مقدمة
أهمية الولاية
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الصادق
الأمين وآله الطيبين الطاهرين وجميع الأنبياء والمرسلين والشهداء والصديقين وصحبهم
المخلصين.
وبعد...
فقد كان ولا يزال يؤلمنا أن نجد بعض أمّة محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه
السلام) قد تاهت عن الطريق في عصر الغيبة الكبرى. وهو عصر نحتاج فيه أكثر من أي وقت
مضى إلى بصيرة نهتدي بها إلى واضح الطريق، والى المرشد الصالح لنتمكن ببركة وجوده
من التمسك بحبل الله المتين، والتهيؤ لظهور ولي الله الأعظم حجة الله على العالمين
(عجل الله فرجه).
والإشارة الأساسية للتمييز بين طريقي الهداية والضلالة تكمن في الولاية الصحيحة.
وإذا نظرنا إلى هذه الأمة المباركة وجدنا أغلبية أفرادها في تيهٍ، فلا تبالي من
تتولى، ولذا نراها تارة تتولى الفسقة الفجرة، وأخرى تتولى الذين يوحون إليهم أنهم
من أهل الدين وهم ليسوا منه في شيء. والناس في كثير من الأحيان تعرف ذلك، ومع ذلك
تنقاد لهم فتطيعهم وتأتمر بأوامرهم.
وقد ساهم في ذلك في كثير من الأحيان المطامع الشخصية عند عوام الناس أنفسهم، فتولوا
من وجدوا مصلحتهم الشخصية عنده ولم يراعوا في ذلك حرمة أو وجوبا، وحاربوا أحياناً
المؤمنين المخلصين لمجرد أن زعيمهم أمرهم بذلك، غافلين أو عالمين بأنه إنما يأمرهم
لهوى في نفسه، لا حباً بهم أو بصلاتهم وصيامهم.
وربما ساهم في ذلك أيضاً بعض علماء السوء ووعاظ السلاطين قُطاع الطرق بين العباد
وربهم، فبدل أن يرشدوهم إلى الطريق الصحيح قطعوا عليهم الطريق، وأضلوهم معهم وضيعوا
عليهم الولاية الحقة، وأغرقوهم في ولايات باطلة وأنسوهم رضى الله تعالى ورسوله (صلى
الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام).
والذي دعانا للتركيز على هذا الأمر، أننا علمنا أن من أهم الأمور التي ستقع مورداً
للمساءلة والحساب يوم القيامة هو الولاية. فهل تولينا الصالحين أو تولينا الفسقة،
وهل تساهلنا وقصرنا أم راعينا الضوابط الشرعية فيمن نسلم له أمرنا؟ لأن الإرتباط
بالله تعالى والدخول في ولايته لا يكون إلا بتولي من أمر الله تعالى بتوليهم. فإذا
تولينا من نهينا عن ولايتهم فسندخل في ولاية الشيطان، إذ ليس بعد ولاية الله تعالى
غير ولاية الشيطان وليس بعد الحق إلا الضلال.
ولهذا كان من الضروري البحث عمن سمح لنا الشرع الحنيف بتوليهم، ومن نهينا عن
ولايتهم، بعيداً عن أهوائنا الشخصية، ومطامعنا الدنيوية، إن كنا نزعم أننا من
المؤمنين برسالة الإسلام ومن الموالين لأهل البيت (عليهم السلام).
وقد طفح القرآن الكريم بالآيات التي نبّهت العباد وحذرتهم وحددت لهم من يتولون ومن
لا يتولون، ومع ذلك فقد أعرض جلّ المسلمين عن هذه الآيات. فكان لابد من البحث عن
السبب، وكان لابد من تحمل المسؤولية تجاه هذا الإنحراف من خلال إلقاء الحجة عليهم
وتنبيههم على خطئهم وغفلتهم، حتى لا تبقى الناس في غيها وضلالها فتجد نفسها في
الآخرة من الأخسرين أعمالاً وهي تحسب أنها تحسن صنعاً.
وسأكتفي ببيان نماذج من هذه الآيات القرآنية علها تنفع المؤمنين.
﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ
وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾[1].
وسبيل المؤمنين هو سبيل ولاية الرسول وطاعته (صلى الله عليه وآله).
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾[2].
﴿أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم
مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[3].
﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ
وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن
تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[4].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ
أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم
مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[5].
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ
أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ
شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ
الْمُتَّقِينَ﴾[6].
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ
اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ
* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ
دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ
وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[7].
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ
لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ *
تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا
قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ
خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ
فَاسِقُونَ﴾[8].
﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ
الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن
تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ
الْمَصِيرُ﴾[9].
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ
يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ
عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾[10].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ
مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا
دَآئِرَةٌ﴾[11].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن
دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا
مُّبِينًا﴾[12].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ
أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم
مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي
تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا
أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ * إِن
يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ
وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾[13].
أسباب الإنحراف عن الولاية:
وقد دلت الآيات السابقة على أن الأسباب التي تدعوا الإنسان لتولي الكافرين
والفاسقين أحد أمور:
1ـ العلاقة الشخصية أو القومية أو الرحمية. فربما يرجح الإنسان هذه العلاقة على
ولاية الله سبحانه، وإن أدّت به إلى سلوك سبيل الكافرين والدخول تحت لوائهم.
2ـ افتراض أن العزة موجودة لدى الأقوام المخالفين لشريعة الله تعالى، فيلجأ إليهم
طمعاً في هذه العزة الموهومة.
3ـ الحرص على المنافع الدنيوية والمطامع الشخصية، فيتولى الإنسان الكافرين أو
الفاسقين ليحفظ لنفسه وجوده ومنافعه على تقدير استلامهم للسلطة، فيكون قد أمن
جانبهم بدخوله معهم في ولايتهم.
4ـ ما كسبت أيدينا من أعمال سيئة، وإعراض عن الواجبات سواء الفردية منها أم
الإجتماعية والسياسية، فتكون عاقبتنا أن نكون من جملة الظالمين والموالين لهم.
وقد نبهت هذه الآيات على ضرورة أن يلتفت الإنسان إلى نفسه ويربيها حتى لا تجرّه إلى
الكفر أو الإنضواء تحت راية الكافرين، العلاقات العائلية أو القبلية أو القومية
والمصالح الشخصية، خصوصاً وأنها مصالح موهومة يظن المرء أنه ينال منها شيئاً وليس
بنائلها.
فالهمّ الذي يستحق أن يصرف العمر من أجله هو همّ الولاية، همّ من نتولى وممن نتبرأ،
خصوصاً وأننا في عصر غيبة اشتدت فيها الظلمات، وصرنا أحوج ما نكون فيه إلى خيط نور
يضيء قلوبنا وبصيرتنا، لنعرف تحت أي راية نقف وفي ظل أي لواء ننضوي، حتى نكون بحق
من المحتمين بحمى أهل البيت (عليهم السلام) والمنضوين تحت رايتهم المبعوثين في
لوائهم.
ولاية أهل البيت (عليهم السلام)
ونحن وإن كنا نعتقد أن لا سبيل لنا للنجاة ونيل السعادة في الدنيا والآخرة إلا
بولاية أهل البيت (عليهم السلام)، لكنا نعتقد أيضاً وفق الأدلة العقلية والنقلية أن
التمسك بولايتهم (عليهم السلام) لا يكون إلا من خلال ولاية علمائنا الفقهاء العدول
الورعين الكفوئين، وليس من خلال اللجوء والركون إلى الهوى أو إلى فسقة الأمة
وفجارها، فضلاً عن الكفرة والمعاندين لدين الله تعالى. ولا يمكن لشخص أن يعتبر نفسه
من أهل ولايتهم (عليهم السلام) إن تولّى من نسي دينه وآخرته، أو اختار على هواه
الطريقة التي يراها مناسبة في تولي الله تعالى والمعصومين، دون رعاية للطريقة التي
يحددها الله تعالى لنا ويرضاها سبيلاً للولاية. كما ليس له أن يزعم أن ليس لله
تعالى شأن في حياتنا كما زعم بذلك طائفة كبيرة من الناس متعلمين وعوام.
وقد ورد في هذا المجال روايات كثيرة نذكر منها على سبيل المثال روايتين ذكرهما
البرقي في كتابه المحاسن.
1ـ بسنده عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (أربع من قواصم
الظهر، منها إمام يعصي الله ويطاع أمره).
2ـ الحديث القدسي الذي رواه بسنده عن حبيب السجستاني عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه
قال: قال الله تبارك وتعالى: (لأعذبن كل رعية في الإسلام أطاعت إماماً جائراً ليس
من الله وإن كانت الرعية في أعمالها برة تقية ولأعفون عن كل رعية في الإسلام أطاعت
إماماً هادياً من الله وإن كانت الرعية في أعمالها ظالمة مسيئة)[14].
وربما يدافع المرء عن نفسه ويجادل عنها في هذه الحياة الدنيا لتبرير فعله في تولي
الظالمين أو أي جرم يرتكبه، وربما يصد الآخرين الذين يريدون هدايته إلى سبيل
الرشاد. لكنه لن يتمكن من الدفاع عن نفسه يوم القيامة، ولن ينفعه في الآخرة هؤلاء
الذين والأهم في الدنيا، وسيتبرؤون منه كما سيتبرأ منهم هو أيضاً، لكن بعد فوات
الأوان وسيندم حين لن ينفع الندم، ذلك هو يوم الحسرة والتغابن.
وقد نبّه القرآن الكريم في كثير من آياته إلى هذا الأمر أيضاً:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ
اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ
ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ
اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ
اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ
الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا
تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ
وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾[15].
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ
تَزْعُمُونَ* قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء
الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا
كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾[16].
﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ
يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ
يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ
الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَاأَنتُمْ هَؤُلاء
جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾[17].
ولا تزال لدينا الفرصة في حياتنا الدنيا لتصحيح مسارنا بتولي من أمرنا بولايتهم،
إلى أن يظهر الحجة (عجل الله فرجه) فتتوحد الكلمة ونتوحد في ظل ولايته (عليه
السلام).
ولا تزال لدينا الفرصة لتجنب الهوى وترك طاعة الفسق والنأي بالنفس عن إلقائها في
تهلكة الولايات الظالمة، وهي مهلكة دنيوية وأخروية.
وقد كان من أهم أسباب سقوط كثير من الأمم السابقة في امتحاناتها التي امتحنت بها
والتي استحقت لأجله العذاب في الدنيا والآخرة، هو سقوطها في إمتحان الولاية، فتركت
أنبياءها وتولت غيرهم، وتركت أئمتنا وتولت غيرهم.
ونحن أمة من جملة هذه المم نعاني من مشكلة هذا السقوط، وقد كانت غيبة الإمام (عجل
الله فرجه) من جملة آثار هذا السقوط المريع الذي وقعت فيه الأمة، إبتداء من وفاة
رسول الله (صلى الله عليه وآله) مروراً بواقعة كربلاء. وهذا الإمتحان لم ينقض أمده
بل جاءت الغيبة لتصعبه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
وربما يكون من الظواهر التي ستعجل في ظهور الإمام (عجل الله فرجه) هو مدى إشتغالنا
على أنفسنا في عصر الغيبة، وتربيتها على الإلتزام بالولاية الصحيحة الحقة. نسأله
تعالى أن يعيننا على ذلك، وأن يهدينا صراطاً مستقيماً.
ولما كان السبيل الوحيد لتحقيق ذلك الهدف هو في تولي الفقهاء الصالحين، كان لابد من
تسليط الضوء عليه بشكل كبير، لتتضح معالم هذا الخط من الجهة الدينية وبشكل علمي
بعيداً عن أي تعصب أو هوى. وقد حاول الكثير من الناس أن يضعفوا هذا الخط، وعملت
أقوام على اعتباره أمراً فيه الكثير من الإشكالات. كما عانى مبدأ ولاية الفقيه من
مؤيدين لا يفقهونه كما يجب، مما أدى في بعض الأحيان إلى إبرازه بشكل تعصبي حاد.
ولقد حاولنا قدر الإمكان أن نجيب على الإشكالات التي قد تطرح في وجه نظرية ولاية
الفقيه، كما ناقشنا في المقابل عدة نظريات طرحت مقابل نظرية ولاية الفقيه.
ولست أدعي أنني أتيت بشيء جديد أو بشيء من عند نفسي. وإنما هو كلام العلماء أردت أن
أنقله مع بعض التوضيحات مني، فكل ما فيه من حق فهو كلامهم رفع الله شأنهم وما كان
فيه من خطأ فهو مني. نسأله تعالى التوفيق.
وها هنا أمور حول الكتاب نرجو التنبه لها:
أولاً: يتألف هذا الكتاب من مقدمة وتمهيد وعدة أبواب وخاتمة، وكل باب مؤلف من فصول.
وقد يكون في الفصل الواحد أكثر من بحث. والأبواب هي:
الباب الأول: ضرورة وجود حكومة إسلامية في عصر الغيبة.
الباب الثاني: من هو الولي في هذه الحكومة (بحث في الصفات والشروط).
الباب الثالث: كيف يعيّن الولي.
الباب الرابع: نظرية ولاية الأمة على نفسها ونقدها.
الباب الخامس: صلاحيات الفقيه الولي.
الباب السادس: أحكام هذه الولاية.
الباب السابع: شبهات حول نظرية ولاية الفقيه.
ثانياً: حاولنا قدر الإمكان جعل الأبواب متناسبة فيما بينها من حيث الحجم، وكذلك
بالنسبة للفصول. لكن لم نتمكن من ذلك في بعض الأحوال نظراً لما فرضته علينا بعض
الأبواب أو الفصول من تفصيل إقتضته طبيعة البحث فيها.
ثالثاً: سيلاحظ القارئ أن قسماً من البحوث المذكورة قد كتب بطريقة ربما تكون أنسب
بطلبة العلوم الدينية، سواء على مستوى المنهجية أو الإستدلال أو الصياغة، ولذا قد
لا يهتم بها القارئ العادي. وقد حاولنا قدر الإمكان التبسيط في الأسلوب، ولكن لكل
إنسان طاقة لا يتمكن من تخطيّها. وإنما ذكرنا تلك البحوث حتى يكتمل الكتاب ويكون
شاملاً لجميع الجوانب المحيطة بالعنوان، ليتمكن القارئ من الإطلاع على كل البحوث
المتعلقة بمسألة ولاية الفقيه.
فمن كان مهتماً بالأدلة الشرعية على هذه المسألة سيجدها بين يديه. ومن كان همّه
الإشكالات التي تطرح في مواجهة هذه المسألة أو الأحكام التي تترتب عليها سيجدها
أيضاً بين يديه.
رابعاً: طبيعة غالب هذه البحوث تقتضي أن يكون النقاش دينياً أو مذهبياً بحتاً، وأن
تنطلق من خلفيات دينية معينة عقائدية أو فقهية لا يمكن تجاوزها عند الدخول في تلك
البحوث. ولم ندخل في مناقشة تلك الأساسيات الدينية لأن محلها علوم أخرى، لذا ربما
سيجد بعض القراء أن بعض هذا النقاش لا يعنيهم ولكن بالتأكيد هناك قراء سيهتمون بها.
خامساً: ربما كنا قد أكثرنا من استعمال الاصطلاحات المتداولة في علم الفقه وأصوله
لكننا حاولنا توضيحها قدر الإمكان في هوامش الكتاب.
سادساً: من يقرأ الكتاب سيلاحظ أننا لم نبحث في كل فروع ولاية الحكم في الإسلام.
ومن المؤكد أن إصدار كتاب يتناول كل ذلك يحتاج إلى أكثر من مجلد ولا يكفي مجرد كتاب
فربما نوفق لذلك في أزمة أخرى. ولكننا حاولنا قدر الإمكان الحديث عن البحوث
الأساسية المتعلقة بهذا الموضوع.
سابعاً: رغم الجهد الذي بذل في هذا الكتاب لتقديمه على أفضل ما يمكن أن يكون، فإني
كلما راجعت الكتاب وجدت أنه يحتاج إلى ألف تعديل وتعديل، ولذا ربما يصدر الكتاب
ويبقى محتاجاً إلى تعديلات وتصحيحات وإضافات ونحو ذلك. ولا أعتقد أن هناك كتاباً
يصدر ويكون كاتبه راض عنه تمام الرضا، خاصة إذا قرأه بعد طباعته. ولكن الذي يهوّن
الأمر على النفس أن الإنسان مهما علا شأنه يبقى ناقصاً، ولابد أن يتجلى هذا النقصان
فيما يظهر منه، فهذه صفة ملازمة لا فكاك عنها إلا بوحي وإلهام.
ثامناً: نرجو أن لا يبخل علينا القراء بإبداء الملاحظات المفيدة كبيان نواقص يجدر
استكمالها أو غير ذلك. كما أننا على استعداد للمناقشة في كل ما ورد في هذا الكتاب،
ولتقبل أي نقد موضوعي تجاهه بل وللتراجع عن أي فكرة يثبت لنا خطأها، وليس ذلك إلا
لأنا طلاب الحقيقة و (الحكمة ضالة المؤمن)[18].
تاسعاً: هناك أقوام من الناس لا تعرف أن تقرأ بروح موضوعية، بل ربما تجدها قد أصدرت
حكمها على ما يكتب قبل أن تقرأ. فإن رأت صاحب الكتاب يحمل إتجاهاً سياسياً معيناً،
فإنها ستحكم سلفاً على أن الكتاب غير موضوعي أو أنه منطلق من أهداف سياسية. وربما
تجد قارئاً يحكم على الكتاب لمجرد أن عنوانه لا يوافق هواه أو هوى من يحب ويتبع.
كما أن بعضهم قد يحكم على الكتاب لأن مضمونه لا يسوّق لرأيه أو لرأي من يحب ويتبع.
وهؤلاء لن يكونوا بأي حال من الأحوال أهلا لأن يكتب لهم، كما لن يكونوا عنصرا
ًمفيداً للكاتب للأخذ بملاحظاتهم لو أرادوا توجيه ملاحظات له، لأنهم في الغالب
ينطلقون مما ذكرنا.
ولكن لو شاء الله أن يبتلينا بهذا النوع من القراء فإني أقول لهم سلفاً ليس لكم كتب
هذا الكتاب. وإنما كتب للمحبين والمؤيدين لمضمونه والذين يريدون أن يمتنوا فكرهم
وعقيدتهم حول مسألة ولاية الفقيه. وللمفكرين الذين يعيشون الموضوعية في تفكيرهم وإن
لم يكونوا من الملتزمين بالإسلام.
مالك مصطفى وهبي العاملي
بيروت صيف 1999م
ربيع الأول 1420هـ
________________________
[1] النساء: 115.
[2] الانعام: 129.
[3] المجادلة: 14.
[4] الممتحنة: 9.
[5] التوبة: 23.
[6] الجاثية: 18 ـ 19.
[7] المائدة: 55و 56و 57.
[8] المائدة: 78، 79، 80، 81.
[9] آل عمران: 28.
[10] النساء: 138، 139.
[11] المائدة: 51.
[12] النساء: 144.
[13] الممتحنة: 1، 2.
[14] المحاسن كتاب عقاب الأعمال الباب 18 ح50 و 51.
[15] البقرة: 165، 166، 167.
[16] القصص: 62، 63.
[17] النساء: 107، 108، 109.
[18] نهج البلاغة شرح الشيخ صبحي الصالح ص 481 طباعة دار الكتاب اللبناني الطبعة
الأولى سنة 1980. وشرح الشيخ محمد عبده ج4 ص 8. طباعة دار الهدى الوطنية.