مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه

الفصل الخامس: التزاحم بين حكمين وأهمية الملاك

قلنا إن بالإمكان أحياناً أن يتصف الشيء أو الشخص الخارجي بصفات مختلفة بحيث يكون لكلّ منها حكم خاص بها، وهنا نضيف أن في بعض المواضع يحدث تزاحم في المجال العملي، أي أننا لو أردنا إنجاز عمل معين فإننا سننجز ما هو مصداق وموضوع لعنوان جائز فعله، وكذلك مصداق لعنوان محرّم في الوقت نفسه، فماذا ينبغي فعله في مثل هذه الحالات؟ لو أخذنا بنظر الاعتبار ذلك العنوان الجائز أو العنوان الواجب، فينبغي أن نبادر وننجز العمل، ولو أخذنا العنوان المحرّم بنظر الاعتبار فلا ينبغي أن نبادر، فما هو تكليفنا هنا إذاً?لنفترض أنّ طفلاً يكاد يغرق والذي يريد إنقاذه مضطر لأن يمرّ من أرض مغصوبة لكي ينقذه، فماذا يفعل؟ هل يحرم عليه اجتياز الأرض المغصوبة؟ أم يجب عليه إنقاذ الطفل مع اجتيازه تلك الأرض؟ هنا ينبغي أن نلاحظ هل ملاك الوجوب أقوى أم ملاك الحرمة؟ فإن كان ملاك الحرمة أقوى فلا ينبغي فعل ذلك، وإن كان ملاك الوجوب أقوى وجب القيام بالفعل؛ وهذا جواب عام ومجمل. أما كيف ينبغي أن نراعي هذه الملاكات؟ ومن الذي ينبغي عليه تحديدها؟ وهل يمكننا دوماً التوصل إلى ملاكات الأحكام لنعرف أي ملاك أقوى؟ فهذه أسئلة تقوم على مجموعة من المواضيع الفنية المطولة التي ينبغي البتّ فيها في مجالها الخاص ولا ينبغي أن نتوقع بحث كل أبعاد هذا الموضوع في بحث قصير ونجيب عنه جواباً مقنعاً أيضاً.
الأحكام تتبع الملاكات
من القضايا التي ينبغي حلها هنا لكي تتوضح الإجابة عن هذه الأسئلة تساؤل يقول: هل الأحكام تتبع ملاكات واقعية وذاتية أم لا؟ وهذه مسألة مطروحة في علم الكلام وقد أثارت جدلاً بين الاشاعرة والمعتزلة، ورأي الشيعة يوافق رأي المعتزلة في القول بأن أحكام الإسلام تتبع المصالح والمفاسد الواقعية والذاتية، وليس الأمر أن يصدر حكم لمجرد الإنشاء ودون ملاك، والحسن والقبح أفعال حقيقية ولا تتبع أمر الشارع المقدس ونهيه. إذاً فللأحكام ملاكات أولاً، وبعض ملاكات الأحكام يمكن معرفته ثانياً، والادعاء بأننا نعرف كل الأحكام فهو ادعاء باطل، إذ لو كان كذلك لما بقيت حاجة للوحي والنبوة، إذاً فنحن لا ندّعي معرفة ملاكات كل الأحكام، ولكن بشكل مجمل هناك أحكام يمكن لعقل الإنسان التوصل إلى ملاكاتها، وهذا ما يطلق عليه في علم الأصول اسم (المستقلات العقلية)، وتسمى تعاليم الشارع في موارد المستقلات العقلية (تعاليم إرشادية) عادةً. وهناك نقاش في علم الأصول حول هذه الأحكام، هل كلها إرشادية أم لا؟ وعليه فنحن ندعي أننا نستطيع بشكل مؤكد أن نتوصل إلى ملاكات بعض الأحكام، مع أننا عاجزون في بعض الحالات عن كشف ملاكات الحكم بعقولنا، لكننا لو تعمقنا في الأدلة الشرعية ودرسناها، لاستطعنا بعد الأنس بهذه الأدلة وآيات القرآن وأحاديث المعصومين عليهم السلام أن نتوصل إلى تلك الملاكات، أي شيئاً يشبه ما يسمى بـ (قياس منصوص العلّة)؛ بمعنى أن علة حكم ما قد ورد في شأنها نص قطعي، أو أننا استطعنا بعد التدقيق في أحاديث أولياء الدين أن نجزم بأن ملاك الحكم الفلاني هو كذا. وفرضنا هذا يدور في المجال الذي يمكننا فيه التوصل بشكل قطعي إلى ملاك حكم معين، وعند ذاك نأخذ الملاك الأقوى، فيكون لذلك الفعل الخارجي أو التحرك الخارجي حكم ذلك الملاك.
الملاك الأقوى ورفع التزاحم
لنعد المثال الذي ذكرناه في بداية هذا الفصل، فنحن على يقين من أن التصرف بالأرض المغصوبة حرام في ذاته و فيه مفسدة، لكن المصلحة في إنقاذ إنسان أعلى بالتأكيد، وهذا أمر تفهمه عقول كل الناس، ولكن هل تفهمه لوحدها أم بمعونة الأحاديث الشرعية؟ الأمر يختلف باختلاف موارده؛ فحين يعرف الملاك فالحكم عند التزاحم بين العناوين يتبع الملاك الأقوى؛ فلو كان ملاك الوجوب أقوى فهو واجب، ولو كان ملاك الحرمة أقوى فهو حرام، وهنا ينبغي أن أضيف أن لبعض القضايا أحياناً معادلات معقدة وعناوين انتزاعية متعددة ـ وإني أستميح القراء الأكارم عذراً لصعوبة هذا البحث، ولكننا مضطرون لطرحه لكي يجري مزيد من التدقيق بشأنه ونزداد قرباً من نتائجه ـ فلدينا أحياناً عناوين انتزاعية مترتبة أي ينتزع عنوان أو يُتعاقد عليه لموضوع قد ثبت عليه حكم فيتزاحم مع ذلك التعاقد أو يتعارض تعاقد آخر وتتبعه في التزاحم والتعارض تعاقدات أخر، وعند ذلك لا يمكن لعامة الناس أن يأخذوا بنظر الاعتبار كل هذه التعاقدات فيعرفوا كم من العناوين التعاقدية انتزعت لهذا الموضوع ولأي حكم يكون كل منها موضوعاً؟ وكيف يتم التزاحم بين هذه العناوين؟ وأين هو تزاحمها؟ وهل تزاحمها كلي أم عموم وخصوص مطلق أم عموم وخصوص من وجه؟ هذه الأمور لا يبلغها فهم عامة الناس، فينبغي أولاً أن يكون هناك أناس ذوو نظرة دقيقة لكي يحددوا موضوعات الأحكام بشكل صحيح ويثبتوا عناوينها، فيعرفوا أن هذا الحكم لأي عنوان أولاً؟ ويتمكنوا ثانياً عند التزاحم، أي حين تجتمع عناوين مختلفة لموضوع معين، من التوصل إلى ملاك الحرمة أو الوجوب الوارد لذلك الموضوع، ويشخّصوا أي ملاك أهم. وهذا أمر لا يقدر عليه الجميع؛ فقد تكون هناك حالات يفهمها الجميع، ولكن توجد أيضاً حالات لا يتمكن من التوصل إلى فهمها إلا الذين بلغوا درجات عالية جداً من الفقاهة والأنس بالكتاب والسنة، ودقةً كبيرة في مجال تشخيص المصالح الخارجية والموضوعات الخارجية والقضايا الاجتماعية التي هي موضوع تلك الأحكام، لكي يستطيعوا أن يعرفوا هل مصلحة هذا الموضوع أقوى اليوم أم مفسدته؟ ولتشخيص هذه المصالح والمفاسد درجات أيضاً، إذ يمكن أحياناً أخذ العناوين الكلية، كما مر بنا عند القول: لو انحصر الأمر بين التصرف بأرض مغصوبة أو غرق إنسان في المسبح، فينبغي هنا التصرف بتلك الأرض وإنقاذ ذلك الإنسان، وفي مثل هذه الحالات يعرف كل الناس واجبهم، ويكفي لذلك أن يكتب الفقيه في رسالته العملية: لو حصل مثل هذا الجمع بين المصلحة والمفسدة فواجبكم إنقاذ الطفل من الغرق ولو لم يرضَ صاحب الأرض، ولكن يحدث أحياناً أنه لا يمكن تشخيص الموضوعات بهذه السهولة، بل هناك حاجة لمتخصصين مجرّبين وأكفاء لكي يتم ـ بمعونة الخبرة الدقيقة والتجارب والبحوث الكثيرة في جانبي الفقه وتشخيص الموضوع ـ التوصل إلى الواجب المحدد للناس وإبلاغهم بالحكم الإلهي.
لنأخذ مثلاً الكحول الصناعية؛ هل هي طاهرة أم نجسة؟ فهنا عندنا حكم يقول: كل سائل مسكر نجس، وهذا ما يكتب عادة في الرسائل العملية، لكن الناس لا يعرفون هل الكحول الصناعية شيء مأخوذ من المسكر أم لا؟ أو أنه لم يكن مسكراً في البداية ثم اكتسب الإسكار فيما بعد، أو أن هذا النوع من الكحول لا يمكنه أن يكون مسكراً إطلاقاً لأنه غير قابل للشرب وشربه قاتل فلا تصدق عليه صفة الإسكار؟
ولكي يعين حكم هذا الموضوع يحتاج الفقيه إلى خبير، لأن المجتهد الجالس في مدرسته ويتعامل مع الكتاب والسنة لا يعرف كيف تصنع الكحول؟ وكم نوعاً هي؟ وهل كل أنواعها تصنع من ذلك المسكر النجس شرعاً أم لا؟ ففي هذه الحالات لا يستطيع الفقيه لوحده تعيين الحكم، إنه يستطيع فقط أن يقول: "إن كل سائل مسكر نجس". أمّا ما هو الحكم الذي ينطبق على هذا السائل بالذات، فهذا ليس من عمله، بل عليه الاستعانة بالمتخصصين في صناعة الكحول لكي يعلم كيف صُنع هذا السائل المعين وبأية صفات يتصف؟ بعد ذلك يعين حكمه ويتساءل: هل هو طاهر أم نجس، وهنا يحتاج الفقيه إلى الاستعانة بشخص غير فقيه خبير بالشؤون الكيمياوية لكي يتمكن من الفتوى.
وإننا نجد ما يشبه هذه القضية في القضايا الاجتماعية مثل: النهج السياسي والاقتصادي وكيفية التعامل واتخاذ المواقف تجاه البلدان والحكومات المختلفة لكي يؤدي ذلك إلى رفعة شأن المسلمين، وهل اتخاذ هذا الموقف السياسي أو عقد هذه الاتفاقية من شأنه عزة الإسلام أم لا؟ فنحن بحاجة في مثل هذه المواضع إلى خبراء يلمّون بجوانب عملهم؛ إذ لو جلس الفقيه في المكتبة لوحده ومارس عمله في مطالعة كتب الفقه والأصول والقرآن والحديث فإنه سيعجز عن التشخيص، فينبغي عليه الاطلاع على الموضوعات الخارجية والقضايا الاجتماعية والسياسية لكي يعلم أن هذا النمط من التعامل في هذا الزمان وفي هذا المكان وبهذه الخصائص تجاه هذه الدولة صحيح أم لا؟ وهل هو في مصلحة الإسلام أم لا؟ وهل تحفظ عزة الإسلام بهذا التعامل أم تضيع؟ فالحكم الشرعي يقول: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}[1] و: {لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً}[2] أي لا ينبغي للمؤمن أن يكون ذليلاً أمام الكافر، ولكن لم يكتب هل هذا السلوك المعين في الزمن الفلاني مع الدولة الفلانية مدعاة لعزة المؤمنين أم لذلّتهم؟ ولا يوجد في هذا الشأن شيء يفهمه الجميع، بل هناك قضايا حولها خلاف ولها معادلات معقدة جداً تتطلب خبراء سياسيين، وينبغي القيام بكثير من التعمق والتدقيق والتشاور حتى يمكننا أن نحدد هل هذا النمط من التعامل يؤدي في النهاية إلى عزة الإسلام أم إلى ذلته، وهنا ينبغي على الفقيه أن لا يعتمد الأسس الفقهية والكتاب والسنة لوحدها، ولا أن يعرف وحده القضايا السياسية والاجتماعية، بل أن يستشير أيضاً متخصصين من الطراز الأول في الشؤون السياسية والدولية لكي يستطيع أن يفهم ماذا ينبغي فعله في هذا الشأن؟ إذ لا يمكن لأحد أن يتخصص في العلوم كلها، والفقيه الذي بذل جهده خلال ستين عاماً من عمره حتى تخصص في الفقه والأصول ليس متخصصاً في الكيمياء والفيزياء والجغرافيا والسياسة و... وإذا كان لديه اطلاع على هذه العلوم فهو يقتصر على المعلومات العامة فقط.
إنه مضطر حينئذٍ للتشاور مع المتخصصين لكي يتمكن حقّاً من تشخيص مصلحة الإسلام والمسلمين، فالأحكام العامة مدوّنة في الكتاب والسنة، ومنها أنه ينبغي للمجتمع الإسلامي أن يبلغ درجة الاكتفاء الذاتي اقتصادياً، ولكننا نرى في الوقت الحاضر أنه ليس كل وسائل الاكتفاء الذاتي متوفرة لنا، وإننا مضطرون لأن نأخذ من الآخرين بعض الأشياء مثل التكنولوجيا والمواد الخام وغيرها، ولا يمكننا القول إننا إذ نريد الاعتماد على أنفسنا فينبغي إذاً أن نوفر كل احتياجاتنا في الداخل ولا نقيم علاقات اقتصادية وتجارية مع أي بلد، لأن العالم المعاصر عبارة عن سلسلة مترابطة ولا يمكن لبلد أن يوفر لوحده كل ما يحتاجه؛ فأي بلد نقيم معه علاقات ويكون ذلك لمصلحة الإسلام؟ هذه المعضلة لا تُحل بدراسة الكتاب والسنة، بل تحتاج إلى اطلاع على الشؤون الدولية، ولا ينبغي أن يقتصر هذا الاطلاع على المعلومات العامة والمعارف الكلية، لأن في هذه الأمور قضايا دقيقة وحساسة جداً، حتى إن بإمكان اتفاقية أن تغيّر مصير مجتمع معين، فينبغي إذاً العمل بكل جد و ذكاء ومهارة في دراسة الموضوعات والمصالح والمفاسد.. ومن هنا تبرز الحاجة إلى المستشارين على مختلف المستويات.
من كل ذلك نستنتج أن هناك حاجة للتخصص في مختلف العلوم والتشاور مع المتخصصين من أجل بيان كثير من الأحكام الإلهية للناس بما يجعلهم يفهمون كيف يؤدون واجبهم، وهنا يكمن سر حاجتنا اليوم إلى مجلس الشورى، وهنا أيضاً يكمن سبب كون بعض الأحكام والقوانين قابلة للتغيير، لأن هذه الأحكام والقوانين وضعت لموضوعات متغيرة وعناوين غير ثابتة على موضوع واحد دائماً؛ فالعنوان ثابت لكن مصداقه يتغير. ومثال ذلك قوانين المرور، وقيادة السيارات، وبناء المدن؛ فحين تستخدم الحيوانات كوسائط للنقل تبرز حاجة إلى شكل معين من شق الطرق وتعبيد الشوارع والقوانين المرتبطة بذلك، وحين تستخدم السيارات تتغير هذه الأمور، وفي عصر المترو نحتاج إلى قوانين أخر، فالذي نجده في الكتاب والسنة هو أن على الحكومة الإسلامية توفير وسائل الرفاهية للناس، وإزالة عوامل العسر والحرج من المجتمع الإسلامي، وهذه أحكام عامة، ولكن في أي زمن وبأية كيفية؟ إن مصداق هذا الحكم العام متغير؛ فقد كان عرض الشوارع في زمن معين مترين، ثم صار عشرة أمتار، والآن (45) متراً، وفي المستقبل قد يزيد على ذلك، وهو في كل الأحوال يتبع ظروف البيئة والزمان والمكان، وينبغي أن يتدخل الزمان والمكان في أمر الاجتهاد لا من أجل تشخيص تلك الأحكام العامة، بل من أجل تشخيص الموضوعات المتغيرة أو تطبيق الأحكام العامة على الموضوعات المتغيرة، لأن المجتهد عاجز عن تلبية حاجات الناس بذكر تلك الأحكام العامة فقط؛ فلو قيل فقط: "إن كل سائل مسكر نجس" فذلك لا يلبي حاجة الناس، فالناس يريدون أن يفهموا ماذا يصنعون بالكحول الصناعية؟ وهذا الأمر يحتاج إلى الاستعانة بالمتخصصين، أو يريدون أن يفهموا كيف يتصرفون بشأن القضية الاجتماعية الفلانية؛ فلو قال لهم الفقهاء: اعملوا بما يجلب أدنى قدر من الضرر وأعلى قدر من النفع للناس، فلن يتوضح بذلك تكليفهم، وكذلك الأمر بشأن توسيع الشوارع والطرق، فهذه القضايا ينبغي تحديدها وتشخيصها بشكل صحيح لأنها من حاجات المجتمع، وتلك الأحكام العامة باقية، لكن تطبيقها على هذه المصاديق المتغيرة في حاجة إلى اطلاع على مبادئ متطلبات العصر ومشكلاته، فمن لم يعرف أحد هذه المبادئ يعجز عن تعيين الحكم، ولهذا جاء قول الإمام الخميني (قدس سره): "ينبغي أن يتدخل عامل الزمان والمكان في الاجتهاد"؛ فتدخل الزمان والمكان لا يعني أن يتغير حكم الله، بل يعني تطبيق تلك الأحكام العامة على المصاديق المتغيرة، وهذا التطبيق يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. فحكم الله لا يتغير إذن، لأن تلك الأحكام تصدق على عناوينها، ومصداق هذه العناوين هو وحده الذي يتغير؛ فالشيء المسكر لا يجوز شربه ولكن لو شخص الطبيب أن شرب هذا المسكر هو الدواء الوحيد لهذا المريض، فحينئذٍ يجوز شربه لأن من أحكام الله أيضاً: "كل ما يرتهن به استمرار حياة الإنسان فهو واجب". ومن هنا لو ارتهنت حياة الإنسان بأكل لحم الخنزير أو لحم الميتة مثلاً فسيكون أكل ذلك اللحم جائزاً، بل قد يكون واجباً أيضاً. وهذا لا يقتصر بالطبع على الحالات الاضطرارية، فهناك حالات أخرى أيضاً تحدث فيها ظروف متغيرة، وإننا لم نورد هده الأمثلة إلا من أجل توضيح حقيقة تقول إن بالإمكان وجود أحكام متعددة لموضوع معين وفقاً للعناوين المختلفة.
الخلاصة
أحياناً نجد لعمل معين عنوانين، ولمّا كان لكل عنوان حكمه الخاص، فعند ذاك يبرز تزاحم، فنرى مثلاً أن عملاً ما محرم من جهة وواجب من جهة أخرى، وهنا ينبغي أن نرى أي عنوان ملاكه أقوى فنأخذ به.
والأحكام تتبع الملاكات الواقعية، ويمكن معرفة هذه المالكات أحياناً ولا يمكن معرفتها في أحيان أخر؛ فعندما تعرف المالكات فتلك هي المستقلات العقلية، وأحياناً ترد الملاكات في الروايات ويمكن أن نقطع بها عن هذا الطريق.
ولكي نرفع التزاحم ينبغي أن نلتفت إلى الملاك الأقوى، وليست معرفة الملاك الأقوى أمراً يقدر عليه الجميع، فهي بحاجة إلى دقة في الرأي، وإلى أنسٍ بالكتاب والسنة، وإلى معرفة بالمصالح والمفاسد الاجتماعية أيضاً.
وفضلاً عن الفقه والروايات، تؤدي الخبرة والتخصص دوراً رئيساً في تحديد موضوع الحكم، وبدونهما لا يذكر إلا الحكم العام، أما في الموضوعات الخاصة فينبغي ـ بالتأكيد ـ الاستعانة بالمتخصصين في معرفة الموضوع.
وقد أشار الإمام الخميني (قدس سره) إلى هذه الحقيقة بقوله: "ينبغي أن يتدخل عامل الزمان والمكان في الاجتهاد". وهذا يعني أن المصاديق تتغيّر بتغير الأزمنة والأمكنة.
أسئلة
1ـ اشرح التزاحم بين حكمين مع ذكر مثال على ذلك.
2ـ ماذا ينبغي فعله عند التزاحم؟
3ـ ما هو رأي الشيعة حول تبعية الأحكام للملاك؟
4ـ اشرح المستقلات العقلية.
5ـ من هم الذين يقدرون على تحديد الملاك الأقوى؟
6ـ اشرح دور الخبرة في بيان الأحكام.
7ـ ماذا يعني تدخل عامل الزمان والمكان في الاجتهاد؟
8ـ هل يمكن لشيء محرّم أن يكون محلّلاً في ظروف معينة؟
اذكر مثالاً على ذلك.

السابق || التالي 

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية