مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

الفقيه والسلطة والأمة

تمهيد: معنى ولاية الفقيه
يكتسب بحث ولاية الفقيه في أيامنا هذه أهمية كبرى فهو، حسب رأينا، بحث في النظرية الوحيدة المتكاملة والناضجة التي تمكنت من تحديد طبيعة النظام السياسي الشرعي في عصر الغيبة. وما عداها من النظريات، إن هي إلا أفكار أولية غير ناضجة وغير متكاملة من جهة، ولم يقم الدليل على شرعيتها من جهة أخرى وإن نسبت إلى بعض الإسلاميين أحياناً. وذلك كنظرية ولاية الأمة على نفسها ببعدها الواسع التي ليس لها منشأ واضح من المبادئ الإسلامية، بل هي في بعض الأحيان مجرد إستحسانات وفي أحيان أخرى تعبير عن أهواء.
والبحث في ولاية الفقيه أو في الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة يجب أن ينطلق أساساً من فكرة ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية، وضرورة وجود ولي فيها يكون الحاكم على الأمة الإسلامية، ثم تتلوها البحوث الأخرى، وهذا ما فعله الإمام الخميني (رحمه الله) وتبعناه في ذلك.
وسنحاول في هذه البحوث التركيز قدر الإمكان على آراء الإمام (رحمه الله) المدونة في كتبه الفقهية وخطاباته التي ألقاها على الأمة، منذ انطلاقة حركته المظفرة وخاصة ما بعد إنتصار الثورة الإسلامية المباركة، وبالخصوص خلال السنتين الأوليين من هذا الإنتصار المقدس.
لكن قبل كل ذلك لابد من البداية من تعريف مصطلح ولاية الفقيه وبيان المقصود من عصر الغيبة.
وحتى نتمكن من معرفة المراد من ولاية الفقيه، لابد أولاً من إطلالة سريعة على أقسام الولاية، لنحدد في أي قسم من هذه الأقسام تدخل ولاية الفقيه.
أقسام الولاية: الولاية على قسمين:
الولاية التكوينية:
ونعني بها حق الطاعة في مجال التكوين وتسخير الأشياء والموجودات لإرادة صاحب هذه الولاية، يتمكن بسببها من التصرف في الموجودات الخارجية، دون أن يعني هذا الكلام أن تناقضاً سيقع مع مبدأ العلية الجاري في الكون، أو مبدأ التوحيد الذي ينص على أن كل شيء في الكون معلول لإرادة الله تعالى. لأن مبدأ العلية في الكون لا ينحصر بالأسباب الطبيعية الحسية بل هناك من الأسباب الغيبية ما يفوق الأسباب الحسية، لكن لم ولن يطلع عليها إلا ذو حظ عظيم. كما أن مبدأ التوحيد لا يتنافى مع إذن[1] الله تعالى لبعض عباده بالتصرف في الموجودات تصرفاً لم تألفه الحواس ولا ينكره العقل.
مراتب الولاية التكوينية:
وهذه الولاية ذات مراتب:
وأضعفها مرتبة ما نشهده عند كل الناس، كولاية الإنسان على أعضائه وعضلاته، فيحركها مثلما يشاء بمقدار ما يتمكن بإذن الله تعالى. لكنها مرتبة غير ملفتة باعتبار تآلف الناس معها وتعودهم عليها، وإلا فإنه من الناحية الفكرية العقائدية لا فرق في مبدأ هذه التصرفات بين مرتبة ومرتبة من مراتب الولاية التكوينية، وإن كان هناك فرق في أهمية هذه المراتب وسموها.
وهذه المرتبة من الولاية قد تبقى، وقد تسلب بحادث أو بولادة ونحو ذلك أو بسبب غير طبيعي، كما أنه قد تسلب عنه دائماً وقد تسلب في أوقات محددة وقد تسلب للحظة أو لحظات وقد لا تسلب أبداً، كل ذلك وفق مشيئته تعالى.
وهناك مرتبة هي أسمى من المرتبة السابقة، يكون الإنسان بسببها قادراً على التصرف في مجال أوسع من ذلك، كأن يحرك الحجر من مكانه بدون أن يلمسه بل بمجرد أن يأمر الحجر بالتحرك، وكأن يحرك الشجر من مكانه من دون أن يقلعها أو أن يمسها، وكأن ينفجر نبع ماء تحت يد الإنسان. وهذه سلطة وولاية على بعض الموجودات لكنها لا تستند إلى الطرق المألوفة في التأثير والإيجاد.
وهناك مرتبة أسمى قد يملك الإنسان معها قدرة التأثير في دائرة أوسع.
وليس هناك عدد محدد لمراتب هذه الولاية، لأنك تستطيع أن تحصي مراتب كثيرة لكنك لن تتمكن من حصرها، لأن مفردات الوجود الكوني فوق قدرة البشر.
كل ذلك لا يأبى عنه العقل، وإن كان هناك نقاش مستفيض في تحقيق بعض المراتب السامية لدى بعض الخلق.
الولاية التكوينية في القرآن وإذن الله تعالى:
لكن هذه الولاية التكوينية على اختلاف مراتبها لا تكون إلا بإذنه تعالى، ولا يمكن لأي مخلوق مهما علا شأنه أن يستقل عن الله تعالى في التصرف، بل كال ما في هذا الوجود من حوادث وتغيرات لابد أن يستند في نهاية الأمر إلى إرادته تعالى إرادة فعلية، وما من أحد يملك قدرة مستقلة عنه تعالى مهما اختلفت مراتب التصرفات والقدرات.
ولذا نجد القرآن الكريم عندما ينسب إلى أحد أنبيائه وأوليائه قدرة تكوينية ما، فإنه غالباً ما ينبه على أن هذا بإذن الله تعالى، لئلا يبتلى المرء بالشرك كما ابتلي بذلك قوم من أهل الكتاب عندما رأوا القدرات الهائلة عند نبي الله عيسى (عليه السلام).
وللتأكد مما نقول أنظر إلى قوله تعالى في قصة النبي عيسى (عليه السلام):
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * وَرَسُولاً إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ﴾[2].
وأيضاً قوله تعالى عن نبي الله عيسى (عليه السلام) ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾[3].
ثم نجد تعميماً لهذه القاعدة يشمل جميع الأنبياء والرسول (عليهم السلام) في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ﴾[4].
وقد لا يشار للإذن لوجود ما يدل عليه كقوله تعالى في قصة النبي إبراهيم (عليه السلام):
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[5].
فإن إبراهيم (عليه السلام) سأل الله تعالى عن كيفية الإحياء فعلّمه تعالى ذلك، من خلال إعطائه هذه القدرة وإراءته لعملية الإحياء بفعل يقوم به إبراهيم (عليه السلام) نفسه. وإنما لم يشر في الآية إلى إذن الله تعالى لأن إشراف الله تعالى على هذه العملية منصوص عليه في الآية فلم تكن هناك حاجة لذكر الإذن.
فتأمل في هذا التكرار في كلمة بإذني في الآيات الأولى، وفي تعميم هذه الحالة لكل الأنبياء، وفي الإشارة إلى الحضور المباشر لله تعالى في الآية التي تحدثت عن إبراهيم (عليه السلام)، كل هذا يدل على أنه ليس هناك لأي نبي إذن واحد عام سابق يشبه التوكيل والتفويض، بل هو في كل حركة من حركاته يطلب إذن الله تعالى.
وفي الحقيقة فإنه لا يمكن أن يكون هناك إذن سابق يصير بموجبه المأذون قادراً على الإستقلال بالتصرف مستغنياً عن أي إذن لاحق، ليصبح الأمر شبيهاً بما تجري عليه معاملاتنا الإعتبارية، حيث يفوض شخص لآخر أن يتصرف ببيته مثلاً كما يشاء ثم يتركه وينصرف.
إن هذا المعنى غير متعقل في علاقة الله تعالى بعباده لأنهم الفقراء إليه وحقيقتهم الفقر، ومن كانت هذه حقيقته لا يمكن أن يستقل عن ربه ولو للحظة. ومن مقتضيات الفقر الإحتياج المستمر لفيض الله تعالى حتى يستمر الفقير في وجوده وفي تأثيره. فالحاجة للإذن مقوم لوجودنا شعرنا بذلك أم لم نشعر.
ونحن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) نعتقد أن الله تعالى قد أكرم أنبياءه وأوصياء الأنبياء ومنهم أئمتنا (عليهم السلام) بكرامة الولاية التكوينية بمراتبها السامية المناسبة لمقام المخلوقين المربوبين وبإذن الله تعالى، وإن كنا غير قادرين على رسم حدودها.[6]
كما أننا نعتقد أن هذه الكرامة لا تعطى بغير سبب وحكمة وكفاءة، بل يرتبط فيضها على العبد بمقدار قرب العبد من الله تعالى، ولذا نجد بعض هذه الكرامة عند الأولياء من غير الأئمة والأنبياء (عليهم السلام). فليس بمقدور كل أحد أن يتصرف، وليس بمقدور كل شخص أن ينال الإذن بل هذا من مختصات النفوس القدسية والأرواح الربانية التي سمت وحلقت في أجواء القدس والنور وسبحت في جوهر التوحيد وتجلت فيها حقيقة العبودية. وبمقدار ما تثبت هذه الصفة بمقدار ما يفاض على الإنسان من كرم الله تعالى.
الولاية التشريعية: وهي قسمان
الأول: حق التشريع
قد تطلق الولاية التشريعية ويراد بها أن النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام) يملكان حق التشريع، وربما يوهم هذا التعبير خلاف المقصود لأن حق التشريع لله وحده باعتراف كل المسلمين، ولذا يجب بيان المعنى الصحيح لهذه الكلمة حتى لا نقع في تشويش أو تشويه.
والتفسير الصحيح هو أن الأنبياء والأئمة المعصومين الملهمين (عليهم السلام) من قبل الله تعالى يملكون وحدهم القدرة على بيان الحكم الشرعي الواقعي الذي يريده الله تعالى، ولا طريق لنا للوصول إلى معرفة أحكام الله تعالى إلا من خلالهم. ولأنهم هم وحدهم الذين يملكون المعرفة الصحيحة لأحكام الله ومراده نقول تسامحاً في التعبير أن لهم حق التشريع. وإلا فالمقصود هو ما ذكرناه.
وبعبارة أوضح نحن نعتقد بأن الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) من ولده يملكون علماً ربانياً وحياً أو إلهاماً أو نحو ذلك يمكنهم من خلاله معرفة حقائق الأشياء ومعرفة ماذا يريد الله تعالى، وبالتالي معرفة ما هو الحاكم الشرعي المناسب. وهذا في الحقيقة عبارة عن قدرة على استكشاف مراد الله تعالى ونحو من أنحاء الإخبار عن الله تعالى، وليس تشريعاً مستقلاً عن إرادة الله تعالى.
وهذا المعنى من الولاية التشريعية من خصوصيات المعصومين (عليهم السلام) ومقومات النبوة والإمامة، فلا تثبت لغيرهم (عليهم السلام).
الثاني: حق الأمر والنهي.
وقد تطلق الولاية التشريعية ويراد بها أن للولي أن يأمر وينهى، وعلى الآخرين أن يطيعوه ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه.
معنى ولاية الفقيه:
ومهما كان المراد من كلمة ولاية في اللغة العربية فإن المقصود منها هنا هو الولاية التشريعية التي نعني بها حق الأمر وحق الطاعة أي المعنى الثاني منها. فمعنى أن الفقيه ولي أن له هذا الحق وأنه يجب أن يطاع. وأما سائر أقسام الولاية فلا علاقة لها بولاية الفقيه.
أما الولاية التشريعية بالمعنى الأول فهي ليست للفقيه ولم يقل أحد بثبوتها له بل هو كغيره من المكلفين لا يستغني عن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) لمعرفة أحكام الله تعالى، ولذا تجده يتعب نفسه بالبحث والإجتهاد في الأدلة لاستنباط الأحكام الشرعية.
نعم قد يقال إن حق التشريع وتقديم القوانين ثابت للفقهاء، بمعنى أنهم المرجعية في تحديد الحكم الشرعي واستكشافه، لا بمعنى أنهم واضعوا الشرائع والأحكام. وهذا لا مانع منه لكن علينا تحديد الإصطلاحات حتى لا تتشابه الأمور عيلنا.
أما الولاية التكوينية فهي خارجة عن بحثنا. ولا يكفي كون الشخص فقيهاً كفوءاً كي تكون له الولاية التكوينية، وإنما هي نعمة من الله تعالى يكرم بها بعض عباده بحسب قربهم منه تعالى سواء كانوا فقهاء أم لم يكونوا. وهذا أمر لا يعرفه إلا الله تعالى أو من شاء الله أن نعرفه من خلال الآثار والأدلة الواقعية.
لكن المأمول أن يسدد الله تعالى خطانا بتسديد خطى أولياء الأمر لدينا، خصوصاً إذا ما لاحظنا أن من مقومات مقام الولاية الحكومية الورع والتقوى والزهد في الدنيا، وهذه كمالات يرتقب من أهلها العروج في عالم الملكوت.
وسنحاول في هذا الكتاب أن نبين بالأدلة أن الولاية التشريعية بمعنى حق الأمر والنهي وحق الطاعة ثابتة للفقيه في عصر الغيبة، كما أنها ثابتة للفقيه بمعنى أنه المرجعية الفقهية. وسيتبين معنا أن حكمه واجب التنفيذ لا مجال لأحد أن يتخلف عنه وإن كان من الفقهاء، بل يجب على الجميع إمتثاله وتنفيذه.
لا تنحصر هذه الولاية بالفقيه.
والولاية التشريعية بمعنى حق الطاعة لا تنحصر بالفقيه بل تشمل كل حاكم ثبتت مشروعية حكمه، كعدول المؤمن عند فقد الفقيه، وغير ذلك من الموارد التي ثبت فيها في الشريعة وجود حق طاعة لشخص على آخر.
عصر الغيبة:
والمراد به ليس خصوص عصر غيبة المعصوم (عليه السلام) عن الأبصار، بل المراد به عصر عدم بسط المعصوم سلطته على المجتمع الإسلامي، وعدم تمكنه من الإدارة المباشرة لشؤون الناس والحكم بما أنزل الله تعالى من أحكام، مع عدم تمكن الناس من مراجعته (عليه السلام) لتشخيص الواقعة التي يحتاجون فيها إلى حاكم، وبالتالي فإن عصر الإمام الصادق (عليه السلام) مثلاً بالنسبة لغالبية الناس المعاصرين له (عليه السلام) من مصاديق عصر الغيبة وفق المقياس الذي ذكرناه، وأوضح منه عصر الإمام الكاظم (عليه السلام) الذي قضى أغلب فترة إمامته في سجون الظالمين.
ونحن نلاحظ بأن الإجازات التي أُعطيت للفقهاء بالتصدي للساحة فيما تحتاجه من تصد لرفع حاجات الناس الدينية والاجتماعية، إنما أعطيت في عصور وجود المعصومين (عليهم السلام). وإن كثيراً من الروايات التي يستدل بها على ولاية الفقيه قد ظهرت في عصور الأئمة (عليهم السلام). وما ذلك إلا لأن عصرهم احتاج إلى إرجاع الناس إلى الفقهاء لتسيير أمورهم الفقهية والحياتية وفق الشريعة قدر الإمكان.
نعم هناك فارق بين الفقهاء الذين كانوا في عصر الأئمة (عليهم السلام) وبين فقهاء العصور المتأخرة عن غيبة الإمام الحجة (عجل الله فرجه)، وهو أنه كان بمقدور أولئك الفقهاء مراجعة المعصومين (عليهم السلام) وأخذ رأيهم وإن كانت تمر عليهم في بعض الأحيان ظروف تمنعهم من ذلك، خاصة عندما كان يشتد الخناق على الأئمة (عليهم السلام) وعلى شيعتهم. بينما فقهاء عصر الغيبة غير قادرين على الرجوع إلى المعصوم إلا فيما ندر من الأشخاص والأوقات.
ولهذا كانت المشكلة مع وجود المعصوم أخف وطأة بينما كانت أشد مع الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه).
ولا نمانع في أن يقتصر في تسمية عصر الغيبة على خصوص الغيبة الكبرى، كما هو دائر على الألسن، لكن غرضنا أن كثيراً من أحكام عصر الغيبة يمكن إجراؤها في عصور الأئمة (عليهم السلام) أيضاً سواء سمينا تلك العصور بالغيبة أم لا. ولك أن تقول هناك عصر غيبة عن الحكم وعصر غيبة عن الناس.
________________________
[1] ونقصد بالإذن معناه العام الذي يشمل السماح للفعل بأن يقع. فإذا أردت أن تقوم بعمل وسمح الله تعالى لهذا العمل أن يقع فهو إذن منه تعالى، وهو إذنٌ ناتج على أساسه سنن الإبتلاء والإختبار.
[2] آل عمران: 45 حتى 49.
[3] المائدة: 110.
[4] غافر: 78.
[5] البقرة: 260.
[6] وإن رأيت في بعض الكتب ما يشير إلى غير هذا المعنى فعليك بالتأمل في مقصود كاتبه إن كان من علمائنا الأجلاء فربما يستعمل بعضهم كلمة الكمال المطلق ويريد به الكمال الإنساني المطلق أي المطلق بلحاظ الإنسان، ولكنه في حقيقته نسبي وبالنسبة لله تعالى محدود ولا يصح حمله على الكمال المطلق الحقيقي المختص بالله تعالى لأنه يستلزم ادعاء كون الأئمة (عليهم السلام) واجبي الوجود ذاتاً وكونهم أرباباً يستحقون العبودية وهذا مرفوض قطعاً.
إنّ الكمال المطلق يعني العلم المطلق يعني القدرة المطلقة يعني الحياة المطلقة يعني الوجود المطلق ولذا ذهب علماؤنا للقول بأن صفاته الذاتية تعالى عين ذاته.
وكل مخلوق مهما علا شأنه يبقى محدوداً في ذاته لا يمكنه أن يصير مطلقاً لا في ذاته ولا بواسطة الغير لأن الكمال المطلق غير قابل للأخذ.
نعم إن كل مخلوق يسعى نحو الكمال المطلق فتتصف نفسه منه بمقدار إستعداده وليس هناك إستعداد أرقى من قابليات أهل العصمة (عليهم السلام).

السابق || التالي

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية