مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

ولاية الفقيه أبعادها وحدودها

المقصد الأول: في إثبات الولاية العامة للفقيه الجامع للشرائط [الفصل الرابع]

فيما يستعصم به الولي الفقيه ويرفعه عن الزلل والانحراف
هنا سؤال خطير تستدعيه مسألة "ولاية الفقيه المطلقة" لا محالة، لأن الولاية المطلقة ـ وتعني الأولى بالمؤمنين من أنفسهم ـ تخوّل للفقيه حق التصرف في كافة شؤون المسلمين تصرفاً مطلقاً لا يقف في وجهه حدّ ولا يحجزه قيد، كما كان حقاً ثابتاً لرسول الله (ص): {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} الأحزاب:36.وكما هو مقتضى قوله (ع): "فإنهم حجّتي عليكم وأنا حجة الله عليكم"(1). والتأكيد أن مخالفته تؤدي في النهاية إلى حد الشرك بالله، كما في مقبولة عمر بن حنظلة(2). ويدل عليه ذيل الآية الكريمة: {ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيداً}.
فهي سيادة مطلقة تستدعي استسلاماً محضاً وانقياداً تاماً: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} النساء:59، {يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً} الأحزاب:56.
وهذا التلازم الطبيعي بين الولاية والإطاعة، القائم بين الإمام والأمة، يستدعي الثقة التامة والاعتماد الكامل من المسلمين بالنسبة إلى مواقف إمامهم وصاحب الولاية عليهم، فلا تزلّ به الأهواء ولا ينحرف مع الضلالات، ليكونوا على يقين من نظره الصائب وحكمه العدل، فلا يخطئه الحق أبداً ولا يميل إلى جور قط، في صيانة حصينة عن الانحرافات والاشتباهات في كل ما يتصرف أو يعزم على اتخاذ التصميم فيه.
الأمر الذي لا يمكن تصويره بشأن غير المعصوم وهو النبي والإمام (عليهما السلام)، حيث مقام العصمة المنيع تحول دون انحرافهم عن الحق والصواب أبداً، فما هو الذي يعصم الفقيه عن الزلل وعن الأخطاء؟
وبعبارة جامعة، العصمة هي ظهير الولي المعصوم، فما هو ظهير الولي الفقيه؟ وبماذا يكون الناس على ثقة تامة من إصابة ولي أمرهم في تصاميمه وعزائمه؟
1ـ مسألة الشورى
وللإجابة عن هذا السؤال الخطير، لابدّ أن نستطرق مسألة "الشورى" والنظر في موضعها من الحكم الإسلامي، فنقول:
إن نظام الحكم في الإسلام نظام الشورى ـ حسبما نذكر ـ وإن على إمام المسلمين أن يتخذ من ذوي الآراء وأصحاب النباهة من الأمة عماداً يستند إليه في إدارة البلاد. قال تعالى: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} آل عمران:159. والمقصود من الأمر هو مطلق الشؤون الإدارية. كما مدح تعالى المؤمنين تشاورهم في الأمور كلها {وأمرهم شورى بينهم} الشورى:38.
وهناك عمومات تفرض المشاورة في مطلق الأمور، الشاملة بعمومها لمحل البحث، وهو تصدي إمام المسلمين لإدارة شؤون الأمة:
قال رسول الله (ص): "الحزم أن تستشير ذا الرأي"(3).
وقال أمير المؤمنين (ع): "لا ظهير كالمشاورة"، و "من شاور الرجال شاركها في عقولها"، و "الاستشارة عين الهداية"، و "قد خاطر من استغنى برأيه"، و "من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الأخطاء"، و "من استبد برأيه هلك"(4).
وهل يكون إمام المسلمين مستثنى من هذا العموم؟ وقد كان علي (ع) يقول لأمراء جيشه: "لا أطوي دونكم أمراً". وردّ ذلك في كتابه إلى أمراء الجيوش "أما بعد؛ فإن حقاً على الوالي أن لا يغيره على رعيته فضل ناله وطول خص به ـ إلى أن قال ـ ألا وإن لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سرّاً إلاّ في حرب، (لأنها خدعة، وكان النبي (ص) إذا أراد حرباً ورّى بغيرها)، ولا أطوي دونكم أمراً إلاّ في حكم (أي الحدود الشرعية فإنها نافذة دون مشورة أحد) ـ إلى أن قال ـ فإذا فعلت ذلك وجبت لله عليكم النعمة، ولي عليكم الطاعة...".
وعليه فنظام الحكم في ظل ولاية الفقيه قائم على أساس المشاورة والأخذ بآراء الجماعة، وهي لا تجتمع على ضلال أبداً، عناية ربانية(5)، الأمر الذي أصبح ظهيراً للولي الفقيه، إزاء العصمة الإلهية التي كانت ظهيراً للنبي والإمام المعصوم (عليهما السلام).
2ـ آراء الجماعة المسلمة:
هناك ناحية أخرى أيضاً خطيرة في نظام الحكم الإسلامي، وهي مسألة استناد هذا النظام العادل إلى آراء الجماعة المسلمة، حيث الحق لا يخطئ جماعة المسلمين "يد الله مع الجماعة"، وهي أقوى ركن وعماد لإمام المسلمين في تمشية الأمور، تعاوناً مشتركاً عن إخلاص بين الإمام والأمة في إدارة البلاد؛ قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} آل عمران:103، و"حبل الله" هي "جماعة المسلمين" كما قال علي (ع): "والزموا السواد الأعظم، فإن يد الله مع الجماعة. وإيّاكم والفرقة، فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب"(6).
وقال (ع): "والزموا ما عُقد عليه حبل الجماعة وبُنيت عليه أركان الطاعة"(7).
قال رسول الله (ص): "إن الله وعدني في أمتي وأجارهم من ثلاث: لا يعمهم بسنة، ولا يستأصلهم عدوّ، ولا يجمعهم على ضلالة"(8).
إذن فرأي الجماعة المسلمة خير دعامة لنظام الحكم الإسلامي ولتوجيه المجتمع الإسلامي إلى جادة الحق ومنهج الصواب أبداً.
3ـ المسؤولية الجماهيرية:
وناحية ثالثة هي أيضاً مهمة في توجيه حياة المسلمين توجيهاً عادلاً، هي مسألة المسؤولية العامة (فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
قد أسلفنا أن المسؤولية في نظام الحكم الإسلامي موزعة على شكل مخروط يكون الولي الفقيه (أو إمام المسلمين) هو المسؤول الأول عن الأمة بكاملها، وهو واقع على قمة المخروط، وتحت مسؤوليته مسؤولون، وكذا تحت مسؤوليتهم أيضاً مسؤولون، وهكذا تتسع رقعة المسؤولية حتى قاعدة المخروط، حيث المسؤوليات الصغار الموزعة بين أفراد الأمة كلاًّ حسب مسؤوليته الخاصة "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"(9). فإذا كان المسؤول الأول رقيباً على مسؤولين تحت يده، فهؤلاء بدورهم رقباء على من تحت أيديهم، وهم على من يليهم، وهكذا إلى نهاية القاعدة.
لكن هذه الرقابة كما كانت مشرفة بتدريج من القمة إلى القاعدة حسب مراحل المسؤوليات، كذلك هي تعود صاعدة من القاعدة إلى قمة المخروط، حيث المسؤولون الواقعون تحت وفي أسفل المخروط هم رقباء على من فوقهم، وهؤلاء على من يرأسهم، حتى تصل الرقابة إلى القمة. وبذلك يصبح الكل رقباء على مواقف المسؤول الأول، الآخذ بزمام الأمة في مقام زعامته ومسؤوليته عن القيادة الكبرى.
وهذا من نوع الرقابة المتبادلة بين الرؤساء والمرؤوسين، نظير "الدور المعي" الجائز تحققه عند الأصوليين.
إذن، فكما أن الولي الفقيه رقيب على الأمة ومسؤول عن قيادتها قيادة صحيحة، كذلك الأمة برمتها رقيبة على الولي الفقيه في مواقفه القيادية: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} البقرة:143.
وبهذه المراقبة الجماهيرية "كلكم راع" يصبح المجتمع الإسلامي عاملاً بكليته وجاهداً في طريق الوصول إلى غايته المنشودة "الحياة السعيدة" دنيا وآخرة، الأمر الذي يجعل من فريضة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ضرورة حياة المسلمين العادلة الآمنة المطمئنة.
قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} التوبة:71.
قال رسول الله (ص): "لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نُزعت عنهم البركات، وسُلّط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء"(10).
وقال الباقر (ع): "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة؛ بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء، و يستقيم الأمر".
وقال (ع): "ويل لقوم لا يدينون الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
وقال الرضا (ع): "لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليستعملنّ عليكم شراركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم".
قال: "وكان رسول الله (ص) يقول: إذا أمتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليأذنوا بوقاع من الله"(11).
التواكل: الهروب عن مسؤولية وإلقاؤها على عاتق الغير.
نعم إذا لم يقم المسؤولون ـ إن كباراً أو صغاراً ـ بوظيفة المراقبة على أعمال من في مسؤوليتهم، في مدارج أعلى أو في مدارج أسفل، فعند ذلك يستغل الأمراء هذا التراجع من الأمة، فيمدون اليد إلى حقوق المستضعفين ويتجاوزون الحدود، حيث لا رادع ولا مانع، فيعود وبال ذلك التساهل من الأمة على نفسها، حيث تقاعسها عن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فويل ثم ويل لأمة لا تدين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ تلك الوظيفة الجماهيرية البناءة للمدينة الفاضلة المنشودة.
هذا ما ورد بشأن عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأما ما ورد بشأن قيام العامة في وجه الخاصة، وكذا قيام الأمة بنصيحة الإمام إذا رأوا انحرافاً أو قصوراً في قيادته، فكثير أيضاً:
قال رسول الله (ص): "من أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"(12).
وقال (ص): "ثلاث لا يغل عليها قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم"(13).
وقال أمير المؤمنين (ع): "إذا عملت الخاصة بالمنكر جَهاراً، فلم تغير عليه العامة ذلك، استوجب الفريقان العقوبة من الله عز وجل"(14).
وقال (ع): "لا يحضرن أحدكم رجلاً يضربه سلطان جائر ظلماً إذا لم ينصره، لأن نصرته على المؤمنين فريضة واجبة..."(15).
إذن، فالأواصر مستحكمة بين الأمة وزعيمها في ظل الحكم الإسلامي العادل؛ الإمام ساع بكل جهده في توجيه الأمة إلى سعادة الحياة، والأمة جاهدة في تحقيق أهداف إمامها وفق شريعة العدل بإطاعتها الواعية، فهذا من التجاوب العادل القائم بين أعضاء مجتمع صالح؛ كل يعين الآخر، سواء الرئيس والمرؤوس، لا فرق بينهما إلاّ في نوعية المسؤولية المتحملة حسب الاستعدادات والطاقات.
وفي هكذا مجتمع عادل، لا تحميل ولا تكليف، بل إرشاد وإراءة طريق، والقائد الزعيم إنما تختاره الأمة عن إرادتها عند وجدان الصفات المؤهلة في شخصه، فلم تختره في الحقيقة، بل وجدته على الصفات، فعرفته صالحاً للزعامة، فأذعنت لقيادته، فلم يكن محملاً عليهم بعد ذلك الوجدان وهذه المعرفة.
فالأمة التي اختارت الإمام هي كفيلة بمعاونته ومساعدته التي من جملتها نصحه عند احتمال الخلل والقصور؛ فقد صفي الإخلاص من الجانبين، وكان العدل هو السائد على أرجاء البلاد.
وعليه، فكما أن الأمة معصومة عن الانحراف بوجود إمامها العادل الحكيم، كذلك الإمام معصوم عن الخطأ والزلل بمراقبة الأمة لأعماله والتعهد بنصحه عند الاحتياج.
4ـ العناية الربانية:
كانت العوامل الثلاثة (المشاورة مع ذوي الرأي والعقول الراجحة، والاستناد إلى آراء الأمة، والمسؤولية الجماهيرية) عوامل ظاهرية تعصم من موقف الولي الفقيه عن الزلة والانحراف.
وهناك عامل رابع معنوي لعله أهم وآكد على الثقة بموقف الفقيه الرباني عن الخطأ والضلال في توجيهاته الحكيمة، ألا وهو العناية الإلهية التي تشمل أولياءه المخلصين، وتعصم مواقفهم عن الانحراف والانعطاف.
إنها قاعدة اللطف قد ضمنت للمؤمنين الأبرار تأييدهم والأخذ بنصرتهم في المواقف الحرجة، فوليّ المسلمين القائم بإدارة شؤونهم في الحياة العليا أولى بالتأييد والعناية والتوفيق. ومن ثم فالمؤمن حقاً ينظر بنور الله، ويشقّ طريقه إلى الأمام في ضوء هديه تعالى {هو الذي ينزل على عبده آيات بيّنات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم} الحديد:9.
وقال: {يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} الحديد:28.
قال أمير المؤمنين (ع): "وما برح لله ـ عزت آلاؤه ـ في البرهة بعد البرهة وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلّمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الأسماع والأبصار والأفئدة، يذكّرون بأيام الله ويخوّفون مقامه، بمنزلة الأدلة في الفلوات؛ من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه وبشروه بالنجاة، ومن أخذ يميناً وشمالاً ذمّوا إليه الطريق وحذّروه من الهلكة، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلة تلك الشبهات...
ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحققت القيامة عليهم عداتها فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا، حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون.
فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة ومجالسهم المشهودة... لرأيت أعلام هدى، ومصابيح دجى؛ قد حفت بهم الملائكة، وتنزّلت عليهم السكينة، وفُتحت لهم أبواب السماء، وأُعدت لهم مقاعد الكرامات، في مقام اطلع الله عليهم فيه فرضي سعيهم وحمد مقامهم...
فحاسب نفسك لنفسك فإن غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك"(16).
____________________
1ـ في التوقيع الشريف، الغيبة للطوسي، ص177.
2ـ الكافي الشريف، ج7، ص412، رقم 5.
3ـ بحار الأنوار، ج75، ص104ـ105.
4ـ نهج البلاغة، الكتاب رقم 49.
5ـ يأتي تفصيله في الفصل القادم.
6ـ نهج البلاغة، الخطبة رقم 124 في كلام له مع الخوارج.
7ـ المصدر نفسه، الخطبة رقم 149.
8ـ سنن الدارمي، ج1، ص25، باب 8 من المقدمة.
9ـ مسند أحمد، ج2، ص54.
10ـ الوسائل، ج11، ص398، رقم 18.
11ـ الوسائل، ج11، ص393، رقم 1 و4 و5 و6.
12ـ الكافي الشريف، ج2، ص163.
13ـ بحار الأنوار، ج75، ص66، رقم 5.
14ـ الوسائل، ج11، ص407، باب 4 من الأمر بالمعروف.
15ـ المصدر نفسه، ص408.
16ـ نهج البلاغة، كلام قاله عند تلاوة قوله تعالى {رجال لا تلهيهم...}. المقاوم: المواقف المشهودة.

السابق || التالي 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية