ومن السنّة
2 ـ ومن السنّة
الأحاديث الدالّة على أن كلّما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة مبينة في الشريعة
المقدسة حتّى أرش الخدش، وقد عقد لها في الكافي باباً مستقلاً أورد فيه عشر روايات
وإليك شطر منها.
الأوّل: ما رواه مرازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أنّ الله تبارك وتعالى
أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتّى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد،
حتّى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا، أنزل في القرآن، إلاّ وقد أنزله الله فيه[1].
الثّاني: ما رواه عمر بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: أن الله
تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله
(صلى الله عليه وآله) (الحديث) [2].
الثّالث: ما رواه حمّاد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول: ما من شيء
إلاّ وفيه كتاب أو سنّة[3].
الرّابع: ما رواه المعلّى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : ما من أمر
يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله عز وجل ولكن لا تبلغه عقول الرجال[4].
الخامس: ما رواه سماعة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت له، أكل شيء في
كتاب الله وسنّة نبيه (صلى الله عليه وآله) أو تقولون فيه؟ قال: بل كلّ شيء في كتاب
الله وسنّة نبيه (صلى الله عليه وآله) [5].
السّادس: وأوضح من ذلك كلّه ما ورد في نهج البلاغة في ذم اختلاف العلماء في الفتيا،
وذم أهل الرأي والقياس، والقائلين بخلو بعض الوقائع عن الحكم وإيكال حكمها إليهم،
ما نصّه:
«ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترد تلك القضية
بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي
استقضاهم فيصوب آرائهم جميعاً ـ والههم واحد! ونبيهم واحد! وكتابهم واحد! فأمرهم
الله سبحانه بالاختلاف، فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه، فعصوه؟ أم أنزل الله ديناً ناقصاً
فاستعان بهم على إتمامه أم كانوا شركاء له، فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى، أم أنزل
الله ديناً تامّاً فقصّر الرسول (صلى الله عليه وآله) عن تبليغه وأدائه، والله
سبحانه يقول: ما فرّطنا في الكتاب من شيء وفيه تبيان لكلّ شيء» [6].
ودلالة الجميع على المطلوب واضحة.
3 ـ وهناك طائفة أخرى من الأخبار تدلّ على أن جميع ما ذكره الأئمّة (عليهم السلام)
رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يقولوا بآراءهم شيئاً، بل كان جميع
ذلك في سنّة رسوله (صلى الله عليه وآله) وهذه الطائفة كثيرة جدّاً.
رويت في الكتاب القيّم جامع أحاديث الشيعة بإسنادها، في الباب الذي عقد لبيان حجية
فتوى الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) (لأجل الاحتجاج على المخالفين بأنهم إن
أنكروا إمامتهم المنصوصة فلا أقل من أن الواجب عليهم قبول قولهم بما هم يروون جميع
علومهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)) وهذه الأحاديث كثيرة نذكر شطراً منها
يكون وافياً بالمقصود.
الأوّل: ما رواه جابر قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إذا حدثتني بحديث فأسنده
لي، فقال:
حدّثني أبي عن جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله عز وجل،
وكلّما أحدثك بهذا الإسناد» [7].
الثّاني: ما رواه حفص بن البختري قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : نسمع
الحديث منك فلا أرى منك سماعه أو من أبيك، فقال: ما سمعته مني فاروه عن أبي، وما
سمعته مني فاروه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) [8].
الثّالث: ما رواه في البصائر عن عنبسة قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن
مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل إن كان كذا وكذا ما كان القول فيها؟ فقال له: مهمّا
أجبت فيه بشيء فهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسنا نقول برأينا في شيء[9].
الرّابع: ما رواه في الكافي عن قتيبة، قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن
مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها؟ فقال
له، مه؟ ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لسنا من
«أرأيت» بشيء![10].
الخامس: ما رواه في البصائر عن فضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لو
حدثنا برأينا ضللنا كما ضلّ من كان قبلنا، ولكنّا حدثنا ببينة من ربنا بيّنها
لنبيه، فبينها لنا[11].
إلى غير ذلك ممّا في هذا المعنى وهذه أيضاً تدلّ بأفصح بيان على أن الأئمّة
المعصومين لم يشرعوا حكماً من الأحكام، وكلّما قالوه فهي تشريعات إلهية عن رسول
الله (صلى الله عليه وآله)، فإذا كان حالهم كذلك فكيف بغيرهم من الفقهاء الأعلام.
كما تدلّ هذه أيضاً على عدم وجود «الفراغ» في الأحكام الإسلامية، ولا مجال فيها
إلاّ كشفها عن منابعها أو الرجوع فيها إلى الأصول المقررة للشاك، التي طفحت بها
الكتب الأصولية ولا تزال تكون مرجعاً للعلماء والفقهاء.
4 ـ وقد عثرنا أيضاً على طائفة ثالثة تدلّ على أن جميع الأحكام الشرعية كانت مكتوبة
في كتاب علي (عليه السلام) حتّى أرش الخدش.
وعبّر عنه تارة بالجامعة، وأخرى بالجفر، وثالثة بمصحف فاطمة، ورابعة بكتاب علي
(عليه السلام) والنتيجة واحدة وظاهر الجميع أنه كان هناك كتاب جامع للأحكام
الإسلامية محفوظ عندهم وإليك شطر منها:
الأوّل: ما رواه في البصائر عن عبد الله بن ميمون عن جعفر عن أبيه (عليه السلام)
قال: في كتاب علي (عليه السلام) كلّ شيء يحتاج إليه حتّى الخدش والأرش والهرش[12].
الثّاني: ما رواه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول، وذكر
ابن شبرمة في فتياه، فقال: أين هو من الجامعة، أملى رسول الله (صلى الله عليه وآله)
وخط علي (عليه السلام) بيده فيها جميع ـ الحلال والحرام حتّى أرش الخدش فيه[13].
الثّالث: ما رواه عن جعفر بن بشر عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما ترك
علي (عليه السلام) شيئاً إلاّ كتبه، حتّى أرش الخدش[14].
الرّابع: ما رواه في الكافي عن الصيرفي قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
إن عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس، وإن الناس ليحتاجون إلينا، وإن عندنا كتاباً
إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط علي (عليه السلام)، صحيفة، فيها كلّ حلال
وحرام[15].
الخامس: ما رواه علي بن سعيد عن الصادق (عليه السلام) في تفسير الجفر، وفيه أنه
كتاب فيه كلّ ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة من حلال وحرام، بإملاء رسول الله
(صلى الله عليه وآله) وخط علي (عليه السلام) [16].
إلى غير ذلك ممّا ورد في هذا المعنى، وفي تفسير «الجامعة» و «الجفر» وغيره ولعلّها
تبلغ حدّ التواتر، وجميعها شاهدة على أن أحكام الإسلام تامّة كاملة جامعة لا يبقى
معها تشريع آخر، وأن الأئمّة (عليهم السلام) لا يقولون شيئاً فيها برأيهم، وتشريع
منهم، فلا يبقى محلّ لهذا السؤال: هل يكون للفقيه ولاية على التشريع أم لا؟ وكيف
يمكن أن تكون ولاية الفقيه أوسع من ولاية الأئمّة (عليهم السلام) مع أن ولاية
الفقهاء فرع من فروع تلك الولاية الجامعة الإلهية.
إن قلت: فهل الألفاظ التي ذكرها الأئمّة (عليهم السلام) عين ألفاظ رسول الله (صلى
الله عليه وآله) ؟
قلت: الظاهر عدمه، فإنه من البعيد بعد جواز النقل بالمعنى الاقتصار عليها، بل
الظاهر من غير واحد من الأخبار أنهم (عليهم السلام) كانوا يطبقون الكبريات على
الصغريات، ويردون الأصول إلى الفروع، مع صحّة الإسناد إليه (صلى الله عليه وآله)
مثلاً إذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» على
نحو مطلق، ثمّ سئل الإمام (عليه السلام) عن أضرار الزوج بالزوجة أو بالعكس أو
بالولد، فقال: «إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى ذلك» كان إسنادا صحيحاً
قطعاً وكذلك بالنسبة إلى غيره من الأصول والقواعد وتوضيحها أكثر من ذلك، ويطلب في
مظانّه.
5 ـ ويدلّ على ما ذكرنا أيضاً بوضوح ما أجمعت الأصحاب عليه، من بطلان التصويب لما
فيه من خلو الواقعة عن الحكم المشترك بين العالم والجاهل، وقد نطقت الآثار الواردة
من أهل البيت (عليهم السلام) «بأن لله في كلّ واقعة حكماً يشترك فيه العالم
والجاهل».
توضيح ذلك: أن أصحابنا (رضوان الله عليهم) أجمعوا على أن المجتهد إن أصاب الحكم
الواقعي فهو مصيب، وإن لم يصبه فقد أخطأ وهو معذور، فإذا اختلفت الأقوال كان الصحيح
من بينها قول واحد وهو ما وافق حكم الله الواقعي، والباقي خطأ، خلافاً لأهل الخلاف
حيث قالوا بإصابة الجميع للواقع إذا كان ذلك فيما لا نصّ فيه وكان حكم كلّ واحد
منهم على وفق اجتهاده (أي الاجتهاد بالمعنى الخاصّ) نظراً إلى اعتقادهم بإمكان خلو
الواقعة في هذه الموارد من الحكم.
وهذا يعني أن الفراغ التشريعي غير موجود في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أبداً،
وأن أحكام الشرع وقوانينه كفيلة بجميع الأمور التي هي محلّ حاجة الإنسان في حياته،
لا يشذ منها شاذ.
6 ـ الإمام (عليه السلام) حافظ للشرع، وقد صرّح علماء الكلام بذلك عند قولهم بوجوب
نصب الإمام (عليه السلام) ولزوم النصّ عليه عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه
لولاه لاندرست آثار النبوة، واستدلّوا أيضاً بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
لما اشتغل في برهة طويلة عن نبوته بالغزوات، ولم تساعده الظروف على إبلاغ جميع
أحكام الإسلام مع ثبوتها يبقى إبلاغها على عاتق وارث علومه، ولم يستدلّ أحد بأن
الأحكام كانت ناقصة فوجب على الإمام (عليه السلام) تكميلها، هذا هو المعروف المسلّم
بين الأصحاب، كما ورد في نهج البلاغة عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) :
«اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، أمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً
مغموراً، لئلاّ تبطل حجج الله وبيناته،... يحفظ الله بهم حججه وبيناته، حتّى
يودعوها نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم» [17].
7 ـ ما دلّ على أن دين الله لا يصاب بالعقول، من طريق العقل والنقل، أمّا الأوّل ما
استدلّ به كثير من العلماء على أن رداء التقنين لا يليق إلاّ بالله، لأنه العالم
بحاجات الناس، معنوية ومادية، لأنه هو خالقهم، وهو العالم بسرائرهم، وما كان من
أمورهم وما يكون، ولا يعلم ذلك غيره فلا يليق التشريع إلاّ به، بل لا يقدر عليه
غيره، ولذا لا تزال القوانين البشرية تتغير يوماً بعد يوم، لعدم نيلها بما هو
الصالح والأصلح، فهم يخبطون خبط عشواء، يسلكون طريقاً مظلماً، ويلجون بحراً عميقاً،
من دون أن يكونوا أهلاً لذلك، بل هذا من أهم الدلائل على وجوب إرسال الرسل وإنزال
الكتب.
بل لو قلنا بجواز الحكم بالآراء وتشريع الشرائع بعقول الرجال استغنينا عن الكتب
السماوية والشرائع الإلهية: ولم نحتج إليها، ولم يقل بهذا أحد، بل لا يتفوه به
فاضل، فضلاً عن فقيه عالم، ومن جميع ذلك يعلم أنه لا معنى لتفويض أمر التشريع إلى
الفقيه، بل وظيفته بما هو فقيه إجراء أحكام الشرع، والتوسل إلى أسباب مشروعة للحصول
عليها، ولا دليل على أزيد من ذلك قطعاً.
نستخلص ممّا ذكرنا أموراً مهمّة:
1 ـ لا معنى للتشريع وجعل القانون فيما ورد فيه نصّ في الشريعة الإسلامية، بل لم
يقل به أحد.
2 ـ التشريع فيما لا نصّ فيه مختص بالعامّة، وأمّا أصحابنا الإمامية فهم معتقدون
بعدم وجود الفراغ في التشريع، حتّى يتصدى له الفقيه أو غيره، بل جميع ما تحتاج إليه
الأمة إلى يوم القيامة مبيّنة في الأحكام الجزئية أو القواعد الكلّية، والأصول
الواردة في الكتاب والسنّة، ووظيفة الفقيه استنباطها من أدلتها، وعند عدم وصوله إلى
الأحكام الواقعية يعمل بالأحكام الظاهرية المقرّرة للجاهل، ولولا ذلك كانت الشريعة
ناقصة ومحتاجة في تكميلها إلى عقول الرجال، معاذ الله عن ذلك.
3 ـ تقنين القوانين وتشريع الأحكام لا يليق إلاّ بالله، فإنه العالم بالمصالح
والمفاسد وما يحتاج إليه خلقه في الحال والمستقبل دون غيره ممّن لا احاطة له بمصالح
الأمور ومفاسدها، نعم التقنين بمعنى تطبيق الأحكام على مصاديقها ممّا لا إشكال فيه.
4 ـ الإمام المعصوم (عليه السلام) لا يشرّع شيئاً من الأحكام لعدم خلو واقعة بعد
رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الحكم، فهو حافظ للشريعة ومنفذ لها، وكون الفقيه
كذلك معلوم بالأولوية القطعية.
هذا ما هو المستفاد من الأدلّة السابقة النقلية والعقلية.
ويبقى هنا سؤال عن أخبار التفويض ونعقد له عنواناً مستقلاً ونقول:
حل معضلة أخبار التفويض:
وهناك روايات كثيرة فيها «الصحاح» و «الضعاف» تدلّ على أن الله فوّض الأمر إلى نبيه
(صلى الله عليه وآله) وإلى الأوصياء من بعده، فيقع السؤال أنه ما المراد بهذا
التفويض؟ أليس المراد منه التفويض في التشريع؟
وقبل الورود فيها لابدّ من بيان معاني «التفويض» من غير تعرض لحكمها تفصيلاً الأبعد
ذكر هذه الأخبار، كي يكون الباحث على بصيرة منها، مع حفظ الحرية في البحث، فنقول
ومنه جلّ ثنائه التوفيق والهداية.
التفويض له معان كثيرة (مع غضّ النظر عن حكمها):
أحدها: تفويض أمر الخلق إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أو الأوصياء من بعده بأن
يقال: أن الله خلقهم ثمّ فوّض أمر خلق العالم وتدبيره إليهم.
ثانيها: التفويض الجزئي في أمر الخلق بأن يقال: أن الله أقدرهم على خلق بعض الأمور
من المعجزات وشبهها من دون تفويض الكلّ إليهم.
ثالثها: تفويض أمر التشريع إليهم على نحو كلّي، بأن يكون النبي (صلى الله عليه
وآله) وأوصيائه قادرين على جعل أي حكم، وعلى تغيير الأحكام التي أنزلهما في كتابه
ونسخها وتبديلها وتغييرها بما شاؤوا وأرادوا.
رابعها: التشريع الجزئي بأن يقال: لم يفوض إليه (صلى الله عليه وآله) التشريع
الكلّي بل في موارد معدودة، بأن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد شرّع أحكاماً
خاصّة في بعض الموارد قبل ورود نصّ فيها، وأمضاها الله تعالى.
خامسها: تفويض أمر الخلق إليهم من جهة الحكومة والتدبير والسياسة وتربية النفوس
وحفظ النظام.
سادسها: تفويض أمر العطاء والمنع إليهم، في المواهب المالية ممّا يرجع إلى بيت
المال، وغيره، كما ورد في قضية سليمان (عليه السلام) (هذا عطائنا فامنن أو أمسك
بغير حساب) [18] وقد ذكره الله تعالى بعدما ذكر ما أعطاه من النعم في أمر الحكومة
على الناس.
سابعها: تفويض بيان الحقائق وأسرار الأحكام وما أشبهها من العلوم إليهم فيقولون ما
شاءوا (واقتضته الحكمة) ويمسكون عمّا شاءوا في الظروف الخاصّة وبالنسبة إلى الأشخاص
المتفاوتة.
إذا عرفت هذا، فلنعد إلى سرد الأخبار التي ذكرها في الكافي في باب التفويض ونختار
في ترتيب ذكرها، غير ما ذكره الكليني، لأمور تعرفها:
1 ـ ما رواه زيد الشّحام (مجهول بصندل الخياط فقط ذكر في الرجل من غير مدح ولا ذم،
مضافاً إلى أنه مرسل).
عن علي بن محمّد عن بعض أصحابنا، عن الحسين بن عبد الرحمن، عن صندل الخياط، عن زيد
الشحّام قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: (هذا عطاؤنا فامنن أو
أمسك بغير حساب) قال:
عطى سليمان ملكاً عظيماً ثمّ جرت هذه الآية في رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان
له أن يعطي ما شاء من شاء ويمنع من شاء، وأعطاه ]الله[ أفضل ممّا أعطى سليمان
لقوله: (ما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [19].
وهذه الرواية تدلّ على التفويض بالمعنى السادس، ويحتمل ذيلها أكثر من ذلك لكنّه غير
واضح.
2 ـ ما رواه موسى بن أشيم (وهو أيضاً ضعف ببكار بن بكير وفي جامع الرواة بكار بن
أبي بكر ولم ينص عليه في كتب الرجال بمدح أو ذم).
عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن بكار بن بكر، عن
موسى بن اشيم قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسأله رجل عن آية من كتاب
الله عز وجل فأخبره بها ثمّ دخل عليه داخلٌ فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما
أخبر ]به[ الأول فدخلني من ذلك ما شاء الله حتّى كأن قلبي يشرح بالسكاكين فقلت في
نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطأ في الواو وشبهه وجئت إلى هذا يخطىء هذا الخطأ
كلّه، فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني
وأخبر صاحبي، فسكنت نفسي، فعلمت أن ذلك منه تقيّة، قال: ثمَّ التفت إليَّ فقال لي:
يا ابن أشيم إنّ الله عز وجل فوّض إلى سليمان بن داود فقال: (هذا عطاؤنا فامنن أو
أمسك بغير حساب) وفوّض إلى نبيّه (صلى الله عليه وآله) فقال: (ما آتاكم الرسول
فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فما فوّض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد
فوّضه إلينا[20].
وهذه الرواية ظاهرة في التفويض بالمعنى السابع من معاني التفويض ولا دخل له بتفويض
التشريع وشبهه بل يظهر منها أن المراد من آية ما آتاكم... أيضاً ذلك فتأمّل.
3 ـ ما رواه زرارة (وهي رواية معتبرة).
عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد، عن الحجال عن ثعلبة، عن زرارة قال: سمعت أبا
جعفر وأبا عبد الله (عليه السلام) يقولان: إن الله عز وجل فوّض إلى نبيه (صلى الله
عليه وآله) أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم؟ ثمّ تلا هذه الآية: (ما آتاكم الرسول فخذوه
وما نهاكم عنه فانتهوا) [21].
وهذه الرواية تبدو مجملة ولكن لا يبعد دلالتها على المعنى الخامس وهو تفويض أمر
الحكومة والرياسة العامّة لقوله «فوّض إليه أمر خلقه» لظهوره في سياسة الخلق وحفظ
نظام معاشهم ومعادهم، والمراد من الإطاعة، الإطاعة في الأوامر الولائية والأحكام
الجزئية الصادرة من وليّ الأمر، فيظهر منه أن الولاية أيضاً تشير إلى هذا المعنى.
4 ـ ما رواه زرارة أيضاً، أنه سمع أبا جعفر وأبا عبد الله (عليهما السلام) يقولان:
إن الله تبارك وتعالى فوّض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله) أمر خلقه لينظر كيف
طاعتهم؟ ثمّ تلا هذه الآية (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [22].
5 ـ ما رواه محمّد بن حسن الميثمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول
أنّ الله عز وجل أدّب رسوله حتّى قوّمه على ما أراد، ثمّ فوّض إليه فقال عزّ ذكره:
(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فما فوّض الله إلى رسوله (صلى الله
عليه وآله) فقد فوّضه إلينا[23].
والرواية مجملة من حيث المراد من التفويض، ولا قرينة فيها بل ولا إطلاق أيضاً كما
لا يخفى.
6 ـ ما رواه أبو إسحاق النحوي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فسمعته
يقول: أن الله عز وجل أدب نبيه على محبته فقال: (وأنك لعلى خلق عظيم) ثمّ فوّض إليه
فقال عز وجل: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقال عز وجل: (من يطع
الرسول فقد أطاع الله) قال: ثمّ قال وإن نبي الله فوّض إلى علي، وائتمنه فسلمتم،
وجحد الناس، فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وأن تصمتوا إذا صمتنا (الحديث)
[24].
والرواية مجهولة بأحمد بن زاهر، وقد قيل في حقّه: ليس حديثه بذلك النقي، ولم ينص
على توثيقه ولم ينقل عنه غير هذا الحديث.
ثمّ أنه لا يخلو الحديث عن إجمال أيضاً، وإن كان المناسب له المعنى الخامس من معاني
التفويض، أعني تفويض أمر الحكومة والسياسة، لأنه المناسب للخلق العظيم الذي جعل
مقدّمة لتفويض الأمر إليه (صلى الله عليه وآله) فصاحب هذا الخلق العظيم هو الذي
يقدر على الولاية والحكومة وسياسة العباد دون غيره.
7 ـ ما رواه محمّد بن سنان عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
قال أبو عبد الله (عليه السلام) : لا والله ما فوّض الله إلى أحد من خلقه إلاّ إلى
رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى الأئمّة، قال: قال عز وجل: (إنا أنزلنا إليك
الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أريك الله) وهي جارية في الأوصياء (عليهم
السلام) [25] (وسند الحديث محل للكلام بين الأعلام لاختلافهم في أمر محمّد بن
سنان).
والظاهر أن المراد منه التفويض في أمر القضاء لقوله (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ
لتحكم بين الناس بما أراك الله).
ومن المعلوم أن الظاهر من الحكم بين الناس هو القضاء كما يظهر بملاحظة موارد
استعماله، وأمّا قوله بما أراك الله فقد ذكر المجلسي (قدس سره) في مرآة العقول في
شرح هذا الكلام ما نصّه:
«ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به، بما عرفك الله وأوحى إليك، ومنهم من زعم أنه
يدلّ على جواز الاجتهاد عليه (صلى الله عليه وآله) ولا يخفى وهنه» [26] ووجه وهنه
أنه لا يبقى معه ربط بين صدر الآية وذيلها، فيكون مفهومها حينئذ «إنا أنزلنا إليك
الكتاب بالحقّ لتقضي بين الناس باجتهادك» وضعفه ظاهر، بخلاف ما إذا قلنا أن المعنى
«إنا أنزلنا إليك الكتاب لتقضي بين الناس بما أراك في كتابه من الأحكام من طريق
الوحي وتطبيقه على مصاديقه».
وأمّا الحصر الذي يستفاد من الآية في المعصومين ـ مع أن القضاء عامّ ـ فهو كالحصر
الذي ورد في بعض أخبار القضاء من قوله (عليه السلام) لشريح «قد جلست مجلساً لا
يجلسه إلاّ نبي أو وصي نبي أو شقي» [27] وما وردفي رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد
الله (عليه السلام) «أن الحكومة إنّما هي للإمام، العالم بالقضاء، العادل في
المسلمين، كنبي أو وصي نبي» [28] ولا مانع منه لأن تولي الفقيه للقضاء إنّما هو
بإذن الإمام المعصوم (عليه السلام)، ولا يستحق هذا المقام مستقلاً، بل هو نائب من
قِبلهِ.
فإلى هنا لم تكن رواية تدلّ على التفويض في التشريع، نعم في الروايات الثّلاث
الآتية ورد حكم التفويض فيه وإليك نصّها:
8 ـ ما رواه فضيل بن يسار (بسند صحيح) قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول
لبعض أصحاب القيس الماصر: أن الله عز وجل أدّب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب
قال (إنك لعلى خلق عظيم) ثمّ فوّض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل:
(ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، وإن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح القدس، ليزل ولا يخطئ في شيء ممّا يسوس به
الخلق، فتأدب بآداب الله ثمّ أن الله عز وجل فرض الصلاة ركعتين، عشر ركعات فأضاف
رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الركعتين، ركعتين... ثمّ سنّ رسول الله (صلى
الله عليه وآله) النوافل أربعاً وثلاثين ركعة... وسنّ رسول الله (صلى الله عليه
وآله) صوم شعبان وثلاثة أيّام في كلّ شهر... وحرّم الله عز وجل الخمر بعينها وحرّم
رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسكر من كلّ شراب... وعاف رسول الله (صلى الله
عليه وآله) أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام إنّما نهى عنها نهي اعافة وكراهة...
الحديث[29].
وهذا الحديث يدلّ على التفويض بالمعنى الرابع أي التفويض في التشريع الجزئي لرسول
الله (صلى الله عليه وآله) وقد ذكر فيه خمس أمور:
1 ـ فرض الركعتين الأخيرتين في الصلاة.
2 ـ سنة النوافل.
3 ـ سنة صوم شعبان وشبهه.
4 ـ تحريم كلّ مسكر مضافاً إلى الخمر التي حرّمها الله.
5 ـ أعافة بعض الأمور، أي جعلها مكروهاً من قبله (صلى الله عليه وآله).
ولكن فيه «أمور» ينبغي التأمّل فيها:
الأوّل: لا يستفاد منه إلاّ كون ذلك له (صلى الله عليه وآله) وأمّا غيره من
الأوصياء المرضيين (عليهم السلام) فلا دلالة فيه على تفويض ذلك إليهم، فضلاً عن
غيرهم، ولعلّه من خصائصه (صلى الله عليه وآله) ولذا لم ينقل من أحد من الأئمّة
المعصومين (عليهم السلام) تشريع حكم كلّي أبداً، نعم قد ورد في بعض كلماتهم أحكاماً
جزئية اضطرارية مؤقتة كما في جعل خمس آخر، في رواية إسماعيل بن مهزيار، وهو غير ما
نحن بصدده، ولعلّ الفرق بين النبي (صلى الله عليه وآله) والوصي (عليه السلام) في
ذلك هو إتمام الدين وإكماله بعده.
الثّاني: قد صرّح فيه بأن هذا المقام ثبت له بعد إن كان مسدداً موفقاً مؤيداً بروح
القدس ليزل ولا يخطى في شيء ممّا يسوس به الخلق.
ومن الواضح أن هذا المعنى غير ثابت في حقّ الفقهاء أيدهم الله، فليس لهم إلى هذا
المقام سبيل، وإن ثبت في شأنه (صلى الله عليه وآله) بل ولو قلنا به في حقّ الأئمّة
المعصومين (عليهم السلام) أيضاً (فرضاً).
الثّالث: يظهر منه إن هذا التشريع النبوي إنّما تمّ واعتبر بعدما أجازه الله
سبحانه، ولذا صرّح فيه بالإجازة من الله سبحانه «أربع مرّات»، وهذا لا يتصور في حقّ
الفقهاء ولا طريق إلى إثباته، وإن أمكن تصوره في حقّ المعصومين (عليهم السلام) من
طريق الإلهام.
الرّابع: قد ورد التصريح في آخره بأنه ليس لأحد أن يرخّص ما لم يرّخصه رسول الله
(صلى الله عليه وآله) وهذا ينفي إمكان التشريع في حقّ غيره، والترخص فيما لم يرخصه
(صلى الله عليه وآله).
الخامس:كلّ ذلك في ما لم يردّ فيه نصّ، (كما يظهر من الأمثلة الواردة في الحديث).
وأمّا ما ورد فيه نصّ إلهي فلا يكون له (صلى الله عليه وآله) تشريع خاصّ فيه، يخالف
تشريعه تعالى، كما هو واضح.
فهذا النوع من التشريع المحدود، إنّما يتصور قبل نزول الشريعة بكمالها وتمامها،
وأمّا بعد ذلك، أي بعد كمال الدين وإتمام النعمة وبيان ما تحتاج إليه الأمة إلى يوم
القيامة، فلا يبقى مجال ولو للتشريع الجزئي المحدود.
«بقى هنا شيء» وهو أن قوله «فكثير المسكر من الأشربة» يمكن أن يكون إشارة إلى عدد
كثير من أفراد المسكر، سوى الخمر التي حرمها النبي (صلى الله عليه وآله) كما ذكره
في مرآة العقول، وأمّا احتمال كونه إشارة إلى أن القليل من المسكر ليس بحرام كما
ذكره بعض بعيد جدّاً ويخالفه سائر الأدلّة الواردة في المسألة.
9 ـ ما رواه إسحاق بن عمّار في حديث مختلف فيه من حيث السند (لوجود محمّد ابن سنان
في سلسلة السند) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى أدب نبيه
(صلى الله عليه وآله) فلمّا انتهى به إلى ما أراد، قال له: (إنك لعلى خلق عظيم)
ففوض إليه دينه فقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وإن الله عز
وجل فرض الفرائض ولم يقسم للجد شيئاً وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أطعمه
السدس فأجاز الله جلّ ذكره له ذلك، وذلك قول الله عز وجل: (هذا عطاؤنا فأمنن أو
أمسك بغير حساب) [30].
وقد صرّح فيها بأن طعمه السدس للجد ممّا سنّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)
وأجازه الله تعالى وأن هذا من قبيل (هذا عطاءنا فأمنن أو أمسك بغير حساب) (في عالم
التشريع، وإن كان أمر سليمان في عالم التكوين).
وطعمة الجد إنّما هو في فرض كون الأب والأم وارثين، فيستحب حينئذ إطعام الجدّ سدس
المال وليس بواجب كما هو معلوم، وقد ذكر الفقهاء له شرائط من أراد الوقوف عليها
فليراجع كتاب الفرائض، سهام الإرث، باب سهم الأب والأم[31].
وقد يقال أصل هذا الحكم مذكور في التشريع الإلهي وهو قوله تعالى (وإذا حضر القسمة
أولي القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً) [32].
ولكن لو سلّمنا ذلك فلا أقل من أن تحديد مقداره من تشريعه (صلى الله عليه وآله)
والأمر سهل.
10 ـ ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وضع رسول الله (صلى الله عليه
وآله) دية العين ودية النفس وحرّم النبيذ وكلّ مسكر، فقال له رجل: وضع رسول الله
(صلى الله عليه وآله) من غير أن يكون جاء فيه شيء؟ قال: نعم ليعلم من يطع الرسول
ممّن يعصيه[33].
(وهو ضعيف بعلي بن محمّد، فقد قيل في حقّه أنه مضطرب الحديث والمذهب).
ويظهر من هذا الحديث أيضاً أمور:
أحدها: أن وضعه (صلى الله عليه وآله) وتشريعه للأحكام كان أمراً بديعاً حتّى تعجب
منه بعض الحاضرين، فلو كان أمراً شايعاً لما تعجب منه.
ثانيها: أن حكمة هذا التشريع النبوي هو امتحان الأمة ليميز المطيع عن العاصي، وقد
ورد هذا المعنى في بعض الروايات الأخر ممّا ورد في الباب أيضاً، ويدلّ هذا على أن
تشريعه (صلى الله عليه وآله) لم يكن جارياً في جميع الأحكام، بل في بعضها لأمر خاصّ
أشير إليه هنا، وإلاّ لم يكن وجه لعد موارد خاصّة محدودة.
ويمكن أن تكون حكمة الحكم مضافاً إلى ما ذكر، بيان مقامه السامي، ومنزلته الرفيعة
عند الله عز وجل، كما أشار إليه البعض.
ثالثها: أنه قد ورد في الحديث أن عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن، أجراها الله
في الإسلام (ثمّ ذكر تحريم نساء الآباء على الأبناء، ومسألة الخُمس في الكنز،
وسقاية الحاج، ونزول الآيات القرآنية فيها، ثمّ قال: وسن في القتل مائة إبل فأجرى
الله ذلك في الإسلام[34].
وهذا التعبير دليل على أن الله أجاز ذلك بعدما سنّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)
فيوافق ما مرّ في الروايات الأخر وما أشير إليه في بصائر الدرجات.
هذا وقد أورد شيخ القميين محمّد بن الحسن الصفار (المتوفى سنة 290) في كتابه «بصائر
الدرجات» في باب التفويض تحت عنوان «أنما فوّض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)
فقد فوّض إلى الأئمّة (عليهم السلام)» ثلاثة عشر حديثاً أكثرها يوافق ما في الكافي،
وبعضها مكرر بعبارات مختلفة، وبعضها لا دخل له بما نحن بصدده وممّا تفرد به:
ما رواه عن رقيد مولى ابن هبيرة قال قال: أبو عبد الله (عليه السلام) «إذا رأيت
القائم أعطى رجلاً مائة ألف، وأعطى آخر درهماً، فلا يكبر في صدرك، وفي رواية أخرى
فلا يكبر ذلك في صدرك، فإن الأمر مفوّض إليه» [35] وهذا صريح في التفويض، في مسألة
الإعطاء والمنع.
وقد عقد باباً آخر في التفويض إلى رسول الله أورد فيه تسعة عشر حديثاً متحدة
المضمون غالباً مع ما مرّ عليك من أحاديث الكافي وفيها بعض الإضافات.
منها: ما رواه عبد الله بن سنان عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن
الله تبارك وتعالى أدّب محمّداً (صلى الله عليه وآله) فلمّا تأدب فوّض إليه فقال
تبارك وتعالى (ما آتيكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فقال من يطع الرسول
فقد أطاع الله، فكان فيما فرض في القرآن، فرائض الصلب وفرض رسول الله (صلى الله
عليه وآله) فرائض الجدّ، فأجاز الله ذلك، الحديث[36] (ولكنه مرسل).
ومنها: ما رواه عبد الله بن سليمان عن أبي جعفر (عليه السلام) قال أن الله أدّب
محمّداً (صلى الله عليه وآله) تأديباً ففوّض إليه الأمر وقال (وما آتاكم الرسول
فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وكان ممّا أمره الله في كتابه فرائض الصلب وفرض رسول
الله (صلى الله عليه وآله) للجدّ، فأجاز الله ذلك له[37] (وهو أيضاً مرسل).
________________________
[1] الأصول من الكافي: ج1 ص59 ح1.
[2] الأصول من الكافي: ج1 ص59 ح2.
[3] الأصول من الكافي: ج1 ص59 ح4.
[4] الأصول من الكافي: ج1 ص60 ح6.
[5] الأصول من الكافي: ج1 ص62 ح10.
[6] نهج البلاغة: الخطبة 18.
[7] جامع أحاديث الشيعة: ج1 ب4 من أبواب المقدّمات ح3.
[8] جامع أحاديث الشيعة: ج1 ب4 من أبواب المقدّمات ح4.
[9] بصائر الدرجات.
[10] الأصول من الكافي: ج1 ص58 ح21.
[11] جامع أحاديث الشيعة. : ج1 ب4 من أبواب المقدّمات ح9.
[12] جامع أحاديث الشيعة. : ج1 ب4 من أبواب المقدّمات ح23.
[13] جامع أحاديث الشيعة: ج1 ب4 من أبواب المقدّمات ح25.
[14] جامع أحاديث الشيعة: ج1 ب4 من أبواب المقدّمات ح26.
[15] الأصول من الكافي: ج1 ص241.
[16] جامع أحاديث الشيعة. : ج1 ب4 من أبواب المقدّمات ح41.
[17] نهج البلاغة: قصار الحكم، رقم 147.
[18] سورة ص: 39.
[19] الأصول من الكافي: ج1 باب التفويض ص268 ح10.
[20] الأصول من الكافي: ج1 باب التفويض ص265 ح2.
[21] الأصول من الكافي: ج1 باب التفويض ص266 ح3.
[22] الأصول من الكافي: ج1 باب التفويض ص267 ح5.
[23] الأصول من الكافي: ج1 باب التفويض ص268 ح9.
[24] الأصول من الكافي: ج1 باب التفويض ص265 ح1.
[25] الأصول من الكافي: ج1 باب التفويض ص268 ح8.
[26] مرآة العقول: ج1 ص154.
[27] الوسائل: ج18 ب3 من أبواب صفات القاضي ح2.
[28] الوسائل: ج18 بمن أبواب صفات القاضي ح3.
[29] الأصول من الكافي: ج1 باب التفويض ح4 ص266 من طبعة دار التعارف.
[30] الأصول من الكافي: ج1 باب التفويض ح6.
[31] أورده صاحب الجواهر (قدس سره) في ج9 ص143.
[32] النساء: 8.
[33] الأصول من الكافي: ج1 باب التفويض ح7.
[34] الوسائل: ج19 ب1 من أبواب ديات النفس ح14.
[35] بصائر الدرجات: ب5 من الجزء الثامن، باب التفويض ح10.
[36] بصائر الدرجات: ب4 من الجزء الثامن، باب التفويض إلى رسول الله (صلى الله عليه
وآله) ح16 ص382.
[37] بصائر الدرجات: ب4 من الجزء الثامن، باب التفويض إلى رسول الله (صلى الله عليه
وآله) ح11 ص380.