مؤلفات الإمام الشهيد السيد محمد صادق الصدر ( قدس سره)

كتاب فقه الأخلاق لسماحة السيد الشهيد محمد صادق الصدر

مقدِّمة
الطبعة الثانية للمؤلِّف


كان هناك صفحتان كتبتهما مقدمةً لفقه الأخلاق في الطبعة الأولى، لم توفَّقْ للنشر، لأنها سقطت سهواً من المسودة عند تقديمها إلى المطبعة.وكان أهمَّ ما فيها هو التعرُّفُ بالحاجة إلى هذا الموضوع. وحاصل الفكرة: بأنَّ ضمَّ هذا الكتاب إلى الكتب الفقهية الإعتيادية، أو ما يسمى بالرسالة العملية، سيكون كلاًّ فقهياً متكاملاً، يعطي صورةً واضحةً وتفصيليةً عن الشريعة الإسلامية المقدَّسة بكلِّ جوانبِها. ونحن هنا لا نعدو الحديثَ عن الرسالة العملية للمؤلِّف نفسِه [منهج الصالحين] فإنه بضمِّ فقه الأخلاق إليها، ستحدث نفس تلك النتيجة المهمة، والتي ستفتح آفاقاً جيدةً وجديدةً، كانت خاملةً ومغمورةً في الفقه التقليديِّ المتعارف.وذلك: ‎لأننا نلاحظ أنَّ الأعمَّ الأغلب، فيما كتبه الفقهاء في رسائلهم العملية، إنما هو الأحكام الإلزامية التكليفية والوضعية، ولم يفتحوا صدور مؤلفاتِهم للمستحباتِ إلا قليلاً.والسبب النظريُّ الرئيسيُّ في ذلك، حسب فهمي لهم: هو أنَّ المهمَّ بالفرد المؤمن أن يكون في عمله فارغ الذمة أمام الله سبحانه، ومن ثمَّ لا يكون متعرضاً إلى استحقاق العقاب .فالمدار في الفقهِ هو النجاةُ من استحقاق العقاب. ومن المعلوم: أنَّ الفرد إذا عمل الواجبات وتجنَّب المحرمات، فقد نجى من استحقاق العقاب، وهذا يكفي. وأما مدارج الثواب في الجنة، فهو أمرٌ شخصيٌّ قد يرغب به الفردُ وقد لا يرغب، ومن ثمَّ فهو أمرٌ لا يهمُّ التعرض له كثيراً، بل يكفي أن يعطى الفردُ رأسَ الخيط فيه، ليسيرَ في طريقه بشكلٍ شخصيّ.وبغضِّ النظر عن بعض المناقشات لهذا الإتجاه، فإنَّ من حقِّنا أن نطمع بالمزيد من الدرجات عند الله تعالى، ولا يكون همُّنا منه عدم استحقاق العقاب فقط، وينبغي أن تكون الهمَّة العليا معنى عاماً شاملاً لكلِّ مسلم، وليس أمراً شخصياً كما يعبِّرون.ومن هنا, احتجنا إلى مثل هذا الكتاب، وبيان كلا الإتجاهين، أو قل: بالسير بالفرد قدماً نحو الكمال، بعد أن يكونَ قد أدّى الواجبات, واجتنب المحرَّمات.بل إنَّ هذا المعنى ــ كما ألمعنا في التمهيد الآتي ــ هو الأعمُّ الأغلب من تعاليم المعصومين، ويشمل الكثير من المصادر والكتب القديمة والمتوسطة والحديثة.غيرَ أنَّ فقهاءنا ـ قدس الله أسرارهم ـ اقتصروا على الجانب الأقلّ، وقلَّصوا الجانبَ الأكثر، باعتبار أنَّ الجانب الأقلَّ هو الأهمُّ في نظرهم، وأنَّ الجانبَ الأكثر هو الفضلة والثانوي. غير أنَّ هذا الذي هو الفضلةُ والثانويُّ، هو في الواقع الجانبُ الرئيسيُّ الذي يمثِّل هدف البشرية في كمالها، وهدف الشريعة في تربيتها، وهدف الشارع الأقدس في إفاضته الرحمةَ الخاصَّةَ على المؤمنين. وليس أنَّ الهدف الحقيقيَّ هو مجرَّدُ النجاة من النار، بل هو الدخولُ إلى الجنة، والتنافسُ في درجاتها.ومن هنا احتجنا إلى مثل هذا الكتاب، لكي يكون نظرنا إلى الشريعة أوسع، وفهمنا لها أكثر، بل لكي يكون فهمنا لأنفسنا ومعاشنا ومعادنا أكثر وأوسع، عسى الله أن يجعل لنا من أمرنا يسراً، وأن يجعل لنا من مشاكلنا و عيوبنا وذنوبنا فرجاً ومخرجاً.هذا، وقد كنت كتبتُ هذا الكتابَ في حينه في ضيق من الظروف النفسية والإجتماعية، ومن هنا اضطررتُ إلى ترك المصادر فيه، ومن هنا , صدر في الطبعة الأولى بدون هامش يشير إلى مصدرٍ على الإطلاق.حتى رزقني الله سبحانه، بحسن عونه ولطفه، أخاً عزيزاً من طلاب الحوزة العلمية الشريفة، من ذوي الهمة والتفقه والورع، هو جناب الشيخ كاظم العبادي الناصري دام عزه، حيث أتعب نفسه جزاه الله خيرا، ردحاً من الزمن بجدٍّ وإخلاصٍ في استخراج المصادر والرجوع إلى المراجع والكتب.ولم تكن هذه المهمَّةُ سهلةً إطلاقاً، لأنَّ عدداً من مضامين الأخبار كنت قد سردتها في الكتاب طبقاً لذاكرتي، وهذا يعني إهمالَ المصدر ونسيانَه تماماً. ولكنه أوتي في ذلك حسن التوفيق، وقد أجاد وأفاد.وكان هذا هو تعبه الثاني على بعض كتبي، بعد أن أدى مهمته في هوامش ومصادر كتابي: أضواء على ثورة الحسين . وسيكون عمله الآخر الآتي، فيما أعلم، بحسن توفيق الله تعالى، هو الفحص عن الهوامش والمصادر للجزء الثاني من فقه الأخلاق، لكي يكون هذا الكتاب كلُّه مهمَّشاً من قبله، وممثلاً لتعبه واهتمامه به، نفعه الله ونفع به، وجعل هذا العبد الخاطئ الذليل أهلاً لحسن ظنِّه وظنِّ المؤمنين، إنه على كلِّ شيءٍ قدير.


8 شهرر مضان  1418
محمد الصدر


مقدمة التحقيق

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله الا الله الملك الحقُّ المبين، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله سيد المتأدبين، وسيد السالكين. اللهمَّ فصلِّ وسلِّم عليهِ وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله المنتجبين. واللعنةُ على أعدائِهم من الأوَّلين والآخِرين إلى قيام يوم الدين.
أما بعد :
فإنَّ الله خلق الإنسان بأحسن تقويم، ثمَّ ردَّه إلى أسفل سافلين، وكلَّفه بالرجوع إلى ربِّه، والصعود إلى المقامات العالية لديه، من خلال الشريعة المقدَّسة بظاهرها وباطنها، حيث إنَّ للشريعة بطناً, بل سبعة بطون، بل سبعين بطناً.
وكثيرةٌ هي الأقلامُ التي تناولت تلك المعاني الباطنية للأحكام الشرعية, إلا أنَّ أغلبها ـ إن لم يكن كلُّها ـ كان مختصاً بطبقةٍ معينةٍ من أهل الفنِّ والإختصاص، فبقيت المعاني الباطنية للأحكام الشرعية بعيدةً إلا عن أهلها. وأما غيرهم فكانوا في ضبابيةٍ وغشاوةٍ عنها، منتظرين الشمسَ التي تبدِّد ذلك الضباب, وتقشع تلك الغشاوة. واقتضت حكمة الله تعالى أن لا يطولَ ذلك الإنتظار, فأتانا شعاعُ شمس الحكمة، واخترق تلك الضبابيةَ والغشاوة, مصاغاً ببراعةِ واحدٍ من الأفذاذ الذين ضنَّ الزمان عن أن يجودَ بهم، إلا بين فترةٍ وفترة، ألا وهو سماحة آية الله العظمى سيدنا الصدر ـ دامت بركاته ـ. حيث نظم لنا سطوراً من نور لآلئ الحكمة والمعرفة، لتشكِّلَ عقداً ملكوتياً ينفذ في أغوار الشريعة ليمخر عبابها, ويأتينا بما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت, بأسلوبٍ حيَّر العقول, حيث تجده مناسباً للمبتدئ الناشئ, وللسالك السائر, وللعارف الواصل، لكلِّ قومٍ منهم شِرْبٌ مقسومٌ، وذلك في رائعةٍ من روائع هذا القرن، ألا وهو كتاب [فقه الأخلاق] الذي إن دلَّ على شيء, فإنه يدلُّ على تمكُّن صاحبه من هذين العلمين الجليلين، إذ لولا ذلك التمكُّن, لما استطاع أن ينصب جسراً بين الظاهر والباطن.
وقد خرج الكتاب إلى الأسواق والحمد لله الملك المنان، ورغم ما بذل فيه من جهودٍ في طبعه وفهرسته، إلا أنه كان بحاجةٍ إلى تحقيق الآيات والروايات, والإشارة إلى المراجع والمصادر، فكان أن وفَّقني الله إلى ذلك، وأنا أضعف الطلاب وأقلُّهم، ولكنَّ اللهَ يختصُّ برحمته من يشاء، فله الحمدُ على ما أنعم .وينبغي الإلماعُ إلى أنَّ الكتاب تضمَّن من الإشارات والكتابات ما قصر عن إيضاحها باعُنا, وجفَّ عن إيرادِها مِدادُنا، فاقتصرنا على التحقيق وشيءٍ من التعليق, وتركنا الأمورَ الأخرى إلى من يرى في نفسه الهمَّة والكفاءة.ولا يفوتنا أن نتوجَّهَ بالشكر الجزيل إلى كلِّ من أعاننا على تحقيق هذا السفر الجليل, بتوفير المصادر تارةً, وبإلفات النظر إليها تارةً أخرى، لا سيما جناب الأخ العزيز السيد مقتدى الصدر ـ دامَ عزُّه ـ نجل سماحة المؤلف.اللهمَّ لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، واجعل ما فعلناهُ خالصاً لوجهك الكريم, نافعاً لنا يومَ لا ينفع مالٌ ولا بنون.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين


الفقيرُ إلى الله
كاظم العبادي الناصري
  20شعبان  1418

تمهيد:

هل بين الفقه والأخلاق أيَّةُ علاقة، أم أنهما كعلمينِ، أو حقلينِ من حقول الحياة الإجتماعية غيرُ مرتبطينِ، ولا علاقةَ لأحدِهما بالآخر؟.
قد يأتي الجوابُ على هذا السؤال بالنفيِ تارةً, وبالإيجابِ أخرى , طبقاً لوجهة النظر التي نعتمدُها.
أما الجوابُ بالنفي، فيكونُ بالتأكيد على أنَّ هذينِ الحقلينِ منفصلانِ تماماً, نظرياً وعملياً، فكيف يمكن تصوُّرُ العلاقة بينهما؟
أما كونُهما منفصلينِ نظرياً، فلأجل اختلاف موضوعاتِهما وسياقاتِهما. فعلم الفقهِ هو علمُ التشريع، سواءٌ قصدنا منه التشريعَ السماويَّ, أو الإسلاميَّ, أو قصدنا منه ما يشمل القانونَ الدنيويَّ بأيِّ صيغةٍ من صيغِه، فإنَّ كلَّ هذا مما يسمّى بالفقه عادةً، وإن كنا الآن بصفتنا مسلمين، مهتمين بالفقه الإسلامي خاصَّةً, وهو الذي نقارن هنا بينه وبين الأخلاق.
أما علم الأخلاق فهو علم السلوك، لتشخيص الصالح منه عن الشائن.ولكلٍّ من العلمينِ طريقته في البحث وفي البرهنة وفي الإستنتاج، وغير ذلك، كما هو غيرُ خفيٍّ لمن اطلع عليهما.إذن، فهما متغايرانِ نظرياً.وأما عملياً، فإننا نجد عدَّةَ ظواهرَ تطبيقيةٍ ينفصل بها أحد العلمينِ عن الآخر. منها: أنَّ الاختصاصيَّ بأحد العلمين يقلُّ اهتمامُه بالعلم الآخر وتطبيقِهِ له وحياته، ومن الواضح حياتياً أنَّ الفقهاءَ غيرُ اختصاصيينَ بالأخلاق، كما أنَّ الأخلاقيينَ ليسوا بفقهاء، ولا يوجد من يجمع بين الحقلينِ إلا الأندر من الشمع الأحمر.ومن ذلك: أنَّ غيرَ الإختصاصيين على هذا الغرار أيضاً، فنجدهم سالكينَ لأحد الطريقين، ومعرضينَ عن الطريق الآخر تقريباً.بل الأمرُ قد يتجاوز ذلك خطوةً أخرى، وذلك: أنَّ الإهتمام لدى المتشرِّعة إنَّما هو بالفقه من حيثُ أنَّ مآله إلى الثواب والعقاب الأخرويين، وليس في الأخلاق وجهةٌ من هذا القبيل، فهو لا يستحقُّ مثلَ هذا الإهتمام.بل قد نجد أنَّ الأئمة المعصومين سلام الله عليهم، قد نحوا هذا النحوَ، بحيثُ نجدُ أنَّ هذا الإهتمام المتشرَّعيَّ إنَّما هو ناتجٌ من تربيتِهم وتركيزِهم، وذلك أنهم ركَّزوا على جانب الطاعة والمعصية، والثواب والعقاب، وهي الجوانبُ المرتبطةُ بالفقه، أكثرَ من الجوانبِ المرتبطةِ بالأخلاق.فهذا أقصى ما قد يقالُ في ملاحظات الإنفصال بين علمي الفقه والأخلاق.غيرَ أنَّ الصحيح ليس هو ذلك، بل الأقربُ هو الجوابُ عن السؤال المذكور في أوَّل هذا التمهيد بالإيجاب، وأنَّ هناك علاقةً وثيقةً وحميمةً بين علمي الفقه والأخلاق، حتى كاد أن يكونَ أحدُهما عينَ الآخر كما سنرى، وإن لم يكونا كذلك في كلِّ التفاصيل.وينبغي لنا أن نتكلَّمَ عن ذلك على مستويينِ، أحدُهما يشمل الجوابَ على الدليل الذي عرضناهُ عن الإنفصال. والمستوى الآخرُ يتكفَّلُ بيانَ الدليل على الإتصال.
المستوى الأول:إننا ذكرنا انفصالَ علمي الفقهِ والأخلاق نظرياً وعملياً.أما الإنفصالُ النظريُّ، فغايةُ ما أوصلنا إليهِ الدليلُ هو كونُهما علمينِ بذاتِهما مستقلَّينِ، وهذا هو سرُّ اختلافِهما موضوعاً وأسلوباً. وهذا مما لا ينبغي إنكارُه.وإنما الذي نحاول إثباته الآن هو أنَّ هذين العلمين، يلتقيانِ في كثيرٍ من مسائلِهما، بل في أكثرِها بل في كلِّها.فإنَّ كثيراً من العلوم، كما بينا في مقدمة كتابنا [ما وراء الفقه] تلتقي فيما بينها في موضوعاتٍ مشتركة، فهناك الفيزياء الفلكية، وهناك علم النفس الاجتماعي، وهناك الإقتصاد السياسي، وهناك التقاء الكيمياء بالفيزياء، والتفسير بالفقه والنحو بالصرف. إلى غير ذلك كثير.فهنا أيضاً علاقةٌ والتقاءٌ أو تداخلٌ بين علم الفقه والأخلاق، كما سنرى في المستوى الثاني الآتي، إلى حدٍّ يكون من الصعب عزلُ أحدِهما عن الآخر نظرياً وعملياً.وما ذكرناهُ أوَّلاً في جواب النفي، أفادنا البرهانُ على انفصالِهما كعلمينِ مستقِلَّين. ولم يفدنا انفصالهما وفي العلاقة بينهما على الإطلاق. فهذا من الجانب النظري.وأما الجانب العمليُّ، فبالنسبةِ إلى الإختصاصيين بالفقه والأخلاق، وبالنسبةِ إلى العاملينَ بهما، حيث قلنا إنَّ الإهتمام يكثر بأحدهما ويقلُّ بالآخر، فهذا يمكنك أن تجد في جوابه إحدى وجهتي نظر.
الوجهة الأولى: إن الحقَّ هو أن يكون الفرد والمجتمع عارفاً للفقه والأخلاق معاً مطبقاً لهما معاً. فلو كان قاصراً أو مقصراً من أحد الجانبين كان ناقصاً لا محالة، سواءٌ كان اختصاصياً بأحد الحقلين أو لم يكن.
الوجهة الثانية: إنَّ الأختصاص والتعمُّق الكامل بكلا هذين الحقلين متعذرٌ تماماً، وفوق الطاقة البشرية. ومن هنا كان اللازم لكلِّ اختصاصيٍّ أن يلمَّ بحقله المعيَّن، ويدع من الحقل الآخر ما هو خارجٌ عن أحكامه، وإنما يلمُّ به إلماماً.
وهناك وجهةٌ ثالثةٌ يمكن أن تقالَ في هذا الطريق، قد تكون ناشئةً من [النفس الأمارة بالسوء] وهو عدم تبادل حسن الظنِّ بين الفريقين: الفقهاء والأخلاقيين، لأنَّ الفقهاء غالباً جداً يبنون علمهم على الظاهر، أعني ظاهر الشريعة. والأخلاقيون يبنون علمهم غالباً على الباطن. ومن المؤسف أن يكون أهل الظاهر غير معتقدين بالباطن، وأهل الباطن غير معتقدين بالظاهر. وأحدهما يخطِّئُ الآخر في السير في طريقِه.
وأما الحديث الذي أشرنا اليه، من أنَّ المتشرِّعة أخذوا الفقه وركَّزوا عليهِ دون الأخلاق، فهذا على الأغلب صحيح، فإن قصدنا من الأخلاق حسنَ معاملة الآخرين، فمن المعلوم أنَّ من لم يأخذ بها كان ظالماً ومقصراً. وأما إذا قصدنا منها السلوك الأخلاقيَّ العرفاني، فهو مما لا يتحمَّله العامَّة وأغلب الناس، وإنما جاءت الشريعة الظاهرية لحفظ النظام بين هؤلاء العامَّة، فكان من واجبهم الإلتزام بها، وأن يدعوا ما لا يستطيعون وما لا يطيقون.
وهذا لا ينافي وجودَ بعض اللمعات الأخلاقية الجيِّدة عند الكثيرين من المهتمِّين بالفقه أو الفقهاء، ممن يتَّصف بنفسٍ قويَّةٍ وقلبٍ طاهر.وأما الحديث عن أنَّ أئمَّتنا اقتصروا في بياناتِهم على الشريعة أو الفقه، ولم يبينوا عن الأخلاق إلا القليل، فهذا على إطلاقه غير صحيح.
أولاً: لأنهم سلام الله عليهم بيَّنوا كلا الحقلين، كلاً منهما لمن يستحقُّه ويتحمَّلُه، لا محالة. ولم يقتصروا على أحدهما بأيِّ حالٍ من الأحوال.
ثانياً: إنه من المسلَّم أنَّ عدد المستحقِّين لبيان الظاهر، والقاصرين عن بلوغ العمق الأخلاقي، أكثر بكثيرٍ في المجتمع ممن هو قادرٌ على بلوغ ذلك العمق، بل إنَّ المجتمع ككلٍّ يمثل هذا الإتجاه.
ومن هنا كانت المصلحة الضرورية تقتضي ظهور المعصومين سلام الله عليهم أمام الناس بمظهر الظاهر، وغضِّ النظر عن [الباطن] أو مستوى الأخلاق المعمَّق، سواءٌ ذلك في سلوكِهم الشخصيِّ أم في أفعالِهم أم أقوالِهم أم تعاليمِهم. وهذا ما يفسِّر أنَّ ما وردنا عنهم عليهم السلام من أحاديث الفقه، أكثر مما وردنا من أحاديث الأخلاق.
غير أننا إذا أخذنا من الأخلاق جانبها الظاهريَّ، وهو حسنُ معاملة الآخرين، فسوف يمكن إنكار هذه النتيجة الأخيرة، والتأكيد على أنَّ ما وصلنا من الأحاديث الأخلاقية بهذا المعنى لا يقلُّ عن الأحاديث الفقهية، بل يفوقها عدداً بقليلٍ أو كثير. وهذا ما سوف يزداد إيضاحاً في مستقبل هذا البحث.
فقد عرفنا إلى هنا، أنَّ الجواب بالنفي على مدى ارتباط الفقه بالأخلاق أمرٌ غير صحيح.
وأما الجواب بالإيجاب فهو الأقربُ للصحة، على عدة مستويات، كلُّها يمكن صحتها سويةً:
المستوى الأول : إنَّ الفقه يمثل الشريعة، والشريعة تمثل العدل الإلهي. إذن، فالفقه يمثل العدل الإلهي.
وبتعبيرٍ آخر: إنَّ التعاليم الفقهية إنما شرعت لأجل إيجاد النظام العادل على الفرد والمجتمع، لا طبقاً لشهوة أحد، وإنما طبقاً للعدل الإلهي، الذي اقتضى الأمرَ ببعض الأمور والنهيَ عن البعض الآخر، فكان أن وجد الفقه بمظهره المعروف.
ومن الواضح عند أهل الفنِّ: أنَّ [العدل] جزءٌ من [الأخلاق]، لأنَّ القضية الرئيسية والكبرى في هذا العلم هو إدراك حسن العدل وقبح الظلم.
ومعه، فسيكون الفقهُ كلُّه ناشئاً من منشأٍ أخلاقي، وهو العدل. مضافاً إلى انطباق هذا المفهوم على كلِّ مسألةٍ من مسائلِه، وكلِّ تطبيقٍ من تطبيقاتِه، بحيث يكون كلُّ حكمٍ فيهِ هو عادلاً، بالعدالة الإلهية التي اقتضته.
وهذا أحد الأساليب لفهم ما قلناهُ من أنَّ الأخلاق تشمل كلَّ مسائل الفقه وليس بعضها.
المستوى الثاني: إننا إن فهمنا من الأخلاق التربيةَ العليا والسلوكَ الأمثل، في مقابل ما للعامَّة من تكاليف، أمكننا القول: بأنَّ التكاليف العامَّة في الفقه هي الواجباتُ والمحرَّمات، والتكاليف المعمَّقة هي المستحباتُ والمكروهات، وهي التي تربِّي الفردَ في خطوةٍ أعلى من مجرد الإلتزام بما هو إلزاميٌّ في الشريعة، فتكون المستحباتُ والمكروهاتُ الفقهية هي أحكاماً أخلاقيةً بطبيعتها.
ومن المعلوم أنَّ هذا الجانب، أعني المستحباتِ والمكروهات، تستوعبُ أغلبَ الفقه من الناحية العملية. سواءٌ بالنسبة إلى الأخبار الواردة فيها، أو الكتب المؤلَّفة، أو السلوك الذي تقتضيه.
وهذا المستوى يبرهن على أنَّ أكثر أحكام الفقه هي أحكامٌ أخلاقية.
المستوى الثالث: إنَّ المستوى الأخلاقي المعمَّق يبدأ من الصفر، أو المستوى الضحل للفرد، ثمَّ يصعد به تدريجياً إلى الكمال، فماذا سوف يكون المطلوب من الفرد الإعتيادي، إذا أراد أن يسيرَ في هذا الطريق لأوَّل مرَّة؟
هناك عدَّةُ أجوبةٍ على ذلك، إلا أنَّ أصحَّها حقيقةً، وأقربها إلى الفهم العامِّ للكتاب والسنة، هو أنَّ الخطوة الرئيسية والأهمَّ في هذا الصدد، هو الإلتزام بالشريعة الظاهرية أو التعاليم الفقهية، حتى ما إذا حصل ذلك بالإخلاص، كان الفرد مستحقاً للخطوة الثانية في طريق الكمال.
إذن، فالفقه مقدمةٌ للمستوى الأخلاقيِّ المتكامل، ومقدمة الشيء ليست غريبةً عنه، بل هي منهُ بالحقيقة، إذ مع تغاير الجانبين وتباينهما، يتعذَّرُ أو يستحيلُ حصول مثل هذه المقدِّمية.
المستوى الرابع: إننا في أوَّل هذا البحث عرفنا الفقه بأنه علم التشريع، وعرفنا الأخلاق بأنها علم السلوك، فهل يمكن أن يكون بين التشريع والسلوك تباينٌ وتغاير؟. طبعاً لا، فإنَّ التشريع إنما وجد لأجل السلوك على طبقه، أو قل: إنَّ التشريع العادل أوجدَ لأجل إيجاد السلوك الصالح. كما إنَّ السلوك إنما ينشأ طبقاً لتشريعاتٍ مسبقةٍ يدركها السالك.
إذن، فلو قصدنا من السلوك: السلوكَ الأخلاقيَّ الظاهريَّ أو العامّ، وهو حسنُ معاملة الآخرين ونحوها، فهو من صميم الفقه، ولا يحتاج الجزمُ بذلك إلا إلى إلقاء نظرةٍ على التعاليم الفقهية.
وإن قصدنا من السلوك: السلوكَ الأخلاقيَّ المعمَّق، فهو أيضاً ناشئٌ طبعاً عن تعاليم، باعتبار أنَّ من الأفضل اتخاذَ هذا السلوك دون ذلك، على اختلاف حاجات السالك وحالاته وأهدافه، وهذه التعاليم أيضاً من نوع التشريع أو الفقه، إلا أنها ليست فقهاً عاماً، لأنها مما لا يتحمله العامة، بل يخصُّ البعضَ دون البعض لا محالة.
وهذا معناه أنَّ الفقه ليس فقط مقدمةً للأخلاق العليا، كما قلنا في بعض المستويات السابقة، بل هو يبقى مرافقاً للفرد السالك في مدارج الكمال، مهما كان مرتفعاً.
وبهذه المستويات الأربعة، أمكننا البرهنةُ على التلاقي والتلاقح الكامل بين الفقه والأخلاق، حتى يمكن أن يقال إنَّ أحدهما عينُ الآخر. وإنما تنشأ المغايرة الظاهرية أو المعروفة بينهما من القصور أو التقصير، أو من بعض اختلافات الإتجاه الذي عرفنا مبرراته في المستويات السابقة نفسها، كما لو قلنا إنَّ البحث عن الواجبات والمحرمات في الشريعة هي الفقه، والبحث عن المستحبات والمكروهات هي الأخلاق. أو نحو ذلك.
وبهذا كلِّه، نعرف أننا قد نحسن صنعاً إن تحدثنا في هذا الكتاب عن [فقه الأخلاق] أو [الفقه الأخلاقي] أو [الأخلاق الفقهية] ما شئت فعبر. فإنها جميعاً بحسب النتيجة تعود إلى معنىً واحدٍ مشترك.
وكان يمكننا الحديثُ تحت هذا العنوان عن كلِّ الفقه وعن كلِّ الأخلاق، بعد ما عرفنا الرابطةَ الوثيقةَ ما بينهما، حتى أنه يكاد أن يكونَ أحدُهما عينَ الآخر.
غيرَ أننا ينبغي أن نلاحظ: أنَّ المستويات التي يمكن الحديثُ فيها أو عنها ثلاثةٌ، ونحن سنقتصر في هذا الكتاب على واحدٍ منها ونترك الإثنين.
المستوى الأوَّل: المستوى الإلزاميُّ في الشريعة، أعني الواجبات والمحرَّمات.
المستوى الثاني: المستوى غير الإلزاميِّ من الشريعة، أعني المستحباتِ والمكروهات، وهي التي تعتبر ـ عادةً ـ أوَّلَ الخطوات نحو الكمال الأخلاقيِّ اللائقِ أو العالي.
المستوى الثالث: التعاليم المعمَّقة للسلوك الأخلاقيِّ العالي الذي يختصُّ بالقلَّةِ من الأفراد، ممن يتحمَّلونه.
ونحن في هذا الكتاب سنتحدَّث عن المستوى الثاني فقط، دون المستويينِ الأوَّلِ والثالث.
أما حذف المستوى الأوَّل، فباعتبار كونِهِ موكولاً إلى المؤلفات والمصادر الفقهية الإعتيادية. وأما حذف المستوى الثالث، فباعتبار عدم إمكان إعلانه في كتابٍ عامٍّ يوزَّعُ على مستوىً شامل. وإنما ينبغي أن تكونَ تلك التعاليمُ خاصَّةً بأهلها وغيرَ شاملةٍ للآخرين، ممن لا يعرفها أو لا يطيق تطبيقَها.
والمستوى الثاني هو الحقلُ الأوضحُ والأوسعُ من الترابط بين الفقهِ والأخلاق. وهو الذي نتحدَّث عنهُ في هذا الكتاب.
وعنوانه وإن كان هو المستحبات والمكروهات، وهو بالفعل ليس أوسعَ من ذلك، إلا أنَّ مفهوم المستحبات والمكروهات غيرُ خاصٍّ بما هو معروفٌ فقهياً، كالدعاء عند رؤية الهلال أو تقديم الرجل اليمنى لدى الدخول إلى المساجد، بل يمكن فهمُها على عدّة مستويات :
المستوى الأوَّل: المستوى الفردي الظاهري. كاستحباب النوافل والأدعية ونحوها.
المستوى الثاني: المستوى الفردي الإجتماعي. كاستحباب قضاء حاجة الآخرين، والسعيِ في الصلح بين المتخاصمين.
المستوى الثالث: المستوى الفردي النفسي. كالتقليل من حبِّ الدنيا، والإلتفات إلى الرغبة في الآخرة.
المستوى الرابع: المستوى الفردي العقلي. كحسن الفهم للأمور الدينية والأخلاقية، واختيار الصالح من الحقائق، وطرح الأمور الباطلة والرديئة.
المستوى الخامس: المستوى الروحي. كالصبر على الشدائد، والتسليم لأمر الله سبحانه، والخشوع في العبادات والإخلاص فيها.
المستوى السادس: المستوى الإجتماعي العقلي والروحي معاً، وهو محاولة إيصال النتائج الفردية المشار إليها إلى الآخرين، بتعليمهم وتربيتهم على ذلك.
إلى غير ذلك من المستويات.
بقي الإلماعُ إلى أمرين:
الأمر الأوَّل: إنه يندرج في هذا الصدد على سعته كلُّ الأدعية الواردة والزيارات المنقولة، والنوافل في الصلوات والصيام والحجِّ، وغيرُ ذلك كثير.
إلا أنَّ مثل هذا المستوى ينبغي أن نختصر فيه الكلام في كتابنا هذا، وايكال التوسُّع فيه إلى المصادر الخاصَّة به.
الأمر الثاني: إنَّ بعض تلك المستويات الستة من المستحبات التي عددناها قبل قليل، قد يشعر البعض بأنَّ بعضها من الواجبات وليست من المستحبات.
أقول: وهذا لا يعني حذفها عن حديثنا هنا، باعتبار أننا ذكرنا عنوان المستحبات وهي ليست منها. فإنَّ هذا يمكن دفعه بأحد أسلوبين:
الأسلوب الأوَّل: انَّ هذه الأمور مما يكون أحياناً واجباً وأحياناً مستحباً، باختلاف مستوياتها واختلاف الأفراد المخاطبين أو المأمورين بها. فمن هنا ناسب ذكرها في هذا الكتاب.
الأسلوب الثاني: اننا قصدنا من المستحبات ما كان غير داخلٍ في الواجبات والمحرمات العامة الفقهية، كوجوب الصلاة والصوم وحرمة السرقة والزنا، فإن كان الصبر واجباً أحياناً، فهذا لا يعني اندراجه في الواجبات العامة بذلك المعنى، فيكون من المناسب ذكره في هذا الكتاب أيضاً.
ويبدو أننا سوف نختصر الكلام هنا عن أدلَّة المستحبات والمكروهات في الكتاب والسنة والإجماع والعقل، بل نشير إليها أو إلى الأهمِّ منها أحياناً. وإنما علينا الآن بالنتائج التي يتمخَّض عنها ذلك البحث، وهي التي سنذكرها مفصَّلاً في هذا الكتاب.
وحيث أنَّ المستحبات أو السلوك الأفضل، شاملٌ لكلِّ مرافق الحياة وحقولها. إذن، فالأفضل لعناوين هذا الكتاب هو عناوين الفقه نفسه، مثل: كتاب الطهارة وكتاب الصلاة وكتاب التجارة وغير ذلك، لأننا بذلك نكون قد استوعبنا الفقه كلَّه من ناحية, واستوعبنا النشاط الفرديَّ والإجتماعيَّ كلَّه من ناحيةٍ أخرى.

محمد الصدر/1413 هـ

فهرس الكتاب ||  التالي

السيرة الذاتية || الصور || المؤلفات || ما كتب حوله