المقصد الأول: في إثبات الولاية العامة للفقيه الجامع للشرائط [الفصل الثالث]
في مراتب ولاية الفقيه ونطاق شمولها
هنا سؤال كثيراً ما يدور على الألسن وهو أن هذه الولاية العامة المبحوث عنها، هل هي
ثابتة لكل فقيه عادل؟ وعلى فرض ثبوتها للعموم، فهل هي ثابتة للجميع على نسبة واحدة؟
وإذا كان الأمر كذلك، فهل لا يلزم اختلال في نظام الجامعة واختلاف في سياسة العباد
وإدارة البلاد؟
لكن مراجعة نصوص الباب وملاحظة القيود المأخوذة فيها تحل هذه المشكلة وتكفل الإجابة
عن هذا السؤال. وقد أشرنا سابقاً عند شرح النصوص إلى وجه هذا الحل، وأجّلنا التفصيل
إلى هنا، فنقول:
قوله (ص): "الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي" تعريف بموضوع الحكم، أي من هو
الخليفة؟ فكان الجواب: هو الذي يحتوي على هذه السمة.
وهذه السمة هي: رواية حديثه (ص) وسنّته إلى الناس. غير أن المقصود من رواية الحديث
ليس مجرد نقله، بل فهمه و دركه ثم بثّه مبيّناً مشروحاً بين المسلمين. وهكذا راوٍ
للحديث هو الفقيه حقاً.
كما أن المقصود من رواية سنّته (ص) هو إمكان القيام بسيرته بين المسلمين، لا مجرد
نقل التاريخ كما في كتب السير. ولا يمكن أن يقوم بسيرته (ص) كما هي، من غير تحوير
أو تحريف، إلاّ العالم بها عن صحة وإتقان، وليس سوى الفقيه العارف بشؤونه (ص)
كملاً.
والخلاصة: فخلفاء الرسول (ص) هم الوعاة لأقواله الحكيمة والعارفون بسيرته الكريمة،
وليسوا سوى الفقهاء الأجلاء. إذن فهم خلفاؤه في القيام بشؤونه في أداء رسالة الله
إلى الناس وضمان تحكيم إرادة الله بين الخلق، والتعهد ببسط العدل وسيادة الحق على
كافة الأنام، لأن الخليفة هو القائم بشؤون المستخلف على الإطلاق، إلاّ ما أخرجه
الدليل.
وقد أسلفنا وجه هذه الاستفادة من الحديث عن الاستدلال بالنصوص ـ الحديث الأول ـ.
وبعد، فلدينا ـ وفق هذا الحديث الشريف ـ ثلاثة أمور:
1ـ موضوع الحكم، وهو الفقيه الجامع للشرائط.
2ـ نفس الحكم، وهو الخلافة والقيام بأعباء الرسالة.
3ـ علة ثبوت هذا الحكم لهذا الموضوع، وهي الاستطاعة العلمية والعملية على أداء
رسالة الله والقيام بوظائف الأنبياء.
وهذا التعليل مستفاد من تعنون الموضوع بعنوان وصفي، ولا شك أن تعليق الحكم على
الوصف مشعر بعلّيته للحكم المذكور.
إذن فالحكم (في القضية) يدور مدار العلة المذكورة، ويتقدّر بقدرها، سعة وشمولاً.
مثلاً: إذا قيل "أكرم العالم"، فإن وجوب الإكرام ومراتب الإكرام تتقدّر بقدر ما
يحمله من فضيلة وعلم، تحقيقاً للتعادل القائم بين كل علة ومعلولها.
وعليه، فالقدرة على القيام بوظائف الرسالة المحمدية هي السبب والعلة لثبوت مقام
الولاية للفقيه، وكلما كانت دائرة هذا التحمل والأداء أوسع، كانت ولايته أشمل؛ أما
إذا اقتصر في تحمل الرسالة على قطر محدود وعلى أمة واحدة، فإن ولايته لا تتعدّى ذلك
القطر ولا تتجاوز تلك الأمة إلى غيرها، تحكيماً لقانون حكومة القابليات
والاستعدادات الفعالة.
فالفقيه إذا قام بأعباء الرسالة في آفاق بعيدة الأرجاء، كانت ولايته شاملة وعامة
على مثل النطاق المذكور، وإذا كانت مقصورة في آفاق محدودة، فإن ولايته تكون بقدرها؛
ومن ثم قد لا تتعارض ولايتان لفقيهين في بلدين كانت فعاليات كل واحد منهما مقتصرة
على بلده.
وبالنتيجة: كلما كان شعاع دائرة فعاليات الفقيه أبعد، كان شمول ولايته أوسع، فربّ
فقيه ذو ولاية على قطر ضيق الحدود، وآخر أوسع، وثالث أكثر وسعاً، وهلمّ جرّاً، حتى
يكون فقيه شملت ولايته الآفاق.
وعليه، فمراتب ولاية الفقهاء متفاوتة ودرجاتها مختلفة سعة وشمولاً بحسب أبعاد
قيامهم بأعباء الرسالة.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): "اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر رواياتهم
عنّا"(1). أي المراتب الرفيعة التي يحظون بها على أثر فعالياتهم في ولائنا إنما
تتقدّر بقدر ما يقومون به من نشر معارفنا وتعريف رسالتنا إلى ملأ الناس.
وفي حديث آخر: "اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يُحسنون من رواياتهم عنّا؛ فإنّا لا
نعدّ الفقيه منهم فقيهاً حتى يكون محدثاً. فقيل له: أويكون المؤمن محدثاً؟ قال:
يكون مفهماً، والمفهم محدث"(2).
فمنازل المؤمنين تتفاوت حسب نطاق تعهدهم إزاء بث رسالة الله. والفقيه كل الفقيه هو
الملهم بفهم الأمور وكشف حقائقها، فينظر بنور الله ويمشي على هديه المستقيم.
قال رسول الله(ص): "يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف
الغالين وانتحال الجاهلين..."(3).
وتقدم استنادنا إلى هذا الحديث الشريف لإثبات ولاية الفقيه، فبقدر ما يقوم به من
الدفاع عن كيان الإسلام والمسلمين، كانت ولايته سائدة على منطقة نفوذه.
وبذلك تحل مشكلة تزاحم الولايات(4) على قدر وجود الفقهاء الأكفاء ـ كثّر الله
أمثالهم ـ في كل عصر ومصر، إذ لا تزاحم حينذاك بعد أن كانت فعالياتهم متفاوتة وذوات
أبعاد متنوعة، وقدرتهم على توجيه الأمة متباينة، ونفوذهم في تأثير رسالة الإسلام
مختلف المراتب والدرجات؛ فربّ فقيه لا يملك سوى ولاية صغرى، حيث اقتصار فعالياته
على منطقة ضيقة، أما الذي طار صيته وعلا ذكره وعمّ تبليغه، فهذا ولايته أشمل وأعم.
وعلى أصحاب الولايات الصغرى ـ إذا عاشوا في ظل حكم إسلامي عادل ـ أن يواكبوا صاحب
الولاية الكبرى الذي قام بأعباء زعامة أمة كبيرة في جميع أبعادها السياسية
والإدارية، تحكيماً لقانون النظم على جميع مقدرات المسلمين. فما من مصلحة مهما كانت
كبيرة إلاّ وهي ضئيلة إلى جنب مصلحة سيادة النظم في البلاد.
فكل ولاية مهما كان حجمها فإنها تحدد بالخطة التي رسمتها الولاية الكبرى السائدة في
البلاد، وإلاّ كانت الفوضى هي السائدة بدلاً من النظام.
أما موارد شمول "ولاية الفقيه" فهي جميع شؤون ولاية النبي و الأئمة (ع)، تلك الشؤون
القابلة للتفويض، مما يرجع إلى إدارة البلاد وسياسة العباد في جميع أبعاد الكلمة؛
فالفقيه مرجع الأمة في جميع شؤونها التشريعية والقضائية والانتظامية، كما كان النبي
والإمام كذلك على الإطلاق، لأن هذا هو معنى الخلافة، وأن الفقهاء خلفاء الرسل
وأمناؤهم بصورة عامة.
قال سيّدنا الأستاذ الإمام (مدّ في ظله): "فللفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة
(عليهم السلام) مما يرجع إلى الحكومة والسياسة، ولا يعقل الفرق، لأن الوالي ـ أي
شخص كان ـ هو مجري أحكام الشريعة والمقيم للحدود الإلهية والآخذ للخراج وسائر
الماليات والتصرف فيها بما هو صلاح المسلمين"(5).
وقد تقدم كلام المحقق النراقي: كل ما كان للنبي والإمام الذين هم سلاطين الأنام
وحصون الإسلام فيه الولاية وكان لهم، فللفقيه أيضاً ذلك إلاّ ما أخرجه الدليل(6).
وبكلمة جامعة: كل أمر كانت تشمله ولاية النبي بنص قوله تعالى: {النبيّ أولى
بالمؤمنين من أنفسهم} فإن ولاية الفقيه أيضاً تشمله، كما كانت ولاية الأئمة
المعصومين أيضاً كذلك، نظراً لوحدة الملاك، وهو ضرورة حكم العقل باحتياج الأمة إلى
مسؤول عام، ولعموم النص في الجميع على السواء.
نعم، لابدّ من توزيع المسؤولية في نظام الحكم الإسلامي، كما هو الشأن في سائر
الأنظمة الهادفة إلى تحقيق العدل في المجتمع وسيادة النظم عليه.
وهكذا كانت المسؤولية موزعة ومتدرجة في عهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)(7)؛
فكان هو (ص) واقعاً في قمة هذه المسؤولية الكبرى، وكان هو المسؤول الأعلى عن الأمة،
وتحت مسؤوليته مسؤولون، وتحت هؤلاء مسؤولون آخرون، وهكذا.. كانت المسؤولية يتسع
نطاقها وأفرادها حتى قاعدة المخروط.
وكذلك الفقيه العادل هو المسؤول الأول لكيان الدولة الإسلامية وترجع سائر
المسؤوليات إليه في نهاية المطاف، فهو الزعيم الأول القائم بأمور المسلمين كافة.
وبتعبير أوفى ـ اصطلح عليه المسلمون منذ البدء ـ: هو إمام الأمة ورئيس الملة على
الإطلاق، في شؤون الدين والدنيا جمعاء.
____________________________
1ـ الوسائل، ج18، ص107، رقم 37.
2ـ الوسائل، ج18، ص107، رقم 38.
3ـ المصدر نفسه، ص109، رقم 43.
4ـ والأصح أن لا تزاحم في المترفعات عن المادة، وقد قيل قديماً: لا تزاحم في عالم
المجردات.
5ـ كتاب البيع بقلمه الشريف، ج2، ص467.
6ـ العوائد، ص262.
7ـ قال رسول الله (ص) "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالأمير الذي على الناس راع
عليهم وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية بيت
بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على بيت سيده وهو مسؤول عنه؛ ألا
فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". (مسند أحمد بن حنبل، ج2، ص54ـ55).