مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه

الفصل التاسع: ولاية الفقيه

الهدف من القانون تلبية حاجات الإنسان المادية والمعنوية في حياته الاجتماعية؛ ولما كان القانون لا يتمتع بذاته بضمانة تنفيذية، فلابد من جهاز حكومي يتولّى تنفيذه، والحكومة تؤلف مع السلطتين التشريعة والقضائية جهازاً منسجماً ومتناسقاً تابعاً لمركز السلطة واتخاذ القرار، لكي لا يحدث خلاف في الرأي فتنفصم عرى المجتمع.
وهذا المركز الذي يقف على رأس الحكومة يضمن وحدة المجتمع وتنسيق القوى المتعددة للمؤسسات المختلفة، وفي نظرية (ولاية الفقيه) يقف على رأس الحكومة من يتمتع بالشروط الخاصة للقيادة في الإسلام، فتؤدي السلطات الأخرى واجباتها بإشرافه.
والمعلوم أن بحث هذا الموضوع من الناحية الفقهية بعنوان (ولاية الفقيه) و(الحكومة الإسلامية) مع مصطلحاته وعناوينه الفنية الخاصة به قد طرح وكتب ونشر مرات كثيرة، وفي الفترة الأخيرة يعدّ أول كتاب في هذا الشأن ذلك الكتاب الشهير للإمام الخميني (قدس سره) والذي اشتهر باسم (الحكومة الإسلامية)، حيث يضم مجموعة البحوث الفقهية التي ألقاها ذلك الرجل العظيم في حوزة النجف العلمية. وهدفنا هنا أن نتناول هذا الموضوع بعبارات مبسطة يفهمها عامة الناس لكي يتمكنوا عند الضرورة من الدفاع بطريقة معقولة عن هذه النظرية، ويتسلّح أنصار العنصر العقائدي المهم بأدلّة مقنعة مقابل شبهات الآخرين.
الحكومة والقيادة في عصر الغيبة
بعد الاقتناع بضرورة وجود الحكومة في المجتمع وتوضيح أدلة الإسلام على ضرورتها، فمن الواضح في عصر حضور المعصوم مثل شخص رسول الله (ص) والأئمة المعصومين (ع) أنهم سيكونون هم على رأس السلطة، وتلك هي الحكومة المثالية، لكن هذا الوضع لا يتيسر دائماً، فحتى في زمن حضور الإمام المعصوم فإنه قادر فقط على إدارة حكم المدينة أو الولاية التي يحضر فيها، أمّا سائر الولايات أو البلدان فيتولى الإشراف عليها وتعيين عمّالٍ وولاة عليها.
أما في عصر الغيبة الذي لا يمكن فيه الوصول إلى الإمام المعصوم ـ كما هو الحال في عصرنا الحاضر ـ فما هو الواجب؟
وبتعبير آخر، لما كان ينبغي أن يتمتع الحاكم بالأهلية والكفاءة اللازمة للتنسيق بين القوى والمؤسسات المتعددة، ولما كانت الحكومة الإسلامية قائمة على أساس المعتقدات والقيم الإلهية، وواجب الحاكم الإسلامي تطبيق قانون الله ـ أي القوانين المذكورة في الكتاب والسنة أو التي تؤخذ مبادئها عن الكتاب والسنة ويتم التفريع من تلك المبادئ ـ فمن أية فئة ينبغي أن يكون هذا الحاكم؟ وبأية خصائص يجب أن يتصف لكي يتمكن من أداء مهامّ هذه المسؤولية الكبرى والخطيرة؟
شروط القائد
في أصل التشريع الإسلامي، اختار الله تعالى المعصوم لهذا المنصب، وهو في الدرجة الأولى الرسول (ص) ثم الأئمة الاثنا عشر. أما في عصر الغيبة وعدم إمكان الوصول إلى الإمام المعصوم، فينبغي أن يتقلّد هذا المنصب ويقود المجتمع الإسلامي على أساس قوانين الله وتعاليم الإسلام مَنْ تتوفر فيه هذه الشروط:
1ـ المعرفة الكافية بالإسلام:
لقد قلنا سابقاً إن الذين يتولون مسؤولية الحكومة يجب أن تتوفر فيهم ثلاثة شروط هي: معرفة القانون، والتقوى والكفاءة الأخلاقية، والمهارة والقدرة على إدارة الأمور؛ أي أن يكون مطلعاً على القوانين التي يريد تطبيقها، كما يجب أن يكون ورعاً لكي لا يخضع لتأثير الأهواء النفسية والرغبات الشخصية، وأن يكون كذلك قادراً على أداء عمله ومسؤوليته بالشكل الصحيح.
ولما كان من مسؤولية القائد وحاكم المسلمين حفظ القوانين والقيم الإسلامية أيضاً، وهو الذي يؤتمن على دين الناس وأعراضهم وأحكام الله، فلابد إذاً من توفر هذه الشروط الثلاثة فيه أكثر من توفرها في كل أفراد المجتمع، ومعرفته بالقوانين بشكل يمنعه من ارتكاب أية مخالفة، وإذا كان غيره أعلم منه بالأحكام والمبادئ والأصول، فلا يحق له تولي منصب القيادة. وقد نقلنا فيما سبق حديثاً للنبي (ص) يقول: "من أمّ قوماً وفيهم من هو أعلم منه وأفقه؛ لم يزل أمرهم إلى سفالٍ إلى يوم القيامة"[6].
فلابد لمن يقف على رأس هرم السلطة أن يتمتع بمعرفة كاملة بأمور الدين، لأنه هو المسؤول عن تطبيق القانون الإلهي في المجتمع، ولو لم يتمتع بتلك المعرفة الكاملة فلربما يرتكب عملاً أو يضع لوائح أو يصدر تعليمات تخالف قوانين الإسلام.. ومن الواضح أن ذلك سيكون نقطة البداية في الانحراف عن المسار الصحيح.
2ـ التقوى:
وهي الشرط الثاني من شروط الحاكم الإسلامي؛ فلابد للقائد الذي يوجه المجتمع نحو الصلاح والنزاهة أن يتمتع بقدر من التقوى أكثر من غيره، لأن المنصب والمسؤولية أمر يحتمل تأثره بالأهواء والأطماع، وكثير من الناس يضحّون بكل شيء من أجل ذلك. وحب الرئاسة من الرغبات الشديدة لدى الناس؛ فلو لم يتمتع بقدر كافٍ من التقوى فلربما يكون مستعداً للتضحية بالقيم وبمصالح الإسلام والمسلمين من أجل الحفاظ على منصبه! إذاً ينبغي لقائد المسلمين أن يتمتع بدرجة عالية من التقوى، ويكون متحرراً من قيود هوى النفس.
وقد اعتبر رسول الله (ص) ـ في حديث روي عنه ـ الورعَ الذي يمنع من ارتكاب محارم الله أحد الشروط الثلاثة لصلاحية من يتولى القيادة: "... ورع يحجزه عن معاصي الله ..."[7].
وفي رواية أخرى، كتب الإمام الحسين (ع) يخاطب أهل الكوفة حول قيادة المجتمع:
"ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله"[8].
3ـ التدبير والإدارة:
الشرط الثالث هو المهارة في إدارة الأمور وحسن تدبير أعمال المجتمع وإدارتها.
والشرطان الأول والثاني (أي معرفة قانون الدين والتقوى) ينبغي توفرهما بالحد الأقصى في الحاكم الإسلامي، لكن الشرط الثالث يتغير تبعاً للمتولين لشؤون الحكم، فالذي يتولى الشؤون العسكرية والدفاعية ينبغي أن يتحلى بمهارة عسكرية يفوق بها غيره، والذي يتولى الشؤون الاقتصادية ينبغي أن يكون أعلم من غيره بالقضايا الاقتصادية وأقدر على حل مشكلات المجتمع الاقتصادية، أما الذي يقف على رأس هرم السلطة، فالدرجة المطلوبة والمثالية أن يكون في كل شيء أعلم من الجميع وأفضل منهم، لكن هذا لا يتوفّر في غير الإمام المعصوم؛ ففي حال عدم وجود المعصوم، يجب على الحاكم التنسيق بين السلطات الثلاث وإدارة الدرجات العليا للمتولين للأمور إدارة جديرة، وهكذا يجب عليه أن يتفوق على الآخرين في تدبير الأمور وإدارة السلطات الثلاث والمؤسسات والمنشآت والوزارات الحكومية والتنسيق بينها.
فالقدرة على القيادة وإدارة المجتمع ضمن مسار الإسلام شرط ضروري للحاكم الإسلامي، وهذه الصفة تتطلب الكثير من المقدمات والتجارب والخبرات والتمهيدات حتى يبلغ شخص ما درجة من الكفاءة السياسية والادارية بالأمور تمكنه من تحمل مسؤولية المسلمين، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام قوله:
"أيها الناس! إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله"[9].
والشروط الثلاثة المذكوره (أي كونه أعلم بالدين واتقى وأقدر على الإدارة) يؤيدها العقل أيضاً، ولدينا روايات بهذا المضمون مر علينا بعض منها؛ فحين يتم اختيار شخص لتولي مسؤولية في مجال الأعمال الاجتماعية لن يكون هناك أي سبب لذلك سوى جدارته وقدرته على إنجاز تلك الأعمال. وفي قيادة المجتمع أيضاً ينبغي فضلاً عن العلم والتقوى أن يتحمل المسؤولية من هو أقدر من غيره على التنسيق بين السلطات الحكومية، وهذا يتطلب وعياً سياسياً واجتماعياً وكذلك قدرة على الإدارة والتدبير.
وفي القاموس الشيعي يطلق على الذي يتصف بهذه الصفات (الولي الفقيه).
الحكومة الأصلح
يلاحظ من خلال الملاكات والصفات التي ذكرت للحاكم الإسلامي أن السبيل ممهد أمام حكم أليق الأفراد؛ ففي الماضي حيث كانت إمكانية تولي السلطة من قبل مثل هؤلاء الأفراد ضعيفة جداً وأحياناً تبدو مستحيلة، لم تكن تطرح مثل هذه البحوث، بل كانت القضية المطروحة هي (مرجعية التقليد) فقط، ولهذا وجدنا عظماءنا الذين كانوا حريصين على مصلحة الإسلام يسعون إلى العثور على شخص قادر على تقديم أفضل الخدمات للمجتمع الإسلامي بعنوان (مرجع التقليد)، أما اليوم حيث توفرت ـ والحمد الله ـ ببركة هذه الثورة الإسلامية العظيمة والدماء الزكية لشهداء هذا الدرب المقدمات والوسائل أمام الأخذ بزمام السلطة وتحمل المسؤولية من قبل الأفراد الصالحين والجديرين، والتي جعلت على رأس السلطة من هو أليق من غيره، فإن هذه الفرصة والموهبة تتطلب منا الكثير من الحمد لله والشكر له، ونحن حين نفكر في الأمر نجد أنه لا يصلح لإدارة شؤون المجتمع الإسلامي غير الفقيه الذي هو (الأعلم) و(الأتقى) و(الأقوى).
ونحمد الله الذي جعلنا في هذا النظام الإسلامي نتمتع ببركة قيادة (الولي الفقيه) فمنّ علينا بذلك، ولا يكون شكر هذه النعمة إلا بطاعة الولي الفقيه الذي يضمن عزة المسلمين ووحدة كلمة الأمة الإسلامية[10].
الدليل النقلي على ولاية الفقيه
ما وضّحناه حتى الآن، سواء في أصل ضرورة وجود الحكومة أو في الشروط الثلاثة التي اشترطناها للحاكم الإسلامي، كان في معظمه توضيحاً ودليلاً عقلياً وعاماً، وقابلاً للفهم بشكل عام من قبل كل الناس بغض النظر عن معتقداتهم الخاصة، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، شيعة أو غير شيعة.
أما الذي سنشرحه هنا فهو قائم في معظمه على المعتقدات والأسس والأفكار الشيعية، وتوضيح ذلك:
إن موضوعنا يقوم على الافتراض القائل إن الله تعالى شرع الحكم في الأصل للنبي (ص) والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، أما في عصر الغيبة حيث لا يمكننا الوصول إلى الإمام المعصوم (والمسؤول عن هذه الغيبة هو المجتمع الإسلامي الذي لم يعرف قدر حضور الإمام وأصيب بهذا البلاء) فلا دين الله يعطل، ولا ضرورة وجود الحكومة والدولة تنتفي، فماذا تقتضي الأسس الفقهية في هذه الظروف التي يوجد فيها شخص جدير بالحكم ومعين من قبل الله ولكن الناس عاجزون عن الاستفادة منه؟ فالحكومة على أية حال من الأمور والحاجات التي لا تقبل التعطيل ولابد من وجود من يتحمل مسؤوليتها.
والمعلوم أننا نجد في الفقه حالات مشابهة يعين فيها الحد عملاً أو حقاً، ولكن لا يتيسر إنجاز ذلك العمل أو إعطاء ذلك الحق، ومثال ذلك:
لو وُقف عقار من أجل نفقات معينة ثم أصبحت تلك النفقات بعد مدة مما لا يمكن صرفها عملياً، فإنهم يقولون عند ذاك بوجوب الإنفاق في مورد أقرب من غيره إلى الواقف وهدفه، فلو أوقف أحدهم أرضاً زراعية لكي يشترى من محصولها علف للإبل التي تنقل حجاج بيت الله أو زوار كربلاء والنجف و... فلأي شيء ينفق وارد الأرض الآن حيث لا وجود للإبل؟ فمن جهة لا أحد يسافر على الإبل، ومن جهة أخرى نرى أن الأرض وقفت لذلك العمل المعين.
فالفقهاء يفتون في مثل هذه الحالات أن ينفق فيما هو أقرب إلى رأي الواقف، وبما يقال لو أن الواقف كان حياً لاختار هذا الأمر، مثلاً كان ينفق لشراء البنزين للسيارات المخصصة لنقل الحجاج، أو شراء بنزين للطائرات المخصصة لذلك (وهذه ليست نفقات شخصية).
ففي هذه الموارد التي نجد فيها موقوفات وأشخاصاً يتولون كيفية التصرف فيها، إن لم يُعثر على من تتوفر فيه كل الشروط المحددة في الوقف أو تعذر الإنفاق بالشكل المطلوب، فلا يمكن ترك الموقوفة دون من يتولاها، ولا محصولاتها دون إنفاق، بل ينبغي النزول إلى المرحلة الأقرب إلى الصورة المحددة الأولى.
ووفقاً لهذا المثال، فحين يعين الله تعالى شخصاً معصوماً لحكم الناس ولكن لا يمكن الوصول إليه الآن، فالذي يمكنه تحمل مسؤولية قيادة المسلمين نيابة عن الإمام المعصوم هو الأقرب إليه في التحلي بالصفات المناسبة والمطلوبة للحكم كالعلم والقدرة على الإدارة والتقوى والكفاءة الأخلاقية و...
وبتعبير آخر، لما كان الحكم في الأصل يختص بالله ومن شؤون الربوبية الإلهية، فعلينا أن نقبل للحكم بمن نطمئن إلى رضا الله بحكمه ونستطيع اكتشاف إذنٍ من الله لقيادته، ويتحقق هذا الأمر عندما يكون الحاكم المنتخب أقرب إلى المعصوم في الصفات المذكورة، وهناك بالطبع صفات أخرى يجدر ذكرها مثل الشجاعة والحزم والمرونة في الحالات الخاصة و... وهي كلها من فروع تلك الكفاءة الأخلاقية والمهارة العلمية التي ذكرناها[11].
وهذا الشخص في لغة الروايات وفي القاموس الديني هو الفقيه الجامع للشرائط الذي له الولاية، وطاعته واجبة على الجميع لو أصبح حاكماً.
ومثل هذا الشخص لن يكون بالطبع أفضل من كل الناس في جميع الصفات والخصائص اللازمة للحكم، ففي مجال الحرب مثلاً قد لا تزيد معلوماته العسكرية على المعلومات والتجارب التي لدى القادة العسكريين المجربين الذين لهم تجارب عسكرية تمتد لعشرات السنين، وكذلك في كثير من المجالات الاقتصادية التي تحتاج إلى تجارب ومعلومات خاصة حيث لا تساوي معلومات فقيه معين ما عند الخبراء في هذا المجال، ولكن من أجل تحقيق مصالح المجتمع في أفضل صورة يستعين ذلك القائد الحريص والفقيه بالمتخصصين في مختلف الشؤون ويستنير بآرائهم، وكذلك الحال في شأن القوانين المقرّرة من قبل الخبراء المتخصصين في السلطتين التشريعية والتنفيذية والجهاز القضائي فإنها تكتسب شرعيتها بتوقيع من يقف على رأس السلطة وتأييده ولن تكتسب الشرعية دون إقرار الولي الفقيه.
جذور ولاية الفقيه
إن الحقيقة القائلة إن الفقيه ينوب عن الإمام المعصوم (ع) في شؤون الحكم والولاية لها جذور فقهية وعقائدية، وهناك أحاديث تدل على هذه المسألة وتثبت شرعية حكم الفقيه نيابة عن الإمام المعصوم.
وإحدى الروايات التي استدل بها على النيابة في التولّي للأمور تتعلق بـ (الحوادث الواقعة) حيث كتب ولي العصر عليه السلام في جوابه لكتاب محمد ابن عثمان هذا التوقيع الشريف:
"وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم"[12].
وطبقاً لهذا الحديث، فرواة أحاديث الأئمة والعلماء بفقه أهل البيت وأحكام الله قد عينهم الإمام الحجة المنتظر سلام الله عليه نواباً له واعتبر حكمهم وقضاءهم حكم إمام الزمان.
والحديث الآخر ورد عن الإمام الحسين عليه السلام لعلماء عصره؛ ففي هذا الكلام المطول يشير الإمام إلى الموقع المهم والحساس الذي يحتله العلماء بشأن القضايا الاجتماعية ومصير الإسلام والمسلمين، إذ قال:
"مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه..."[13].
فهذا الحديث يوكل مسؤولية الحكم وتدبير أمور الأمة ونظام المجتمع الإسلامي إلى الفقهاء الملتزمين بشريعة الله ودينه، ويدل على أن أحكام الله لا تطبق إلا بتولي أمور المجتمع والأمة.
والحديث الآخر (مقبولة عمر بن حنظلة)؛ ففي هذه المقبولة يوضح الإمام الصادق (ع) واجب الناس ويحدد ملامح الحاكم الصالح القادر على حل اختلافات الناس وهو (الفقيه)، فيقول (ع):
"من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا و حرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإني قد جعلته حاكماً؛ فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استُخفّ بحكم الله وعلينا رُدّ، والرادّ علينا كالرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله"[14].
ففي هذا الحديث عُيّن منصب الحكم للفقيه من قبل الإمام المعصوم واعتبر حكمه حكم الإمام أيضاً.
وحصيلة القول: إن مضمون مثل هذه الروايات يؤيد ذلك الدليل العقلي نفسه، ويمكن من مجموعها أن نكتشف رضا إمام العصر ـ عجل الله فرجه الشريف ـ بولاية الفقيه الذي تتوفر فيه الشروط المذكورة. وبتعبير آخر: إن سند ولاية الفقيه تجاه أمور المسلمين قد وضع وعيّن من قبل الإمام المعصوم (ع).
شرعية النظام بإقرار الولي الفقيه
إن شعوبنا المسلمة التي تطيع أوامر الله وأولياء دينها، لا تتبع حكومة ولا تخدمها بكل قدراتها إلا إذا وجدتها معتمدة على حكم الله ومستندة إليه.
و(ولاية الفقيه) تتمتع بمثل هذا السند الشرعي، ولهذا لمّا كان رأي الولي الفقيه مقرراً أو مؤيداً من قبل إمام الزمان (ع)، فإن الناس مستعدون للتضحية بأموالهم وأنفسهم من أجل الحفاظ على هذا النظام، وبإشارة من القائد يندفع مئات الآلاف منهم طواعية نحو جبهات الجهاد والدفاع عن الإسلام، وهم يعتبرون أوامره أوامر إمام العصر (ع) وحكم الله. ومثل هذا النظام سيكون أكثر فعالية، وكذلك سيكون استمرار شرعيته أكثر رسوخاً.
فالمهم لدى عباد الله كسب رضا الله والعمل بأوامره، ولهذا فكل أمر وقانون يخالف أمر الله لا قيمة له لدى المسلم الموحد، وهو لا يعتبر نفسه ملزماً بطاعته، فقد روي عن الإمام علي (ع):
"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"[15].
إذاً فالنظام المقدس والمشرّع هو ذلك النظام الذي تسير أوامره وقوانينه في مسار أحكام الله، ولما كان الفقيه يسعى في سبيل تطبيق أحكام الله فحكومته مقررة وطاعته واجبة. وكذلك تكتسب الأعمال التي ترتبط بالسلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) قيمتها ويؤخذ بها حين تنال رضا الولي الفقيه الذي ينوب عن إمام الزمان، لأن الإمام المعصوم معيّن من قبل الله أيضاً.
وبين أمتنا عرف سائد يعتبرون بموجبه مرجع التقليد خليفة إمام الزمان (ع) ويرون أمره واجب الإطاعة، ولذا فهم يضحون من أجله بكل ما لديهم، ومادامت هذه الروح وهذا الإيمان قائماً بين شعبنا فلا شك في أن هذا النظام سيبقى محصناً من مكاره الدهر، ولو تزعزعت هذه العقيدة بسبب شبهات قد يطرحها الجهلاء هنا وهناك، فيقولون مثلاً: أولاً: من أين وجب وجود الحكومة؟ وثانياً: لو افترضنا ضرورة وجود الحكومة، فلماذا ينبغي أن يقف على رأس السلطة مجتهد وفقيه ولا يقف غير فقيه؟ وثالثاً: لماذا ينبغي أن تكون القوانين إسلامية وقد مضى على الإسلام ألف وأربعمائة عام؟ ورابعاً: لماذا يعتبر فهم الولي الفقيه للقوانين الإسلامية حجة علينا يلزمنا اتباعها؟ فلربما يفهمها الآخرون أفضل منه، ومن الضروري لفهم علوم الدين الإلمام بعلوم أخرى لا يعرف عنها الفقيه شيئاً.. وغير ذلك من الشكوك والشبهات التي قد تؤدي شيئاً فشيئاً إلى ضعف إيمان الناس واعتقادها بالمعتقدات الإسلامية، ولن تعود هناك ثقة ببقاء هذا النظام. ولو تعرض جيل الشباب لمثل هذه الشبهات فسوف يصاب بالتذبذب ولن يبقى لديه الحزم والجد اللازمان في الميدان العملي.
شكر نعمة ولاية لفقيه
لقد بلغت الأمة الإسلامية اليوم هذه العزة ببركة ولاية الفقيه وفي ظل الإسلام وهي تشعر برفعتها بكل وضوح.
ولن يكون شكر هذه النعمة العظيمة والموهبة الإلهية إلا بمعرفتنا قدرها، وسعينا في سبيل توطيد دعائم هذه المعرفة والمعتقدات والقيم الدينية، وأن نعمل من أجل توعية الجيل الحالي والمستقبلي بهذه الأسس الرسالية الرصينة ومعرفته واعتقاده بها والتزامه إياها بشكل كامل، وسعيه من أجل الحفاظ على هذا النظام، وإلا فلو ظهرت شكوك في القلوب فسوف يدبّ الضعف في الخطوات والإرادات، ومن الواضح لو أن نظاماً حرم من المضحين من أجله والمدافعين عنه المؤمنين به، فلن تعود هناك ضمانة لاستمراره.
إن التوضيح الصحيح لـ (الفكر الإسلامي) والأسس العقائدية المتعلقة بمختلف قضايا الإسلام، ومن ذلك البعد السياسي وقضايا الحكم، يعد اليوم ضرورة حتمية؛ فبدون هذا التوضيح للأسس العقائدية لن يقوى جيل الشباب على مقاومة الشبهات التي يختلقها المخالفون، وسوف يمهد السبيل للانحرافات والتحريفات، وسيضيع هذا الرصيد الذي يدعم هذه الثورة الإسلامية والذي يعود إلى ما قبل ألف وأربعمئة عام.
فشبابنا اليوم صنّاع مستقبل هذا البلد، وهم الذين سيتقلدون المناصب الحكومية في المستقبل.. وعليه فإن توضيح حقائق الدين والمعتقدات الأصيلة للرسالة الإسلامية سوف يحافظ على بقاء عامة الناس في ميدان الدفاع عن الدين والثورة، وكذلك سيجعل جيل الشباب في المستقبل يخدم دين الله وثمرة دماء الشهداء. ومن هنا فإن تعزيز أسس الفكر الإسلامي والشيعي وفكرة ولاية الفقيه وأساسها، بشكل علمي ودراسي وبلغة سهلة وبيان بليغ وواضح ودون مبالغات، وكذلك محاربة المشككين ومثيري الوساوس، واجب ضروري وضمانة لاستمرار هذا النظام المقدس والحفاظ على إيمان الناس بفكر الإسلام المحمدي الأصيل.
نسأل الله تعالى أن يمنحنا التوفيق لأداء واجبنا الديني المقدس تجاه دماء الشهداء، ويجعلنا نعرف قدر نعمه، لا سيما نعمة النظام الإسلامي وولاية الفقيه، ويثبت خطانا لمواصلة السير على طريق إمامنا العزيز (رضوان الله عليه)، واتباع قائد الثورة الإسلامية، إن شاء الله.
الخلاصة:
مع الأخذ بنظر الاعتبار ضرورة وجود الحكومة والصفات التي ينبغي توفرها لدى الحاكم، ففي عهد الأئمة المعصومين يقف هؤلاء الأئمة أنفسهم على رأس السلطة، أما في عصر الغيبة، فينبغي توفر الشروط التالية في أولى الناس بتطبيق قانون الله بسبب عدم الوصول إلى المعصوم وتحمل مسؤولية القيادة:
1ـ المعرفة الكاملة بالإسلام وقوانين الله.
2ـ التقوى والبعد عن الأهواء النفسية.
3ـ التدبير والإدارة والقدرة على التنسيق بين القوى المتعلقة بالحكومة.
وهذه الشروط يوجبها العقل أيضاً، لأن واجب الحاكم الذي هو تطبيق قوانين الإسلام في المجتمع لا ينجز إلا إذا كان أعلم من غيره بالقانون، ولم يعمل بما يخالف الإسلام بسبب هوى النفس، وكان أيضاً قادراً على تدبير الأمور، وهناك أيضاً أدلة شرعية تسند هذه الشروط.
والصفتان الأولى والثانية ينبغي توفرهما في الحاكم بالحد الأقصى، أما الصفة الثالثة فهي ضرورية لكل مسؤول متقلّد لأمر معين بمقدار ما يكفي من التجارب والمهارات التي يتمتع بها في مجال عمله.
وهذه الصفات والشروط توضح لنا أن الإسلام يفسح المجال أمام تسنّم منصب الحكم من قبل أقدر الناس، أي الأعلم والأتقى والأقوى، وهذه هي (ولاية الفقيه) التي منّ الله بها على شعبنا ببركة دماء الشهداء.
أما الدليل الشرعي على ذلك، فإنه لمّا كان الله تعالى قد عيّن في الأصل الإمام المعصوم حاكماً، ففي عصر غيبته ينبغي أن يتولى الحكم من هو أقرب الناس إليه من حيث الصفات المذكورة، وليس ذلك إلا (الفقيه).
وتدل الروايات على أن حكم الفقيه نافذ وحجة، لأنه ينوب عن الإمام المعصوم، ولن يكتسب أي قرار تتخذه السلطات الثلاث: (التشريعية والتنفيذية والقضائية) الصفة الشرعية إلا إذا أقره (الولي الفقيه) وأيّده، وتجب طاعة حكم الفقيه ما لم يخالف قانون الله.
أسئلة:
1ـ منذ متى بدأ البحث حول ولاية الفقيه؟
2ـ كيف تحل معضلة القيادة في عصر الغيبة؟
3ـ اشرح الشروط اللازمة للقائد والحاكم الإسلامي.
4ـ لماذا ينبغي أن يكون القائد أعلم الناس بالدين والقانون الإلهي؟
5ـ اشرح دور التقوى في القيادة الإسلامية.
6ـ ما هو واجب القائد من حيث الإدارة والتدبير؟
7ـ اذكر حديثاً شريفاً يدل على ضرورة تمتع الحاكم الإسلامي بالمهارة والتدبير.
8ـ لماذا يتمتع الفقيه بالولاية على المسلمين من قبل المعصوم؟
9ـ اشرح الرواية المنقولة عن الإمام الحسين (ع) حول ولاية الفقهاء وعلماء الدين.
10ـ ما هي الحاجة إلى طرح قضية ولاية الفقيه للناس؟
_____________________________
[1] وهي قضية دار حولها نقاش كثير في الجمهورية الإسلامية، حيث رأى بعضهم أن (الالتزام) هو الأصل، ورأى آخرون أن (الكفاءة) هي الأصل، ورأت فئات أخرى أموراً غير ذلك (المترجم).
[2] يوسف: 55.
[3] الآيات 21 ـ 28 من سورة (ص) تتحدث عن هذه القصة.
[4] الأنبياء: 78 ، 79.
[5] البقرة: 246 ، 247.
[6] مرّ ذكر هذا الحديث في أواخر الدرس الثامن من هذا الكتاب.
[7] الكافي، ج1، ص407.
[8] الإرشاد للمفيد، ص186.
[9] نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص247، الخطبة (173).
[10] وقد كنا نتمتع بهذه النعمة في عهد الإمام الخميني (رضوان الله عليه)، واليوم إذ حرمنا ـ مع مزيد الأسف ـ من تلك النعمة العظمى، فقد أدام الله تعالى نعمته علينا وبقي يظلنا بظل ولاية الفقيه، ونحن نحمد الله إذ انتخب علماء الأمة أفضل أنصار الإمام العظيم وأجدرهم وهو سماحة آية الله الخامنئي (مدّ ظله العالي) لخلافة ذلك الرجل العظيم، فبايعه كل أفراد الشعب عن طيب خاطر، وواصل كل أنصار الإمام الحقيقيين طريقه بمنتهى التآلف، ولم يحدث ـ والحمد لله ـ أدنى خلل أو فتور في مسار الأمور، ونسأل الله تعالى استمرار هذه الوحدة وهذا التضامن بين المسؤولين وترسخهما يوماً بعد آخر، لتصل سفينة الثورة العظيمة بقيادة زعيمنا الجليل ساحل الأمن، وتبلغ هدفها المطلوب إن شاء الله تعالى.
[11] لمزيد من الإطلاع على شروط القائد الجدير بالقيادة راجع كتاب (جامعه وتاريخ از ديدگاه قرآن) فارسي، أي (المجتمع والتاريخ في القرآن)، الفصل العاشر.
[12] كمال الدين، ج2، ص483.
[13] تحف العقول، ص237.
[14] أصول الكافي، ج1، ص67 والوسائل، ج18، ص98.
[15] نهج البلاغة، صبحي الصالح، الحكمة (165).

السابق

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية