مؤلفات الإمام الشهيد السيد محمد صادق الصدر ( قدس سره)

كتاب فقه الأخلاق لسماحة السيد الشهيد محمد صادق الصدر

الفقرة (10)

معاني الشرك
فهذه هي مراتب التوحيد الأربعة الرئيسية، ويقابلها [ الشرك] في كلِّ مرتبةٍ منها. وهو يعني اعتقاد أو توهم الإستقلال عن الله سبحانه وتعالى، أعاذنا الله تعالى من كلِّ سوءٍ وضلال.
فالشرك في الذات، هو الإعتقاد بوجود شيءٍ مستقلٍّ بوجوده وذاته عن الله سبحانه. أو أنَّ كلَّ الوجود هو كذلك، بمعنى وآخر.
والشرك في الصفات هو الإعتقاد بوجود صفةٍ مستقلةٍ عن صفاته. كما أنَّ الشرك في الأفعال هو الإعتقاد بتأثير مستقلٍّ عن تسبيبه.
وهذه الأنواع من الشرك تسمى الشرك الخفي، لأنه غالباً لا يكون ملتفتاً إليه ولا متعمداً من قبل الأفراد العاديين.
ويقابل النوعَ الأولَ من التوحيد الشركُ الجليُّ وهو على أنواع:
أولاً: التعطيل، وهو الإعتقاد بعدم وجود أيِّ خالقٍ لهذا الكون الموجود.
ثانياً: الإعتقاد بوجود خالقٍ غير الله سبحانه.
ثالثاً: الإعتقاد بوجود إلهين.
رابعاً: الإعتقاد بوجود عددٍ من الآلهة.
خامساً: الإعتقاد بتعدد الذات الإلهية أو الصفات، بما في ذلك الإيمان بالأب والإبن وروح القدس (22). التي تعود في نظرهم إلى تقسيم الذات الإلهية، ومن ذلك القول بقدم الصفات الثمانية بإزاء قدم الذات منذ الأزل (23). سادساً: الشرك في العبادة، ومؤداه: الإعتقاد بوجود معبودٍ غير الله سبحانه يستحقُّ العبادة. وقد كان من البشر من يعبد بعض الأجرام السماوية أو بعض الحيوانات. سابعاً: شرك الطاعة، وهو الإعتقاد بلزوم طاعةٍ مستقلةٍ عن طاعة الله عزَّ وجل، أو بتعبيرٍ آخر: طاعة غير الله وغير من أمر الله سبحانه بطاعته. ومن ذلك عبادة الطواغيت والظالمين والشياطين. بمعنى طاعتهم في عصيان الله عزَّ وجل. أو قل : تفضيل طاعتهم على طاعة الله سبحانه.ومن هنا ورد عن الشياطين في القرآن الكريم: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُون) (24).وكذلك قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)(25). حيث ورد في تفسيرها أنهم أطاعوهم في عصيانه سبحانه (26). وكذلك عبادة الشيطان أي طاعته. قال الله سبحانه: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانََ)(27). وعبادة الطواغيت، قال الله سبحانه: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) (28 ).وكذلك عبادة الهوى والشهوة، أي السير على طبق متطلباتها. قال الله سبحانه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ (29) وقال: وَاتَّبَعَ هَوَاه ُ(30). وهذا النوع وإن اعتبرناه من الشرك الجلي]. إلا أنه يمكن القول: بأنَّ الدائم والملتزم منه وما يصدر عن قناعةٍ واعتقاد، هو فعلاً من أقسام الشرك الجلي، وأما مع الإلتزام اعتقاداً بطاعة الله، ولكن قد ينـزلق الفرد لطاعة غيره، فهذا من أقسام الشرك الخفيِّ بطبيعة الحال.

الفقرة (11)

معنى عدم غفران الشرك
قد يقع السؤال حول قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) (31 ). من حيث أنَّ اليقين قائمٌ بأنَّ التوبة مقبولةٌ والدخول إلى سبيل الحقِّ صحيح، يكفينا من ذلك مضافاً إلى أدلَّة التوبة المبثوثة في الكتاب والسنة وهي كثيرة، يكفينا بعد ذلك سيرة النبي في قبول إسلام المشركين من قريش. فإنَّ منهم من أسلم وحسن إسلامه، وقد ورد: إنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله(32).
إذن، فدخول هؤلاء في الإسلام مقبولٌ بلا إشكال. وهذا يدلُّ على غفران ذنوبهم السابقة التي كانت في زمن الشرك. فكيف ورد في الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ )؟.
ويمكن الجواب على ذلك بوجوهٍ، نذكر منها ما يلي:
الوجه الأول: أنَّ هذا خاصٌّ بصورة الموت على الشرك، فمن مات مشركاً، حشر على ما مات عليه، ولم يغفر الله سبحانه له شركه.
الوجه الثاني: أن نفهم من الغفران في قوله: لا يغفر .. درجةً عاليةً من المغفرة مساوقةً للرضوان ونحوه، فيكون المعنى: أنَّ الله يغفر للمشرك مع التوبة، بدرجةٍ قليلةٍ من المغفرة، ولكنه لا يغفر له بدرجةٍ عاليةٍ تبلغه درجة الرضوان.
وهذا يشبه ما فهمه مشهور الإمامية من قوله تعالى: (لايَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (33). من أنَّ من كان ظالماً ولو زماناً قليلاً في حياته، فإنه لا ينال عهد الله سبحانه، ولو مع حصول التوبة. لأنَّ الظلم خلال الحياة يجعل القلب والنفس بحالةٍ متدنيةٍ، بحيث لا تستحقُّ إنجازَ الوعد من الله سبحانه.
فكذلك القول في الشرك، فإنَّ من أشرك بالله ولو قليلاً من الزمن، فإنه يجعل قلبه ونفسه في درجةٍ متدنيةٍ، بحيث لا يستحقُّ درجةَ الرضوان.
الوجه الثالث: أن نفهم من الآية الكريمة معنىً حيثياً أو نسبياً، فيكون المعنى: أن اللهَ لا يغفر أن يشرك به مادام الفرد مشركاً، أو مادام غيرَ تائب.
وهناك بعض الوجوه والتدقيقات في الآية الكريمة وسياقها، لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.

الفقرة (12)

 هل إنَّ الفضيلة وسطٌ بين رذيلتين؟

ما يقوله علماء الأخلاق من أنَّ الفضيلة وسطٌ بين رذيلتين. فالكرم وسطٌ بين البخل والتبذير، والشجاعة وسطٌ بين الجبن والتهور.. وإن كان له وجهٌ لطيفٌ في الذوق على مستوى علم الأخلاق، إلا أنه مع ذلك قابلٌ للمناقشة من عدة وجوه :
الوجه الأول: إنَّ هذا التقسيم مبنيٌّ على أنَّ الفضيلة إن قلَّت عن حدها واعتدالها أصبحت رذيلةً، وكذلك إن زادت زيادةً مفرطة. فالبخل قلةٌ في العطاء، والتبذير زيادةٌ فيه، وكلاهما غيرُ محمود، وإنما الجيد الوسط وهو الكرم.
إلا أننا لو استقرأنا الصفات الحسنة لم نجدها كلَّها كذلك، بل بعضها لا تخلُّ به الزيادة كالإيمان والصبر واليقين والشكر والعافية وكثير غيرها، لا يزيدها تضاعفها إلا حسناً، ولا تتصف بالنقص بأيِّ حال.
كما أنَّ بعض الصفات لا يضرها النقص. كلُّ ما في الأمر أنه أقلُّ حسناً، لا أنه ينقلب إلى رذيلةٍ وسيئة، كالصدقة فإنَّ قليلها وكثيرها محمود. وكذلك الرحمة والموعظة والإتقان، وغير ذلك كثير.
الوجه الثاني: إنَّ السلسلة الثلاثية في الصفات التي ذكروها، كالجبن والشجاعة والتهور وكذلك البخل والكرم والتبذير وغيرها.. قد لا تكون هذه الثلاثة منظورةً من زاويةٍ واحدة. ومن هنا لا تكون داخلةً في معنىً مشتركٍ يكون قليله وكثيره مبغوضاً ووسطه محموداً.
فالجبن وإن كان هو عدم الشجاعة، إلا أنَّ التهور ليس هو الزيادة فيها، كما أنَّ البخل وإن كان هو عدم الكرم، إلا أنَّ التبذير ليس هو الزيادة فيه.
فإنَّ الجبن والشجاعة يشتركانِ في مواجهة الأعداء من البشر، ولكنَّ التهور غيرُ مرتبطٍ بذلك، بل هو إلقاءُ النفس في أيةِ صعوبةٍ شديدة، سواءٌ كانت طبيعيةً كالنار أم حيوانيةً كالمسبعة أم بشريةً كالأعداء.
كما أنَّ البخل والكرم يشتركان في مواجهة الآخرين بالعطاء، إلا أنَّ التبذير لا يرتبط بالآخرين أصلاً، بل هو زيادة الصرف الماليِّ على النفس وهكذا.
الوجه الثالث : إننا نتصور لكلٍّ من هذه الأمور زيادةً ونقيصةً، ومع ذلك لا يؤول زيادة أحدهما أو نقصه إلى المفهوم الآخر.
فنحن نتصور زيادة الجبن وقلته، وزيادة الشجاعة وقلتها، وزيادة التهور وقلته، إلا أنه من الواضح: أنَّ قلة الجبن ليس شجاعةً، كما أنَّ قلة التهور ليس شجاعةً، كما أنَّ زيادة الشجاعة ليست تهوراً، وقس على ذلك. ولو كان الأمر كما قال الأخلاقيون، يلزم من ترتيبهم ذاك ما قلناه، وليس كذلك.
الوجه الرابع : وهو الذي ينبغي أن يكون حاسماً في هذا الصدد.
وحاصله: أنَّ العقل يقيس التصرف الإنسانيَّ إلى أهدافه من حيث كونها حقاً أو باطلاً، فإن كانت حقاً، أعطاها صفةً حسنة، وإن كانت باطلاً أعطاها صفةً سيئة.
فمثلاً: يرى العقل السلبية وقلة المبالاة تجاه هدفٍ معين، فإن كان ذاك الهدف حقاً أسماه جبناً، وان كان باطلاً أسماه حذراً واحتراساً.
كما يرى العقل زيادة الفعالية تجاه هدفٍ معين، فإن كان باطلاً أسماهُ تهوراً، وإن كان حقاً أسماهُ إقداماً وإقتحاماً، وهكذا.
وكذلك الحال في جانب العطاء، فقد يرى العقل عدم العطاء أو قلته، فإن كان هدفه باطلاً أسماهُ بخلاً، وإن كان حقاً أسماهُ صوناً ورشداً، كما قد يرى العقل كثرة العطاء المتزايد، فإن كان بالباطل أسماهُ تبذيراً وخرقاً، وإن كان بالحقِّ أسماهُ كرماً وإسباغاً، إلى غير ذلك.
ومن هنا نرى الصفة تتحدد بمقدار قيمة الهدف. فإذا اختلف اثنانِ في تقييمه أمكن أن يكون للفعل الواحد في نظرهما اسمان مختلفان، ناشئان من قيمتين مختلفتين، فهذا في نظره شجاعةٌ، وذاك في نظره تهورٌ، وهذا في نظره كرمٌ، وذاك في نظره تبذيرٌ، إلى آخره.
والميزان في تقييم الأهداف لدينا كمتدينين، إنما هو في المسار الدينيِّ أو الإتجاة الإسلامي. فما حسَّنه الدين فهو الحسن وما قبّحه فهو الرديء.
فمثلاً، يمكن أن نعرف بالبرهان الديني، على أنَّ عمل الإمام الحسن في صلحه مع معاويةَ ليس [جبناً]، وعمل الإمام الحسين في حربه مع يزيد ليس [تهوراً]. مع أنه يمكن أن يكون بفهمٍ دنيويٍّ وغير دينيٍّ متصفاً بتلك الصفات، أعاذنا الله من الزلل والخطل.

الفقرة (13)

 الرياء

من أهمِّ العيوب التي ذكرها الفقهاء للعبادة: الرياء. وهو موجبٌ لبطلانها في أكثر صوره، كما سيأتي. ويقابله الإخلاص.
والفرق بينهما حسب فهمي، هو في إعطاء الأهمية أو الإهتمام بأحد أمرين لا ثالثَ لهما، إما الله وإما غيره، من حيث استهداف الإطلاع والرضا وزوال العائبة والنقمة. فإن كان ذلك كله خاصاً بالله في نظر الفرد فهو الإخلاص، وإن كان مشتركاً بينه وبين غيره فهو الرياء، فضلاً عما إذا كان خاصاً بغيره.
ومن هنا نفهم أنَّ الإهتمام بالله فقط، من حيث اطلاعه على العمل ورضاه عنه واندفاع نقمته وغضبه، مع إسقاط غيره عن الأهمية، هو الإخلاص.
وإن كان الإهتمام بالإطلاع والرضا واندفاع النقمة خاصاً بالآخرين مع إسقاط الله عن الأهمية في نظر الفرد، والعياذ بالله، فهذا هو أعظم درجات الرياء، وبه يكون العمل لغير الله تماماً.
وقد يكون الإهتمام موزَّعاً بين الله وخلقه، إذ يودُّ الفرد أن يراه الله والناس متعبداً أو محسناً أو عالماً، وغير ذلك، فهذا أيضاً من الرياء.
وبهذا ورد: إنَّ الرياءَ من الشرك(34)، لأنه يحتوي على الإشتراك في اهتمام الفرد بين الله وخلقه، مع أنه يجب عليه أن يبدله بالإخلاص والتمحُّض بالإهتمام بالهدف الإلهيِّ الخالص.
وقد ورد في هذا الصدد عن الله سبحانه ما مؤداه: إني أفضل الشريكين، فمن عمل لي ولغيري أوكلته لغيري(35). وهذا معناهُ أنه لا يمكن أن ينال القبول إلا العمل المخلص تماماً، فإن كان فيه شائبة الغير كان بمنزلة من عمل العمل كلَّه للغير.
كما ورد في هذا الصدد: خذ جزاءك ممن عملتَ له(36). فإن كان الفرد عمل لله مخلصاً، فجزاؤه على الله سبحانه. وإن كان عمله لغيره فجزاؤه على ذلك الغير. وبالطبع فإنه سوف لن ينالَ منه شيئاً.
وكذلك لو عمل بالإهتمام المشترك بين الله وخلقه، فإنه يكون جزاؤه على الطرف الآخر، لو كان معطياً شيئاً. وذلك : أولاً: لما سمعناهُ من أنه من عمل لغيري أوكلته إليهِ] وثانياً: لما عرفناهُ فيما سبق: من أنَّ من عمل عبادةً أو حسنةً لهدفٍ دنيويٍّ أعطيَ ذلك الهدف، ولم يكن مستحقاً في الآخرة لأيِّ ثواب(37).
ولا يفوتنا هنا أن نلتفت إلى أنَّ أغلب أشكال الرياء بالمعنى الذي عرفناهُ هو من الشرك الخفيِّ لا الجليِّ، لأنه ليس من الشرك في العبادة، وإنما هو من الشرك في الطاعة، وقد عرفنا فيما سبق أنه من الشرك الخفيِّ ما لم يكن مستمراً وحاصلاً عن قناعةٍ والتزام، فلا يبعد عندئذٍ أن يكون من الشرك الجليِّ لا محالة.

الفقرة (14)

 مراتب الرياء

نأتي الآن إلى مراتب الرياء، لنرى أياً منها يكون سبباً لبطلان العبادة، وأياً منها لا يكون، وما أثره في العبادة بالمعنى الأخصِّ، وما أثره في العبادة بالمعنى الأعمّ.
وانقسامه يمكن أن يكون من ناحيتين:
الناحية الأولى: من حيث الداعي النفسي. من حيث أن يكون كثيراً تجاه الله سبحانه تارةً، أو كثيراً تجاه غيره أخرى. وهذا هو الذي درج عليه الفقهاء في التقسيم الآتي الذي سنسمعه.
الناحية الثانية: من حيث الداعي الخارجي، أعني خارج الذات. فإنه تارةً يكون هو الله سبحانه، وتارةً أخرى غيره، وهذا الغير قد يكون هو الأسباب الطبيعية، وقد يكون هو النفس، وقد يكون هو الناس أو المجتمع، وقد يكون هو المخلوقات الأخرى كالملائكة والجنّ.
والفقهاء في هذه الناحية خصوا الرياءَ بما كان طرفه الناس، ولم يسموا الأقسام الأخرى رياءاً. غير أنَّ الكلام فقهياً على غرارٍ واحدٍ فيها، وليس الكلام في اصطلاح الرياء بالتعيين.
أما التقسيم من الناحية الأولى، فقد يكون الداعي النفسيُّ تاماً لغير الله كلُّه، وقد يكون هو الداعي الأرجح، وقد يكون هو الداعي المساوي، وقد يكون هو الداعي المرجوح، وقد يكون دون ذلك.
فهذه خمسة أقسامٍ في الناحية الأولى، وقد رأينا أنَّ الأقسام في الناحية الثانية أربعة (38)، فتكون الأقسام جملة عشرين.
ولا حاجة لاستيعابها هنا، إلا أننا نذكر لها أهمَّ الأمثلة إيضاحاً للقارئ.
فاشتراك الأسباب الطبيعية في العبادة، كالحصول على الإرتياح النفسيِّ أو التبريد لدى الحرِّ أو التدفئة لدى البرد أو الحصول على سعة المال أو طول العمر كنتيجةٍ لهذه العبادة وغير ذلك، وهذه الدواعي قد تكون هي الأكثر أهميةً خلال العمل، وقد تكون هي الأقلَّ، كما عرفنا من التقسيم في الناحية الثانية.
واشتراك النفس في العبادة، يعني استهداف نموِّ أو زيادةِ بعض صفاتها، كالعلم والشجاعة والصفاء أو القدرة على الخوارق أو حتى طول العمر أو قوة البصر أو قوة الذاكرة، ونحو ذلك.
وهذه الصفات إما أن تكون أخرويةً، كصفاء القلب والتكامل المعنويِّ وزيادة الخشوع والتواضع وغيرها، وإما أن تكون دنيويةً، كعددٍ من الأمثلة السابقة.
فإن كانت أخرويةً فلا إشكال في صحتها وعدم إبطالها للعبادة، وإنما يبدأ الشرك الخفيُّ] من حيث استهداف أمورٍ دنيويةٍ في ذلك، فقد يكون داعيها هو الأهمَّ، وقد يكون هو المساوي، وقد يكون هو الأضعفَ كما عرفنا في التقسيم السابق.
وأما اشتراك الناس في العبادة، فهذا لا يختلف فيه بين الفرد والجماعة والمجتمع. كما لايختلف فيه بين القصود السيئة كالخداع والصالحة كالتعليم. فإنها جميعاً مخلةٌ بالعبادة، فيما إذا كانت هي الداعي الأهمَّ أو المساوي كما سنعرف.
وأما اشتراك المخلوقات الأخرى في العبادة، ممن قد يعتقد الفرد بأنهم يرون ويسمعون، فيؤدي العبادة من أجل تحصيل رضاهم والزلفى لديهم، كالملائكة والجن، واحداً كانوا أو متعددين، فهو أيضاً يضرُّ بالعبادة ويبطلها على تقدير كون الداعي لها هو الأهمَّ أو المساوي.
ومن ناحية قوة الداعي في صحة العبادة وإبطالها، فقد قال مشهور الفقهاء: إنَّ المهمَّ في صحة العبادة هو صدورها وإنجازها بالداعي الإلهيِّ أو الطاعة الصحيحة، بحيث كان هو السبب لها وجوداً أو عدماً، سواءٌ انضمَّ إليها شيءٌ آخر أم لا.
وبهذا نعرف أنَّ الأقسام السابقة مبطلةٌ للعبادة، لأنها مما لا يتوفر فيها هذا الشرط : وهي ما إذا كانت العبادة لغير الله محضاً من الأسباب الطبيعية أو الناس أو غيرها. وكذلك ما إذا كان الداعي الإلهيُّ موجوداً، ولكن كان الداعي الآخر أقوى منه.
وكذلك لو كان الداعيانِ متساويين، لأنَّ هذا يعني اشتراكهما في إيجاد العمل، بحيث لو كان أحدهما وحده بما فيها الداعي الإلهي، لم يكن سبباً كافياً لوجود العبادة. وهذا معناهُ عدم توفر الشرط الأساسيِّ لصحة العبادة الذي ذكرناه.
وكذلك الحال لو كان الداعي الآخر أضعف، إلا أنَّ الداعي الإلهيَّ وحده لم يكن مؤثراً كافياً.
وأما ما دون ذلك من التأثيرات التي تعني كفاية الداعي الإلهيِّ في وجود العبادة، فالعبادة صحيحةٌ، سواءٌ انضمَّ إليها داعٍ ضعيفٌ أو ضعيفٌ جداً، أو كان لمجرد السرور برؤية الآخرين، أو مجرد تحصيل الراحة ضمناً من السبب الطبيعيِّ مثلاً، وهكذا.
هذا، ولكن لا إشكال أنَّ كلَّ هذه القصود أو النوايا مهما كانت ضعيفةً، فإنها وإن صححت العبادة فقهياً، إلا أنها لا محالة من الشرك الخفيِّ] ومخلةٌ بالإخلاص الكامل، وناقصةٌ من ناحية القيمة الأخلاقية بلا إشكال.
بقي أن نشير إلى أنَّ كلَّ هذه الأقسام وإن اشتركت في النظرية الفقهية العامة، إلا أنها جميعاً لا ينطبق عليها مفهوم الرياء، بل ينطبق على بعضها خاصَّةً. فهو لا ينطبق :
أولاً : على ما كان الداعي الآخر من الأسباب الطبيعية باعتبار أنَّ الرياء من الرؤية، يعني الإهتمام برؤية الآخرين. وهذا العنصر غير متوفرٍ في هذا القسم.
ثانياً : ما إذا كان الداعي هو تربية النفس تربيةً أخرويةً، لنفس السبب السابق، مع ما عرفناه من كونه سبباً مشروعاً غيرَ مبطلٍ للعبادة.
ثالثاً : ما إذا كان الداعي هو تربية النفس تربيةً دنيويةً، فهو غيرُ مشروعٍ ومبطلٌ للعبادة، إلا أنه لا يحتوي على الإهتمام برؤية الآخرين، بل مما يخصُّ النفسَ لا غيرها.
وأما رؤية المخلوقات الأخرى كالجنِّ، فقد أسقطه الفقهاء عن التعرض له، إلا أنه لو حصل لدى الفرد فهو من الرياء، باعتبار اعتقاد الفرد بوجود ذواتٍ عاقلةٍ مدركةٍ خارج ذاته، وهو يهتمُّ بنظرها إليه وتعرفها على عبادته، لا يختلف في ذلك البشر عن غيرهم.

الفقرة (15)

بعض أقسام الرياء

قسَّم الفقهاء الرياءَ إلى تقسيمينِ آخرينِ من ناحيتين:
الناحية الأولى: من حيث كونه في كلِّ العبادة أو جزئها الواجب أو المستحب أو هيئتها الواجبة أو المستحبة.
والظاهر أنَّ الرياء المبطل للعبادة بمجموعها مبطلٌ لها لو وقع في جزئها الواجب أو جزءِ جزئها، ولو حرفاً أو حركةً واجبة. بخلاف ما لو وقع في المستحبِّ، سواءٌ كان جزءاً كزيادة الذكر في الركوع والسجود، أو هيئةً كإظهار الخشوع.
نعم، لو كان مصداق الرياء هو مصداق الواجب، كقراءة السور الطويلة بدل الصغيرة، مع أنَّ أصل قراءة السورة لداعٍ إلهيٍّ، إلا أنَّ طولها لداعٍ ريائيٍّ. غير أنَّ الحاصل خارجاً أنَّ اختيار السورة الطويلة أساساً لداعٍ ريائيٍّ. وأما قصد أصل السورة، فإن كان منطبقاً على نفس السورة، إذن فهما مصداقٌ واحدٌ لقصدين مختلفين تامَّين، وهو محلُّ إشكالٍ في الصحَّة فقهياً، وإن قال بعضهم بصحته. وإن كان منطبقاً على غيرها، فهو مما ليس له وجود.
الناحية الثانية: إنَّ الرياء كما قد يكون حراماً أو مرجوحاً، قد يكون راجحاً بل واجباً، كرجحان التجمل أمام الإخوان، ومرجوحية إذلال الفرد نفسه، ونحوها. من حيث أنها جميعاً على معنى إرائة الناس فعلاً أو تركاً، فيكون مندرجاً في الرياء بمعناه الواسع.
إلا أنَّ هذا التفكير يحتاج إلى خطوةٍ أخرى، فمثلاً: إنَّ التجمل أمام الآخرين وإن وجد لأجل الرؤية، ولكنة بالحقيقة ليس بداعيها، بل بداعي الإستحباب الشرعي. ومن هنا يمكن القول بأنه ليس برياء، لأن َّالرياء هو الإراءة للآخرين منفصلاً عن الشرعية وعن القصد الإلهي، وهذا المورد ليس كذلك على المفروض.
ومن الواضح أنَّ قصد التجمل للآخرين إن كان بداعٍ دنيويٍّ، لم يكن راجحاً شرعاً بلا إشكال، بل كان من الشرك الخفيِّ] بلا ريب.
ونحوه تجنب إذلال النفس أو إكرام الضيف أو إقامة المآتم في وفيات المعصومين ، وقضاء حاجة المحتاجين وكثير غيرها مما يتصل بحياة الفرد مع الآخرين، فإنها إن كانت للآخرين بطلت، وإن كانت لله سبحانه صحَّت. بمعنى أنها تصحُّ مع توفر الإخلاص الحقيقيِّ في إنجازها.

الفقرة (16)

الإخـلاص

بعد الحديث عن الرياء، يحسن بنا أن نحمل فكرةً واضحةً عن مقابله وهو الإخلاص.
وحسب فهمي، فإنَّ الإخلاص له مرتبتانِ مهمتان، تحتوي كلُّ مرتبةٍ على عدة درجات :
المرتبة الأولى: الإخلاص المقابل للرياء، أو قل هو عدم الرياء، أو خلاص القلب والنفس منه، وهي مرتبةٌ مهمةٌ وظاهرةٌ، إن حصلت تجعل الفرد مستحقاً للمرتبة التي بعدها.
المرتبة الثانية: الإخلاص لله سبحانه بالمعنى العالي الذي يفهمه ذووه، وهو الذي يحصل في المراتب العليا من الكمال، فإنَّ كلَّ مرتبةٍ لا محالة موافقةٌ ومساوقةٌ مع درجةٍ من الإخلاص أكثر من المرتبة التي قبلها وهكذا.
أما الحديث عن تعريفه وأقسامه، فهو خارجٌ عن طوق هذا الكتاب.
والإخلاص في المرتبة (39)الأولى، ينقسم بانقسامات الرياء الذي يقابله والتي عرفناها فيما سبق. فكلما زال شيءٌ من الرياء عن القلب حصل فيه الإخلاص من تلك الجهة.
وقد عرفنا فيما سبق أنَّ الرياء بالمعنى العامّ، يشمل كلَّ الدواعي غير الإلهية التي تدخل (40) في العمل، حتى ما كان منها لا يسمى رياءاً في اللغة أو العرف، كالأسباب الطبيعية والمقاصد الذاتية. وعليه، فخلوُّ القلب من أمثال هذه المقاصد أيضاً يكون من الإخلاص بطبيعة الحال. وإن لم يقابل الرياء بالمعنى اللغويِّ والعرفيّ.
فيكون الإخلاص هو خلوّ القلب والنفس عند العمل، من كلِّ مقصدٍ سوى المقصد الإلهيِّ، وتحصيل رضا الله سبحانه. وهذه هي الدرجة الأهمُّ للمرتبة الأولى التي عرفناها من الإخلاص، فما ظنُّك بالمرتبة الثانية منه؟

الفقرة (17)

العُجْب

ومن جملة العيوب التي ذكرها الفقهاء للعبادة: العُجْب.
وهذه الصفة لها انقساماتٌ عديدةٌ من عدَّة جهات :
الجهة الأولى: جهة المتعلق، أي ما يتعلق به العُجْبُ ويتصف به من الأمور، وهو على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذات. وهذا الإعجاب بالنفس بغضِّ النظر عن جهاتها الخارجية بما فيها من صفاتٍ داخليةٍ كالعلم والشجاعة والكرم.
ومن ذلك الإعجاب بما ينطبق على الذات كالعشيرة أو العنصر أو البلد أو غيرها من الأمور، فيحصل الإعجاب بالنفس بصفتها واحداً منها.
القسم الثاني: الصفات أو الخصائص الدنيوية، كالمال والبيت الفاره والسيارة الفخمة والسلطة الواسعة والأمر المطاع والثياب الفاخرة، وغير ذلك كثير.
القسم الثالث: الصفات أو الخصائص الأخروية، كالأعمال الصالحة، ونور الوجه، وطيبة القلب، وتكرار الحجِّ، والإلتزام بصلاة الليل أو غسل الجمعة، أو قضاء حاجة المحتاجين من الأقارب أو الأباعد.. أو غير ذلك. فيحصل للفرد العجب والإعجاب بصفته متصفاً بمثل ذلك أو فاعلاً له.
الجهة الثانية: في درجات العجب نفسه، وهي ثلاثةٌ أيضاً.
الدرجة الأولى والأعلى: وهو أن يشعر الفرد بأهمية صفته أو عمله، بحيث يحصل له الزهو والفخر به.
الدرجة الثانية: بأن يشعر الفرد بأهمية صفته أو عمله بمقدارٍ معلوم، وإن لم يصل إلى درجة الزهو.
وإنما يعتقد بأنه يقيِّم صفته بالمقدار المناسب مع القوانين الطبيعية والإجتماعية، ويقيِّم عمله بالمقدار المناسب مع ما وعد الله عليها من الثواب في الكتاب والسنة.
الدرجة الثالثة: أن يشعر بوجود صفته أو عمله، بغضِّ النظر عن التوفيق الإلهي والرحمة الإلهية والإرادة الإلهية. وأنَّ كلَّ هذه النتائج منه وليس لله سبحانه فيها تدخُّل. وهذا من مصاديق قوله تعالى: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (41).
الجهة الثالثة: في من يحصل العجب عليه أو ضدَّه - لو صحَّ التعبير - . كالقول: بأنه يزهو عليهِ أو يتفاخر. غير أننا ننظر العجب بأحد انقساماته السابقة، ونتساءل عمن يحصل ضدَّه.

وفيه عدَّة احتمالات، أوضحها أربعة:
أولاً: الله سبحانه وتعالى. فإنَّ بعض درجات العجب قد تحصل حتى تجاهه، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
ثانياً: المعصومون والأولياء.
ثالثاً: مشاهير أهل الدنيا أو البارزون فيهم، لصفة من الصفات، فيدعي الفرد أنه خيرٌ منهم بتلك الصفة أو بكلِّ صفة.
رابعاً: أراذل الناس دنيوياً تارةً وأخروياً أخرى. إذ يرى الغنيُّ أنه خيرٌ من أراذل الدنيا بطبيعة الحال. ويرى العابد أنه خيرٌ من أراذل الآخرة، أعني الفساق والفجار وأضرابَهم.
فإذا تمت لدينا هذه الإنقسامات الثلاثة، أصبحت لنا أقسام العجب ستةً وثلاثين، ناتجةً من ضرب الأقسام بعضها ببعض 3×3×4=36.
ونحن هنا لا يسعنا أن نتحدث عن الأقسام كلِّها، لما فيها من طول الحديث، وفيها ما يصعب استيعابه على القارئ العادي، بل نوكله إلى القارئ اللبيب، وإنما نذكر فقط فيما يلي بعض نماذجه، وقد يتضح الرأي في أكثر الباقي من الحديث حول ذلك.
الأنموذج الأول: المتمول الذي يزهو على الآخرين بثروته فهذا يكون مشمولاً لقوله تعالى: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَ) (42)، فلا يكون له في الآخرة حسنُ الثواب.
وكذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (43)، وإنما هو رزقٌ أتاه من الله عزَّ وجل، إن كان مالاً حلالاً.
الأنموذج الثاني: العالم الذي يزهو على الآخرين بعلمه، فيكون مشمولاً لقوله : العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء(44) وقوله تعالى (وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) (45). إذن فالعلم أياً كان فهو من هبات الله عزَّ وجلَّ بحسن التوفيق، ولم يكن الفرد بأيِّ حالٍ مستقلاً فيه.
الأنموذج الثالث: المتعبد الذي يزهو على الآخر بعبادته.
والعبادة إنما تكون بتوفيق الله عزَّ وجل: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (46). على أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يُعبد حقَّ عبادته، ولا يجوز للمتعبد أن يخرج عن حدِّ التقصير والشعور بالتضاؤل أمام حقِّ طاعة الله وعظمته، كما نصَّت على ذلك الأخبار.
الأنموذج الرابع: الشريف الذي يزهو على الآخرين بنسبه، وهذا يقابله قول الله عزَّ وجل: (فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ) (47) مضافاً إلى قول النبي  كلُّ سببٍ ونسبٍ ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي(48).
الأنموذج الخامس: المتسلط الذي يزهو على الناس بسلطته. ويقابله قول الله عزَّ وجلَّ: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيع) (49). وقوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) ( 50). وقوله سبحانه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (51).
إلى غير ذلك من النماذج.
وعلى أيِّ حال، فإنَّ الفقهاء لم يفتوا ببطلان العبادة المتصفة بالعجب، أو قل: مع إعجاب صاحبها بها. فهي إذن مجزية، ولكنها على أيِّ حالٍ غير مقبولة، لا تصل إلى درجة الأهمية والترحيب بها عند الله تعالى، لأنها بكلِّ تأكيدٍ قد أعطيت قيمةً خاطئةً أكبر من حجمها وأهميتها تجاه الله سبحانه وتعالى.

الفقرة (18)

نكران الذات

يقابل العجب: نكران الذات.
وانقساماته أيضاً، كالعجب على ثلاثة اعتباراتٍ أو جهات:
الجهة الأولى: فيمن يحصل نكران الذات تجاهه. وهو أمران:
الأمر الأول: الله سبحانه وتعالى، حيث يشعر الفرد بعدم أهمية ذاته تجاه الله سبحانه وعظمته ورحمته.
الأمر الثاني: المخلوق، حيث يشعر الفرد بعدم أهمية ذاته تجاه من هو أبرز منه بدرجةٍ عالية، في المال تارةً، وفي السلطة أخرى، وفي الإيمان ثالثة، وفي العلم رابعة. وكلُّ ذلك حاصلٌ في مختلف الأفراد. غير أنَّ التواضع أو إنكار الذات تجاه الخل، إن كان من أجل الخالق نفسه، كان هو المطلوب حقيقةً. وأما إنكار الذات تجاه المخلوق كما مثلنا لمجرد الشعور بأهمية الآخر، فهو من الضعة الذاتية أولاً، والشرك الخفيِّ ثانياً.
الجهة الثانية: فيما يحصل نكران الذات به. وهو أمور:
الأمر الأول: الذات نفسها. ومفهوم نكران الذات يعني ذلك لغةً وحقيقةً. وهو الشعور بتفاهتها أو زوالها تجاه من يشعر بأهميته وعظمته ممن عرفناه في الجهة الأولى.
الأمر الثاني: الصفات. كالعلم والكرم والشجاعة وغيرها، حيث يشعر الفرد بتفاهتها أو انعدامها تجاه الصفة المهمة لدى الغير، كعلم العلماء أو شجاعة الشجعان أو عظمة الله سبحانه، وهو الأهمّ.
الأمر الثالث: الأعمال. فإنَّ الفرد إما أن يشعر بتفاهة عمله تجاه عمل الآخرين، أو يشعر بعمق ذنبه، أو يشعر بتفاهة عمله تجاه استحقاق الغير، من الشكر على النعمة ونحوه. وهذا هو الموقف الأحسن تجاه الله سبحانه.
الجهة الثالثة: في أقسام نكران الذات من حيث الدرجات:
الدرجة الأولى: الشعور بقلة الأهمية.
الدرجة الثانية: الشعور بزوال الأهمية وعدمها إطلاقاً.
الدرجة الثالثة: الفناء في الغير فناءاً كاملاً، بحيث لا يكون له وجود استقلاليٌّ بالمرة. وهذا هو الموقف الذي يراه العارفون تجاه الله سبحانه وتعالى.
فإذا عرفنا هذه الإنقسامات لنكران الذات كانت الإحتمالات 3×3×2=18 احتمالاً، ونذكر فيما يلي بعض النماذج منها كأمثلة، وقد عرفنا أنه ليس كلُّ أنواع نكران الذات ذا فضلٍ حقيقيٍّ أو منتجٍ لنتيجةٍ أخرويةٍ صالحة، إلا ما كان تجاه الله سبحانه وأوليائه.
الأنموذج الأول: الشعور بتفاهة الحال والمال، في حالة الفقير الذي لا أمل له في المستقبل، تجاه ذوي المال والنفوذ.
الأنموذج الثاني: الشعور بتفاهة الحال والضعة تجاه السلطان وذوي السلطة في المجتمع. وخاصةً إذا كانت تحت تصرفه الفعلي، كالعامل لديه، أو المحجوز في سجونه.
الأنموذج الثالث: الشعور بتفاهة الإيمان والعمل الصالح، تجاه الإيمان والعمل الصالح الذي يتصف به المعصومون سلام الله عليهم.
الأنموذج الرابع: الشعور بتفاهة العمل الصالح تجاه الله سبحانه، بما له من استحقاقٍ كبيرٍ لشكر النعمة ودفع النقمة والبدء بالعطاء وغير ذلك.
الأنموذج الخامس: الشعور بالفناء التامِّ تجاه عظمة الله سبحانه وتعالى، من حيث العمل ومن حيث الذات والصفات كلِّها.

الفقرة (19)

 مقارنة بين بعض الصفات

العجب ليس هو التكبر، ونكران الذات ليس هو التواضع، وإن تشابها من بعض الجهات.
فإنَّ العجب ونكران الذات، جهتان متضادَّتان، يعودان إلى الإتصاف الحقيقي للنفس، ولو باعتقاد صاحبها على الأقل، في حين أنَّ التكبر والتواضع جهتان متضادَّتان يعودان إلى إظهار الفرد تجاه الآخرين.
فمن هنا قد تجتمع صفاتٌ من هذين الإنقسامين، وتبدو متضادَّةً في بادئ النظر: كالعجب حين يجتمع مع التواضع. ونكران الذات إذ يجتمع مع التكبر. ولا تنافي بينهم (52).
أما اجتماع العجب مع التواضع، فإنَّ الفرد قد يكون بحسب اتصافه الحقيقيِّ معجباً بنفسه أو بصفاته. ولكنه قد يرى مصلحةً للتواضع أحياناً.
كما انَّ منكر الذات قد يرى مصلحةً للتكبر أحياناً، ولو من باب ما ورد (53): إنَّ التكبر على المتكبر عبادة.
وفي مثل هذ (54) يكون الموقف الحقيقيُّ أخلاقياً أمام الله سبحانه، في العجب ونكران الذات، لا في التواضع والتكبر. لأنَّ المفروض أنَّ ذينك صفتان راسختان، وهاتين صفتان طارئتان. وما هو راسخٌ أهمُّ في التقييم من الطارئ. وأما التكبر الناتج من العجب أو المقترن معه، وكذلك التواضع الناتج من نكران الذات أو المقترن معه، فحساب الفرع هو حساب الأصل، وقيمتهما سيانِ تقريباً.
ولا يخفى أنه في مثل ذلك يكون التكبر والتواضع صفةً راسخة، لأنهما ناتجان من صفةٍ راسخةٍ منسجمةٍ معها، بخلاف ما قلناه من أنَّ التواضع مع العجب، أو التكبر مع النكران. فإنهما صفتان متضادَّتان، من الصعب أن تدوما طويلاً.
هذا، وينبغي أن نلتفت إلى أنه ليس كلُّ عجْبٍ مذموماً، وإن كان ذلك هو الصفة الغالبة لأكثر أقسامه التي عرفناها. فلو كان العجب موجوداً مع الإعتراف بفضل الله سبحانه في إيجاد الصفة المحببة، لم يكن مذموماً.
وإن كنت أعتقد أنه ليس في العجب ما له قيمة أخلاقية حقيقية أو يكون مؤثراً في السير في مدارج الكمال.
وليس كلُّ تكبرٍ مذموماً أيضاً، وإن كان هو الصفة الغالبة لأكثر أقسامه، فإنَّ منه ما هو محمودٌ كالتكبر على المتكبر.
كما إنه ليس كلُّ نكرانٍ للذات محموداً، وإن كانت هي صفتة الغالبة، فإنَّ حصوله تجاه المخلوقين، وخاصةً في الصفات الدنيوية كالمال أو الجمال أو الجاه، مذمومٌ أخلاقياً بطبيعة الحال.
كما إنه ليس كلُّ تواضعٍ محموداًً أيضاً، وإن كان هو صفته الغالبة. إلا أنَّ أيَّ تواضعٍ ناتجٌ من نكران الذات المذموم الذي عرفناه، فهو مذمومٌ بدوره، ولذا كان التكبر على المتكبر عبادة، بمعنى أنَّ التواضع له مذموم. أو أنه من الشرك الخفي، ما لم تتعلق مصلحةٌ ثانويةٌ به، عامةٌ أو خاصةٌ كبعض أشكال التقية.

الفقرة (20)

التكبر لله سبحانه وتعالى

وينبغي أن نلتفت إلى أنَّ صفتي العجب ونكران الذات، وصفتي التكبر والتواضع التي تحدثنا عنها، إنما هي بالنسبة إلى صفات المخلوقين، تجاه الخالق أو تجاه المخلوقين كما سبق. وأما صفات الخالق نفسه، فهذا الكتاب ليس مورده، لأنه يتحدث عن علمي الفقه والأخلاق، وكلاهما من حيث المسؤولية خاصان بالخلق ولا يشملان الخالق. وإن كان الخالق هو الذي شرعهما وقدرهما جلَّ جلاله.
وإنما نشير مختصراً: إلى أنه سبحانه لا يوصف بالعجب، لما توحيه هذه الصفة من كونها غير حقيقية. في حين أنَّ صفاته سبحانه هي الكمال الحقيقي، وله الكبرياء الواقعية والعظمة، مع استغنائه جلَّ جلاله عن هذه الصفة البسيطة وهي: العجب.
كما أنه جلَّ جلاله، لا يوصف بنكران الذات. فإنَّ هذه الصفة تحتوي على اعتراف صاحبها بنقصه الحقيقي، والله تعالى لا نقص فيه، بل هو الكمال المطلق.
كما أنه جلَّ وعلا لا يوصف بالتواضع. لأنَّ التواضع إما أن ينتج من صفة نقصٍ في صاحبه، ويتضمن اعترافاً بها، كنكران الذات، وإما أن ينتج لمصلحةٍ للفرد تعود بالنفع عليه، كما لو كان معجباً بذاته إلا أنه متواضعٌ ظاهراً لأجل المصلحة. وكلا الأمرين، أعني النقص الحقيقي والمصلحة، إنما موردهما المخلوق، دون الخالق.
وأما صفة التكبر، فيوصف بها الخالق سبحانه. وقد عرفنا التكبر بأنه إظهارٌ للعظمة. وهو سبحانه الوحيد من الموجودات كلها المستحقُّ لهذه الصفة، لأنَّ عظمته واقعيةٌ وحقيقية، فإظهارها ليس بمذموم، بل هو محمودٌ من أجل مصلحةٍ تعود إلى تربية الخلق وتكاملهم. فالتكبر مذمومٌ غالباً إلا منه سبحانه. والتواضع محمودٌ غالباً إلا منه جلَّ جلاله.

الفقرة (21)

من نتائج العجب والتواضع

لئن كان العجب صفةً مذمومة، فإنَّ العبادة مع وجوده تقع مذمومةً أيضاً أخلاقياً، وإن لم تكن باطلةً فقهياً. أو قل هو ما يسمى بقلة الثواب، أو لا ثواب عليها على الإطلاق. وخاصةً إذا اقترن العجب بالذات إلى العجب بالعبادة نفسها، وأياً منهما اقترن بالعبادة كان مذموماً.
ولئن كان التواضع ونكران الذات صفةً محمودةً لنفسه، فإنَّ العبادة تكون محمودةً معه أكثر مما هي عليه بصفتها العبادية. وخاصةً إذا اقترن التواضع في الذات إلى التواضع في العبادة نفسها، وعدم الشعور بأهميتها تجاه الله سبحانه. وهذا المعنى مما يزيد الخشوع والخضوع والتضرع للفرد في عباداته المستحبة والواجبة معاً. بخلاف العجب فإنه يكون سبباً أكيداً لقلة أو سلب هذه الصفات المهمة.
وأما من حيث المحتوى الداخلي للإنسان، فلا شكَّ أنَّ العجب سببٌ للغلظة والقسوة والظلمانية في القلب والنفس. بخلاف التواضع، فإنه سببٌ للرقة والنورانية في القلب والنفس.
والعكس أيضاً صحيح، فإنَّ الرقة سببٌ للتواضع، كما إنَّ القسوة سببٌ للعجب، وليس في هذا التقابل في السببية محذورٌ الدور، باعتبار تعدد المراتب المتصاعدة في كلا الإتجاهين.
الفقرة (22) : الخشوع.
من جملة الأمور المستحسنة والمطلوبة في العبادة: الخشوع. وهو لغةً: الضراعة، وحقيقته : حالةٌ نفسيةٌ أو قلبيةٌ توجد في الذليل تجاه العظيم نتيجةَ شعوره بالذلة والتصاغر أمامه. وهذا معنى عامٌّ، غير أنَّ المتعارف لدى المتشرعة هو اختصاصه بالعلاقة مع الله سبحانه وتعالى. وهو الخشوع الحقُّ، وغيره باطل.
وهو قد يكون في العبادة بالمعنى الأخصِّ كالصلاة. قال الله عزوجل: (الَّذينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (55). وقد يكون في العبادة بالمعنى الأعم، أعني كلَّ عملٍ صالح. قال عزوجل: (وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْس) (56).
وقد يكون الخشوع في كلِّ أحوال المؤمن أو في غالب أوقاته. قال الله عزَّ وجلَّ عن الزمرة الصالحة من عباده: (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (57). وقد يكون الخشوع عند النظر إلى العقوبة، لما فيها من التذلل أمام المعاقب، وأهمُّ ذلك يكون للكفار عند نار جهنم. قال الله سبحانه: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) (58). وقال في الدعاء: اللهمَّ إني أسألك خشوع الإيمان قبل خشوع الذلِّ في النار(59).
والخشوع ليس حالةً جسدية. وإن كانت قد تدلُّ حالة الجسد عليه، إلا أنَّ حالة الجسد قد تخلو من الإخلاص، والعياذ بالله. وأما الحالة القلبية، أو الخشوع حين يكون قلبياً، فلا يكون إلا مخلصاً لتعذر اطلاع الآخرين عليه، فلا يمكن أن يحمل الرياء إطلاقاً. فإن خشعت معه الجوارح أو الجسد، كان خشوعها مخلصاً أيضاً. وإلا أمكن الإكتفاء بالخشوع القلبي.
ومن هنا قلنا: إنَّ الخشوع قابلٌ للإستمرار أو التكرر كثيراً في كلِّ عملٍ صالح، لأنَّ خشوع الجسد مؤقتٌ بطبيعة تكوينه، ومن الصعب جداً أن يستمر، مادام الفرد مسؤولاً عن حياته الدنيا، وأما خشوع القلب فهو قابلٌ للتكرار والإستمرار، مع حسن التوفيق الإلهي.
خذ إليك مثلاً: عبد ذليل في قصرٍ جليل، فهو يشعر بالخشوع دائماً كلما تجوَّل في أنحاء القصر وتذكر صاحبه. وهذا الإلتفات كثيراً ما يحصل عادةً، لوجوده بين يدي صاحب القصر، وكلُّ ما في القصر يدلُّ على أهميته وعظمته.
________________________
[[22]] وهو ما يعتقده النصارى كما في قوله تعالى: (قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) [سورة المائدة: آية17 و72] وقوله تعالى: (قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ...)[سورةالمائدة: آية73].
[[23]] وهو قول الشاعرة. انظر كتاب الفَرق بين الفِرق للبغدادي: ص 334.
[[24]] سورة الأنعام: آية121.
[[25]] سورة التوبة: آية31.
[[26]] انظر التفسير الكبير للفخر الرازي: ج 16. ص 36 - وتفسير القرطبي: ج8. ص 120. بإسنادهم عن رسول الله 9 - وانظر أصول الكافي: ج 2. ص 398 - حديث 7.حيث ذكر بإسناده عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله  عن قول الله عز وجل : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله " فقال : أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لما أجابوهم ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فعبدوهم .
[[27]] سورة يس: آية60.
[[28]] سورة يوسف: آية40.
[[29]] سورة الجاثية: آية23.
[[30]] سورة الأعراف: آية176. والكهف: آية28. وطه: آية16. والقصص: آية50.
[[31]] سورة النساء: آية116.
[[32]] مجمع البحرين: ج 2. ص 21. مادة [جبب].
[[33]] سورة البقرة: آية124.
[[34]] الوسائل: ج 2 م 3. الباب2 من أبواب أعداد الفرائض. حديث2.
[[35]] انظر نحوه في الوسائل: ج 2 م 3. الباب من أبواب أعداد الفرائض. حديث6.
[[36]] انظر نحوه ثواب الأعمال للصدوق: ص 255.
[[37]] راجع الفقرة [6] مما سبق.
[[38]] وهي: الأسباب الطبيعية، والنفس، والناس أو المجتمع، والمخلوقات الأخرى [كالملائكة والجن].
[[39]] في النسخة أ: مرتبته.
[[40]] في النسخة أ: تتدخل.
[[41]] سورة القصص: آية78.
[[42]] سورة الأحقاف: آية20.
[[43]] سور القصص: آية78.
[[44]] الوافي للفيض الكاشاني: ج 1. ص 7 ط حجري ـ جامع السعادات للنراقي: ج 1. ص45.
[[45]] سورة البقرة: آية282.
[[46]] سورة النساء: آية79.
[[47]] سورة المؤمنون: آية101.
[[48]] حقائق التأويل للشريف الرضي: ج 5. ص115.
[[49]] سورة النساء: آية139.
[[50]] سورة المنافقون: آية8.
[[51]] سورة البقرة: آية257.
[[52]] وذلك لأنه ل يوجد بين هذه الأقسام تضاد أو تناقض. وإنما التضاد ـ [كما ذكر سماحة المؤلف] ـ بين صفتي العجب ونكران الذات وصفتي التكبر والتواضع. ففي قاعدة التضادّ لا يمكن أن يجتمعا ولكن يمكن أن يرتفعا، أي أنَّ الفرد لا يمكن أن يكون بنفس الوقت معجب بنفسه أو عمله وناكر لذاته أو متكبر ومتواضع في الوقت نفسه. ولكن يمكن للفرد أن يكون خالي من العجب ونكران الذات مع أو ليس متكبر ولا متواضع بنفس الوقت.
[[53]] كشف الخفاء للعجلوني: ج 1. ص 313. الحديث 1011. وفيه كلمة صدقة بدل كلمة عبادة. قال: نقل القاري عن الرازي أنه كلام. ثم قال لكن معناه مأثور. انتهى. والمشهور على الألسنة حسنة بدل صدقة. انتهى. ه
[[54]] في النسخة أ: وفي مثل ذلك.
[[55]] سورة المؤمنون: آية2.
[[56]] سورة طه: آية108.
[[57]] سورة الأنبياء: آية90.
[[58]] سورة المعارج: آية44 .
[[59]] مصباح المتهجد للطوسي: ص 413 ـ ط حجرية.

 

الفهرس || السابق || التالي

السيرة الذاتية || الصور || المؤلفات || ما كتب حوله