الفصل السابع: جهاز الحكم في النظام الإسلامي
تبرز في كثير من الحالات حاجة إلى تفسير القانون تفسيراً ظنّياً واجتهادياً، أو على
شكل تفريع للقانون بتطبيق المبادئ العامة على الحالات الخاصة، وهذا من اختصاص
المجتهدين ومراجع التقليد. إذاً ففي النظام الإسلامي يسمح في هذا المعنى بشكل من
أشكال التشريع.
ولكن الأهم من استنباط الأحكام من مصادرها، شكل آخر من أشكال التشريع لا يمارس
بعنوان الاجتهاد والفقه، بل يمارس بعنوان ولاية الأمر فتوضع قوانين معينة، وهذه
القوانين تختلف باختلاف تطبيق العناوين، أي العناوين التي تتغير مصاديقها، بمعنى أن
كثيراً من العناوين ذات مصاديق ثابتة، ولكن بعضها الآخر ذو مصاديق تتغير بتغير
الظروف الزمانية والمكانية، وتحديد كون هذا المورد مصداقاً لأيّ العناوين، أو كونه
مصداقاً لعنوانين فأيّهما الأهم يحتاج ـ فضلاً عن الفقه ـ إلى معلومات واسعة في
مجال القضايا الاجتماعية التي تتغيّر بتغير الظروف الزمانية والمكانية، وعلى
القائد، أو الذين يشرّعون القوانين، ممارسة حق الولاية والاستعانة بالمتخصصين
وأصحاب الخبرة في القضايا التي تحظى بالاهتمام وإصدار قوانين بعنوان (أمر الولي)
ويجب على الناس قبوله، ومن هنا ندخل بحثنا الثاني.
جهاز الحكم والحاكم في النظام الإسلامي
لقد ورد تفصيل هذا الموضوع في بحوث (فلسفة السياسة) ونذكر هنا خلاصة لتلك البحوث.
فلو استثنينا الذين طرحوا الفوضوية في السياسة، فإن كل أصحاب النظريات يقولون: إن
نظام الحكم ضروري لكل مجتمع، وهذا الأمر يحظى بتأييد الكتاب والسنة أيضاً، وقد حظي
في النظام الإسلامي بلا شك بالقبول والتطبيق منذ البداية.
ولتكن لنا في البداية إشارة إلى النواحي المختلفة لنظام الحكم نبدؤها بالإشارة إلى
الاصطلاح القائل: إن كلمة الحكومة تستخدم أحياناً بالمعنى العام فتشمل ـ فضلاً عن
السلطة التنفيذية ـ السلطتين التشريعية والقضائية، أما في الاصطلاح الخاص فتطلق على
السلطة التنفيذية فقط، والذي نعنيه في بحثنا من كلمة الحكومة هو السلطة التنفيذية.
والمعلوم من وجهة نظر الإسلام أن جزءاً من الشؤون المرتبطة بالسلطة التشريعية يوكل
أيضاً إلى السلطة التنفيذية. ومما يجدر ذكره أن الحدود بين السلطات الثلاث
(القضائية والتشريعية والتنفيذية) ليست دقيقة في البلدان المختلفة ولدى أنظمة الحكم
العديدة، فهناك الكثير من الأمور التي توكل في بعض الأنظمة إلى السلطة التنفيذية؛
فمثلاً: يمكن للحكومة أن تصدر قرارات، ويتمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات وبإمكانه
إقرار قانون واتخاذ قرارات دون أن يرجع إلى مجلس النواب، وفي بعض البلدان تعد رئاسة
الجمهورية أو رئاسة الوزراء منصباً شكلياً، وينبغي أن يتم إقرار كل اللوائح
والقرارات من قبل المجلس.
والسؤال القائل أين تقع الحدود بين السلطتين التشريعية والتنفيذية؟ مشكلة حولها
خلاف بين الدول القائمة الآن، ففي الإسلام يتمتع الولي الفقيه الذي يقف على رأس
السلطة التنفيذية بصلاحيات تخص السلطة التشريعية أيضاً، وقد ذكرنا بعض تلك
الصلاحيات من قبل وأشرنا إلى أننا بحاجة إلى مجموعة من القوانين المتغيّرة التي يجب
على ولي الأمر وضعها بالاستعانة بآراء المتخصصين، والذي نستنتجه من نظام الحكم
الإسلامي هو أنّه لا يحق لغير الولي الفقيه وضع القوانين بصورة مستقلة، وما الأفراد
والمجالس إلا بمثابة مستشارين للقائد، فهم يقدمون مشاريع حول مختلف المجالات لا
تكتسب الصفة القانونية إلا إذا أقرها القائد، وهذا الإقرار إما تحريري أو يتم
الاكتفاء بمعرفة موافقته عليها، وهناك أدلة أخر على ضرورة وجود الحكومة، غير ما
يتعلق بالمجلس التشريعي.
ضرورة وجود السلطة التنفيذية
لقد ثبت لدينا من جهة أن كل مجتمع يحتاج إلى القانون لبلوغ أهدافه وكمالاته
الإنسانية، وإننا نعلم من جهة أخرى أن ليس كل الناس يتوقع منهم مراعاة القوانين
الموضوعة والمعتبرة، بل هناك دوافع كثيرة لمخالفة القانون.
وقد أثبتت التجارب العلمية أن المخالفات تزداد كلما ضعفت السلطة التنفيذية أو
السلطة القضائية، ولكي تراعى هذه المقررات في المجتمع، ولا تضيع حقوق الأفراد،
وتتوفر شروط التكامل المادي والمعنوي لأكبر عدد من أفراد المجتمع، لابد من وجود جهة
تضمن تنفيذ القانون، وإلا فمجرد وجود قانون يدوّن على الورق ويقرّه المجلس لا يلبي
حاجة المجتمع ولا يوفّر النظام له، وبتعبير آخر لا يحل القانون لوحده مشكلة، بل
ينبغي وجود من ينفّذه. وعليه فكما أن وجود القانون ضروري للمجتمع، فلابد من وجود
سلطة تضمن تنفيذه وتحول دون المخالفات إن حدثت. من هنا تثبت ضرورة وجود السلطة
التنفيذية للمجتمع.
ضرورة وجود السلطة القضائية
ويمكننا أن نذكر ما يشبه ذلك في شأن ضرورة وجود السلطة القضائية؛ صحيح أن القانون
يحدّد حقوق الأفراد ويعين كيفية تنظيم العلاقات الاجتماعية أيضاً، ولكن تحدث حالات
كثيرة يتعرض فيها تطبيق هذه القوانين العامة على حالةٍ ما؛ للخلاف بشكل مقصود أو
بسبب الجهل أو الخطأ، ومثال ذلك (مالٌ) حدث بشأنه اختلاف بين اثنين حول من الذي يحق
له تملكه؛ فقد يعلم كلاهما لمن الحق، لكنهما يريدان ظلم بعضها بشكل مقصود، وربما
يكون الأمر موضع شبهة ولا يتمكنان حقاً من تحديد صاحب الحق، هنا لا يمكن للقانون
العام وحده فضّ هذا النزاع وتعيين الحق وصاحبه، فالخلافات التي تحدث في القضايا
المالية والحقوقية والعائلية والقضايا الاجتماعية تحتاج إلى مرجع يطبق القانون على
الحالات الخاصة، أي أن يقضي ويحكم. إذاً ففضلاً عن السلطة التشريعية التي تضع
القوانين لابد من وجود السلطة القضائية لكي تطبق القانون. والمعلوم أن السلطة
القضائية تتناول في الغالب القضايا الحقوقية والاجتماعية، لكن القوانين الإسلامية
أعم من القضايا الاجتماعية، حيث تشمل القضايا الفردية أيضاً، ولكن حين يرد ذكر
القانون في هذه البحوث فالمقصود منه القوانين الحقوقية ثم القوانين الجزائية
والدولية التي لا تشمل القوانين الأخلاقية والفردية والقوانين الشرعية والتعبّدية.
وكما أن القانون ضروري بذاته، فإن وجود السلطة القضائية التي تتولى مسؤولية تطبيق
القانون ضرورية أيضاً، وكذلك يعد وجود من يضمن تنفيذ القانون ضرورياً، حتى إذا ما
أراد أفرادٌ مخالفة القانون أجبرهم على تنفيذه قهراً.
وهكذا تثبت ضرورة وجود السلطات الثلاث بالدليل العقلي.
أدلة أخرى على ضرورة وجود السلطة التنفيذية والحكومة
هناك أدلة أخرى تختص بضرورة وجود السلطة التنفيذية والحكومة بمعناها الخاص نشير
إليها بشكل مجمل وبما يتسع له هذا المجال:
1ـ يبرز في كل مجتمع أفراد لا يتمكنون من إدارة شؤون أنفسهم ويحتاجون إلى أناس
قيّمين عليهم، فلنفترض أن الأب والأم قد رحلا عن الدنيا في أسرة معينة وبقي ابنهما
دون ولي وهو لا يقدر على إدارة شؤونه الخاصة بنفسه بعد أن فقد المتكفل الطبيعي له
(الأب والأم)، ومثل هذه الظاهرة تنتشر كثيراً إثر الحروب والسيول والزلازل والحوادث
الأخرى، أو نجد مجانين عاجزين عن إدارة شؤونهم وليس لهم ولي معروف أيضاً، أو
معوّقين كالذين يولدون عمياناً أو مشلولين أو غيرهم من الذين يواجهون مصاعب إثر
الحوادث المختلفة ويعجزون عن إدارة شؤون حياتهم ولا أحد يتكفّل أمورهم. إذاً لابد
من أشخاص يعملون بإشراف دائرة أو مؤسسة معينة على مساعدة هؤلاء، وأحياناً نجد
أشخاصاً من أهل الخير فيتوّلى أحدهم تدبير شؤون واحد أو اثنين من هؤلاء، ولكننا لا
نجد مثل هؤلاء المتطوّعين في المجتمع دائماً، بل ينبغي أن يتولى أفراد أمر القيمومة
على مثل هؤلاء بشكل منظم ومرتب ويلبّوا حاجاتهم، وقد نجد أناساً يذهبون ضحايا وهم
أبرياء وتضيع حقوقهم ولا أحد يهبّ لنجدهم. إذاً لابد من جهاز يدير شؤون مثل هؤلاء
في المجتمع ويلبي حاجاتهم وحاجات غيرهم.
2ـ تبرز في المجتمعات المختلفة وفقاً لاتّساعها وضيقها وظروف أخر؛ قضايا عديدة
ترتبط بالناس كلهم أو أكثرهم مثل: شق الطرق، وإقامة الجسور، والصحة العامة، وغير
ذلك، وهذه أمور لا ترتبط بفرد أو جماعة أو فئة من المجتمع، بل ترتبط بأبناء المجتمع
كلهم، ونحتاج إلى تخطيط و إجراءات فعالة تلبي هذه الحاجات للمجتمع بأسره، فلو أراد
كل فرد أن يعمل لوحده أو مع جماعة محدودة فلن تبلغ مساعيه غايتها، والوقاية من
الأمراض المعدية والشؤون الأخرى المتعلقة بالصحة العامة لو لم تعالج بشكل جدي
وبجهاز متناسق، فلن يمضي زمان حتى تختل السلامة العامة لاسيما في المدن الكبيرة،
وينفرط عقد راحة الناس وأمنهم.
فلابد من جهاز يلبي هذه الحاجات، وأحياناً نجد أفراداً يلبّون بعض هذه الحاجات
طواعية؛ فنرى مثلاً أفراداً خيّرين يبنون مستشفى أو يؤلفون فريقاً طبياً ينظم
الإجراءات الصحية في مدينة أو منطقة أو محلة أو حيّ سكني، ولكننا في كثير من
الحالات لا نجد متطوعاً واحداً لتلبية هذه الحالات الاجتماعية، وفي المجتمعات
الصغيرة مثل المجتمع القروي أو البدوي قلّما يبرز مثل هذه الحاجات، لكنها تبرز
كثيراً في المجتمعات المدنية المعاصرة، فلو لم يكن هناك جهاز يسعى لتلبيتها فسوف
تتعرض مصالح عامة الناس للخطر، وهذا دليل آخر على ضرورة وجود الحكومة.
3ـ في كل مجتمع أموال تتعلق بالناس كلهم وليس لها مالك خاص ولا يمكن لأحد أن يدعي
ملكيتها لوحده، وهي الثروات التي خلقها الله تعالى لعامة الناس مثل الغابات
والمراعي وثروات باطن الأرض، وهذه الثروات ينبغي المحافظة عليها للأجيال القادمة
واستثمارها استثماراً معقولاً.
ولو أوكلت المحافظة على هذه الثروات إلى الناس أنفسهم وأراد كل واحد منهم المحافظة
عليها بالطريقة التي تحلو له، فلن يكون هناك أي ضمان للحفاظ عليها، وسوف يكون
استثمارها إن لم يكن هناك قيّم عليها بشكل غير صحيح، ونتيجة لذلك تتلف هذه الثروات
ولا يبقى منها شيء للأجيال القادمة. إذاً لابد من وجود مؤسسة للمحافظة على الثروات
العامة لكي لا تتلف وكذلك لاستثمارها استثماراً صحيحاً مبرمجاً وبالشكل المطلوب
والعادل وبما فيه مصلحة المجتمع بشكل عام، أمّا كيف تتم هذه الاجراءات، وما هو
قانونها، فهذا بحث آخر. المهم هو أنه لابد من وجود مؤسسات للمحافظة على هذه الثروات
واستثمارها استثماراً صحيحاً لكي تبقى مصونة عن أيدي الطامعين والمتجاوزين.
4ـ من الأدلة الأخرى على ضرورة وجود الحكومة ووفقاً للحاجات التي ذكرت قبل قليل،
ضرورة وجود مؤسسة تؤمّن الميزانية اللازمة لهذه الأعمال؛ وتفصيل ذلك أن: توفير
الماء والكهرباء والاهتمام بمن لا قيّم لهم وغير ذلك أمور تستوجب وجود ميزانية
ضخمة. إذاً لابد من جهاز لتأمين هذه الميزانية بشكل صحيح طبقاً للقانون وتوزيعها
توزيعاً عادلاً وتعيين كيفية صرف هذه الأموال، لكي تمارس هذه النشاطات الصحية
والاجتماعية والخدمية فتدار شؤون أبناء المجتمع في أفضل صورة، ويبلغ الجميع أهدافهم
المادية والمعنوية.
هذه الأدلة المعدودة على ضرورة وجود الحكومة كانت كلها تدور حول القضايا
الاقتصادية، مع أننا قد ذكرنا الخدمات الصحية ضمنها أيضاً، ولكنها جميعاً تحتاج إلى
أناس ينفقون أموالاً من أجل إنجازها ويعدّون الوسائل والأدوات اللازمة لها، أو
يستخدمون الطاقة البشرية من أجلها؛ لذلك تعد المسائل المادية والاقتصادية محوراً
لها.
ويمكن إقامة أدلة أخرى على ضرورة وجود الحكومة لا ترتبط ارتباطاً مباشراً بالشؤون
المادية، مع أن لبعضها ارتباطاً وثيقاً بالشؤون الاقتصادية. ونحن هنا نذكر بعضاً
منها:
الأدلة غير الاقتصادية على ضرورة وجود الحكومة
1ـ الثقافة بمعناها العام، تشمل التربية والتعليم، والتعليم العالي وسائر الفروع
الثقافية والإعلامية. وباختصار كل ما يتعلق بمعارف المجتمع وقيمه؛ ففي السابق حيث
كانت شؤون الحياة تدار بالطريقة القبلية، وكانت المجتمعات صغيرة (قرى وقصبات) كانت
العائلة هي التي تتولى هذه الأمور، إذ لم تكن هناك حاجة لأن يتولى جهاز خاص مسؤولية
تهيئة هذه الحاجات، وبعد أن توسعت المجتمعات تدريجياً وازدادت العلاقات الاجتماعية
وازداد تعقيدها برز شعور بالحاجة إلى جهاز يتولى شؤون التربية والتعليم والقضايا
التربوية والثقافية للمجتمع لكي يخطط لهذه الشؤون، وشيئاً فشيئاً تشكّلت تنظيمات
ومؤسسات ووزارات تتولّى تلبية حاجات المجتمع بالشكل المطلوب وتوفر وسائل التكامل،
كما تتولّى مهمّة تصحيح الأفكار المنحرفة وإصلاح الأشخاص الذين يحملونها. وتشكل
محور هذه الأعمال مجموعة من النشاطات الثقافية، وهي على أية حال حاجات مهمة، والذين
يدركون أهمية الإنسان ومنزلته أفضل من غيرهم يعلمون أن هذه القضايا أهم بكثير من
القضايا المادية. إذن فنحن في حاجة إلى جهاز الحكم من أجل تلبية هذه الحاجات أيضاً.
2ـ من الأدلة الأخرى على ضرورة وجود الحكومة ما يتعلق بالشؤون الدفاعية؛ فكل مجتمع
يحتاج إلى الدفاع، وهو يتخذ أشكالاً تختلف باختلاف الأزمنة. وبتعبير آخر لما كان كل
مجتمع عرضة للعدوان والتهديد وبالنتيجة للحرب والقتال لأسباب مختلفة مثل طمع
الأعداء في أراضيه أو ثرواته التي في باطن الأرض، لذلك فهو في حاجة إلى جهاز دفاعي
مقتدر. وقد يعتقد بعضهم أنه لو شن العدو هجوماً فالناس يتصدون للدفاع من تلقاء
أنفسهم من دون حاجة إلى قائد وجهاز قيادة، والحقيقة أن هذه المقولة أشبه ما تكون
بالمزاح اليوم منه بفكرة جدّية، لأن الشؤون الدفاعية بلغت درجة من التعقيد جعلتها
تحتاج إلى جامعات ودراسات عليا واكتساب خبرات ومهارات كثيرة.
ولا يتمكن الناس من الدفاع عن أنفسهم عند تعرضهم لهجوم الأعداء دون إعداد مسبق
وتدريب متنوع، وبرامج وخطط دفاعية، فنحن في الأقل نحتاج في حال الدفاع الشامل إلى
تخطيط ومتخصصين وأجهزة متخصصة في هذا الشأن. ومما يجدر قوله أنه مهما كان هجوم
الأعداء مدعوماً بالمعدات والفنون الحربية فلن تتمّ لهم السيطرة على البلاد إذا لم
يرضخ الناس لهم، لأن الناس قادرون في النهاية على النهوض والثورة على أكثر
التكنولوجيا تطوراً، وانتزاع حقوقهم حتى بأيدٍ خالية، ولكن ذلك قد يستغرق وقتاً
كبيراً ويلحق بهم خسائر وأضراراً كبيرة. ولكي تقلل الخسائر ينبغي أن يمتلك المجتمع
قوة دفاعية يعتمد عليها لكي لا يتجرّأ العدو على مهاجمته.
على كل حال، فالحاجة الدفاعية حاجة ماسة لا يمكن أن توكل إلى الناس وحدهم لكي
يوفروا بشكل طوعي مستلزماتهم الدفاعية، ولن نجد أبداً متطوعين قادرين على حل قضايا
المجتمع الدفاعية حلاً كاملاً، فينبغي إذاً وجود جهاز حاكم يمتلك قدرة دفاعية ويقدر
على تلبية الحاجات الدفاعية للبلاد.
إن ما يفهم من الدفاع بشكل عام وبسيط هو الدفاع عن أرواح الشعب وأمواله، أما في
الإسلام فيفهم من الدفاع ما هو أهم من الأرواح والأموال، إنه الدفاع عن دين الناس
ومعتقداتهم ومقدساتهم. ووفقاً للنظرة الإسلامية تعد حماية المعتقدات والقيم وحفظ
مقدسات المجتمع وإيمانه أهم بكثير من حماية أرواحه وأمواله، والأخطار التي تهدد
إيمان الناس أشدّ وقعاً من الأخطار التي تهدد أرواحهم وأموالهم.
ولكي يتمكن المجتمع الإسلامي من المحافظة على إسلامه ويحمل الناس إيماناً صحيحاً
فهم يحتاجون إلى قوة دفاعية، وهذا البعد الذي تكتسبه هذه القضية لا نجده إلا في
الإسلام أو في سائر المجتمعات التي تدار بمثل هذا المذهب الفكري وتؤمن بمثل هذه
الآيديولوجية.
أما البعد الآخر لهذه القضية فهو الدفاع العالمي، إذ ليس المسلم مسؤولاً عن حفظ
نفسه وماله وحتى إيمانه فقط، بل إنه مسؤول كذلك عن أرواح كل المسلمين في أقصى بقاع
العالم وعن أموالهم وإيمانهم ويجب عليه الدفاع عنهم بشرط قدرته على ذلك، بل ويجب
عليه نصرة أي مظلوم ضد أي ظالم، وبسط العدل والقسط في أرجاء العالم وحتى بين غير
المسلمين، لأن المسلم لا يهتم بالحفاظ على الحدود الجغرافية فقط، بل المهم لديه هو
المحافظة على الإسلام في العالم بأسره. على هذا الأساس ونظراً لوجوب الحفاظ على
أموال المسلمين وأرواحهم وأراضيهم وبملاحظة وجوب الحفاظ على معتقدات الناس وقيمهم
وإيمانهم، وكذلك وفقاً للمسؤولية التي يتحملها مجتمع المسلمين تجاه المجتمعات
الأخرى، وهي دفاعه عن المظلومين والمستضعفين في مقابل المستكبرين والظالمين، فهناك
حاجة لجهاز دفاعي قوي، وهذا الجهاز لا يتحقق من تلقاء نفسه وبشكل طوعي. إذاً لابد
من نظام قوي ـ يسمى الحكومة ـ يتولى الشؤون الدفاعية أيضاً.
3ـ الدليل الآخر هو قضية الأمن الداخلي؛ فقد ذكرنا قبل قليل الدفاع عن المجتمع في
مقابل الأعداء الخارجيين، ولكن قد يبرز في داخل المجتمع الإسلامي أيضاً أفراد يقعون
تحت تأثير الأهواء النفسية والدوافع الشيطانية ويتجاوزون الحدود المقررة لهم
ويعتدون على حقوق الآخرين، ويعرضون أموالهم وأنفسهم وأعراضهم للخطر؛ فلو لم تكن
هناك قوة توقف هؤلاء عند حدهم فسوف تحدث فوضى في المجتمع، وتتعرض أموال الناس
وأرواحهم وأعراضهم للخطر. إذاً فمن أجل الحفاظ على الأمن الداخلي نحتاج أيضاً إلى
جهاز الحكم.
4ـ وأخيراً، فمن الأدلة التي تثبت ضرورة وجود الحكومة للمجتمع ومن ضمنه المجتمع
الإسلامي، أن المجتمع الإسلامي شأنه شأن المجتمعات الأخرى، بل وبدرجة أهم منها،
يحتاج إلى تنظيم العلاقات مع سائر الشعوب، أي يجب أن يسلك سياسة خارجية واضحة فيعرف
كيف يتعامل مع سائر البلدان المسلمة منها وغير المسلمة، وعلى أي أساس تنظم علاقاته
معها. وقد يُعِدّ القانون التعليمات الخاصة بهذه العلاقات أو تعدها المراكز
المتخصصة بالتشريع كمجلس الشورى، ولكن المؤسسة التي ينبغي لها أن تتولى عملياً
تنظيم هذه العلاقات وتنفيذ هذه السياسات هي الجهاز الحاكم، وإلا فمجرد تدوين قانون
على الورق لا ينظم هذه العلاقات ولا يحل المشاكل التي قد تؤدي إلى توتر العلاقات
واندلاع الحروب وما إلى ذلك مما هو في غير مصلحة الشعوب. إذاً ينبغي تنظيم هذه
العلاقات وتطبيقها بشكل عادل وفق المبادئ الإسلامية الصحيحة لكي يعيش المجتمع
الإسلامي بعز ورفعة بين المجتمعات البشرية.
5ـ أضف إلى ذلك الشؤون القضائية التي أشرنا إليها من قبل وهي دليل آخر على الحاجة
إلى الحكومة.
* * *
من مجموع هذه الأدلة يثبت لكلٍّ منّا بشكل قاطع أن وجود الحكومة ضروري للمجتمع، حتى
لو كان هناك أناس أخلاقيون، أي يراعون التعليمات والقوانين من تلقاء أنفسهم، مع
أننا لا نجد مثل هؤلاء الناس إلا في الأحكام، ولكن لنفترض أن مثل هذا المجتمع سيظهر
في المستقبل، فإننا مع ذلك نجد أن هذه الحاجات لابد لها من مسؤولين فيحال كل جانب
من الأعمال إلى مسؤول معين أو عدة مسؤولين يتولون تنفيذ القوانين، وهذه هي الحكومة
ذاتها، وما لم يتولّ أحد مهمة تنفيذ القوانين الخاصة بالشؤون الاجتماعية فلن تتحقق
مصالح المجتمع حتى لو تمتع الناس بدوافع ذاتية لتطبيق القوانين. والذين يؤمنون بـ
(الفوضوية) ويتصورون أن الناس تربوا تربية أخلاقية ولم تعد هناك حاجة لضغط الحكومة،
والذين ينكرون الحاجة إلى الحكومة أو الذين هم سذّج أو متفائلون يتصورون أن
بالإمكان تلبية حاجات المجتمع طواعية وبكل سهولة ولا حاجة للحكومة، لو تنبّهوا لهذه
القضايا والحاجات لما بقي أمامهم سبيل سوى القبول بهذا الأمر.
الدليل الشرعي على ضرورة وجود الحكومة:
وقد أدرك الإسلام أيضاً هذه الضرورة بلا شك، وأيّد وجود الحكومة باعتبارها من أكثر
حاجات المجتمع ضرورة، ووضع لذلك حلولاً. وهناك أدلة كثيرة في هذا المجال. ولو أردنا
ذكر كل ما ورد منها في النصوص والوثائق الإسلامية لطال بنا البحث، وسنكتفي هنا
بالإشارة إلى بعضها كنماذج:
فنحن أولاً عن هذا الطريق ـ حيث أثبتنا ضرورة وجود الحكومة بأدلة عقلية عديدة ـ
قادرون على كشف الإرادة التشريعية الإلهية. وقد قلنا في بداية بحثنا حول (اكتشاف
القانون الإلهي وإثباته) إن اكثر السبل طبيعية لكشف الإرادة التشريعية الإلهية هو
(المستقلات العقلية) أي ما يدركه العقل بالضرورة حتى ولو لم يصلنا تعبّد من الشارع
المقدس ويحملنا المسؤولية؛ فلو أدركنا أن إرادة الله تعلقت من جهة بضرورة توفر
وسائل تكامل المجتمع لكي يبلغ أكثر أفراده تكاملهم المادي والمعنوي بأفضل صورة، وأن
هذه الأمور لا تتحقق دون جهاز حاكم صالح من جهة أخرى، فنستنتج من ذلك أن الإرادة
التشريعية الإلهية تتعلق بضرورة وجود مثل هذا الجهاز. أليس الفقهاء يتمسكون بالدليل
العقلي في مسائل أكثر بساطة من هذه المسالة بكثير؟ فمثال ذلك عند إثباتهم الوجوب
الكفائي لأنواع الأعمال والحرف، لاسيما الأعمال التي يطلق عليها في كتب الفقه اسم
(الواجبات النظامية) والتي كان كبار العلماء يتباحثون حولها ويقولون إن حاجات الناس
لا تؤمن دونها مثل الطب والهندسة والخبازة وغيرها مما يحتاجه المجتمع، حيث أفتوا
بهذا الشأن أنها من الواجبات الكفائية، أي أن كل الناس مسؤولون عن تأمينها مادامت
هناك حاجة إليها، فلو تحمل بعضهم هذه المسؤولية بقدر الحاجة سقطت عن الآخرين وإلا
فإن كل الناس مسؤولون إن بقيت هناك حاجة إليها. فهذا إذاً واجب نظامي اجتماعي
(والواجب النظامي يعني هنا ما ينظم شؤون المجتمع). وهنا نسأل: هل الحاجة إلى وجود
الطبيب والخباز و... في المجتمع أقوى أم الحاجة إلى وجود الجهاز الحكومي؟
فلو لم يكن هناك خباز فقد يستطيع الناس إعداد الطحين وصنع الخبز بطريقة يدوية، ولكن
لو لم يكن جهاز حكومي فسوف تتعطل كل الأمور وتتعرض أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم
للخطر، فكيف يرضى الإسلام بتشكيل مجتمع دون أن يكون مسؤولاً عن تلبية حاجاته؟! تلك
الحاجات التي تبلغ الحد الأقصى من الضرورة! إذاً فبالدليل نفسه، الذي يرى بموجبه
الفقهاء الواجبات النظامية واجبات كفائية، يثبت بدرجات أعلى أن وجود الحكومة في
المجتمع كحكم شرعي إلهي من أوثق الأحكام التي تثبت بالدليل العقلي، ولكننا نجد ـ
والحمد الله ـ في الكتاب والسنة من الأدلة على ذلك ما به الكفاية.
ومن أفضل ما ورد في هذا المجال ردّ الإمام علي (ع) على الخوارج (حيث كان شعارهم أن
"لا حكم إلا لله" فكانوا يشككون بحكم علي (ع) ويقولون إنه حكم بشري وليس حكماً
إلهياً، ولما كان الحكم لله وحده فإننا نطيع الله وحده ولا نطيع البشر، وكان هذا
منهم مغالطة) بقوله: نعم "لا حكم إلا لله". وهو كلام القرآن حيث يقول: {إن الحكم
إلا لله}[1]، ولكنها (كلمة حق يراد بها باطل)، فإنكم تريدون نفي الإمارة والحكم عن
غير، الله والذي تقصدونه هو (لا إمرة إلا لله)؛ لأن معنى لا حكم إلا لله أن لا يحكم
الناس أحد، ومعنى كلامكم هذا أن لا يوجد أمير أصلاً. والمعنى الصحيح لـ {إن الحكم
إلا لله} أن يكون القانون والحكم إلهياً ولا يحكم الناس إلا القانون الإلهي، ولابد
لهذا القانون من منفّذ وأمير يطيع الناس أوامره، فإن لم يكن للمجتمع أمير صالح
وجدير بالحكم، وانحصر الأمر بين أن لا يكون للمجتمع أمير أو يحكمه حاكم فاجر ومجرم،
فإن وجود الحاكم المجرم أفضل من عدم وجوده بالمرة، إذ لا يمكن بقاء المجتمع دون
حاكم. والحاكم ينبغي أن يكون صالحاً وجديراً بالحكم إن أمكن ذلك، وإلا فينبغي
الرضوخ للحاكم الفاجر أيضاً، إذ (لابد للناس من أمير برٍّ أو فاجر)؛ فلو بقي
المجتمع بلا حاكم لتعرضت أموال الناس وأعراضهم للخطر، والحاكم الفاجر قد يحول دون
وقوع الفوضى بعض الشيء، وهذا أفضل من لا شيء.
ويحسن بنا أن نشير هنا إلى أن الإمام الخميني (ره) كان قد أفتى في عهد الطاغوت بأن
مراعاة بعض قرارات الحكم الطاغوتي واجبة، فمع أن مشرّعي ذلك النظام كانوا فاسدين
وحاكمه شخص طاغوتي منقاد للأجانب إلا أن طاعته كانت واجبة في الأمور التي يرتبط بها
نظام المجتمع، مثل تعليمات شرطة المرور وما شاكلها؛ وهذا هو قول أمير المؤمنين (ع):
"لابد للناس من أمير برٍّ أو فاجر". وهكذا نرى أن وجود الحكومة ضروري، بحيث لو لم
تكن هناك حكومة صالحة فعلينا أن نقبل بالحكومة الفاسدة من أجل الحفاظ على نظام
المجتمع والحيلولة دون حدوث الفوضى. وبالطبع ينبغي السعي من أجل إسقاط الحكومة
الفاسدة وإقامة حكومة صالحة مكانها، ولكن لو انحصر الأمر بين وجود حكومة فاجرة وعدم
وجود حكومة، بل حدوث الفوضى، فهنا يعد وجود حكومة الشخص الفاجر أولى من عدمها، ولا
يمكننا أن نجد دليلاً أبلغ من هذا وأوضح حول ضرورة وجود الحكومة.
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة بشأن الأنبياء السابقين وبشأن نبي الإسلام (ص) وفترة
ما بعد نبي الإسلام، شرح فيها الله تعالى منزلة الحكومة وأوجب على الناس طاعتها ومن
ذلك الآية المباركة:
{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}[2].
فطاعة الله هي العمل بتلك الأحكام الواردة في كتابه، وطاعة الرسول هي اتباع
التعاليم التي أصدرها باعتباره ولياً للأمر. إذاً فطاعة الرسول وأولي الأمر (الذين
هم حسب الروايات الأئمة الاثنا عشر) واجبة على المسلمين جميعاً لأنها من طاعة الله.
وقد ذكر الإمام الخميني (ره) بذلك في ندائه إلى مجلس الشورى الإسلامي. وبشكل عام
يفهم من هذه الآية الكريمة أن طاعة الرسول (ص) كحاكم وكذلك طاعة الذين يسمون أولي
الأمر وردت في القرآن كفريضة واجبة، فوجود الحكومة إذاً وطاعتها من الأحكام
الإسلامية الثابتة.
الخلاصة:
فضلاً عن استنباط الأحكام من مصادرها، تشرع أحياناً قوانين من قبل ولي الأمر بعنوان
(ممارسة الولاية)، وهذه القوانين تتغير بتغيّر العناوين المختلفة، والمهم هو تحديد
أي العناوين التي تنطبق عليها هذه القوانين.
والحكومة يحتاج إليها كل مجتمع، ومع أنها تشمل مجالات التشريع والتنفيذ والقضاء،
إلا أن ما يتبادر إلى الأذهان عند ذكر الحكومة أكثر من غيره هو السلطة التنفيذية.
والسلطة التنفيذية هدفها الحيلولة دون مخالفة الأفراد للقانون وضمان تطبيق العدل
والقانون باستخدام القوة إن لزم الأمر.
وهدف السلطة القضائية الفصل في الخلافات في الشؤون الحقوقية والمالية والعائلية
والاجتماعية، وهي مرجع لتطبيق القانون عند مواضع الخلاف أو الشبهة.
وفضلاً عن الدليل المذكور، هناك أدلة أخرى على ضرورة وجود السلطة التنفيذية تتلخص
فيما يأتي:
ـ ضرورة القيمومة على العجزة والذين لا كفيل لهم في المجتمع.
ـ ضرورة تلبية الحاجات المتعلقة بالمعيشة العامة للأفراد.
ـ ضرورة استثمار الثروات العامة والأموال التي ليس لها مالك خاص استثماراً صحيحاً.
ـ ضرورة توفير الميزانية اللازمة لتلبية الحاجات المذكورة وصرفها في مواردها بشكل
صحيح.
ـ ضرورة تأمين تنمية ثقافة المجتمع وتربيته.
ـ ضرورة الدفاع عن البلاد.
ـ حفظ الأمن الداخلي.
ـ تنظيم العلاقات مع البلدان الأخرى.
ـ حل الخلافات والبتّ في المخالفات (الجهاز القضائي).
وفي نظر الشرع أيضاً يعد الجهاز الحكومي كسائر الشؤون الأخرى التي يحتاجها المجتمع
من الأمور اللازمة كـ (واجب كفائي)، وحتى لو وجدت حكومة غير صالحة فهي أفضل من
الفوضى وانعدام الحكومة.
أسئلة
1ـ في أية مواضع تبرز الحاجة إلى (ممارسة الولاية) من قبل وليّ الأمر؟
2ـ ماذا تعني الحكومة؟ وأية سلطات تشمل؟
3ـ اشرح الأدلة على ضرورة وجود السلطة التنفيذية في المجتمع.
4ـ ما هو عمل السلطة القضائية؟
5ـ أي السلطات مسؤولة عن تلبية الحاجات الاجتماعية والاهتمام بالذين لا كفيل لهم في
المجتمع؟
6ـ أية مؤسسة تستثمر الثروات العامة؟
7ـ اشرح دليل الشؤون الدفاعية لإثبات ضرورة وجود السلطة التنفيذية.
8ـ ما هو الدليل الشرعي على ضرورة وجود الحكومة؟
9ـ إذا انحصر الأمر بين الفوضى والحكومة الجائزة، فأيهما أفضل؟ولماذا؟
10ـ ما هو الفرق بين الحكم والإمارة؟
________________________
[1] الأنعام: 57.
[2] النساء: 59.