الفصل الثامن: صلاحيات الحاكم الإسلامي وشروطه وواجباته
كان بحثنا السابق يدور حول (الواجبات الرئيسة للحكومة) ومن هذا العنوان تُستنتج
صلاحيات الحكومة، أي حينما يعيّنون لأحد واجباً فيلزم ـ والحال هذه ـ أن يوفروا له
ظروف أداء ذلك الواجب ويمنحوه القدرة القانونية لأدائه، وهذا يعني منحه الصلاحيات
المناسبة لواجباته.
فحين يجعلون الحكومة مسؤولة عن الحفاظ على أمن البلاد الداخلي مثلاً، فلابد أن
يمنحوها مستلزمات الحفاظ على الأمن، وكذلك حين يوكلون إليها مهمة الدفاع عن حدود
البلاد، فلابد أن تمتلك صلاحية العمل بما يلزم لحراسة الحدود، وإلا فإن تعيين
المسؤولية دون منح الصلاحيات اللازمة عبث لا جدوى منه، إذاً ينبغي منح الحكومة
الإسلامية صلاحيات لأداء الواجبات التي توكل إليها (وقد منحت لها تلك الصلاحيات
بالفعل)، ونحن نبحث هنا بحثاً عقلياً يجيب ـ وفق ما يدركه العقل وطبقاً لمصالح
الحياة الاجتماعية ومفاسدها ـ عن الأسئلة الآتية: أي مشروع ينبغي تبنّيه في هذا
الشأن؟ وأية واجبات تلقى على عاتق الحكومة؟ وأية صلاحيات ينبغي منحها إياها؟ ووفقاً
لتلك الواجبات يمكننا تحديد الصلاحيات التي ينبغي أن تملكها الحكومة.
والجدير بالذكر أن تحديد هذه الصلاحيات تحديداً دقيقاً من مسؤولية القانون، وهذا
يعود إلى السلطة التشريعية أيضاً، وهو من جملة تلك القرارات القابلة للتغيير والتي
يحتاج إليها المجتمع وينبغي وضعها بإشراف الولي الفقيه الذي يقف على رأس السلطات
ومنها السلطة التشريعية، وتطبيقها من قبل السلطة التنفيذية. والذي نحتاج إليه هنا
أكثر من غيره هو البحث حول شروط الحاكم والقائمين على شؤون الحكم حيث لا يمكننا
وفقاً لأنواع الواجبات التي تلقى على عاتق الحكومة وعلى عاتق السلطات الثلاث تحديد
شروط خاصة يؤخذ بها بصورة متساوية ومتماثلة بشأن كل القائمين على الحكم،
فالمسؤوليات المختلفة تتطلب شروطاً مختلفة أيضاً.
والمهم هنا أن نوضح مجموعة من الشروط العامة لكل المتولّين لشؤون الحكم والأخذ بها
حسب الدرجات المختلفة للمناصب الحكومية والقدرة التنفيذية من حيث القوة والضعف.
شروط المتولّين لشؤون الحكم
بشكل عام يمكننا أن نعتبر ثلاثة من الشروط العامة الضرورية لكل من يتقلد منصباً
ومسؤولية حكومية، بالمعنى العام لذلك المنصب وتلك المسؤولية، وهذه الشروط هي:
1ـ معرفة القانون:
فعلى الذي يريد تطبيق قانون معين، سواء تعلق ذلك القانون بالأمن الداخلي أو بالدفاع
أو بالعلاقات الدولية أو الأمور الأخرى، أن يمتلك قدراً كافياً من المعرفة بذلك
القانون وبالمبادئ والقيم التي يقوم عليها؛ حيث قلنا من قبل إن واجب الدولة هو
(تطبيق القانون)، والذي يريد تطبيق القانون، أي مراعاة تلك المصالح والمفاسد التي
أوجب المشرعون مراعاتها للمجتمع وأخرجوها في صيغة قوانين، عليه أن يكون مطلعاً أكثر
من غيره على القوانين التي ترتبط بمجال عمله بشكل خاص، إضافة إلى الاطلاع على
القوانين الأخرى، والمبادئ والقيم التي تقوم عليها بشكل عام، وإلا فقد يوجد أفراد
حريصون على المجتمع ويريدون خدمته لكنهم يخطون خطواتهم خلافاً للقانون وخلافاً
لمصالح المجتمع، بسبب عدم معرفتهم بالقانون، فيكونون في حقيقتهم أشبه بالصديق
الجاهل الذي يريد أن ينفع فيضرّ!
فالمعرفة بالقانون ومبادئه من الشروط العامة لكل العاملين في السلك الحكومي، ولذلك
درجات مختلفة بالطبع؛ فالذي يقف على رأس هرم السلطة ينبغي أن يتمتع بقدر أكبر من
المعرفة، ويتمتع الذين هم في الدرجة الوسطى بنسبة درجتهم، وكذلك الذين يشغلون
الدرجات الدنيا أي صغار الموظفين، فعليهم أن يعرفوا المسؤوليات والواجبات المتعلقة
بعملهم. لكن العبارة التي تشمل هؤلاء هي (المعرفة بالقانون).
2ـ التقوى:
التقوى من الشروط العامة في القاموس الإسلامي، و يسمونها في القاموس العام
(الأمانة)؛ فيجب على من يتولّى شؤون المجتمع وتوكل إليه مصالح الناس أن يفكر في
تحقيق تلك المصالح لا أن يفكر بعد وصوله إلى السلطة في تحقيق مصالحه الشخصية وإشباع
غرائزه الدنيوية، فمثل هذا الشخص لا يصلح ـ والحال هذه ـ لأن نوكل إليه أموال الناس
وأرواحهم وأعراضهم، ولا يسند إليه كذلك تطبيق القانون لأنه سيفسّره لصالح نفسه،
ويؤوّله أو ينسخه بشكل معكوس وبما يتطابق ورغباته، وقد نراه أحياناً يخالف القانون
بصراحة! إذاً فالشرط الثاني لمن يتولى شؤون الحكم هو التمتع بكفاءة أخلاقية أو بـ
(التقوى) كما يقول القرآن الكريم وكما ورد في القاموس الإسلامي.
3ـ الكفاءة:
ينبغي لكل من يتحمل مسؤولية إنجاز عمل معين أن يتمتع بالكفاءة اللازمة لإنجازه، لأن
مجرد الاطلاع على القانون والتمتع بالتقوى الشخصية لا يكفي لإنجاز الأعمال بشكل
صحيح، بل لابد أيضاً من التجربة والخبرة لكي يستعين بهما في حل المشاكل الصغيرة
والكبيرة التي تبرز يومياً أمام المسلمين، وهذا لا يعني بالطبع أن الشرط الثالث
يمثل الدور الرئيس في إنجاز الأعمال، بل إن رأينا بشأن قضية (الالتزام والكفاءة)
العريضة والطويلة[1] يتمثل في أن (العلم والإيمان والتجربة) أمور تربط بينها رابطة
وثيقة ويشدّ بعضها بعضاً، وبدون أي منها يبقى جزء من العمل معطلاً، والذي نريده
توفر هذه الشروط الثلاثة معاً.
فتوفر هذه الشروط الثلاثة لدى كل من موظفي الحكومة أمر واجب ولازم، وينبغي على
الفقهاء أيضاً تمتعهم بهذه الشروط بما يتناسب واختلاف درجاتهم، وهذا أمر يدركه
العقل البشري ولا يحتاج إلى دليل تعبّدي، ولكلٍّ من هذه الشروط حدّ كافٍ وحدّ
مثالي، والحد المثالي الذي يمكننا افتراضه في كلٍّ منهم أن يتمتع بأعلى درجة من
المعلومات والتقوى والكفاءة الأخلاقية وبمعرفة بالموضوعات الخارجية وظروف العمل؛
ومثل هذا الشخص هو الذي نسميه (المعصوم).
فلو استطعنا أن نختار كل المسؤولين من بين المعصومين لأصبحت الحكومة حكومة مثالية،
وعند ذاك لن يبقي أي جهل بالقانون، ولن يقع أيّ خطأ، ولن يستهدف تحقيق أي غرض شخصي،
ونحن نعلم أن المعصومين لا يزيد عددهم على أشخاص معدودين، والذي تجمع المذاهب
الإسلامية على عصمته هو الرسول الأكرم (ص)، ونحن الشيعة نعتبر فاطمة الزهراء (س)
والأئمة الاثني عشر (ع) إضافة إلى الرسول (ص) معصومين أيضاً، ولكننا نرى على أية
حال أن هؤلاء العظام عددهم قليل من جهة، ومن جهة أخرى سواء أكان النبي الأكرم (ص)
نفسه على رأس الحكم أو الإمام المعصوم (ع)، فلا يمكن إدارة شؤون كل البلدان
الإسلامية من قبل شخص واحد؛ فالنبي (ص) كان موجوداً في مدينة معينة أو بلد ما ولكنه
لم يكن موجوداً في كل البلدان، وكذلك الإمام المعصوم حيث يوجد في مكان واحد لكنه لا
يباشر شؤون الحكم في كل مكان، وحتى عندما كان النبي (ص) أو أمير المؤمنين (ع) على
رأس السلطة وكانت بيدهما القدرة لم يكونا قادرين على إدارة كل البلدان الإسلامية
شخصياً، بل كانا مضطرين إلى إرسال ممثلين عنهما إلى الولايات والمدن المختلفة
ومنحهم الصلاحيات اللازمة بذلك.
إذاً، فكون كل المتولّين للحكم معصومين افتراض لا يتحقق لا في مذهبنا ولا في أي
مذهب آخر، فلا حيلة سوى أن يتمتع المتولّون للحكم بشروط الحاكم وخصائصه بالحد
المقبول، وأن نحاول اختيار أفراد يتمتعون بكفاءة أكبر مما لدى غيرهم لإنجاز
الأعمال، واختيار الأعلم من بين العارفين بالقانون والرسالة الإسلامية، وأن نختار
من بين العارفين بالقضايا الاجتماعية من يتمتع بمعرفة أكبر في هذا المجال، وكذلك
الحال في شأن الذين يملكون مهارات وتجارب فنية، فنختار من يملك قدراً أكبر من
الكفاءة والتجربة ويصلح لذلك العمل أفضل من غيره، شريطة أن يتمتع كل هؤلاء بالتقوى
وخشية الله، وأن لا يقدّموا مصالحهم على مصالح المجتمع.
الدليل القرآني على وجوب توفرّ هذه الشروط
هذه الأمور التي تثبت عن طريق العقل، وهي قابلة للفهم لدى الجميع بعد قليل من
التأمّل، لدينا عليها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة أيضاً، ولكن ذكرها جميعاً يخرج
عن مجال هذا البحث، وليس أمامنا هنا سوى الإشارة إلى بعض الآيات كنماذج على ذلك.
فقد ذكر القرآن الكريم عدداً من الحكومات المشروعة التي تحققت على أيدي أنبياء الله
وأوليائه، ووردت في قصصها إشارات إلى شروط الحاكم وواجباته، وأولها قصة النبي يوسف
على نبيّنا وآله وعليه السلام؛ فحينما كان سيدنا يوسف في مصر وأبواه لا يعرفان من
أمره شيئاً بعد، رأى عزيز مصر في المنام سبع بقرات عجاف وسبعاً سماناً وسبع سنابل
خضر وسبعاً يابسات، فاستيقظ من نومه مذعوراً ونادى على مفسري الأحلام، فقالوا له:
إن هذا الحلم لا تفسير له ولا يتحقق. ثم قال أحد الحاضرين: إني أعرف في السجن شخصاً
يدعى يوسف، وهو بارع في تفسير الأحلام. فجاؤوا به وطلبوا إليه تفسير حلم عزيز مصر.
فقال يوسف (ع): سوف تمرّ عليكم سبع سنين تكثر فيها نعمكم وتحصدون فيها محاصيل
كثيرة، ثم تعقبها سبع سنين من الجفاف؛ ولكي لا يؤول الأمر بكم إلى الفقر في سني
الجفاف تلك، عليكم بزراعة المحاصيل في السنوات السبع الأولى والاستفادة منها قدر
الضرورة فقط وخزن بقية المحاصيل بسنابلها دون أن تفصلوها من التبن أو تطحنوا القمح،
وكانت الحكمة في ذلك هي أن القمح حين يحفظ بسنابله فسوف يبقي مصوناً من الرطوبة
والآفات مدة أطول.
وبعد أن أعطى هذه الوصايا قال لعزيز مصر: اجعلني مسؤولاً عن هذا الأمر لكي أدير
شؤونه بما لا يدع مجالاً لحدوث مشكلة بعد ذلك؛ إذ يقول القرآن الكريم في ذلك: {قال
اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}[2]، أي إنني إذ أقترح عليكم هذا الاقتراح
فذلك لأني أحفظ مصالحكم من جهة، وأعلم بكيفية إنجاز هذه الأعمال من جهة أخرى. فمن
هنا نحصل على شرطين أساسيين يمكننا تحليل أحدهما إلى شرطين آخرين فتكون لدينا
الشروط الثلاثة التي ذكرناها. وهكذا نجد أن هذه القصة تؤكد أهمية عنصر (المعرفة)
لتقلّد المناصب، وذلك لكي يعرف الذي يشغل منصباً حكومياً ماذا ينبغي فعله لتحفظ
مصالح الناس، وكذلك ينبغي أن يكون أميناً ونزيهاً لكي لا يرتكب خيانة حين يسلّمونه
مصالح المجتمع، وهكذا ينبغي توفر العلم مع المهارة ومعرفة كيفية التنفيذ مع الأمانة
والنزاهة.
وهنا قصة أخرى في القرآن الكريم تتحدث عن قضاء داود وسليمان عليهما السلام، وهي:
أن داود كان من أنبياء بني اسرائيل، وقد منحه الله تعالى منصب الخلافة، ومن فروع
ذلك أن يقضي بين الناس، وكان قضاؤه نافذاً:
{يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلّك
عن سبيل الله}[3].
وقد حدثت قصة قدّر الله أن تحدث لكي يستعد داود لمنصب القضاء استعداداً تاماً؛
فحينما كان داود (ع) عاكفاً على العبادة في أحد المعابد رأى رجلين قد تسلّقا جدار
ذلك المعبد، فارتعب داود (ع) من ذلك، فقال له أحد الرجلين: لا تخف فنحن أخوان قد
حصل بيننا خلاف فجئناك لتقضي بيننا، أنا عندي نعجة واحدة وأخي هذا عنده تسع وتسعون
نعجة، وهو يطلب مني أن أعطيه نعجتي هذه أيضاً، فقال له داود (ع): إنه طلب إليك
طلباً ظالماً، إذ طلب نعجتك ليضمّها إلى نعاجه التسع والتسعين، {وإن كثيراً من
الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض}. ولما ذهب الرجلان تنبّه داود (ع) للأمر فجأة وعرف
إنه لم يطلب منهما دليلاً على دعواهما وسأل نفسه: بأي دليل أصدرت هذا الحكم؟ إني
قضيت بينهما لمجرد ادعاء أدّعاه أحدهما، وقد تعجلت في القضاء، وكان ينبغي أن أطلب
منهما دليلاً، وبسبب ذلك ظل يبكي أربعين يوماً ويلوم نفسه إذ قضى بغير علم.
وبعد هذا البكاء والتضرّع أعطاه الله منصب الخلافة وقال له: إنك تصلح الآن للخلافة
وتحمل مسؤولية أموال الناس وأرواحهم، أي إن داود عليه السلام صار يستحق منصب القضاء
بعد استعداده واكتسابه التجارب اللازمة لذلك.
وحقيقة الأمر هي أنه لم يكن هناك نزاع بين الرجلين، بل إنهما كانا ملكين أرسلهما
الله لكي ينبه داود (ع) إلى أنه لا ينبغي له إصدار الحكم بسرعة حين يتسنّم منصب
الخلافة.
وهناك قصة أخرى تقول إن النبي داود (ع) كان يقضي مع النبي سليمان (ع): {وداود
وسليمان إذ يحكمان في الحرث}[4]، فكان داود وسليمان يجلسان للقضاء بين الناس وفضّ
منازعاتهم.
وذات يوم طرحت عليهما قضية مفادها أن قطيعاً من الغنم دخل مزرعة أحدهم وأكل من
زرعه، وبينما كان النبي داود (ع) يفكر في الأمر استأذنه ولده سليمان (ع) في أن يقضي
هو في هذا الأمر، فأذن له أبوه فقال (ع): حكم ذلك أن يجلب من لبن النعاج ويعطي
لصاحب المزرعة لكي يعوّض عن أضراره، وكان بعضهم يريد أخذ النعاج، وكان آخرون يقولون
إنه يجب ذبح النعاج وإعطاء لحمها لصاحب المزرعة.
وفي هذا الشأن يقول تعالى: {ففهمناها سليمان}، أي أننا فهمنا سليمان الحكم الصحيح
وعلمناه كيف يقضي.
ولكن ما هي الحكمة من ذلك؟ الذي ورد في الروايات أن ذلك لكي يقال للناس أن سليمان
هو الذي يصلح لخلافة داود. على أية حال فالذي يهمنا أن مقدمات حصلت لكي يستعد داود
وسليمان للقضاء ولكي تظهر فراسة القاضي، لأن على الذي يريد القضاء أن يتمتع بما
يكفي من الفراسة لكشف الموضوع والحكم.
كما جاء في قصة سيدنا طالوت (ع)[5] أنه حين طلب بنو إسرائيل من نبي زمانهم أن يعين
لهم ملكاً لكي يحاربوا الأعداء بقيادته ويستعيدوا أموالهم المغتصبة، عين الله طالوت
لذلك، فلم يرضخ بنو إسرائيل للأمر وقالوا: إن هذا ليس رجلاً ثرياً ولا هو من أسرة
مشهورة لذا فهو لا يصلح لقيادتنا ورئاستنا. فقال الله تعالى للناس على لسان نبي ذلك
الزمان وقيل أن اسمه كان صموئيل: إننا منحنا هذا المنصب لطالوت بعد أن وجدناه
جديراً به، وقد منحناه اللياقة لذلك من قبل وهو قادر عليه {وزاده بسطة في العلم
والجسم}؛ فهذه موهبة منحها الله إياه ومنّ عليه بشروطها وهي شروط جسمية وفكرية، حيث
كان قد تدرب في الحروب التي كانت في تلك الأيام تعتمد على القوة البدنية للمحاربين،
وكانت تقتضي من القائد أن يكون أقوى من الآخرين فضلاً عن مهارته في فنون الحرب، وقد
أدوع الله هاتين الصفتين لدى طالوت (ع) فصار كفوءاً لتقلد هذا المنصب.
وهناك قصص أخرى حول النبي الأكرم (ص) والمقدمات التي وفّرها له الله تعالى
والكفاءات التي كان يتمتع بها لتقلد هذا المنصب وتحمل هذه المسؤوليات.
وبشكل عام نتوصل من مجموع الآيات والروايات المتوفرة لدينا في هذا الشأن أن الذين
يتقلدون المناصب الحكومية ينبغي أن يتفوقوا على غيرهم في مجال عملهم، ولو تولّى
الأمور من هم أقلّ من غيرهم من حيث المعلومات والتقوى والكفاءة الأخلاقية وكذلك
المهارة والتجربة، فلا شك في أن أوضاع ذلك المجتمع سوف تنحدر نحو الهاوية ولن يمضي
زمان حتى يزول من على وجه الأرض.
وقد روي عن النبي (ص) قوله: {من أمّ قوماً وفيهم من هو أعلم منه وأفقه، لم يزل
أمرهم إلى سفال إلى يوم القيامة}.
الخلاصة:
لابد لمن توكل إليه مسؤولية معينة، أن يتمتع بصلاحيات لكي يتمكن من أداء واجباته،
ولا يمكن أن نلزم أحداً بوظيفة ما دون منحه الصلاحيات الكافية. ويمكننا وفقاً
للمسؤوليات الموكلة تحديد الصلاحيات التي ينبغي منحها للمسؤول، وأية صلاحيات ينبغي
أن تمنح مثلاً للحكومة الإسلامية التي هي مسؤولة عن تنفيذ القانون.
ويمكننا تحديد مجموعة من الشروط العامة للحاكم الإسلامي، وينبغي أخذ هذه الشروط
بنظر الاعتبار وفقاً للظروف الزمانية وحسب الدرجات المختلفة للحكم والسلطة
التنفيذية من حيث الشدة والضعف.
ويمكن أن نأخذ بنظر الاعتبار ثلاثة شروط عامة لمن يتقلّد أي منصب حكومي وهي:
1ـ معرفة القانون: أي أن يعرف القانون ويتمتع بقدر كاف من الإطلاع على المبادئ
والقيم التي يقوم عليها القانون، وإلا فمن الممكن بدون هذه المعرفة أن يعمل بعضهم ـ
وهم حريصون على المجتمع ـ بما يخالف مصالحه بدلاً من خدمته.
والمعرفة تختلف لدى المسؤولين باختلاف درجاتهم، إذ يجب على الذي يقف على رأس الهرم
أن يتمتع بمعرفة القانون أكثر من غيره، وهكذا فيما يخص الآخرين.
2ـ التقوى من الشروط العامة؛ وهذا الشرط معروف بعنوان (الأمانة)؛ أي أن على الذي
يتولّى شؤون المجتمع أن يفكر في أمور الناس لا في جمع المال والثروة وفي مصالحه
الشخصية، إذ عند ذاك لا يصلح لهذا المنصب الحساس وينبغي كف يده عن أرواح الناس
وأموالهم وأعراضهم.
3ـ الكفاءة والخبرة: إذ ينبغي للمتولّي أن يمتلك الخبرة في مجال منصبه الحكومي.
وفضلاً عن العقل، هناك أدلة كثيرة في القرآن والسنة توضح شروط الحكومة والحاكم
وتشرح شروط المتولّي للحكم بالتفصيل.
وخلاصة القول: إن الذي يُستفاد من الآيات والروايات هو أن المناصب الحكومية ينبغي
أن يتقلدها العلماء المتقون الماهرون، وإلاّ فسيؤول المجتمع إلى الانحطاط.
أسئلة:
1ـ اذكر شروط الحاكم الإسلامي.
2ـ وضّح الحد الكافي والحد المثالي لشروط الحاكم الإسلامي.
3ـ لماذا لا يمكن أن يكون كل المتولّين للحكم معصومين؟
4ـ اذكر الأدلة القرآنية على شروط الحاكم الإسلامي.