مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه

الفصل الرابع: سبب اختلاف القوانين الإلهية في المجتمعات الإسلامية

قلنا إن القانون الإلهي هو الذي ينبغي أن يسود في المجتمع الإسلامي ولا يحق لأحدٍ أساساً وضع قانون دون إذن من الله، فعلى كل مجتمع إسلامي وكل نظام إسلامي أن يتمسك بالقوانين الإلهية، وهذا الأمر لا يتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والأشخاص.
هذا الموضوع يثير بشكل واضح تساؤلات تقول: إذا كان قانون الله واحداً، فلماذا تختلف القوانين في المجتمعات الإسلامية المختلفة؟ أو لماذا يطرح المقنّنون أو مراجع التشريع في مجتمع واحد، آراء مختلفة حول قانون الإسلام؟ أو نرى قانوناً يؤخذ به في مجتمعٍ ما مدة من الزمن ثم يتغير بعد ذلك؟ وبتعبير آخر، لو كان ينبغي أن يؤخذ في المجتمعات الإسلامية بالقانون الإلهي الموحد فما الذي يسوّغ الاختلاف أو التغيير في القوانين؟
ينبغي أن ندرك أن للقانون الإلهي صفة ثبوتية وأخرى اثباتية، فحقيقة قانون الله هي تلك الإرادة التشريعية الإلهية، أي أن ما يريد الله تعالى من عباده أن يعملوه هو قانون الله، ولكن ليس كل الناس عارفين بهذه الإرادة التشريعية الإلهية، أي أنهم لا يعرفون في كل مكان وكل زمان ماذا يريد الحق تعالى، فهم إذاً لا يختلفون فيما تعلقت به إرادة الله (أي الصفة الثبوتية)، وفي مجال الإثبات فقط يمكن حدوث الاختلاف، فلو تخلّى الأفراد عن الميول النفسانية لأمكنهم رفع الخلافات بالطرق المحددة لذلك.
سبل اكتشاف قانون الله:
هناك سبل عدة تمكننا من اكتشاف إرادة الله وفهم قانونه:
1ـ العقل: أحياناً يكتشف البشر إرادة الله تعالى بحكم العقل الصريح، فحتى لو لم يأتهم نبي ولم ينزل كتاب لهدايتهم، أو أن نبيّاً بعث وكتاباً أنزل لكنه لم يبلغهم لبعض الأسباب فإنهم يدركون بعقولهم الأمور التي يحظى برضى الله.
وقد يكون من أعم هذه الأمور قضية (العدل والظلم)، فصحيح أن مصاديق العدل والظلم غير واضحة في كل الأحوال، ولكن كل إنسان يفهم بعضها ويعرف أن مواضع العدل يحبها الله ومواضع الظلم يبغضها الله، فحتى لو لم يبلغ بعضهم القانون الشرعي فإنهم يدركون أن الله يرضى بهذا العمل ولا يرضى بذاك، فهنا يكتشف قانون الله بحكم العقل الصريح، ويستدل الفقهاء أيضاً في كثيرة من الحالات بـ (المستقلات العقلية) لإثبات الحكم الشرعي، ومن هنا نقول إن العقل أحد الأدلة الشرعية.
أما ما هو موقع العقل في الفقه الإسلامي؟ والى أي مدى يتمكن العقل من اكتشاف الأحكام الشرعية؟ فهذا ما يتطلب الكثير من البحث الذي ينبغي الخوض فيه في مجال آخر، ولكننا نعرف بشكل مجمل أن فقه الأمامية يعترف بأن كثيراً من أحكام العقل الصريحة (أي ما يطلق عليه في علم أصول الفقه اسم المستقلات العقلية) يمكنها أن تكون كاشفة للحكم الشرعي، وهذا أول السبل وأكثرها طبيعية لاكتشاف حكم الله. لنفترض أن أناساً يسكنون جزيرة ولم يبلغهم الإسلام لكنهم يعرفون على قدر عقولهم أية أعمال يقومون بها وأياً منها يمتنعون عنه لكي يرضى عنهم خالقهم، فمثل هؤلاء الناس يعدون مستضعفين تجاه الأحكام الشرعية لأنهم بعيدون عن مدى تبليغ علماء الدين وتوجيههم تجاه واجباتهم الفردية والاجتماعية، لكنهم مسؤولون تجاه ما تدركه عقولهم ويجب عليهم العمل بمقتضى ذلك وإلا فإنهم يعرّضون للعقاب لأن استضعافهم لا يتجاوز مدى عدم قدرتهم على اكتشاف الحكم الإلهي، أما حين يتوصلون إلى أمر بعقولهم ويوقنون بأنه يحظى برضى الله، فالعمل بذلك واجب عليهم، وكذلك لو علموا أن أمراً يؤدي إلى سخط الله فعليهم تركه. ومما ينبغي أن أؤكد عليه هنا أننا لا نقصد بفهم الأمور بوساطة العقل أن يأتي كل من خطر في ذهنه أمر فيقول إن عقلي يحكم بكذا فحكم الله إذن كذلك، فهذه هي البدعة التي وردت في رواياتنا باسم الرأي والقياس وحوربت بشدّة، بل المقصود بحجية العقل هو الحكم العقلي القطعي الذي يدركه كل العقلاء من دون شك، ففي هذه الحال فقط يعدّ حكم العقل حجة ويكشف عن الحكم الشرعي.
2ـ الوحي: السبيل الثاني لاكتشاف قانون الله هو (الوحي)، أي الكلام الذي أوحى به الله تعالى إلى نبيّه فنقله إلى الناس، فكلام الله في الإسلام هو القرآن وكان في الشرائع والأديان السابقة بصيغة كتب مثل التوراة والإنجيل وغيرهما أنزلت على أولي العزم من الأنبياء، وقد كانت هذه الكتب وحياً إلهياً يكشف عن إرادة الله التشريعية، أما بعد ظهور نبي الإسلام (ص) فالقرآن هو الذي ينبغي أن يأخذ به كل الناس.
3ـ أحاديث المعصومين:
أحاديث النبي الأكرم (ص) وكذلك أحاديث الأئمة المعصومين ـ سلام الله عليهم ـ وفقاً لمعتقدات الشيعة تكشف بعد القرآن عن إرادة الله التشريعية التي هي في الحقيقة القانون الإلهي، أي حين يأمر النبي (ص) أو المعصومون الآخرون (ع) بأداء أعمال أو ترك أفعال فهذا حجة على الناس، وقد ثبتت حجيته وفقاً لآيات صريحة وواضحة من القرآن الكريم، ونحن نسمي ذلك في المصطلح الفقهي (السنّة) وهي قول المعصومين وفعلهم وتقريرهم.
وهكذا لو أدركنا أمراً بشكل قطعي عن هذه الطرق أي العقل والوحي والسنة، فهو يكشف عن القانون الإلهي، وينبغي أن نضيف هنا أن هذه الأشياء الثلاثة لا تضاد بينها ولا تناقص، بل هي طرق للكشف عن حقيقة واحدة، أي أنه لن يكون أبداً أي تناقص أو تضاد بين حكم العقل القطعي وحكم القرآن أو السنة القطعي، وهذه هي قاعدة الملازمة المشهورة التي تقول: (كلما حكم به العقل حكم به الشرع وكلما حكم به الشرع حكم به العقل).
وكذلك فإن الأحكام التي يتم التوصل إليها عن هذه الطرق لن يعتريها الاختلاف أو التغيير والتبديل، إذ حين يكون نص حكم العقل قطعياً أو نص الآيات والروايات متواتراً فإن الأحكام التي ننسبها إلى الإسلام ستكون أحكاماً قطعية ولا مجال لأي اختلاف، ولو أن أي إنسان غير مغرض توصل إلى هذه الأدلة واستخدم عقله من أجل فهم الآية والرواية فهماً صحيحاً فسوف يبلغ رأياً يقيناً، وهذه من ضروريات الدين ومسلّماته التي عرفت في كل المذاهب وفي كل الأزمنة ولا خلاف فيها، ولو عارض أحدهم ذلك عدّ من أهل البدع وأنه يريد إيجاد شرخ في الدين وإلا فإن هذه الأمور لا تقبل الخلاف. ونحن نشاهد في الكتب الفقهية ـ سواء الشيعية منها أو السنّية ـ موضوعات لا خلاف حولها أبداً، فنراهم كلهم قد نقلوا واقعة عن النبي (ص) وفهموا منها معنى واحداً ولم يعتريهم في ذلك أي شك أو اختلاف، وهذه الأمور من مسلمات الدين، وبعض مواردها من ضرورياته التي بقيت محفوظة على طول التاريخ الإسلامي دون أن يحدث حولها أي خلاف وسوف تبقى كذلك، من ذلك، واقعة ربما لم تكن تخطر ببال أحد وهي الإجماع الذي أظهره مؤخراً فقهاء الإسلام ـ شيعة وسنة ـ حول كتاب (الآيات الشيطانية) وتبين أنهم يجمعون على القول إنه لو أن أحداً سبّ النبي الأكرم (ص) فدمه مهدور، وهذا أحد أحكام الإسلام التي سوف تبقى ثابتة بشكل قطعي وهو مستفاد من سنة النبي (ص)، وليس آية قرآنية أو حكماً قطعياً للعقل بل أمر مستند إلى سنة النبي الأكرم (ص)، ولا يلاحظ بهذا الشأن أي خلاف بين المذاهب الإسلامية، وهكذا نجد أن أحكام الإسلام ليست كلها عرضة للاختلاف أو التبديل، بل هناك أحكام قطعية مثل الصلاة والصوم والحج و... تتمتع بالإجماع واليقين.
وبتعبير آخر، هناك مجموعة من الأحكام والقوانين الإلهية ثابتة بالتأكيد ولا تقبل التغيير، وهي إما أنها مستندة إلى حكم العقل القطعي أو إلى حكم القرآن الصريح أو إلى السنة القطعية التي اكتسبت القطعية من حيث السند والدلالة معاً، وليس ثمة أي خلاف في هذه المجموعة من الأحكام السماوية، كذلك لم يحصل أي تغيير في فهمها ومعرفتها ولن يحصل بعد الآن، والذين زعموا حصول التغيير في هذا الصنف من الأحكام قد وقعوا في خطأ فاحش.
رأي الفقيه الأعلم:
وهناك حالات لا نملك فيها حكماً قطعياً للعقل ولا يمكننا أن نتوصل بشأنها إلى حكم قطعي من الكتاب والسنة، صحيح أنه يبدو أمامنا أمر مرجح من وجهة نظر العقل ولكن لا يمكننا أن نجزم بأن ذلك هو حكم الله وليس غيره، كذلك حين نراجع القرآن أو السنة من أجل فهم الأمر السماوي واستنباطه لا يحصل لدينا يقين في هل أن ما يعنيه الله تعالى أو النبي (ص) والإمام (ع) هو هذا الذي فهمناه، فما هو تكليفنا في مثل هذه الحالات؟ وماذا ينبغي لنا فعله؟ هنا ينبغي علينا أن نراعي (فعل العقلاء) الذي نستخدمه في المعارف الأخرى، ونقصد بذلك أن الإنسان في هذه الحالات التي لا يجد فيها معرفة عقلية قطعية أو معرفة نقلية قطعية يراجع (بحكم سجيته العقلائية) الخبراء أي المصدر الذي يحظى بقيمة لديه، فما اعتاد عليه العقلاء من البشر الذين يعرفون خيرهم وشرهم أن يراجعوا في كل عمل أكثر الناس خبرة ومعرفة ليحلّوا لهم مشاكلهم، ولما كان بحثنا يدور حول كيفية التوصل إلى حكم الله، فإن علينا أن نسمع في ذلك كلام من يلم إلماماً كاملاً بالمصادر الإسلامية، ومن تعمّق في الأدلة الشرعية ودرسها أكثر من غيره، ونجد بحوثه ودراساته أعمق مما لدى غيره، وهذا هو بالضبط ما سمي في الفقه بـ (تقليد الأعلم). على أية حال فالذي هو أعرف الناس بمصادر استنباط الأحكام يعد فهمه ـ بحكم العقلاء ـ مما يعتدّ به لدى باقي الناس (حتى لو كان استنباطه غير قطعي بل استنباط أدنى درجة من اليقين والاطمئنان) كما هو الحال في سائر الموارد حيث كلما واجه العقلاء أموراً يجهلونها راجعوا فيها الخبير وغالباً ما لا يحصل لديهم يقين بكلامه لكنهم يثقون به إذ لا سبيل أفضل من هذا، وهكذا حين لا يمكننا التوصل إلى الدليل القطعي لا حيلة لدينا سوى الرجوع إلى أهل الخبرة، وقد تبرز بالطبع خلافات بين الخبراء وهو أمر طبيعي وحتمي إذ لا يمكن السيطرة على هذه الاختلافات إلا في عصر حضور الإمام المعصوم (ع)، أما في عصر الغيبة التي لا يمكن للناس الاتصال به (ع) فمن الطبيعي حدوث مثل هذه الاختلافات، وهذا أمر لا يختص بالدين وحده بل نجد نماذج كثيرة منه في كل المذاهب غير الدينية وفي كل الأنظمة القانونية، فلنفترض مثلاً أن شعباً يحترم دستور بلاده احتراماً كبيراً وقد أقرّه بكل ما أوتي من قوة، لكن هذا الشعب نراه يختلف أحياناً في فهم نص مادة من هذا الدستور، وهنا نراه يعين مرجعاً لتفسير الدستور فيرجع إليه مثل مجلس الشورى أو مجلس الشيوخ أو مجلس الخبراء أو مجلس صيانة الدستور وهكذا نجد في كل بلد مرجعاً يؤخذ برأيه في تفسير الدستور. ثم إن هناك خلافاً يحدث بين المفسرين أنفسهم فنراهم في النهاية يأخذون جميعاً برأي واحد ويطبقونه ولا حيلة غير ذلك، إذ حين لا يمكن التوصل إلى معنى النص ينبغي الرجوع إلى خبير أكثر بصيرة ومعرفة من غيره والوثوق بكلامه، ولو حدث بعد حين أن أبدى خبير آخر رأياً أكثر قبولاً فإنه يؤخذ برأيه، وهذا الكلام لا يعني أن حكم الله قد تغير، لأن الحكم الإلهي ثابت ولم يتغير من حيث الإثبات، ولكن ذلك لا يعني أيضاً أن كل الأحكام الإلهية عرضة لمثل هذه التغيرات والتبدلات، بل إن الأحكام الظنية التي نثبتها بالأدلة الظنية هي وحدها التي تتعرّض للاختلاف، وفي مثل هذه الحالات ينحصر سبيل رفع الاختلاف في أن يؤخذ من بين الآراء المطروحة بالرأي الذي يصدر من أكثر الناس خبرة، وهذا أمر تقتضيه السجيّة العقلائية للبشر وهو الذي يؤخذ به في فقهنا أيضاً.
وهكذا فتقليد الأعلم والرجوع إلى رأي الفقيه الأفقه والأبصر والأكثر وعياً وإحاطة بالمصادر الفقهية واجب على الآخرين حتى لو طرح فيما بعد رأي آخر أو تغير رأي هذا الفقيه أو ظهر فيما بعد فقيه آخر فأثبت خطأ رأي هذا الفقيه، فالاختلاف الذي يحدث في الفتوى والتغيير الذي يحصل في آراء الفقهاء أو حين يصرح مرجع تقليد في بلد معين بشيء ويصرح مرجع آخر في بلد آخر بشيء غيره فيأخذ هؤلاء برأي مجتهدهم إذ عرفوه أعلم من غيره، ويأخذ أولئك برأي مجتهدهم بعد أن رأوا أنه هو الأعلم، هذه الاختلافات لا تلحق ضرراً بطاعة الناس لحكم الله، أي حين يكون رأي الفقيه مطابقاً للواقع فإن الله تعالى يتقبّله منهم، وحين تكون مخالفاً للواقع فهم معذورون لأنهم ملزمون في الظاهر باتباع رأي هذا الشخص ولا ضير عليهم في ذلك، وهذه هي حجيّة رأي الأعلم للمقلدين.
والاختلاف بين مراجع التقليد أو بروز رأيين من مرجع تقليد واحد ليس قليلاً، بمعنى أننا نجد مرجعاً قد أعطى رأياً وبعد ذلك أدرك (بعد تأمله أكثر من ذي قبل أو عثوره على رواية لم يعثر عليها من قبل أو لأي سبب آخر) أن رأيه السابق كان خطأ، ففي ذلك الزمان يكون الرأي السابق للمرجع حجة على الناس والآن حيث توصل إلى رأي جديد فهذا الرأي الجديد يصبح حجة على الناس. وقد مرّ بنا أن هذا الأمر لا يختص بالمذهب الشيعي أو الدين الإسلامي أو الأديان الأخرى بل هو أسلوب عقلائي للاستنباط من النصوص التي يحصل خلاف في فهمها، ففي مثل هذه الحالات اعتاد كل العقلاء أن يرجعوا إلى الخبراء من ذوي الاختصاص.
تغير الحكم من حيث الثبوت
ثمة اختلاف آخر يرتبط من جهة واحدة بصفة الثبوت ولا يتبع اختلاف رأي الفقهاء واجتهادهم واستنباطهم فقط، بل يتبع متغيرات أخر، أي أن بالإمكان أن يكون حكم مرتبطاً بالظرف الزمني، مثل الأحكام التي تقبل النسخ، والأحكام التي كانت ثابتة في شريعة معينة ثم نسخت في شريعة أخرى، أو حتى في شريعة واحدة نجد حكماً في زمن معين ثابتاً ثم ينسخ في زمن آخر.
وهذا الاختلاف والتحول لا يرتبط بصفة الإثبات، بل إن الحكم حصل فيه تغير وتبدل ثبوتي، ومما ينبغي قوله إن في مقولة (تغير الحكم) هنا تسامح، وإلا فإن الحكم لم يتغير بل إن هناك حكمين لموضوعين مختلفين لكل منهما ظرفه الزمني الخاص به، فلو فرضنا أن نصاً ورد في كتاب معيّن يقول إن حكم الموضوع الفلاني هكذا من الآن وحتى عشرين سنة أخرى، ثم كتب بعد ذلك أن الحكم هكذا بعد مضي عشرين سنة، فليس هذا تغيّراً في الحكم بل هو (تعدد في موضوع الحكم) من حيث تعدد الظرف الزمني.
تغير الحكم تبعاً لتغير الزمن:
ولما كان هذا الفصل من بحثنا يمتاز بشيء من الدقة فإنّنا لا نؤكد عليه بل نقول إن الحكم قد تغيّر من حيث الثبوت بسبب تغير موضوعه المرتبط بالظرف الزمني فحين يتغير الظرف الزمني يتغيّر الحكم أيضاً، وهذا التغير في الحكم تغير في صفة الثبوت، ولدينا مثل هذه الأحكام في الشرائع السماوية المختلفة؛ فقد كانت هناك أحكام في شريعة سيّدنا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) وشريعة نبينا محمد (ص) قد نسخت، ففي الشريعة الإسلامية مثلاً كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم نحو بيت المقدس في البداية ولكن هذا الحكم نسخ فيما بعد وصدر الأمر إليهم بأن يتوجهوا في صلاتهم نحو الكعبة، هذا الحكم القطعي كان سائداّ في الإسلام ثم نسخ، ولكن هذا الحكم في الواقع هكذا:
إن الإرادة الإلهية انصبت من البداية على أن يتوجه الناس في صلاتهم نحو بيت المقدس حتى الزمن الفلاني ثم يتوجهوا بعد ذلك نحو الكعبة، ولكن لما كان ذلك الحكم هو الذي قيل لهم في البداية لذلك يعد تغييره الآن نسخاً.
على أية حال فإن هذا النوع من التغير في الحكم معقول وأمر واقع، أي أنه ممكن الحصول وحاصل أيضاً، وهذا يحدث حين يكون موضوع الحكم ذا ظروف متغيرة تماماً.
فلو كان لموضوع الحكم ظروف خاصة تتغير خاصة بتغير الأزمنة والأمكنة، فإن الحكم يتغير أيضاً تبعاً للظرف الذي يحصل للموضوع، وهنا أيضاً ليس الحكم تابعاً لتغير الزمان والمكان في الحقيقة، فالزمان والمكان دليلان على تغير الموضوع وإلا فليست لهما خصوصية لكي يصبحا مصدرين لتغير الحكم، واختلاف الأزمنة والأمكنة دليل على حدوث تغيير في موضوع الحكم يتضح بالزمان، وأن هناك مصلحة مستمرة حتى هذا الزمان، إذاً فأساس التغير في موضوع الحكم هو (المصلحة المعينة) وليس الزمان، وكذلك توجد مصلحة في مكان معين ولا توجد في مكان آخر.
فالظرف الحقيقي لموضوع الحكم ليس الزمان والمكان بل وجود مصلحة معينة، ولكننا نقول تسامحاً إن هذا التغير حدث لتغير الزمان والمكان، والذين يدققون في العبارات يراعون هذه الأمور أيضاً، ولكن لما كان الناس لا يتنبّهون إلى هذه الدقائق فلا ضير في أن يقال وفقاً للمحاورات العرفية: إن لعامل الزمان أو عامل المكان تأثيراً في تغيير موضوع الحكم، وبتعبير آخر يعدّ الزمان والمكان من العوامل التي تقرر نوع الحكم.
وإذا قيل ذلك فهو من أجل تسهيل فهم الفكرة المقصودة وإلا فليس للزمان والمكان خصوصية بذاتهما لتكون منشأً لتغيير الحكم، فمنشأ تغيير الحكم ومنشأ الاختلاف هو (تعدد المصالح والمفاسد) في الأزمنة المختلفة أو في الأمكنة المتعددة.
على أية حال لما كان هذا الموضوع يدور حوله اليوم حوار كثير ويعدّ من القضايا الحيّة لمجتمعنا، فحري بنا أن نزيده توضيحاً، ونخرج بذلك من الأسلوب الإجمالي الذي اتبعناه في شرحه حتى الآن.
ولتوضيح هذا الموضوع نبدأ بعرض مقدمة لا تخلو من الدقة، ومع أننا نخاطب هنا عامة الناس إلا أن طبيعة البحث تقتضي منا أن نطرح المواضيع بشيء من الدقة تزيد قليلاً عن مستوى المعلومات العامة.
وسوف نسعى بالطبع لشرح هذه المواضيع بلغة مبسّطة.
تغير الحكم تبعاً للظرف الموضوعي:
أحياناً يكون موضوع الحكم قضية موضوعية محددة، فنجد أن الله تعالى وضع قانوناً حول شيء موضوعي محدد وأنزل بشأنه حكماً وأوضحه بواسطة النبي والإمام، فنجد مثلاً حكماً حول ماء المطر.
فالمطر أمر موضوعي محدد وكل الناس يعرفون على مر الزمان ماذا يعني ماء المطر وبالإمكان أن نريهم إياه ونصفه لهم وهو معروف تماماً، وحقيقة ماء المطر لا تتغير لأنها محددة وقابلة للوصف وقابلة لمعرفتها من قبل عامة الناس، وهناك حكم بشأنها يقول: (إن ماء المطر طاهر).
ولنضرب مثالاً آخر فنقول: هناك بعض الأعيان النجسة أو بعض الحيوانات النجسة نجاسة عينية مثل الكلب والخنزير، والله تعالى ذكر حكماً حول هذين الكائنين الموضوعين اللذين يمثّلان حقيقة محددة ومعروفة، وذلك الحكم هو: (إن لحم الكلب والخنزير حرام ولعابهما نجس) وتبرز بعد حرمة لحمهما أحكام اجتماعية أيضاً، حيث يحرم التعامل بهما، كذلك يعتبر إتلاف هذين الحيوانين مما لا يوجب الضمان إن لم تأت منهما منفعة محلّلة أو يتوقع منهما منفعة محللة، لأنهما لا يعدّان من الأموال، إضافة إلى عشرات القضايا الاجتماعية والحقوقية الأخرى التي تترتب على ذلك. كل هذه الأحكام تخص أمراً خارجياً محدداً، فالموضوع والحكم ثابتان هنا، أي لا يحدث أي تغيير على مر الزمن لا على حقيقة هذين (أي الكلب والخنزير) ولا على حكمهما، فخنزير اليوم هو خنزير ما قبل ألف سنة نفسه، ولحمه كان حراماً قبل ألف سنة وهو حرام الآن أيضاً، وفي ذلك الزمان كان نجساً وهو اليوم نجس أيضاً، والتعامل به كان باطلاً في ذلك الزمان وهو اليوم باطل أيضاً.
لكن الأحكام الشرعية تتعلق بالموضوعات مع ظرف خاص أحياناً، أي لا يكون شيء موضوعي محدد موضوعاً للحكم لوحده بل يرتبط بظرف معين أيضاً، ومثال ذلك ماء العنب حين يغلي فلو أصبح مسكراً فهو نجس والتعامل به باطل وشربه حرام أيضاً والذي يشربه ينبغي أن يقام عليه الحد... وهكذا نلاحظ أن هذا الحكم تترتب عليه أحكام عبادية وحقوقية ومعاملاتية وجزائية مختلفة.
كل هذه الأحكام تأتي بعد ثبوت النجاسة، والموضوع هو ماء العنب والكل يعرفه لكنه يترافق مع ظرف معين وهو (الإسكار)، فلو زالت صفة الإسكار منه فسوف ينطبق عليه حكم آخر.
ومثال ذلك لو كان سائل ما في زمن ما مسكراً ثم تحول إلى سائل آخر، أي حصل فيه تحوّل كـ (تحوّل الخمر خلاًّ) ففي هذه الحال يتغير حكمه، لأن حكم الحرمة لم يكن حكماً مطلقاً لهذا السائل بل كان ينطبق عليه مع ظرف معين، فما دام الظرف باقياً فحكمه باق، فإن تغير ظرفه فسوف يتغير حكمه أيضاً.
الظروف الموضوعية والتعاقدية:
حين يكون الموضوع مقيداً بظرف معين فهو على قسمين: فأحياناً يكون الظرف المخصص للموضوع ظرفاً غير موضوعي بل تعاقدي.
فالموضوع شيء موضوعي لكنه ينطبق عليه حكم شرعي خاص مع ظرف ليست له صفة موضوعية خارجية، ففي المثال الذي ذكرناه بقولنا: (إن ماء العنب لو غلي فأصبح مسكراً فهو نجس) يعد (الإسكار) صفة موضوعية أي أن بالإمكان أن نجرب (إسكار ماء العنب)، فهذه صفة موضوعية في الخارج ذات أثر طبيعي وقابلة للتجربة أيضاً. لكن ظروف موضوع معين تكون أحياناً ظروفاً تعاقدية لا يمكن رؤيتها وتجربتها، بل يتعاقدون عليها عقلياً في ظرف خاص، فيقولون مثلاً:
(إن الشيء الطاهر بحد ذاته ويمكن أن ينتفع به منفعة محلّلة، يمكن تملّكه بأسباب معينة) ونحن لسنا الآن في معرض البحث حول أسباب الملكية.
فيقال إن هذا الشيء المتصف بصفة المملوكية لهذا الشخص له حكم خاص، أي إنه يحمل عنوان (المملوك) ولا يحق للآخرين التصرف به دون إذن المالك، فحرمة التصرف في هذا الشيء الخارجي تخص هذا الشيء فقط ولكن لا بشكل مطلق بل حين يكون المالك شخص آخر، أما لو لم يكن له مالك فيحق للآخرين التصرف فيه أيضاً.
وهكذا فحكم حرمة التصرف في ظرف معين تخص هذا الشيء، لكن ذلك الظرف ليس صفة موضوعية كصفة الإسكار التي يكتسبها سائل معين، بل هو ظرف تعاقدي، بمعنى أن العقلاء تعاقدوا في المجتمع على أن هذا الشيء للشخص الفلاني لأنه ورثه عن أبيه، أو أنجز عليه أعمالاً أو لأي أمر آخر يكون سبباً في الملكية، فهذه الأمور تؤدي إلى أن يكتسب هذا الشيء صفة تعاقدية تمسى (الملكية).
ولنضرب مثالاً آخر فنقول: لو أن رجلاً وامرأة قرآ صيغة عقد القران وحصل بينهما إيجاب وقبول فسيكونان زوجين، ولا يحق لهما قبل ذلك ممارسة الجنس ولكنه يصبح جائزاً بعد العقد الشرعي وتترتب عندئذٍ أحكام اجتماعية عديدة على قولهما: (زوّجتُ وقبلتُ)، فنرى في هذا المثال أن هذا الرجل وهذه المرأة لم تتغير صفتهما الموضوعية، أي لم يحصل تغيير في لونهما وشكلهما وطولهما.. وهما نفساهما اللذان كانا قبل ساعة، وإن مقولة (أنكحتُ وقبلتُ) ـ برضى الطرفين طبعاً ـ هي وحدها التي تسببت في أن نتعاقد على أن هذا الرجل وهذه المرأة زوجان، فتكون هذه المرأة التي اكتسبت صفة (الزوجة) محلّلة على ذلك الرجل وتجب نفقتها عليه، وكذلك الأحكام المتعددة الأخر التي تترتب على ذلك.
هذه الأحكام تنطبق على موضوع خارجي (الرجل والمرأة) ولكن في حال تعاقدي، أي حين يتصفان بصفة الزوجية، فهذه الصفة إذاً ليست شيئاً موضوعياً بل هي شيء تعاقدي.
والأشياء التعاقدية قابلة للتغيير أيضاً، فمادام هذان الاثنان زوجين فلهما أحكامهما الخاصة بهما، فلو طلق الرجل امرأته فسوف تنطبق عليهما أحكام أخر.
لقد كانت هذه المرأة حتى الأمس محرّمة على هذا الرجل، لكنها صارت محلّلة عليه اليوم، أي أن الحكم تغير تجاه هذا الشخص، فلماذا حدث ذلك؟
لأن صفته التعاقدية قد تغيرت لا ذاته، فهو إنسان الأمس نفسه، لكنه لم يكن بالأمس يتصف بصفة الزوجية فصار يتصف بها اليوم.
وهذه الصفات تؤخذ أحياناً كظرف موضوعي، أي ظرف الزوجية مثلاً، لكننا لو دققنا في الأمر أكثر ـ في كثير من الحالات في الأقل ـ نجد أن الحكم يختص بالظرف نفسه، وفي الاصطلاح الفلسفي يختص الحكم في الجوهر بالظرف وينسب في العرض إلى المظروف، وبعبارة أخرى ينسب الحكم في الجوهر إلى الصفة وفي العرض إلى الموصوف، فالحكم الشرعي إذاً ينطبق على الصفات بشكل انتزاعي وتعاقدي.
فلو انطبقت هذه الصفة على الشيء في أي زمان ومكان وفي أية ظروف فسيكون لذلك الشيء حكم معين، ولو لم تنطبق هذه الصفة عليه فسيكون له حكم آخر، فالموضوع هو نفسه، لكنه يكون في مكان ما مصداقاً لصفة معينة ويكون في مكان آخر مصداقاً لصفة أخرى، ويكون كذلك في زمان معين مصداقاً لصفة معينة وفي زمان آخر مصداقاً لأخرى.
وليس الزمان والمكان في الحقيقة موضوعاً للحكم بل دليلان على أن هذه الصفة هل تنطبق هنا على الموضوع أم لا تنطبق، أو هل الصفة الفلانية تصدق في هذا المكان أم الصفة المخالفة لها، وهنا نكرر الملاحظة الدقيقة التي قلناها سابقاً، فنقول تسامحاً:
إن الزمان والمكان أمران متغيران يتغير الحكم تبعاً لهما، لكن المتغير الحقيقي في المواقع هو المصالح والمفاسد وليس الزمان والمكان.
الخلاصة:
قد يحدث اختلاف في اكتشاف الحكم الإلهي وبيانه، وبشكل هام هناك طرق عدة لاكتشاف حكم الله:
1ـ العقل: وذلك في بعض الموارد الضرورية والواضحة، وهذه المعرفة يترتب عليها التكليف للإنسان.
2ـ الوحي: كلام الله الذي يبلغ البشر عن طريق النبي.
3ـ أحاديث المعصومين: (أو السنة) التي تكشف عن إرادة الله التشريعية.
وفي الحالات التي لا يوجد حكم قطعي للعقل أو نص شرعي صريح اعتاد العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة والذي يسمى (تقليد الأعلم)، ويعدّ رأي الفقيه وعلمه حجة على الناس ويجب عليهم اتباعه.
وقد يحدث تغيير في حكم الله بسبب التغير في الظروف التي تحيط بالموضوع (من حيث الزمان والمكان) أي أن الحكم شرع منذ البداية حتى زمن خاص، وهذا التغيير يسمى (النسخ) وقد جاء من أجل مصلحة زمنية خاصة.
وقد يؤخذ للموضوع ظرف يصدر الحكم تبعاً له، فلا يحدث في المواقع تغيير في الحكم، وهذه الظروف التي تحيط بالموضوع تكون موضوعية تارة وتعاقدية أخرى.
والحكم في الحقيقة يتبع المصالح والمفاسد، وما الظروف الزمانية والمكانية إلا دلائل على تغير تلك المصالح والمفاسد، ومقولة (تغيير الحكم) تقال تسامحاً.
أسئلة:
1ـ ما الفرق بين صفتي الثبوت والإثبات في القوانين الإلهية؟
2ـ وضّح سبل اكتشاف القانون الإلهي.
3ـ متى وفي أية ظروف يكشف العقل عن الحكم الإلهي؟
4ـ عرّف السنّة.
5ـ ما هي الأحكام القطعية في الإسلام؟
6ـ ماذا ينبغي فعله في حال الاختلاف في بيان أحكام الله؟
7ـ ما هو نسخ الحكم؟ اذكر مثالاً لذلك.
8ـ كيف يتغير الحكم تبعاً لتغير الظرف الذي يحيط بالموضوع؟
9ـ اشرح الظروف الموضوعية والظروف التعاقدية مع ذكر مثال لكل منها.
___________________________
[1] التوبة: 31.
[2] يوسف: 40.
[3] لقمان: 22.
[4] نهج البلاغة، قصار الحكم: 125.
[5] آل عمران: 83.
[6] آل عمران: 85.
[7] الشورى: 10.
[8] الشورى: 48.
[9] الشورى: 49.
[10] المائدة: 44.
[11] المائدة: 45.
[12] المائدة: 47.
[13] يونس: 59.
[14] هود: 18.
[15] يونس: 35.

السابق || التالي 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية