مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

ولاية الفقيه أبعادها وحدودها

المقصد الثاني: في نظام الحكم الإسلامي

وفيه فصول:
الفصل الأول
في بيان الحاجة إلى الحكم
مما لاشك فيه أن الجوامع الإنسانية ــ في كل البقاع وفي جميع الأدوار ــ كانت ولا تزال بحاجة ماسة إلى هيئة عليا تقوم بإدارة شؤونها وتسيير أمورها العامة.
أولاً: لتجميع القوى الفعالة المبعثرة في المجتمع وتوجيهها جميعاً لخدمة المصالح العامة.
ثانياً: لتحقيق التناسق الضروري بين الاحتياجات الاجتماعية المتفاوتة وتحديدها تحديداً يمنع من تضاربها وتزاحمها وإشباع تلك الاحتياجات.
ثالثاً: لترسيم الخطة التي يجب أن تسير عليها الأمة في حياتها الهادفة إلى السعادة والكمال، سيراً في ظل الأمن والعدالة.
الأمر الذي يتلخص في (ترسيم الهدف) و(توحيد الصف) و(تأمين الحاجة) و(تحقيق العدالة): أركان أربعة تقوم عليها المجتمع الإنساني السعيد الهادف إلى الكمال، وهي وظائف أولية مفروضة على عاتق الدولة، تقوم بها لتحقيق كيان الأمة.
وعليه، فالأمة بحاجة ماسة إلى هيئة تحمل على عاتقها مهمة توحيد الآراء في القضايا العامة التي يتطلب الموقف فيها رأياً موحداً، وتمتلك القاطعية والواقعية والقدرة على التنفيذ، الأمر الذي يتلخص في قولنا: "بسط العدل الاجتماعي".
إن العائلة الصغيرة التي تشكّل نواة المجتمع الكبير، وكذا سائر المجتمعات الصغيرة أمثال الشركات والمصانع والمدارس، لتحتاج إلى هيئة موجهة مشرفة على إدارتها وتعيين مسيرتها وتنسيق أمورها، فكيف بالمجتمع الكبير الذي يضم مختلف الوحدات الاجتماعية وأنواع النزعات العاطفية والسياسية والفكرية.
وفي حديث الفضل بن شاذان، من العلل التي يرويها عن الإمام الرضا (ع) قال: فإن قال قائل: فلم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم؟ قيل: لعلل كثيرة:
منها: أن الخلق لما وقفوا على حد محدود، وأمروا أن لا يتعدّوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلاّ بأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم، لأنه لو لم يكن ذلك لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره؛ فجعل عليهم قيماً يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والأحكام.
ومنها: أنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس، ولما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا؛ فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لابدّ لهم منه ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتلون به عدوهم ويقسمون فيئهم ويقيم لهم جمعهم وجماعتهم ويمنع ظالمهم من مظلومهم.
ومنها: أنه لو لم يجعل لهم أماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً، لدرست الملة وذهب الدين وغيّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون ونقص منه الملحدون، وشبّهوا ذلك على المسلمين. لأنا وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت أنحائهم؛ فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول (ص) لفسدوا على نحو ما بيّنا، وغيّرت الشرائع والسنن والأحكام والأديان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين"[1].
وفي هذا الحديث ــ وأمثاله كثير ــ إشارة إلى الأسباب الداعية لوجوب قيام هيئة عليا، أو الحكومة ــ بتعبير أوضح ــ بإدارة شؤون الأمة، وضرورة تخويلها سلطة مطاعة تمكّنها من تحقيق أهداف الأمة العليا، والقدرة على قطع جذور الفساد من جامعة المسلمين، لتحكيم العدل وسيادة الأمن. هذا هو الهدف والغاية من تشكيل حكومة عادلة في البلاد.
الفصل الثاني
في أنحاء الحكومات
يتنوع الحكم إلى نوعين أساسيين: الحكم الذاتي، والحكم الأجنبي.
والحكم الذاتي، هو الحكم النابع من صميم الأمة، بأن تحكم الأمة على نفسها بنفسها ولنفسها، وتقوم هي بإدارة شؤونها الاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية وغيرها، الناشئة عن إدارتها الخاصة وعن اختيارها بالذات، الأمر الذي نسمّيه بالحكم الذاتي العادل، سواء كان القائم بالأمر فرداً أو هيئة عليا كانوا نخبة الأمة وموضع ثقتهم واختيارهم بالذات.
ويقابله الحكم الأجنبي الذي يحكم الأمة قهراً ورغم إرادتها، سواء كان تحميلاً من الخارج كأنواع الحكومات الاستعمارية الدارجة، أم كان من داخلها على يد فرد أو جماعة قامت بقوة السيف وبمنطق الغلبة، فأخذت بزمام الأمر توجهه حيث شاءت رغم إرادة الأمة، كغالبية الحكومات الاستبدادية وشبه الاستبدادية، التي ترضخ كثير من الأمم تحت وطئتها الثقيلة. وهي التي نعبر عنها بحكومة الطواغيت.
ويتنوع أيضاً حسب لون الحكم إلى ثلاثة أنواع:
1ــ الحكم الفردي: وهو استقلال فرد بزعامة البلاد سواء حقاً أم باطلاً.
2ــ الحكم الحزبي: وهو سيطرة حزب سياسي أو فئة خاصة على مقدرات أمة بكاملها.
3ــ الحكم الشعبي: وهو حكومة مستندة إلى اختيار الناس وإرادتهم بالذات.
ولهذه الأنواع أشكال وصور من الحكم العادل أو الظالم تختلف باختلاف الأزمان والأحوال وبنسبة اختلاف الشعوب في الوعي والثقافة.
ومن ثم، فالحكومات، التي تأسست منذ تاريخ البشرية ولا تزال، تختلف بحسب الأنظمة التي سادت الجوامع الإنسانية، منها الأقرب إلى قانون العدل، ومنها الأبعد، وإنما هي حسب الوعي الذي يمتلكه كل شعب من الشعوب. وقد قيل قديماً: "كما تكونون يولّى عليكم".
وإليك نماذج من أنظمة الحكم الدارجة:
1ــ الملكي المطلق:
وفي هذا النظام يحكم الفرد حكماً مطلقاً لا يحول دون عزمه شيء، حيث السلطان المطلق يتصرف في ملكه ما يشاء، فهو المالك على الإطلاق، والبلاد ملكه، والناس عبيده، ومن أمثلته البارزة اليوم الحكم الأردني بزعامة حسين بن طلال، والحكم القابوسي في عمان، وقد كان الشاه محمد رضا بهلوي المثل الأعلى لهذا النمط من الحكم الدكتاتوري الجائر، كما كان أبوه من قبل، وأكثر السلاطين الذي حكموا إيران كانوا طواغيت.
2ــ الملكي الدستوري:
وهو نظام دستوري، يكون الحاكم على البلاد هو القانون الذي يسنّه المجلس النيابي، ويكون مسؤول التنفيذ والإجراء الدولة التي تشكّلها هيئة الوزراء، الذين يعيّنهم رئيس الدولة تحت إشراف النواب. أما الرئيس فيتم انتخابه حسب أكثرية الآراء في إطار حزبي أو جماهيري.
وأما الملك، فهو وجود رمزي تشريفي لا شأن له في إدارة البلاد وتنظيم السياسات سوى احترامه الخاص كسائر الأشياء الأثرية التي تتعاهدها الأمة حفظاً على تاريخها السلفي العتيد. ولعل الأمر في الجزيرة البريطانية ما يقرب من ذلك.
3ــ الجمهوري الشعبي:
وهو الذي يتم انتخاب الرئيس بتصويت جماهيري عام على أساس من حرية الآراء من كافة طبقات الأمة، وتكون سمته هي مسؤولية الوئام بين جهاز الحكم المتشكل من المجلس النيابي والدولة والهيئة القضائية. وفي ظل هكذا نظام جماهيري تكون الأمة هي الكافلة لإدارة شؤون نفسها بإرادتها واختيارها، وهي التي تقبض على مقدراتها وتوجه مسيرها على الخطة التي رسمتها لنفسها، على يد خبرائها والاختصاصيين النابعين من صميم الأمة.
الأمر الذي لا يوجد له على وجه الأرض مثيل سوى الحكم القائم اليوم في إيران، المنتفضة على يد زعيمها الرباني الحكيم، الإمام الخميني (دام ظله).
4ــ الجمهوري الحزبي:
وهو نظام حزبي يتم انتخاب الرئيس بتصويت حزبي محدود في إطار من توجيهات حزبية، وليس لرأي الشعب مهما بلغ الأكثرية الساحقة أي وزن، ويكون الحزب الغالب هو الذي قبض على زمام الحكم وتسلط على مقدرات البلاد، يسير بها وفق أهدافه الحزبية الخاصة، غير مكترث لميول الشعب ونزعاته وأهوائه.
وهذا النوع من الحكم الحزبي على قسمين، نظراً لأن الرئيس الذي يتم انتخابه على يد الحزب مباشرة، قد يكون بسمة رئيس الدولة ويكون هو الحاكم على البلاد، ويكون إلى جنبه مقام رئاسة جمهورية مقاماً رسمياً تشريفياً لا أكثر، كما هو نظام الاتحاد السوفيتي، ومثله الجمهورية الهندية في الوقت الحاضر.
وأخرى يكون الرئيس المنتخب هو الذي يشغل مقام رئاسة الجمهورية، ويكون إلى جنبه رئيس الدولة اسمياً مجرداً، أو لا يوجد في ذلك النظام موضع يشغله رئيس الوزراء، كما هو نظام الصين الشعبية اليوم.
والخلاصة: الحكم الذي يفرضه النظام الحزبي يكون الرئيس الحاكم على البلاد هو رئيس الحزب الذي تم انتخابه في إطار حزبي صرف؛ فتارة يكون هو رئيس الدولة، فيكون إلى جنبه رئيس الجمهورية رمزياً، كما هو النظام الحاكم في الاتحاد السوفيتي، وأخرى يكون هو رئيس الجمهورية كما في النظام الصيني.
5ــ الجمهوري الطبقي:
وهو نظام طبقي رأسمالي؛ فيحكم البلاد ويدير شؤونها السياسية الداخلية والخارجية طبقة خاصة، هم الذين قبضوا على ثروات البلاد الزراعية والصناعية والطبيعية، ومن ثم أكسبتهم قدرة التدخل في جميع شؤون البلاد وتوجيهها حيث يؤمن عليهم أهداف الاستثمار والاستضعاف، وهو النظام الحاكم في الولايات المتحدة، وشعارها الوحيد: (حكومة الثروة بقوة الثروة لتحصيل الثروة).
6ــ الجمهوري الشكلي:
بأن يتغلب فرد أو عصابة على مقدرات الأمة ويقبضوا بزمام السلطة عليهم بقوة السيف والغلبة، فيحكموا البلاد باسم جمهورية شعبية أو ما شاكلها من شعارات فارغة لا حقيقة لها؛ فلا هناك تصويت عام ولا انتخاب ولا انتداب، وإنما هو الرصاص والقهر ورغم الأنوف. وأكثر الجمهوريات المعروفة اليوم هي من نفس النمط المدسوس، كما هو الحال في العراق ومصر والسودان وغيرها من بلاد تعيسة.
والرئيس الحاكم على مثل هذه الجمهوريات الاسمية، هو السلطان المطلق قيد حياته المشؤومة، نظير السلطات الملكية بلا فرق في الحكم الاستبدادي المطلق، سوى مسألة عدم التوارث، وإنما يرثه المتغلب الآخر. "فما ظالم إلاّ سيبلى بأظلم".
ميزة الحكم الإسلامي
وبعد.. فيمتاز الحكم الإسلامي في نوعيته، بمحتواه الأصيل المشتمل على جميع محسّنات الحكم العادل، بعيداً عن كل سيئة يفرض وجودها في سائر أشكال الحكومات.
إن الحكم الإسلامي قائم على أساس الفطرة؛ الإسلام يعرض الحكم على نحو يتلقاه الإنسان بكل رحابة عن فطرته الأصيلة، لأنه مع تحفظه الشديد على توثيق الصلة بين الله وبين عباده في الأرض، في نفس الوقت يراعي مصالح هذا الإنسان في كافة أبعاد حياته في مستواها الأعلى، ويؤمن له شرفه وفضيلته وكرامته في الحياة.
إن الحكم الإسلامي ذو طابع مزدوج جامع بين معنوية الحياة و ماديتها، {وابتغِ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا} القصص:77. فليس من الإسلام من ترك آخرته لدنياه، ولا من ترك دنياه لآخرته، بل الدنيا مزرعة الآخرة، متلازمتان متشابكتان لا فصل بينهما ولا تنافر.
الحكم الإسلامي في نظامه العريض ليس حكماً على الإنسان، وإنما هو تربية خالصة للسير به نحو الكمال، فهو منهج تربوي، لا فرض الرأي والإرادة.
فقد جاء الأنبياء لإثارة ما في العقول؛ فالعقل رسول الله الباطني، والأنبياء رسله الظاهرة. فالشريعة مطابقة للفطرة، والفطرة هي عين الشريعة. ومن ثم فلا تحميل ولا تكليف في الحقيقة، بل إرشاد وهداية إلى واقع المصلحة، كما سنذكر في الفصل التالي.
وأخيراً فتعيين نوع الحكم في ظل الإسلام إنما كان بحاجة إلى مراجعة قواعد الشريعة في أصوله؛ أما الفروع المتشعبة وفق مصالح الزمان والمكان وعلى مقتضيات الأحوال والأوضاع القائمة في كل حين، فموكولة إلى إرادة الإنسان واختياره بالذات، ما لم تخرج عن إطار شرع الإسلام.
الفصل الثالث
طريقة انتخاب الرئيس في الحكم الإسلامي
"لا تحميل ولا استرسال إلى غوغاء العوام"
الحكم الإسلامي قائم أساس فطرة الإنسان؛ الفطرة الأصيلة التي جبل الإنسان عليها، والتي تهدف في قرار ذاتها إلى تأمين مصالح الحياة المشروعة في وئام وسلام.
الإنسان مفطور على الاستقامة وحب السلام، ومن ثم فإن أصالته الذاتية لتقوده دائماً إلى تحقيق العدل في المجتمع وسيادة الأمن في البلاد.
هذا ما يقتضيه العقل الرشيد الذي فطر الإنسان عليه وجاء الأنبياء لدعمه وإثارة ما في طيّه من طاقات.
قال أمير المؤمنين (ع): "فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه؛ ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسي نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول"[2].
وقال الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لابن الحكم: "يا هشام، إن لله حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة؛ فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأما الباطنة فالعقول"[3].
وليس العقل سوى تلك الطاقة الكامنة في الإنسان التي تحفزه دوماً إلى سلوك الحق واختيار النهج الأفضل في الحياة؛ تلك الحفزة التي قامت بها الأنبياء والمصلحون الكبار طوال التاريخ.
إن من أصول عقيدتنا أن الأحكام الشرعية، الإلزامية منها وغير الإلزامية، لتنم جميعاً عن مصالح واقعية تعود بالنفع الكبير ــ إن معنوياً أو مادياً ــ إلى البشرية ذاتها، وقد لاحظها الشارع الحكيم لطفاً بعباده المؤمنين.
إن هذه العقيدة بمقام حكمة الشارع المقدس وعلمه بالمصالح والمفاسد، إلى جنب رأفته ورحمته الواسعة، لتقودنا إلى اليقين بمصالح كامنة وراء التكاليف، وأن الأحكام الشرعية إنما هي حدود مضروبة دون سيادة الفوضى وشيوع الفساد في الأرض.
وقد قيل قديماً: "إن الأحكام الشرعية هي ألطاف في الأحكام العقلية"؛ أي الشريعة هي بعينها منهج العقل الرشيد.
وعليه، فالقوانين الإلهية هي ذات طابعين: طابع شرعي لاحظه الشارع المقدس مصلحةً للعباد، وطابع عقلي أدركته الفطرة السليمة سعادةً للإنسان، الأمر الذي برهنت عليه فلسفة الوجود، وأيّده العلم عند كشفه كثيراً من أسرار الحياة ولا يزال.
وعلى نفس النمط كان شأن "نظام الحكم" الذي منحناه البارئ الحكيم لتنظيم حياة الإنسان المادية والمعنوية، ذلك هو النظام الصالح للإنسانية، والموافق لفطرتها في تسيير الحياة السعيدة الآمنة المطمئنة، وهو صراط الله المستقيم {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلكم تتقون} الأنعام:153.
وبعد.. فإذا كان تعيين الحاكم من قبل الله تعريفاً به وإرشاداً إلى ما حكمت به الفطرة، لا تحميلاً على إرادة الإنسان ورغم اختياره الخاص، فهذا التعيين ــ أو بالأحرى هذا التعريف ــ على نوعين:
1ــ تعيين بالتنصيص: كما في شأن الأنبياء والأئمة الأوصياء (عليهم السلام)، حيث مقام العصمة سر لا يطّلع عليه سوى علام الغيوب.
وذلك لأن العقل يشترط في مبلّغ الشريعة (النبي) وحافظها (الإمام) أن يكون معصوماً؛ تلك العصمة التي هي عناية ربانية خاصة تحول دون ارتكاب خطأ أو احتمال سهو أو اشتباه في بيان الشريعة وأدائها وتفسيرها.. العقل يشترط ذلك، وحيث لا سبيل له إلى معرفة تحققه في شخص مدعي النبوة أو الإمامة، فاستدعت قاعدة اللطف أن يقوم البارئ تعالى بتعريفه والتنصيص عليه تكريماً لمقام العقل[4] ورحمة بالعباد.
ومن ثم، لابدّ أن يستصحب النبي معجزة هي دلالة على تبليغه من قبل الله، كما يجب أن ينص النبي على خلفاءه المعصومين بالتصريح والبيان الجليّ.
2ــ تعيين بالتوصيف: كما في شأن ولاية الفقهاء الأكفاء.
والشرط في ولاية الفقيه أن يكون عادلاً في سلوكه عارفاً بمواقع الشريعة، الأمر الذي يمكن الاطلاع عليه بالمعاشرة والمراقبة على تصرفاته في أمور المعاش والمعاد، لأن العدالة عبارة عن الالتزام بآداب الشريعة في الأقوال والأفعال في الخلاء والجلاء، مما يمكن الوقوف عليه في طول المعاشرة.
كما أن الشريعة المقدسة جاءت بأوصاف الفقيه الوليّ، إن هي وجدت فيه فهو ولي المؤمنين حقاً: "فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه"[5].
وهي شروط معتبرة لدى العقل وتوافقت عليها الفطرة أيضاً، حيث الإطاعة المطلقة في شؤون الدين والدنيا تستدعي كفاءة الوليّ المطاع وعدالته، فلا تغلبه الأهواء ولا تنعطف به النزعات.
تلك طريقة وسطى بين الانتصاب والانتخاب، هي طريقة العثور والوجدان، لا نصب من فوق ليكون انتصاباً رغم إرادة الشعب، ولا إيكال مطلق إلى رعاع الناس، ليكون انتداباً مخالفاً لإرادة الله. وإنما هي طريقة انتخاب العقل الذي توافقت عليه الفطرة إلى جنب شريعة الله؛ فالذي من الشارع هو بيان أوصاف ولي الأمر، والذي من الناس هو الفحص عن واجد الأوصاف كملاً حقيقة، ثم انتخابه زعيماً وقيّماً على أنفسهم.
انتخاب أم وجدان؟
وهذا النمط من طريقة انتخاب الزعيم في الحكم الإسلامي، هو في الحقيقة طريقة العثور على جامع أوصاف اعتبرها العقل الرشيد والشرع الحكيم في شخصية الزعيم، الأمر الذي انجذب إليه الإنسان الواعي بدافع فطرته وبحافز من هدي السماء. فهذه الطريقة في الواقع تعرف عن ضالة منشودة، وطلب حثيث عن مطلوب معروف بحدوده ونعوته من ذي قبل لدى الشريعة والعقل.
الزعيم في الحكم الإسلامي شخصية فذة يمتلك صفات ونعوتاً أهّلته لزعامة المسلمين، وعلى المسلمين أنفسهم الفحص عنه والتأكد من تحقق تلك الصفات في شخصه.
تلك هي الطريقة الوسطى التي لا تحميل فيها رغم الأنوف، ولا إيكال إلى اختيار غوغاء العوام، كي يخطبوا خبط عشواء أو يميلوا مع كل ريح.
انظر إلى التعبير الذي جاء في الحديث، حيث أعطى الإمام (ع) أولاً صفات، وشرط توفرها في الفقيه الصالح للمرجعية، ثم قال "فللعوام أن يقلدوه"، أي من كان مستجمعاً لتلك النعوت كان صالحاً لتحمل مسؤولية ولاية الأمر. لأن التقليد عبارة عن جعل المسؤولية في رقبة الغير[6]. والعوام جمع العامة لا العامي[7]، أي على كافة الناس بأجمعهم أن يكونوا في طلب فقيه كفوء عادل فيقلدوه مسؤولية أمرهم في الإدارة والسياسة.
ولم تزل العادة جارية عند الشيعة الإمامية ينتدبون لمقام الزعامة من يجدونه مستجمعاً للشرائط فيختارونه مرجعاً أعلى في جميع شؤون الطائفة، لا تحميل عليهم في تولّي الرئاسة، ولا هم يخبطون خبط عشواء بعد أن كان انتخابهم على ضوء الأوصاف المتلقاة من الشارع المقدس. وقد ساعدهم التوفيق طول عهد الغيبة، حيث كان تصدي المرجعية لفقهاء أكفاء دائماً في جميع الأدوار، إذ لا تخلو الأرض من حجة لله ظاهرة على الخلق، وفق قاعدة اللطف، وقد تقدم ذلك في كلام الرسول الأعظم وكلام مولانا أمير المؤمنين (عليهما السلام)[8].
الفصل الرابع
مقومات الحكم الإسلامي
يرسو نظام الحكم الإسلامي على قاعدتين أساسيتين:
1ــ أساس الشورى {وأمرهم شورى بينهم}[9].
2ــ توزيع المسؤولية "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"[10].
وقد تكلمنا عن هاتين القاعدتين بصورة مفصلة، وهنا نحاول أن نقول:
لاشك أن إدارة البلاد، في جميع شؤونها السياسية والإدارية وغيرها، ليست مما يقوى عليه كاهل إنسان واحد مهما ملك من طاقات وقدرة تدبير. إن إدارة البلاد بحاجة إلى أيادي متعاونة متعاضدة بعضها إلى جنب بعض، لحمل هذا العبء الثقيل؛ فلابدّ من توزيع المسؤوليات حسب الطاقات والقابليات الموجودة في الأفراد القائمين بإدارة البلاد.. هذا أولاً.
وثانياً: لابدّ أن تكون المسؤوليات متناسبة حجماً وأهمية مع الاستعداد والاختصاص الذي يحمله المسؤول، وإلاّ لقصر عن إيفاء المسؤولية أو تذهب الطاقات هدراً، فيما لو لم تتكافأ الطاقة مع المسؤولية المفوضة، إما زيادة على طاقته فيضعف عن حملها، أو أقل من شأنه فيذهب الاستعداد الأوفى هدراً.
وثالثاً: إخلاص المسؤولين في قيامهم بأمر المسؤولية، الأمر الذي هو بحاجة إلى إيمان صادق بالمبادئ الفكرية التي يعتنقها الحكم القائم في البلاد.
ورابعاً: توافق المسؤوليات، لتكون الواحدة معاضدة للأخرى ومساندة بعضها إلى بعض، وبذلك تتقدم البلاد في أمر الصناعة والزراعة والتجارة إلى جنب السياسة وسائر الشؤون.
وأما إذا تقاعس البعض عن أداء وظيفته، فإن إدارة البلاد سوف تشلّ ويختل التوازن في حركتها التقدمية.
وخامساً: سيطرة نظام واحد على كافة أرجاء البلاد، والمراقبة الشديدة على هذه الوحدة، السياسية والثقافية والاقتصادية، وفي أصل الخطة التي تسير عليها الدولة المركزية، وإلاّ لأصبحت البلاد أشلاء مجزأة بعضها عن بعض، فسرعان ما يطغو عليها الفساد والدمار.
أما الشورى: فيديرها مجلس أعلى يضم مندوبي الأمة الحقيقيين الذين تم انتخابهم على يد الأمة مباشرة.
ويحتل هذا المجلس المحل الأول في إدارة شؤون البلاد حيث مركز التصميم العام، والناظر على إجراءات كافة الأمور، ليكون هو الحافظ على مصالح الأمة والصادر عنه جميع التصميمات المتخذة بشأن البلاد. وفي الحقيقة هو القابض على أزمّة الأمور بيد قوية عاملة.
كما يجب أن تكون هناك مجالس أخر للشورى في الشؤون المحلية وفي الدوائر والمعامل ومراكز المدن لعلاج شؤونهم الخاصة تحقيقاً لمسألة حكومة الشورى في البلاد في كافة الشؤون الكلية والجزئية، لكن الجميع على خطة واحدة مرسومة لمقدرات البلاد.
القوى الثلاث العاملة في البلاد
وقد تعارف توزيع القوى العاملة في البلاد إلى ثلاث مراكز أساسية:
1ــ المجلس النيابي: وهو الأصل الأول للسيطرة على مقدرات البلاد، وهو المصدر التشريعي الذي يمثل آراء الأمة وتحكيم إرادتها وترسيم الخطة التي تسير عليها الدولة لتحقيق مصالح الأمة في السياسة والاقتصاد.
2ــ هيئة الوزراء (الدولة): وهي القوة العاملة في سبيل تأمين الرفاه العام والمسؤولة عن تنفيذ القوانين المشترعة من قبل منتخبي الأمة في مختلف الشؤون الإدارية للبلاد؛ وبكلمة جامعة هي المسؤولة عن تحقيق أهداف الأمة، وتأمين مصالحها في عرصة الوجود.
3ــ المرجع القضائي: المتعهد لسيادة الأمن في البلاد، وتحقيق بسط العدل بين العباد؛ فهو المدافع عن حقوق الأفراد والجماعات، والمحافظ على حرياتهم في التمتع بالحياة السعيدة في إطار قانون العدل والإنصاف.
تلك مراكز ثلاثة تتعاهد إدارة شؤون البلاد على مختلف أنحائها وأطوارها وأشكالها، ولابدّ في أية دولة (بمعناها الأعم) من وجود هذه المراكز الثلاثة في حياتها السياسية والإدارية.
لكن يجب أن يسيطر على الجميع مرجع أعلى يكون مسؤولاً تجاه الأمة عن ائتلاف القوى الثلاث وانسجامها في العمل البناّء، وهو الرئيس الأول وإمام المسلمين الحاكم في أمورهم والقيّم عليهم في شؤون الدين والدنيا.
هذا هو التشكيل الأصولي لبنية الحكم الإسلامي العادل، ذي المسؤولية العامة. وقد يختلف بعض الحكومات في فروع وجزئيات متناسبة مع الظروف القائمة، وهذا لا يهم بعد الحفاظ على الأصول والكليات.
وعليه، فرئيس الحكومة أصالة ــ حسب النصوص الدينية ــ هو الفقيه الجامع للشرائط الذي تم ترشيحه لمقام الزعامة من قبل الشريعة المقدسة، بتوفر صفات ونعوت أهّلته لذلك، كما تم انتخابه بمبايعة الأمة بعد أن وجدوه على الصفات.
نعم يجوز أن يستخلف الإمام الأصل من يباشر أمور الأمة من قبله وعن إذنه، إذا كان صالحاً وذا كفاءة في إدارة البلاد. كما يجوز أن يعطي الإمام أوصافاً، لتختار الأمة من وجدوه على الصفات، كما كان الحال في جمهوريتنا الإسلامية الفتية، صانها الله عن كيد الأعداء، وأيّدها بروح منه، تحت قيادة الإمام الكبير الخميني العظيم (دام ظله) حتى ظهور صاحب الأمر (عجل الله فرجه الشريف).
وصلى الله على سيّدنا محمد وآله الطاهرين. والحمد لله وله الشكر متواصلاً.
قم ــ محمد هادي معرفة
1360 هــ ش
__________________
[1] عيون أخبار الرضا، ج2، ص99، طبعة النجف، باب 34، رقم 1.
[2] نهج البلاغة، الخطبة الأولى.
[3] الكافي الشريف، ج1، ص16، حديث 12، كتاب العقل.
[4] قال الإمام الباقر(ع): "لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل. ثم قال له: أدبر فأدبر. ثم قال: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إليّ منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب؛ أما أني إياك آمر، وإياك أنهى، وإياك أعاقب، وإياك أثيب". الكافي الشريف، ج1، ص10، باب العقل، الحديث رقم 1.
وقال: "إنما يداقّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا". الحديث رقم7، ص11.
[5] الوسائل، ج18، ص95، حديث20، باب10 من صفات القاضي.
[6] قد بحثنا عن ذلك في شرح مفهوم التقليد لغة واصطلاحاً في مباحثنا في الفقه، وذكرنا حديث أم خالد العبدية: "دخلت على أبي عبد الله (ع)، فسألته عن شرب النبيذ لعلاج وجع كان يعترى بطنها فقال لها الإمام: ما يمنعك من شربه؟ فقالت: قد قلدتك ديني. فنهاها عن شربه". الوسائل، ج17، ص275.
أي جعلت مسؤولية شربه في عنقك، فامتنع (ع) من إجازتها.
وهكذا ورد في حديث الأعرابي مع ربيعة الرأي: سأله عن مسألة فأجابه. فقال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فكرّر عليه الأعرابي، ولم يزل ربيعة ساكتاً. وكان الإمام أبو عبد الله (ع) حاضراً في المجلس، فقال للأعرابي: "هو في عنقه، قال أو لم يقل". الوسائل، ج18، ص161.
[7] العامة مأخوذ من عمّ عموماً (مضاعف العين واللام). والعامي مأخوذ من عمى (معتل اللام) والفرق بينهما كبير.
[8] تقدم في الحديث التاسع. وفي العناية الربانية عن النهج.
[9] الشورى:38.
[10] مسند أحمدج2، ص54ــ55.

السابق

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية