،
إذ لا وجه لاختصاص هذا اللفظ بالمسائل الفرعية المبتلى بها للأفراد خاصة، بل يشمل
الحوادث الطارئة بالنسبة إلى الحياة الاجتماعية في نظم الأمور وجمع الكلمة وحفظ
كيان الإسلام والمسلمين.
وكذلك المقصود من "حجّتي عليكم" هو الولاية المطلقة الثابت نظيرها للإمام المعصوم
(ع)، حيث أردفه بقوله "وأنا حجة الله عليكم". فبتلك السعة والشمول التي تفيدها
اللفظة عندما ننسبها إلى الإمام، بنفس ذلك المعنى تفيد اللفظة عندما ننسبها إلى
الفقيه.
ففي هذه المقارنة عناية خاصة لاحظها الإمام (ع) نظير مقارنة النبي (ص) قوله "ألست
أولى منكم بأنفسكم" بقوله "فمن كنت مولاه فعلي مولاه" دليلاً كاشفاً عن مقصوده من
اللفظة، كيلا يتشكك المتشككون في المعنى المراد.
قال الشيخ: المراد بالحوادث ـ ظاهراً ـ مطلق الأمور التي لابدّ من الرجوع فيها
عرفاً أو عقلاً أو شرعاً إلى الرئيس، وأما تخصيصها بخصوص المسائل الفرعية فبعيد من
وجوه:
منها: أن الظاهر إيكال نفس الحادثة إليه ليباشر أمرها مباشرة أو استنابة، لا الرجوع
في حكمها إليه.
ومنها: التعليل بكونهم حجتي عليكم وأنا حجة الله، فإنه إنما يناسب الأمور التي يكون
المرجع فيها هو الرأي والنظر، فكان هذا هو منصب ولاة الإمام من قبله، لا أنه واجب
على الفقيه من قبل الله بعد غيبة الإمام، وإلاّ كان المناسب أن يقول: إنهم حجج الله
عليكم. كما وصفهم في مقام آخر بأنهم أمناء الله على الحلال والحرام.
ومنها: أن وجوب الرجوع في المسائل الشرعية إلى الفقهاء كان من البديهيات التي لا
تخفى على مثل إسحاق بن يعقوب، حتى يكتبه ضمن مسائل أشكلت عليه.. بخلاف الرجوع في
المصالح العامة، فإنه يحتمل أن يكون الإمام (ع) قد عيّن شخصاً أو جهة للرجوع إليه.
قال: والحاصل أن لفظ "الحوادث" ليس مختصاً بما اشتبه حكمه (الإفتاء) ولا بالمنازعات
(القضاء) بل الأعم منهما(72).
الحديث التاسع:
روى محمد بن عمر الكشي في مقدمة رجاله بإسناد صحيح عن أبي عبد الله (ع) قال: قال
رسول الله(ص): "يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف
الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد"(73).
قوله "يحمل هذا الدين" أي يتحمل مسؤوليته على أنحائها المعهودة تبليغاً وبياناً
وتفسيراً وتعهداً في مطلق الشؤون، مهما وافقت الأقدار وتمكنت الأحوال، إذ ليس معنى
نفي التأويل والتحريف، نفيه جدلاً وفي مجالات البحث الكلامي، إنما المقصود هو مجال
العمل والتطبيق، حيث المخالف يحاول تحويراً في أسس الدين في مرحلة تطبيقه العملي؛
لكن المسؤولين العدول يقفون في وجهه وقفة حازم صمود، فيدافعون عن الإسلام وعن كيان
المسلمين مدافعة الأحرار، ويردون كيد الخائنين إلى نحورهم، وبذلك يشكلون سداً
منيعاً وحصناً رفيعاً دون تطاول أيدي المعتدين. ومن ثم فإنهم حصون الإسلام كحصن سور
المدينة، كما مرّ في حديث الإمام موسى بن جعفر (ع)(74). وهذا معنى ولايتهم على
الإسلام والمسلمين، لأنها هي نفس تحمل المسؤولية بياناً وحفظاً ودفاعاً في جميع
صوره وإشكاله.
الحديث العاشر:
روى ثقة الإسلام الكليني بإسناد صحيح عن الإمام الصادق (ع) قال: "إن الله لم يدع
الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل"(75). فلا يخلو عصر إلاّ وفيه
عالم مسؤول عن بيان الحق ورد الباطل، مسؤولية في مجال العمل الفعال، لا مجرد الجدل
والكلام. كما قال (ع) في حديث آخر: "إن الأرض لا تخلو إلاّ وفيها إمام، كيما إن زاد
المؤمنون شيئاً ردّهم وإن نقصوا شيئاً أتمّه لهم".
وفي قوله "ردّهم" دلالة على ضرورة بسط يده في القدرة على ضرب يد المتعدي. فالإمام
القائم بين الخلق هو الذي يقوم بعملية الرد والكمال؛ فإن تجاوز المسلمون ردّهم إلى
الحق، وإن هم أبطأوا في السير على المنهاج القويم قادهم إلى الأمام وإلى الاستقامة
والكمال.
وهذا هو معنى "سياسة العباد وإدارة البلاد".
والأحاديث بهذا المضمون كثيرة وصريحة في عدم خلو الأرض من حجة لله يقود الناس إلى
الصواب ويقوم ببسط العدل في الأرض، ولا يختص بالإمام المعصوم، بعد عموم اللفظ.
والفقيه إنما يقوم بوظيفة الإمام بالنيابة، كما كان نائباً عن النبي (ص) والنائب
كالمنوب عنه.
والحجة الظاهرة في عصر الغيبة هم الفقهاء، فهم ولاة أمر المسلمين، حتى يظهر الإمام
المعصوم الذي تخضع لسلطانه كل البلاد ويستسلم لعدله جميع العباد، عجّل الله تعالى
فرجه الشريف.
وقال الإمام الرضا (ع) بهذا الصدد أيضاً: "إنّا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من
الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس، لما لابدّ لهم من الدين والدنيا. فلم يجز في
حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لابدّ لهم منه ولا قوام لهم إلاّ به؛
فيقاتلون به عدوهم ويقسمون به فيئهم ويقيم لهم جمعتهم وجماعتهم ويمنع ظالمهم من
مظلومهم".
قال: "ولو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً، لدرست الملة وذهب
الدين وغيّرت السنة والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون ونقص منه الملحدون وشبّهوا ذلك
على المسلمين، لأنا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين، مع اختلافهم
واختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم؛ فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول
لفسدوا على نحو ما بيّنا و غيّرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان، وكان في ذلك
فساد الخلق أجمعين".
هذا الحديث الشريف رواه الصدوق بإسناد معتبر في العلل(76).
وغير خفي أن ما جاء في هذا الحديث دليلاً على ولاية الفقيه، هو بعينه دليل على
الإمامة، بالدلالة العقلية الفطرية، حسبما أشرنا إليه في الاستدلال على الطريق
الثاني (القدر المتيقن)، وكان استدلالاً عقلياً مبنياً على مقدمات ثلاث، وكذلك على
الطريق الثالث (عموم القرآن الكريم).
الحادي عشر:
قال صاحب العوائد(77) بصدد بيان وظيفة الفقهاء في عصر الغيبة: إن كلية ما للفقيه
تولّيه، وله الولاية فيه، أمران: أحدهما: كل ما كان للنبي والأئمة ـ الذين هم
سلاطين الأنام وحصون الإسلام ـ فيه الولاية وكان لهم، فللفقيه أيضاً كذلك، إلاّ ما
أخرجه الدليل.
وثانيهما: إن كل فعل متعلق بأمور العباد، في دينهم أو دنياهم، ولابدّ من الإتيان به
ولا مفرّ منه إما عقلاً أو عادة ـ من جهة توقف أمور المعاد والمعاش لواحد أو جماعة
عليه، وانتظام أمور الدين أو الدنيا به ـ أو شرعاً من جهة ورود أمر به، أو إجماع،
أو نفي ضرر أو عسر أو حرج أو فساد على مسلم أو دليل آخر، أو ورود الإذن فيه من
الشارع ولم يجعل وظيفة لمعين واحد أو جماعة ولا لغير معين، بل علم لا بدّية الإتيان
به أو الإذن فيه ولم يعلم المأمور ولا المأذون، فهو وظيفة الفقيه وله التصرف فيه
والإتيان به.
أما الأول؛ فالدليل عليه ـ بعد ظاهر الإجماع حيث نص به كثير من الأصحاب بحيث يظهر
منهم كونه من المسلمات ـ ما صرّحت به الأخبار المتقدمة(78) من كونه وارث الأنبياء،
وأمين الرسول، وخليفة الرسول، وحصن الإسلام، ومثل الأنبياء وبمنزلتهم، والحاكم
والقاضي والحجة من قبلهم، وأنه المرجع في جميع الحوادث، وأن على يده مجاري الأمور
والأحكام، وأنه الكافل لأيتامهم، الذين يراد بهم الرعية.
قال: فإن من البديهيات التي يفهمها كل عامي وعالم ويحكم بها، أنه إذا قال نبي من
الأنبياء (صلوات الله عليهم) لأحد عند مسافرته أو وفاته: فلان وارثي وبمنزلتي
وخليفتي وأميني وحجتي والحاكم من قبلي عليكم والمرجع لكم في جميع حوادثكم وبيده
مجاري أموركم وأحكامكم وهو الكافل لرعيتي، إن له كل ما كان لذلك النبي في أمور
الرعية وما يتعلق بأمته، بحيث لا يشك فيه أحد، ويتبادر منه ذلك. كيف لا، مع أن أكثر
النصوص الواردة بحق الأوصياء المعصومين المستدل بها في مقامات إثبات الولاية
والإمامة المتضمنتين لولاية جميع ما للنبي فيه الولاية، ليس متضمناً لأكثر من ذلك،
لا سيما بعد انضمام ما ورد بحقهم: أنهم خير خلق الله بعد الأئمة، وأفضل الناس بعد
النبيّين، وفضلهم على الناس كفضل الله على كل شيء وكفضل الرسول على أدنى
الرعية(79).
قال: وإن أردت توضيح ذلك، فانظر إلى أنه لو كان حاكم أو سلطان في ناحية، وأراد
المسافرة إلى ناحية أخرى، وقال في حق شخص بعض ما ذكر، فضلاً عن جميعه، فقال: فلان
خليفتي وبمنزلتي ومثلي وأميني والكافل لرعيتي والحاكم من جانبي وحجتي عليكم والمرجع
في جميع الحوادث لكم وعلى يده مجاري أموركم وأحكامكم، فهل يبقى لأحد شك، في أن له
فعل ما كان للسلطان في أمور رعيته، في تلك الناحية، إلاّ ما استثناه؟ وما أظن أحداً
يبقى له ريب في ذلك ولا شك ولا شبهة.
قال: ولا يضر ضعف تلك الأخبار(80) بعد الانجبار بعمل الأصحاب وانضمام بعضها ببعض
وورود أكثرها في الكتب المعتبرة.
قال: وأما الثاني(81) فيدل عليه ـ بعد الإجماع أيضاً ـ أمران، أحدهما: أنه مما لا
شك فيه أن كل أمر كان كذلك لابدّ أن ينصب الشارع الرؤوف الحكيم عليه والياً وقيّماً
ومتولّياً. والمفروض عدم دليل على نصب معين أو غير معين أو جماعة غير الفقيه. وأما
الفقيه فقد ورد في حقه ما ورد من الأوصاف الجميلة والمزايا الجليلة، وهي كافية في
دلالتها على كونه منصوباً.
وثانيهما: أن نقول ـ بعد ثبوت جواز التولّي منه وعدم إمكان القول بأنه يمكن أن لا
يكون لهذا الأمر من يقيم له ولا متولٍّ له ـ: إن كل من يمكن أن يكون ولياً
ومتولّياً لذلك الأمر ويحتمل ثبوت الولاية له، يدخل فيه الفقيه قطعاً، من المسلمين
أو العدول أو الثقاة ولا عكس. وأيضاً كل من يجوز أن يقال بولايته يتضمن الفقيه،
وليس القول بثبوت الولاية للفقيه متضمناً لثبوت ولاية الغير، لا سيما بعد كونه خير
خلق الله بعد النبيّين وأفضلهم والأمين والخليفة والمرجع وبيده الأمور، فيكون جواز
توليته وثبوت ولايته يقيناً، والباقون مشكوك فيهم، ينفي ولايتهم و جواز تصرفهم
النافذ بالأصل المقطوع به(82).
الثاني عشر:
قال صاحب الجواهر: من الغريب توقّف من توقّف في هذه المسألة بعد وضوح دليله، الذي
هو قول الصادق (ع) في مقبولة عمر بن حنظلة: "انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا
ونظر في حلالنا وحرامنا..."، وفي مقبولة أبي خديجة: "فإني قد جعلته قاضياً..."،
والتوقيع الشريف: "فإنهم حجتي عليكم"، وفي بعض النسخ "فإنهم خليفتي عليكم".
إما لأن إقامة الحد من الحكم، فإن المراد من الحكم إنفاذ ما حكم به، لا مجرد الحكم.
ولظهور قوله: "فإني قد جعلته عليكم حاكماً" في إرادة الولاية العامة على نحو
المنصوب الخاص، إذا نصبه بهذه اللفظة في ناحية، حيث لا إشكال في ظهور إرادة الولاية
العامة في جميع أمور المنصوب عليهم.
بل قوله: "فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله" أشد ظهوراً في إرادة كونه حجة فيما أنا
فيه حجة الله عليكم ومنها إقامة الحدود، بل ما عن بعض الكتب "خليفتي عليكم" أشد
ظهوراً، ضرورة معلومية كون المراد من الخليفة عموم الولاية عرفاً، نحو قوله تعالى:
{يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق}(83).
أو لما سمعته من قول الصادق (ع) "إقامة الحدود إلى من إليه الحكم"(84)، جواباً لمن
سأله: من يقيم الحدود؟ السلطان أو القاضي؟
كل ذلك مضافاً إلى التأييد بما دلّ على أنهم ورثة الأنبياء، وأنهم كأنبياء بني
إسرائيل، وأنه لولاهم لما عُرف الحق من الباطل. وبنحو قول أمير المؤمنين (ع):
"اللّهم إنك قلت لنبيّك صلواتك عليه وآله فيما أخبر به: من عطّل من حدودي فقد
عاندني وطلب بذلك مضادّتي" الظاهر في العموم لكل زمان؛ والإجماع بقسميه على عدم
خطاب غيرهم بذلك، وعموم الأمر بجلد الزاني وقطع السارق ونحوهما.
قال: ولأن تعطيل الحدود يفضي إلى ارتكاب المحارم وانتشار المفاسد، ولأن المقتضي
لإقامة الحد قائم في صورتي حضور الإمام و غيبته، وليست الحكمة عائدة إلى مقيمه، بل
إلى مستحقه أو نوع المكلفين، فلابدّ من إقامته مطلقاً.
قال: ولأن ثبوت النيابة لهم في كثير من المواضع، على وجه يظهر منه الفرق بين مناصب
الإمام أجمع، بل يمكن دعوى مفروغيته بين الأصحاب، فإن كتبهم مملوءة بالرجوع إلى
الحاكم، المراد به نائب الغيبة في سائر المواضع.
والضرورة قاضية بذلك في قبض الحقوق والولايات ونحوها، بعد تشديدهم في النهي عن
الرجوع إلى قضاة الجور وحكامهم، بعد علمهم بكثرة شيعتهم في الأطراف طول الزمان،
وغير ذلك مما يظهر منه مراعاة الأئمة لحال شيعتهم وخصوصاً علماءهم في زمن الغيبة.
وكفى بالتوقيع الذي جاء للمفيد من الناحية المقدسة وما اشتمل عليه من التبجيل
والتعظيم(85).
قال: بل لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلقة بالشيعة معطّلة. فمن
الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً ولا فهم من لحن
قولهم ورموزهم أمراً(86). ولا تأمل المراد من قولهم: إني جعلته عليكم حاكماً
وقاضياً وحجة وخليفة، ونحو ذلك، مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في
كثير من الأمور الراجعة إليهم، ولذا جزم في المراسم(87) بتفويضهم (عليهم السلام)
لهم في ذلك.
قال: وأغرب من ذلك كله استدلال من حلّت الوسوسة في قلبه ـ بعد حكم أساطين المذهب ـ
بالأصل المقطوع(88)، وبإجماع ابن زهرة وابن إدريس اللذين قد عرفت حالهما(89).
الثالث عشر:
قال المحقق الأنصاري: الولاية تتصور على وجهين: الأول: استقلال الوليّ بالتصرف،
الثاني: اعتبار إذنه في تصرف الغير، فيكون نظره على الأول سبباً وعلى الثاني شرطاً.
والوجه الثاني على ثلاثة أنحاء:
الأول: أن يكون إذنه على وجه الاستنابة كوكيل الحاكم.
الثاني: أن يكون على وجه التفويض والتولية كمتولّي الأوقاف من قبل الحاكم.
الثالث: أن يكون على وجه الرضا كإذن الحاكم لغيره في الصلاة على ميت لا وليّ له.
ثم قال ـ بصدد نفي ولاية الفقيه على أي نحو من أنحائها ـ: أما الولاية على الوجه
الأول، أي استقلاله في التصرف، فلم يثبت بعموم، عدا ما يتخيّل من أخبار واردة في
شأن العلماء(90). لكن ملاحظة سياقها تقضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث
الأحكام الشرعية، لا كونهم كالنبي والإمام في الولاية على الناس؛ فلو طلب الفقيه
الزكاة والخمس من المكلف، فلا دليل على وجوب الدفع إليه شرعاً.
هذا مع أنه لو فرض العموم في الأخبار المذكورة وجب حملها على إرادة الجهة المعهودة
المتعارفة من وظيفته (ص) من حيث كونه رسولاً مبلّغاً، وإلاّ لزم تخصيص أكثر أفراد
العام، لعدم سلطنة الفقيه على أموال الناس وأنفسهم إلاّ في موارد قليلة. قال:
وبالجملة فإقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام إلاّ ما خرج بالدليل، دونه
خرط القتاد.
قال: أما ولايته على الوجه الثاني، أي توقف تصرف الغير على إذنه فيما كان متوقفاً
على إذن الإمام، فهو أن كل معروف علم من حال الشارع إرادة وجوده ولا يرضى بإهماله
أو تعطيله. فإن علم أنه من وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده الصغير، أو صنف خاص
كالإفتاء والقضاء للفقيه، أو كل من يقدر عليه كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
فلا إشكال. وإن لم يعلم واحتمل اشتراطه بنظر الفقيه، وجب الرجوع إليه.
قال: ثم إن علم الفقيه من الأدلة جواز تولّيه، لعدم إناطته بنظر الإمام المعصوم أو
نائبه الخاص، تولاّه مباشرة أو استنابة إن كان مما يقبل الاستنابة وإلاّ عطّله،
كسائر البركات التي حرمناها بغيبته (عجل الله تعالى فرجه). ومرجع هذا إلى الشك في
كون المطلوب مطلق وجوده أو وجوده من موجد خاص.
ثم ذكر الروايات، وقال: فقد ظهر مما ذكرنا أن ما دلّ عليه هذه الأدلة هو ثبوت
الولاية للفقيه في الأمور التي تكون مشروعية إيجادها في الخارج مفروغاً عنها، بحيث
لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية. وأما ما يشك في مشروعيته
كالحدود وتزويج الصغيرة والمعاملة على مال الغائب، فلا يثبت من تلك الأدلة
مشروعيتها للفقيه(91).
لكن تنويع الولاية إلى وجهين لا يوجب تغييراً في حقيقتها، كما نبّه عليه المحقق
النائيني(92)، لأن لنظر وليّ الأمر جهة موضوعية في كلا النوعين، غاية الأمر أن ما
يراه صلاحاً قد يتحقق بفعله المباشري كالقضاء والإفتاء، وقد يقع بمباشرة غيره
استنابة وعن نظره ورأيه، كما في سائر الأمور التي هي من وظيفة الفقيه، فيعيّن من
يقوم بها، كما هي الحال ـ بعينها ـ عند بسط يد وليّ الأمر، حيث لا يجب ـ أو لا
يتمكن ـ أن يقوم بإعمال جهات ولايته بنفسه، بل بأعوان وعمال، كما كانت العادة أيام
رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع).
وعليه فالتفصيل بين الوجهين ليس قولاً بالتفصيل.
نعم ظاهر كلامه (قدس سره) تفصيل آخر، هو الفرق بين الأمور الحسبية المعلوم من حال
الشارع عدم الإذن في إهمالها، وبين غيرها من شؤون الولاية، فأذعن بثبوت ولاية
الفقيه في القسم الأول دون الثاني.
فالذي أثبته هو ولاية الفقيه في تصدّي الأمور الحسبية بعنوان كونه القدر المتيقن من
المكلفين بها، لا ثبوت خصوص ولايته عليها، وقد جعل دون إثبات ولاية الفقيه مطلقاً
خرط القتاد! وهذا هو مذهب سيّدنا الأستاذ الخوئي حسبما يجيء.
وبعد فنتساءل: هل الشارع الحكيم أهمل جانب هذه الأمة، بعد فقد نبيّها وفقد الأوصياء
المعصومين من ذريته، وتركهم بلا تعيين راع شرعي يقودهم إلى جادة الصواب، ولا ملاذ
يلوذون به في مهام أمورهم، فحرمهم بركات السماء ومنعهم فيضه ولطفه؟! لماذا وبأي سبب
معقول؟! الأمر الذي لا يرتضيه عقل سليم ولا عارف بمقام لطف ربّنا الكريم!
هذا مع تلك الوفرة من آيات وروايات دلّتنا على تعيين شاغلي هذا المنصب الرفيع، في
كل عصر ودور مع الأبد، خلوداً مع خلود الإسلام والمسلمين.
الرابع عشر:
قال المحقق النائيني:
لا شبهة في أن للحاكم، الذي هو الفقيه الجامع للشرائط، التصرفَ في أموال القصّر؛
إنما الكلام في أن جواز تصرفه هل هو من جهة الولاية العامة، أم لكون هذا التصرف من
شؤون القضاء الثابت له بلا خلاف.
قال: لا إشكال في ثبوت منصب القضاء والإفتاء للفقيه في عصر الغيبة، وكذا ما يكون من
توابع القضاء كالتصرف في الأمور الحسبية.
إنما الإشكال في ثبوت الولاية العامة؛ وأظهر مصاديقها سد الثغور، ونظم البلاد،
والجهاد والدفاع، ونحو ذلك. واستدلوا لثبوتها بالأخبار الواردة في شأن العلماء
وبالتوقيع الشريف وبمقبولة عمر بن حنظلة وبالمشهورة وبروايتي أبي خديجة، ولكنك خبير
بعدم دلالتها على المدّعى.
أما ما ورد في شأن العلماء، فلأن غاية دلالته إنما هو على كون الفقهاء بمنزلة
الأنبياء في تبليغ الأحكام، كما هو شأن أغلب الأنبياء، فإنهم كانوا مبلّغين، وقلّ
من كان منهم والياً وسلطاناً كداود وسليمان.
هذا إن لم نقل بأن المراد من العلماء في هذه الأخبار، هم الأئمة المعصومون (عليهم
السلام)، ومن المحتمل القريب إرادتهم دون سائر العلماء.
وأما التوقيع الشريف فغاية تقريبه للمدّعى ما أفاده الشيخ من الوجوه الأربعة:
1ـ ظهور الحوادث في مطلق الوقائع التي لابدّ من الرجوع فيها إلى الإمام بما يشمل
الأحكام والسياسات وغيرها.
2ـ إرجاع نفس الحوادث إلى رواة الأحاديث الذين هم الفقهاء، فتكون ظاهرة في الأمور
العامة لا أحكامها حتى تكون ظاهرة في الإفتاء والقضاء.
3ـ التعليل بكونهم حجة من قبله (ع) كما هو حجة من قبل الله تعالى، فما كان له وكان
قابلاً للتفويض فهو للفقهاء.
4ـ إن مثل إسحاق بن يعقوب أجلّ شأناً من أن يخفى عليه لزوم الرجوع في المسائل
الشرعية إلى الفقهاء، فلابدّ أن المقصود الرجوع في الأمور العامة، إذ يحتمل أن
الإمام قد جعل شخصاً خاصاً للرجوع إليه في هكذا أمور، فجاز السؤال عن ذلك.
قال: وكل هذه الوجوه مخدوشة:
أما الأول، فلأن السؤال غير معلوم، فلعل المراد من الحوادث هي حوادث كانت معهودة
بينه وبين الإمام.
وأما الثاني: فلأن أدنى مناسبة بين نفس الحوادث وأحكامها كافية للسؤال عن حكمها،
فيكون الفقيه مرجعاً في الأحكام لا في نفس الحوادث.
وأما الثالث، فلأن الحجة تناسب المبلّغية في الأحكام فقط، كما في قوله تعالى: {قل
فللّه الحجة البالغة}(الانعام:149)، وقوله: {وتلك حجّتنا آتيناها
إبراهيم}(الأنعام:83).
وأما الرابع، فجلالة شأن إسحاق لا تتنافى مع سؤاله عن أمر جليّ.
قال وأما روايتا أبي خديجة، فلاختصاصهما بمسألة القضاء. وأما المشهورة "السلطان
وليّ من لا وليّ له" فلاختصاصها بالأمور الحسبية.
قال: نعم، لا بأس بالتمسك بالمقبولة، فإن صدرها ظاهر في ثبوت الولاية العامة
للفقيه، حيث جعل السائل القاضي مقابلاً للسلطان، والإمام (ع) قرّره على ذلك. بل يدل
عليها ذيلها أيضاً حيث قال: "فإني قد جعلته حاكماً"؛ فإن الحكومة ظاهرة في الولاية
العامة، فإن الحكم هو الذي يحكم بين الناس بالسيف والسوط، وليس ذلك شأن القاضي.
ثم استشكل في هذا الاستظهار أيضاً، بأن الحاكم قد يطلق على القاضي في كثير من
الأخبار والآيات.
وأخيراً قال: وكيف كان، فإثبات الولاية العامة للفقيه بحيث تتعيّن صلاة الجمعة
بقيامه لها أو نصب إمام لها مشكل(93).
ولعلنا في غنى عن نقاش هذه المناقشة، البادي عليها أثر التكلّف مع ركوب تأويلات
بعيدة عن الأفهام المتعارفة. وكان فيما أسلفنا من الكلام حول الروايات المذكورة
ووجه الاستظهار منها، كفاية ولا حاجة إلى الإعادة.
الخامس عشر:
قال سيّدنا الأستاذ الخوئي (دام ظله): إن ما يمكن الاستدلال به على الولاية المطلقة
للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة أمور:
1ـ الأخبار، وهي قاصرة السند أو الدلالة.
2ـ عموم التنزيل في قوله: "فإني قد جعلته عليكم حاكماً أو قاضياً"، فإن مقتضى
الإطلاق ثبوت ما كان للقضاة والحكام ذلك العهد، لكن مفهوم القضاء يغاير مفهوم
الولاية فلا تلازم بينهما، كما كانت الولاة غير القضاة في الدول الإسلامية ولا
يزال.
3ـ إن هناك أموراً لابدّ أن تتحقق خارجاً، المعبّر عنها بالأمور الحسبية، والقدر
المتيقن هو قيام الفقيه بها؛ لكن لزوم قيامه بها لا يستدعي ثبوت ولايته عليها، ومن
ثم ينعزل المنصوب قيّماً أو متولّياً بموت الفقيه الذي نصبه.
قال: والمتخلص أن الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل، بل الثابت حسب
النصوص أمران: نفوذ قضائه، وحجية فتواه. وإن تصرفه في الأمور الحسبية ليس عن ولاية
ومن ثم ينعزل وكيله بموته، لأنه إنما جاز له التصرف من باب الأخذ بالقدر المتيقن
فقط(94).
وقال في غير هذا الموضع: إنما يجوز للحاكم الشرعي إقامة الحدود لأمرين:
أحدهما: أن إقامة الحدود إنما شرعت للمصلحة العامة دفعاً للفساد وعن انتشار الفجور
والطغيان بين الناس. وهذا ينافي اختصاصه بزمان دون زمان، وليس لحضور الإمام المعصوم
دخل في ذلك قطعاً؛ فالحكمة تقتضي مشروعيتها في كل زمان.
ثانيهما: أن أدلة الحدود مطلقة، فلا تتقيد بزمان خاص. وهي تدل على أنه لابدّ من
إقامتها، لكنها لا تدل على المتصدي لإقامتها من هو. ومن الضروري أن ذلك لم يشرع لكل
أحد، فإنه يوجب الاختلال في النظام، بل في التوقيع الشريف: "وأما الحوادث الواقعة
فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله"، وفي رواية حفص:
"إقامة الحدود إلى من إليه الحكم"، فإنهما بضميمة ما دل على أن من إليه الحكم في
زمان الغيبة هم الفقهاء، تدلان على أن إقامة الحدود إليهم ومن وظيفتهم(95).
ولنا أن نتساءل: إذا كان من شأن الفقيه الجامع للشرائط، القيام بالحكم وإجراء
الحدود في عصر الغيبة، فقد كان وليّاً لهذا الأمر، إذ لا معنى للولاية على أمر إلاّ
مشروعية التصدي له شرعاً. وقد عرفت فيما سبق ولا سيما من كلام صاحب الجواهر، أن هذا
هو أحد الأدلة على ولاية الفقيه.
والخلاصة: أن مسؤولية الزعامة والحكم إذا ثبتت للفقيه كانت ولايته ثابتة لا محالة،
إذ لا نعني بالولاية سوى المسؤولية، من غير فرق بين سبب ثبوتها، سواء كان هو النص
أم كونه القدر المتيقن، إذ المهم ثبوت مشروعية تصديه لتلك الأمور؛ وإذا ثبتت
المشروعية فلا معنى لإنكار ولايته عليها كما لا يخفى.
________________________
1ـ راجع الفصل الأول.
2ـ الكافي الشريف، ج1، ص59، حديث 4.
3ـ الكافي الشريف، ج2، ص74، حديث 2.
4ـ راجع المقدمة الأولى للكتاب.
5ـ الأحاديث صحاح الأسانيد مستخرجة من الكافي الشريف، ج1، ص178.
6ـ حسبما نذكر في الفصل القادم عند الكلام عن عموم الكتاب العزيز.
7ـ كتاب البيع بقلمه الشريف، ج2، ص460.
8ـ الحائري في (أساس الحكومة الإسلامية)، ص148، ط 1.
9ـ آل عمران:159.
10ـ النساء:59ـ61.
11ـ النساء:83.
12ـ البقرة:257.
13ـ يونس:35.
14ـ نهج البلاغة، الخطبة رقم 163.
15ـ مجمع البيان، ج2، ص458.
16ـ من لا يحضره الفقيه، ج4، ص302 وعيون أخبار الرضا، ج2، ص23، طبعة النجف، حديث 4،
باب31، والوسائل، ج18، ص65، حديث 50 وص66، حديث 53 ومعاني الأخبار، ص356، طبعة
النجف.
17ـ قال الإمام الصادق (ع): "لا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا".
ومعراض الكلام فحواه ومدلوله الالتزامي الذي يعرف من قيود الكلام وتعاريضه. بحار
الأنوار، ج2، ص184، رقم4. وقال: "إنّا لا نعد الرجل من شيعتنا فقيهاً حتى يلحن له
فيعرف اللحن". يقال: لحن لفلان، إذا قيل له قول يفهمه خاصة ويخفى عن غيره. بحار
الأنوار، ج2، ص208، رقم101.
إذن فلا غرو إذا أخذنا بمعاريض الكلام واستخرجنا نكته الدقيقة، حيث صدوره من أمراء
الكلام، وهم أمرونا بذلك ورغبوا إلينا في التحقيق والتدقيق.
18ـ الوسائل، ج18، ص108، حديث 37ـ41.
19ـ الحائري في أساس الحكومة الإسلامية، ص149ـ150.
20ـ ولاية الأولياء، ص69ـ70.
21ـ الكافي الشريف، ج1، ص38، رقم3.
22ـ مستدرك الوسائل، ج3، ص188، رقم16، باب11. والوافي، ج2، ص30.
23ـ المستدرك، ص189، ج3، رقم 33، باب11 من صفات القاضي.
24ـ نهج البلاغة، الخطبة رقم171.
25ـ تفسير الصافي، ج1، ص271، ذيل الآية 68 من سورة آل عمران.
26ـ الكافي الشريف بإسناد صحيح عن الإمام الصادق(ع)، ج1، ص34.
27ـ الخطبة الشقشقية، نهج البلاغة.
28ـ الخطبة الثانية، نهج البلاغة.
29ـ نهج البلاغة.
30ـ الكافي الشريف، ج1، ص16، رقم5.
31ـ معجم رجال الحديث، ج3، ص105.
32ـ نهج البلاغة، الخطبة رقم90.
33ـ نهج البلاغة.
34ـ علل الشرائع، طبعة النجف، ج1، ص253، باب 182.
35ـ من لا يحضره الفقيه، ج3، ص63ـ64.
36ـ سورة الشعراء:106 ـ 107.
37ـ سورة الشعراء:124 ـ 125.
38ـ سورة الشعراء:142 ـ 143.
39ـ سورة الشعراء:161 ـ 162.
40ـ سورة الشعراء:177 ـ 178.
41ـ سورة الدخان:17 ـ 18.
42ـ سورة الأعراف:68.
43ـ الكافي الشريف، ج7، ص412، رقم5.
44ـ مباني تكملة المنهاج، ج1، ص7.
45ـ التنقيح، الاجتهاد والتقليد، ص421.
46ـ ولاية الأولياء، ص80، وأساس الحكمة، ص153.
47ـ رسالتنا في القضاء الإسلامي ودراسة أسسه في القرآن الكريم.
48ـ من لا يحضره الفقيه، ج3، ص2.
49ـ الكافي الشريف، ج7، ص412، رقم 4.
50ـ وسائل الشيعة، ج18، ص100، رقم 6، وص4، رقم5.
51ـ تهذيب الأحكام، ج6، ص303، رقم 846/53.
52ـ الوسائل، ج18، ص41، رقم 51.
53ـ المصدر نفسه، رقم 52.
54ـ مباني تكملة المنهاج، ج1، ص8.
55ـ الوسائل، ص12، ص270، باب16 عقد البيع، رقم2.
56ـ التقيح، الاجتهاد والتقليد، ص422.
57ـ كتاب الدروس، ص168.
58ـ سورة ص:26.
59ـ النساء:105.
60ـ الوسائل، ج18، ص7.
61ـ الأحزاب:36.
62ـ الأحزاب:6.
63ـ النور:51.
64ـ كتاب الغيبة للطوسي، طبعة النجف، ص177.
65ـ قاموس الرجال، ج1، ص507.
66ـ الدكتور حسين علي محفوظ في مقدمة الكافي، ج1، ص15.
67ـ لسان الميزان، ج1، ص381.
68ـ كمال الدين وتمام النعمة، غفاري، ج2، ص483.
69ـ الاحتجاج، طبعة النجف، ج2، ص283.
70ـ شرح المشيخة، ص116، الملحق بآخر الفقيه، ج4.
71ـ بحار الأنوار، ج2، ص206، رقم 98.
72ـ بيع المكاسب، ص154.
73ـ اختيار معرفة الرجال، ج1، ص4، رقم5.
74ـ الحديث الثاني عن الكافي الشريف، ج1، ص38، رقم3.
75ـ الكافي الشريف، ج1، ص178.
76ـ علل الشرائع، طبعة النجف، ج1، ص252، باب 182.
77ـ هو الفقيه المحقق الملا أحمد النراقي في العائدة 54 من كتابه (عوائد الأيام).
78ـ ذكر نحو عشرين حديثاَ في المقام الأول من مقامات بحثه عن ولاية الفقيه.
79ـ وهي روايات كثيرة وردت بشأن فضيلة العلم والعلماء ورفيع منزلتهم وجليل قدرهم.
80ـ قد عرفت صحة إسناد كثير منها فيما عرضناه من الأحاديث.
81ـ وهو أن كل ما علم من الشارع لزوم القيام به وعدم جواز إهماله فهو وظيفة الفقيه.
82ـ عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام، ص262ـ263.
83ـ سورة ص:26.
84ـ الوسائل، ج18، ص338، مقدمات الحدود، باب 28، الحديث 1.
85ـ ورد إليه يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة،
كتاب من الناحية المقدسة يبدأ بقوله:
"من عبد الله المرابط في سبيله إلى ملهم الحق ودليله:
بسم الله الرحمن الرحيم: سلام عليك أيها الناصر للحق الداعي إلى كلمة الصدق...
وبعد، فقد كنا نظرنا مناجاتك، عصمك الله بالسبب الذي وهبه لك...
ونحن نعهد إليك أيها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين. أيدك الله بنصره الذي
أيّد به السلف من أوليائنا الصالحين". (بحار الأنوار، ج53، ص176، عن الاحتجاج، ج2،
ص324).
86ـ إشارة إلى ما ورد من قولهم (عليهم السلام): "إنا لا نعد الرجل من شيعتنا حتى
يلحن له فيعرف اللحن". واللحن : التكنّي في الكلام دون التصريح. وقولهم: "لا يكون
الرجل فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا". والمعراض التورية والدلالة بالفحوى. (بحار
الأنوار، ج2، ص208، رقم 98، وص184، رقم4).
87ـ تقدم نقل عبارته في الفصل الأول عند نقل الآراء. عن الجوامع الفقهية، ص661.
88ـ وهو أصالة عدم ولاية أحد على أحد، وعدم وجوب إطاعة أحد لأحد، حيث "الناس
مسلّطون على أنفسهم وأموالهم". لكنه مقطوع بورود الدليل على ولاية النبي والإمام
والفقيه.
89ـ تقدم في الفصل الأول. راجع جواهر الكلام، ج21، ص386 و394ـ398).
90ـ إشارة إلى ما ورد في كلام صاحب العوائد.
91ـ بيع المكاسب، ص154.
92ـ منية الطالب، ج1، ص327.
93ـ منية الطالب، ج1، ص225ـ227.
94ـ التنقيح، الاجتهاد والتقليد، ص419ـ 425.
95ـ مباني تكملة المنهاج، ج1، ص224ـ226.