الباب السابع: في الإشكالات الواردة وفيه تمهيد وسبعة فصول
ـ الفصل الأول: هل يمكن أن يكون الولي غير معصوم.
ـ الفصل الثاني: هل يلزم الديكتاتورية من ولاية الفقيه.
ـ الفصل الثالث: هل الفقهاء عاجزون عن إدارة الحكم.
ـ الفصل الرابع: أزمة حكم وأزمة طاعة.
ـ الفصل الخامس: كيف يكون ولي الأمر ولياً علينا وليس لنا ممثلون في أهل الخبرة.
ـ الفصل السادس: هل تعني ولاية الفقيه قصور الأمة.
ـ الفصل السابع: شكل الحكم بناء على نظرية ولاية الفقيه.
تمهيد:
لا نعني بالإشكالات هنا الإشكالات العلمية التي تطرح عادة في البحوث الفقهية، فهذه
الإشكالات قد ذكرنا أغلبها في الباب الثاني. بل نعني بها الإعتراضات التي طرحت
متأخراً بطريقة غير فقهية.
الهوة بين العلم والمثقف:
وقبل أن ندخل في تفاصيل هذه الإشكالات ومناقشاتها، أرى من الضروري أن أتعرض لأمر
أجد مناسبته جلية في هذا المقام. وهو يتعلق بتحليل بعض أسباب الهوة بين المثقفين
والعلماء في طريقة التفكير والإستنتاج. ولا يهمني هنا الدخول في المعنى اللغوي
لكلمة مثقف وكلمة عالم لأن ما أقصده واضح أو سيتضح.
يدرس طالب العلم في دائرة حوزوية معروفة ضمن منهج علمي مخصوص، ويدرس المثقف في
دائرة حوزوية مخصوصة به ضمن منهجية علمية مخصوصة. وهاتان الدائرتان تختلفان فيما
بينهما اختلافاً كبيراً، إن من حيث سبل المعرفة وسبل اكتشاف الحقائق وإن من ناحية
النتائج. وهذا الإختلاف يظهر بشكل جلي لدى أدنى تحاور شفهي أو مكتوب بين العلماء
والمثقفين.
وكان يمكن أن يغض النظر عن هذا الإختلاف لو كان المثقفون غير المسلمين، أو كان
العلماء غير معنيين بالحياة الإجتماعية العامة التي تتشكل من شرائح، أرزها شريحة
هؤلاء المثقفين الذين لا يستطيع العالم تجاهل وجودهم. ,الذين هم في الواقع الشريك
المهم الذي ينبغي أن يعتمد عليه العلماء في الوصول إلى الناس والى عالم الفكر،
والذي ينبغي التفاعل معه لصياغة تصور إسلامي شامل عن المشروع الحضاري للإسلام. وهو
أمر ليس بالذي يستطيع العلماء لوحدهم القيام به، كما لا يستطيع ذلك المثقفون
المخلصون المؤمنون.
وقد كان لهذا الإختلاف أثره الكبير في ظهور إشكالات يرى العلماء أنها سخيفة مما
يثير عادة حفيظة هؤلاء المثقفين. وربما يكون منشأ ردة الفعل هذه لدى بعضهم أنهم
يشعرون بأن العلماء يتجاهلونهم ويتجاهلون طروحاتهم، ولا يراعون الذهنية التي يكون
عليها المثقفون، وربما لا يدخلون في حوار معهم.
ويعيش جملة من المثقفين الأسى والمرارة تجاه ما قد يشعرونه من أن العلماء يريدون
منهم أن يأخذوا كلماتهم تقليداً لهم دون أن يقنعوهم بها.
كما أن العلماء حسب من هو الإنطباع المأخوذ عنهم لا يبالون بإقناع الناس بآرائهم،
بل ويقمعون كل من يحاول إظهار أفكار لا تتناسب وآراء العلماء.[1]
وقد ساهم في ذلك الدعاية المضادة للعلماء من قبل الكثير من سيئي النية من جهة وبعض
الذين لبسوا لباس العلم وهم لا يفقهونه من جهة أخرى. ولذا صرنا نجد المثقف يطرح ما
عنده من أفكار بشكل هجومي في كثير من الأحيان لمحاولة فرض نفسه في جدل وحوار مع
العلماء أو لاستدراجهم إلى ذلك.
فحالهم في ذلك حال من يريد أن يلتقي بالوالي لكن الوالي مشغول عنه، فيصرخ ويفتعل
ضجة حتى يلفت نظر الوالي إليه لينظر ماذا هناك ويستقبله.
وقد آن الأوان لكي نحوِّل الإختلاف بين العلماء والمثقفين، ونقصد هنا خصوص المثقفين
المسلمين الملتزمين بإسلامهم لا الرافضين للإسلام[2]، إلى حالة إيجابية تكاملية.
وأن نرفع هذا البعد الذي يعمل الأعداء على الإستفادة السيئة منه. والمسؤولية في ذلك
تقع على كاهل العلماء والمثقفين معاً، وعلينا أن نعترف إن إهمال هذا الأمر له
مضاعفاته المستقبلية الخطيرة في جسم الأمة.
وقد بدأت تظهر حالات بين المثقفين الإسلاميين تشعر معها، أنهم لا يختلفون عن غيرهم
في طريقة تفكيرهم ومطالباتهم وآرائهم.
ولا أريد بهذا الكلام أن أعرّض بالمثقفين أو أن أطعن بهم، أو أن أحملهم مسؤولية ما
عليه بعضهم من خلل في عملية التفكير الديني. كما أنني لن أستطيع التفصيل في هذا
الموضوع لأنه يحتاج إلى كتاب آخر، يشكل مقدمة لحوار أساسي بين المثقفين والعلماء
حتى نصل إلى النتيجة المرجوة. ولكنني سأتحدث بشكل مختصر عن الطرق التي ينبغي
اعتمادها لتقريب المسافة بين الفريقين.
والذي دعانا للحديث عن هذا الأمر ولو إجمالاً، أن بعض الإشكالات التي تذكر مقابل
نظرية ولاية الفقيه ناشئة من هذا البعد. ولذا فإن ما سنذكره قد سيساعد على فهم بعض
ما سنقوله حين مناقشة الإشكالات، إضافة إلى ما سبق وأشرنا غليه في بحث أهمية النص
في التفكير الديني.
ردم الهوة:
ولردم الهوة بين الفريقين ينبغي اعتماد الطرق التالية:
أولاً: على المثقفين أن يجعلوا من أسس دراستهم دراسة طريقة تفكير العلماء المسلمين،
حتى يتمكنوا من فهم كلامهم. والبعد عن هذه الدراسة توقع المثقف أحياناً في فهم
مغلوط لمراد العلماء أو لآرائهم. بل نجد أحياناً المثقف يحاكم آراء العلماء
إنطلاقاً من اصطلاحات تلقاها من الجامعات، وهي اصطلاحات ربما تتوافق في التركيب
اللفظي مع اصطلاحات يذكرها العلماء لكن مضمونها غير متحد المعنى.
فمن ذلك النظرة إلى النص الذي يقصد منه العلماء خصوص النص القرآني أو الكلام الصادر
عن النبي صلى الله عليه وآله أو الأئمة عليهم السلام، بينما يفهم المثقف منه على ما
قيل كل نص وإن كان كلاماً لعالم. والنص بالمعنى الذي يقصده العلماء له أهمية في
التفكير الديني لدى العلماء لا يمكن تجاوزها ولا القفز من فوقها كما بينا سابقاً.
ويشعرك بعض المثقفين أحياناً بأنهم يريدون أن يلغوا بعض النصوص لمجرد احتمال أنها
نصوص ظرفية، أو لأننا لم نقتنع بالمضمون الوارد فيه. والحال أنه ليس لأحد بنى فكره
على أسس عقائدية صحيحة أن يتجاهل النص بالمعنى الذي ذكرنا، أو أن يعتمد أساليب
التوائية في تفسيره من دون رعاية الأساليب العلمية الناضجة الصحيحة في التعاطي مع
النص.
وقد يحاكمهم بناء على طريقة في التفكير تشبع بها من حيث لا يشعر. كأن ينطلق من فكرة
هي مسبقاً مؤسسة وفق أسس مادية، بمعنى أن يروج لفكرة تنطلق من فكرة ما لله لله وما
لقيصر لقيصر. كما لو انطلق من أنه يحق له المطالبة بكل شيء، وبضرورة صياغة الشريعة
بما يتوافق مع رغباته وأهوائه.
وقد يحاكمهم بناء على طريقة دراسته ومناقشته لأساتذته، والحال أن الأمر مختلف. ذلك
أن الدراسات الإنسانية والأدبية التي تعتمد في الجامعات لا تبتني على أسس علمية
متينة، بل هي في أغلبها استحسانات أو ظنون سلكت عندهم مسالك العلم. فإذا كانت هذه
هي أسس كتب الدراسات في العلوم الإنسانية، فمن المؤكد أن تنطبع روح الجامعيين بهذه
الطريقة، وأن يتأثروا بها. ولذا تتولد عندهم الجرأة على البت بالقضايا، ولو كانت
مجرد ظنون عندهم أو تخمينات.و هذه ليست الطريقة العلمية المنهجية التي يقبل بها
العقل السليم، وإن كانت هي الطريقة المتبعة في أغلب الجامعات. بل علينا أن نقترب
أكثر فأكثر إلى الأسلوب العلمي الفيزيائي والرياضي في مناقشة ما يعرض علينا من
أفكار، وفي تبني ما نستحسنه منها.
ثانياً: على العلماء أن يعترفوا بأن للإنسان المثقف حقاً ودوراً في الحياة الفكرية،
وفي مناقشة آراء العلماء حتى الفتوائية منها. وليس دور المثقف فقط هو المساعدة على
تشخيص الموضوع. فلو أفتى فقيه بفتوى وجاء مثقف واطلع على هذه الفتوى وعلى أدلتها
وقدم اعتراضه عليها، فإنه يحسن من العلماء التوجه إلى هذا الإعتراض فإما أن يرد أو
يؤخذ به.
صحيح أن استنباط الأحكام الشرعية يحتاج إلى قدرات خاصة لا تتوفر عند المثقف عادة،
لكن الإعتراض على الآراء الفقهية وأدلتها لا يحتاج إلى نفس هذه القدرات. ولذا قد
نجد القدرة على النقاش لدى طلاب علم لا يملكون هذه القدرات الإستنباطية، فليكن
المثقفون في نظر العلماء من هؤلاء الذين ربما يساهمون في مناقشاتهم في وصولنا إلى
الرأي الصحيح أو الأصح. بل ربما يكون الناس أفضل معين على فهم النص.
ثالثاً: على المثقفين الإسلاميين عند مناقشاتهم أن يعودوا إلى مرتكزاتنا الفكرية
والإسلامية التي ثبتت بالدليل فلا يشردهم الفكر في مناقشات ينسون معها تلك
المرتكزات. وإذا كنا نفهم ابتعاد المثقفين غير الإسلاميين أثناء مناقشاتهم عن هذه
المرتكزات، فلا نفهم ابتعاد مثقفينا الإسلاميين عنها.
وعلى المثقفين أن يدركوا أن دورهم ودور العلماء ليس إلا معرفة ما يريده الإسلام
وليس فرض آرائنا على الإسلام. ولمعرفة ما يريده الإسلام لا بد من التوافق على طريقة
ثبتت صحتها من الشرع أو العقل. ولقد رفض الإسلام طرقاً لاستكشاف الحقائق ربما
يعتمدها الآخرون. وقد عمل علماؤنا الكرام على تنقية هذه الطرق وإثباتها بشكل موضوعي
بعيداً عن أي هوى شخصي، ولذا ذكرنا ضرورة أن يطلع المثقفون على طريقة الفقهاء.
ولذا فإنني أقترح على الجامعيين والمثقفين الإسلاميين أن يخصصوا وقتاً من عمرهم
لدراسة تلك الأسس الفكرية بكل تأن وروية، ولو أخذ الأمر منهم بعض السنوات. وقد حاول
بعض الإخوة المثقفين أن يدرسوا تلك الأسس ولكنهم لم يترووا الروية المطلوبة ولم
يتجردوا عن مرتكزاتهم التي أخذوها من دراساتهم فغابت عنهم الموضوعية ولم يفهموا كما
يجب مراد العلماء. طبعاً هذا لا يعني أن الإعتراض على العلماء يدل على عدم فهم
المراد أو على خلل في الشخصية، بل إن من يفهم مرادهم ربما يكون أقدر على الإعتراض
والنقد البناء.
رابعاً: على المثقفين أيضاً أن يدرسوا الفكر الإسلامي من منابعه الأصلية فلا
يدرسونه من طرق أخرى أو بمحض الإتكال على جهدهم الشخصي بالمطالعة ونحوها، فلربما
ارتكزت في الأذهان بعض المفاهيم بطريقة خاطئة. إنّ طالب المعرفة يحتاج في تحصيل
المعرفة إلى أستاذ يعينه على سلوك هذا الدرب، على أن يكون هذا الأستاذ من أهل
الإختصاص بالمعرفة المقصودة ومن أهل هذه المعرفة. فلا يكفي في دراسة الفلسفة مثلاً
التلقي الموجود في الجامعات لفهم الفلسفة الإسلامية التي تعبر عن عمق فكري يوازي
عمقها التاريخي الممتد إلى بدايات نشوء الفلسفات اليونانية والإيرانية وغيرها، ما
لم يقترن ذلك بتلق آخر ودراسة أخرى من أهل العلم بالفلسفة الإسلامية من علمائنا
الأجلاء.
خامساً: وعلى العلماء أن يقتربوا أكثر من الجو الفكري والعلمي للمثقفين ليعرفوا كيف
يمكن مخاطبتهم، وليمكن فهم مقصودهم وإفهامهم مقصودنا.
إنّ رعاية هذه الأمور ربما تساعد على التقارب أكثر فأكثر بين الجانبين وهما جانبان
يجب أن يتقاربا لأنهما عماد المجتمع ولذا كانت الدعوات المخلصة التي أطلقها الإمام
الخميني المقدس حول توحيد الحوزة والجامعة.
سادساً: على المثقفين أن يلتفتوا إلى الأحكام الشرعية عند إجهارهم بمناقشاتهم، وأن
لا يوجب طرحهم محاذير شرعية قد يتورطون فيها بسبب انسيابهم مع الحرية وتقديسها، أو
استلاب شخصيتهم تأثراً بالإعلام المعادي.
نماذج من كلمات الإمام الخميني حول العلماء والجامعيين[3]:
1ـ على مجلس الشورى والأمة والمفكرين الملتزمين أن يؤمنوا بضرورة الإصلاح الثقافي،
وأن يأخذوا المسألة بجدية وخاصة في المدارس والجامعات. وعليهم السعي بكل قواهم
ليكونوا سداً في طريق الإنحراف.
2ـ عليكم أن تنتبهوا إلى أن المرحلة المدرسية أهم من المرحلة الجامعية.
3ـ لو لم يكن الفقهاء الأعزاء موجودين فمن غير المعلوم ما الذي كان سيقدم للناس من
علوم على أنها علوم القرآن والإسلام وأهل البيت عليهم السلام.
4ـ لولا العلماء لما استطاع أحد أن يحفظ الإسلام.
5ـ إني أرجو من العلماء العظام أن يعاملوا الشبان بالنفس الأبوي العطوف.
6ـ الجامعة هي التي تدير أمور البلاد، والجامعة هي التي تربي الأجيال الحاضرة
والقادمة. فإذا كانت الجامعة بيد غزاة الشرق والغرب فسيكون البلد تحت تصرفهم.
7ـ إذا تراخينا في احتضان الجامعة وفقدناها نكون قد فقدنا كل شيء.
8ـ على شبابنا الجامعيين الأعزاء المعطائين أن يسعوا إلى تمتين أواصر الإرتباط
والمحبة والتفاهم مع العلماء وطلاب العلوم الإسلامية، وأن لا يغفلوا عن مخططات
ومؤامرات العدو الغادر.
عودة إلى أصل البحث:
والبحث على ما ذكرنا منعقد لمناقشة بعض الإعتراضات وهذا ما سنتعرض له بالتفصيل إن
شاء الله تعالى ضمن الفصول التالية:
الفصل الأول: هل يمكن أن يكون الولي غير معصوم
يذكر علماؤنا في البحوث العقائدية ضرورة أن يكون الولي الذي سيخلف النبي صلى الله
عليه وآله معصوماً كضرورة أن يكون النبي معصوماً. وحيث أن العصمة لا تعرف من قبل
البشر كان لابد من تدخل إلهي يرشدنا إلى المعصوم ومن تتوفر فيه شروط النبوة
والإمامة.
ومن هذا الذي قلناه قد يعترض أحدهم ويقول: ما دام العقل يحكم بضرورة ذلك الشرط فهذا
يعني أنه لا يمكن أن يكون الولي غير معصوم.
الجواب:
إن كان المقصود بالسؤال الولي الأصل الذي يشكل صلة الوصل بين الله تعالى وعباده،
فالجواب هو أنه لا يمكن أن يكون هذا الولي غير معصوم، كما ثبت في علم الكلام
والبحوث العقائدية.
وإنّ كان المقصود بالسؤال مبدأ الولاية، وهل يمكن أن يكون هناك ولي غير معصوم ولو
بعنوان النيابة عن المعصوم يشكل الرابط الشرعي معه، فهذا جوابه بالإيجاب وأنه قد
حصل. فقد كان لأمير المؤمنين عليه السلام ولاة في الأمصار لهم ما يعطيهم الإمام
عليه السلام ومن صلاحيات قد تكون واسعة وقد تكون ضيقة، كمالك الأشتر ومحمد بن أبي
بكر وغيرهما. وهؤلاء بالتأكيد ليسوا معصومين أو على الأقل لا دليل لدينا على أنهم
معصومون. وقد اتفقت كلمة العلماء على أنه لا يشترط في ولاة الأئمة عليهم السلام أن
يكونوا معصومين. كما أن الدليل الدال على ضرورة عصمة إمام الأصل لا يجري في الولاة
بالنيابة عنه.
وولاية الفقيه من هذا القبيل فهي ليست ولاية أصلية بل تبعية مجعولة من قبل الأئمة
عليهم السلام فهي ولاية بالنيابة عنهم وبتعيين منهم. فحالهم من هذه الجهة كحال مالك
الأشتر وأمثاله، مع فارق هو أن الأشتر وأمثاله قد تم تعيينهم بالإسم بينما الفقيه
كان تعيينه بعنوان عام. كما أن الإمام عليه السلام الذي عين الأشتر وغيره كان
ظاهراً بينهم، بينما إمام الزمان وصاحب الأمر (عج) غائب عنا. لكن غيبته عليه السلام
ليست غيبة مطلقة بل هو موجود في الأمة وبينها، وقد دلت الأدلة على أننا سننتفع به
كما ينتفع بالشمس إذا غيبها السحاب. فهو موجود حي لكنه هو الذي يقرر كيف يراقب حركة
الأمة، وهل يتدخل لمساعدتها، وكيف يتدخل لو أراد التدخل؟. كما أنه هو الذي يقرر كيف
يمكن أن يشرف على حركة الفقيه الولي، وهل يتدخل لتصحيح مساره عندما يحتاج إلى تصحيح
أم لا يتدخل؟.
لكننا مطمئنون أو نرجوا أن يعيننا إن أخلصنا له الولاء، وإن رأى الله تعالى منا
الصبر على البلاء تمسكاً بقوله تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾[4]،
لكن الإمتحانات شتى والبلايا متعددة. وتوقع نصرة صاحب العصر والزمان ليست خطابات أو
إنشائيات، بل دل عليها الكثير من الروايات نذكر منها على سبيل المثال والتنبيه ما
جاء في التوقيع المذكور في أدلة ولاية الفقيه:
(وأما وجه الإنتفاع بي في غيبتي فكالإنتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب
وإني أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء)[5].
وبناء على ما ذكرنا لا ينبغي لأحد أن يشكك في معقولية وجود ولي غير معصوم ما دامت
ولايته تبعية وليست أصلية، بل الأصالة على حالها لولاية الحجة الغائب (عج) التي لم
تزل بالغيبة.
ولذا كانت نسبة ولاية الفقيه لولاية المعصوم مختلفة بشكل كبير عن نسبة الإمامة إلى
النبوة، رغم وجود شبه بينهما من حيث أن ولاية الفقيه إمتداد للإمامة كما أن الإمامة
هي امتداد للنبوة. وجهة الإختلاف بينهما جوهرية، فالإمامة تعبر عن ولاية أصلية
بعدما انقطعت الولاية الدنيوية الظاهرية السابقة بالموت وهي النبوة، ووجدت مكانها
ولاية أخرى هي الإمامة مثلما هي العلاقة بين إمام وإمام. فكل من ولاية النبوة
والإمامة أصيلتان، وليست إحداهما نيابة عن الأخرى. ولذا لم تكن الإمامة بجعل شخص
الرسول صلى الله عليه وآله بل كانت بجعل من الله تعالى، كما أن النبوة كذلك، ولذا
كان لابد من الإمامة من تسمية محددة تأتينا من قبل رب العالمين.
بينما ولاية الفقيه هي رشح من ولاية الإمامة الباقية، وموجودة في ظل الإمامة وليست
منفصلة عنها لا حدوثاً ولا بقاء، وليس لها أي استقلال عن الإمامة الأصلية، ولذا ليس
لنا أن ننسى ولاية المعصوم الغائب (عج) بالإستغراق بالولاية الفرعية، بل علينا
دائماً أن نضع نصب أعيننا الزمن الذي يظهر فيه (أرواح العالمين لتراب مقدمه
الفداء)، وأن نستشعر الحاجة المستمرة لوجوده لنكون من الصادقين في انتظار الفرج
المثابين عليه. ولذا ورد الأمر بالإكثار من الدعاء بتعجيل الفرج (فإن في ذلك
فرجكم)، كما جاء في التوقيع المشار إليه في أدلة ولاية الفقيه.
ونحن نعتقد أن طريق الجهاد ورفض الظلم وبذل النفوس والأموال في سبيل الحق والعدل من
أهم مقدمات ظهور الإمام الحجة (عج). كما وإن ولاية الفقيه هي التجربة التي نخوضها
كمقدمة لهذا الظهور المبارك، نسأله تعالى أن يجعلنا من جنوده وأنصاره وأعوانه.
صيغة أخرى للإشكال:
وقد يصاغ الإشكال بصيغة أخرى تجعله أكثر متانة، وهو إشكال اشتهر بين العلماء محتاج
إلى جواب.
وتقرير هذه الصيغة أن يقال: أننا نسلم لكم بأنه لا مشكلة عقلية أو شرعية من حيث
المبدأ في أن يكون الولي بالنيابة عن الإمام عليه السلام غير معصوم. لكن هناك أخبار
نهت عن أن يقوم الشيعة بهذا الدور في عصر الغيبة، ونهت عن الثورة وأمرت بالسكوت
والصبر حتى يظهر الحجة (عج). وهذه الأخبار تكون دليلاً على عدم وجوب إطاعة أي شخص
غير المعصوم بما في ذلك الفقيه.
وهذه الأخبار قد ذكرها الحر العاملي (رحمه الله) في وسائل الشيعة[6] وإليك نموذجاً
منها:
1ـ خبر سدير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (يا سدير إلزم بيتك وكن حلساً من
أحلاسه واسكن ما سكن الليل والنهار فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو
على جلك).
ولا بأس بهذه الرواية من حيث السند:
وقد دلت أن على المسلمين أن يبقوا في بيوتهم لا يثورون حتى يخرج السفياني، وهو زمان
خروج الإمام المهدي (عج) أيضاً.
2ـ رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (كل راية ترفع قبل قيام
القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عزوجل). وهذه رواية صحيحة.
3ـ رواية عمر بن حنظلة، قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: خمس علامات قبل
قيام القائم: الصيحة والسفياني والخسف وقتل النفس الزكية واليماني. فقلت: جعلت فداك
إن خرج أحد من أهل بيتك قبل قيام هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: لا).
ولا بأس بهذه الرواية من حيث السند وإن كان راويها عمر بن حنظلة.
4ـ رواية عيص بن القاسم: قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
(عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظروا لأنفسكم فوالله إن الرجل ليكون له الغنم
فيها ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها
يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها.
والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتل بواحدة يجرب بها ثم كانت الأخرى باقية يعمل على
ما قد استبان لها ولكن له نفس واحدة إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة فأنتم أحق أن
تختاروا لأنفسكم.
إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شيء تخرجون ولا تقولوا خرج زيد فإن زيداً كان
عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد صلى الله
عليه وآله ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه فالخارج
منا اليوم إلى أي شيء يدعوكم إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله فنحن نشهدكم
أنا لسنا نرضى به وهو يعصينا اليوم ليس معه أحد وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر
أن لا يسمع منا إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا
عليه).
وهذه الرواية معتبرة.
والجواب:
أولاً: أن هذه الروايات المنقولة عن الإمام الصادق عليه السلام قد صدرت في زمن كثرت
فيها الثورات والإنتفاضات باسم الأئمة عليهم السلام، حتى أن بني العباس قد قاموا
بثورتهم بهذا الأسم، وهم لا يريدون إلا التسلط على العباد. فقد أراد الإمام عليه
السلام أن ينبه الناس إلى ضرورة عدم الإنجراف وراء هذه العناوين البراقة، وعلى أن
موعد ثورة الإمامة لم يحن بعد. وإن سديراً نفسه راوي الرواية الأولى كان ممن يتأثر
بهذه الرايات المنحرفة عن الإسلام فقد جاء في الأخبار عن المعلى بن خنيس أنه قال:
ذهبت بكتاب عبد السلام بن نعيم وسدير وكتب غير واحد إلى أبي عبد الله عليه السلام
حين ظهر المسودة قبل أن يظهر ولد العباس: (بأنا قد قدّرنا أن يؤول هذا الأمر إليك
فما ترى فضرب بالكتب الأرض، وقال: أف أف ما أنا لهؤلاء بإمام أما يعلمون أنه إنما
يقتل السفياني)[7].
وهذا الحديث يدل بوضوح على تأثر أصحاب تلك الكتب، ومنهم سدير، بالذين سماهم المعلى
بالمسودّة. وأنهم توهموا أن هذه راية الإمام فنفى الإمام عليه السلام، ودلهم على أن
الإمام المعصوم الذي سيوفق للثورة النهائية هو الذي يقتل السفياني أي صاحب الأمر
وصاحب العصر والزمان.
كما يظهر أيضاً من التاريخ والروايات أن سديراً كان من المتحمسين شديدي الحماس
للثورة، فقد روى الكليني في الكافي رواية عن سدير أنه قال:
(دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: والله ما يسعك القعود. فقال: ولم يا
سدير؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك. والله لو كان لأمير المؤمنين عليه السلام
ما لك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيم ولا عدي. فقال يا سدير وكم عسى
أن يكونوا؟ قلت: مائة ألف. قال: مائة؟ قلت: نعم ومأتي ألف؟ قال: مائتي ألف؟ قلت:
نعم ونصف الدنيا.
قال سدير: فسكت عني. ثم ذكر سدير أنهما ذهبا في طريق حتى (صرنا إلى أرض حمراء ونظر
إلى غلام يرعى جداء[8] فقال: والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما
وسعني القعود. ونزلنا وصلينا فلما فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها فإذا هي
سبعة عشر)[9].
فهذه كانت حالة سدير، والخطاب في الرواية لأمثال سدير. فهو عليه السلام يرشدهم إلى
أن الإمام المعصوم الحجة من قبل الله تعالى على العباد والمنصوص عليه الذي يقوم
بهذا الدور هو الذي يأتي في آخر الزمان، فعليهم أن لا ينخدعوا ويظنوا أن الإمام
متصدر لهذه الرايات.
وهذا الذي قاله الإمام عليه السلام لا يتنافى مع إمكانية أن تقوم ثورة لا تلبيس
فيها على الناس، ولا يدعي قائدها أنه الإمام الموعود، ولا يسعى لنفسه بل كل همه
الحكم بما أنزل الله تعالى بالمقدار الممكن حتى يظهر الحجة عليه السلام.
ثانياً: تدل الرواية الرابعة على أن هناك نوعين من الخروج على الأنظمة والثورة على
الحكام الظالمين:
أحدهما: ما يشبه خروج زيد الذي دلت الرواية على أنه كان خروجاً عن حق، وعنوان هذا
الخروج أنه لم يكن يدعو لنفسه.
ثانيهما: الخروج بغرض تحقيق مطامع شخصية وإن كان الخروج باسم أهل البيت عليهم
السلام.
وقد دلت هذه الرواية على أن الخروج الباطل هو هذا النوع الثاني، وأن كل راية من هذا
النوع يجب التحرز منها واجتنابها وعدم الإنقياد إلى قادتها، لأنهم طغاة وطاعة الناس
لهم إنقياد للمنحرفين وتسليم أنفسهم لغير الله تعالى. وهذا معنى قوله تعالى:
(ويعبدون من دون الله).
وهذا ما نشهده في المسلمين المنقادين لأناس هم في واقع حالهم يدعون لأنفسهم
إغتشاشاً بهم وظناً بأنهم يريدون الحق، فانحرفوا معهم وضلوا وخرجوا عن ولاية الله
تعالى، إلا أن تتداركهم رحمته تعالى ولو بسبب جهلهم وقصورهم.
ويؤكد ما ذكرنا أن الرواية المذكورة قالت: (إن أتاكم آت منا فانظروا) ولم تقل
فارفضوا، بل دعت للتأمل في تلك الدعوة. وهذا يدل على أن الإستجابة في حد ذاتها ليست
محرمة، بل مرتبط حكمها بطبيعة الدعوة التي يدعو إليها ذلك الشخص.
فالرواية المذكورة دلت على أن هناك معايير يجب رعايتها في التمييز بين راية الحق
وراية الضلال. وتجلت هذه المعايير بقوله عليه السلام: (فإن زيداً كان عالماً وكان
صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله
ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه). والدعوة المرفوضة حينئذ هي دعوة من يخرج ويدعي أنه
يريد الرضا من آل محمد، ولكنه يبيت خلاف ذلك.
وهذا الذي ذكرته هذه الرواية يشكل قرينة على أن المراد من قوله عليه السلام في آخر
الرواية: (فالخارج منا اليوم) هو تشخيص واقع فعلي لا المنع المؤبد.
كما أنه يشكل قرينة على أن المراد من الرايات الأخرى الرايات التي تدعو لنفسها
وتنصب أنفسها أئمة للناس، بدون أخذ المعايير الشرعية بعين الإعتبار، وبدون أن يكون
قادتها من أهل العلم والبصيرة والدين والتقوى. فلو كان قادتها بروحية زيد وشخصية
زيد لم يكن هناك مشكلة بل تكون طاعتهم حينئذ طاعة للحق وطاعة لله تعالى.
بل هناك روايات دلت على أن المقصود بهذه الرايات الموصوفة بأن صاحبها طاغوت هي
رايات الضلال. فقد روى في الكافي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: (من رفع راية
ضلال فصاحبها طاغوت)[10].
ونحن عندما نتحدث عن ولاية الفقيه نتحدث عن فقيه لو انتصر لوفى ولسلم الراية للإمام
إن أمره بذلك أو ظهر (عج). وعن راية يسعى صاحبها للهدى وتنفيذ أحكام الله تعالى،
فهي ليست من رايات الضلال ليكون صاحبها طاغوتاً.
ثالثاً: إن بعض هذه الأخبار صدرت تقية حتى يشعر الحكام بأن شيعة أهل البيت عليهم
السلام ليسوا في وارد الثورة عليهم فيأمنون إلى أن تتحين لهم الفرصة لذلك.
والذي دعانا لاحتمال الحمل على التقية[11]هو ما سيأتي في الفقرة التالية.
رابعاً: أن لدينا من الأدلة ما يكفي من العقل والكتاب والسنة تثبت بشكل قاطع وجوب
الجهاد ضد الظلم، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعلاء كلمة الله والحكم
بما أنزل الله تعالى. وهذه الأدلة تشكل قرينة على أن الروايات المشار إليها سابقاً
لا يصح حملها على ما أراده المعترض.
أما دليلنا العقلي:
فهو ما تقدم في المقدمة من عدم معقولية أن يتركنا الله تعالى ويكلنا إلى الظالمين
ليحكموا فينا إن أمكن أن نحكّم شرع الله تعالى فينا. وعدم معقولة أن نُمنع من إطاعة
حاكم عادل وتركنا لحكام جائرين.
أما من الكتاب:
فآيات كثيرة دل بعضها على عدم جواز الركون إلى الظالمين. كما دل بعضها الآخر على
وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى وإقامة العدل بين الناس وتنفيذ أحكامه ونشر المعروف
والنهي عن المنكر. والقرآن زاخر بالنماذج الدالة على ما ذكرنا. وهي آيات لم تسقط عن
الإعتبار في عصر الغيبة. فإذا كنا منهيين عن الركون للظالمين ومأمورين بالحكم بما
أنزل الله تعالى وبالتحاكم إلى أوامره ونواهيه، فهذا يدل على أن ولاية العادل
مشروعة.
التالية. أما من السنة: فروايات كثيرة:
منها: ما رواه ابن أبي عمير عن جماعة من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه
قال: (ما قدست أمة لم يؤخذ لضعيفها من قويها غير متعتع)[12].
وهذه الرواية صحيحة. ويكفي ما تقدم عند الحديث عن ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية
قرينة على عدم شمول النهي في تلك الروايات لحكومة حاكم عادل لا يدعي الإمامة لنفسه
بدلاً عن الإمام الحقيقي.
ومنها: ما ورد في علامات ظهور الحجة عليه السلام التي تتحدث عن رايات هدى تظهر قبل
ظهور الحجة عليه السلام كرايتي اليماني, الخراساني وهما رايتان تخرجان قبل أن يخرج
القائم وهذا المعنى متسالم عليه بين العلماء ولا أقل من التسالم على إمكانه.
ومن هذه الروايات ما رواه النعماني في كتابه الغيبة عن أبي جعفر عليه السلام أنه
قال: (وليس في الرايات راية أهدى من اليماني هي راية هدى لأنه يدعو إلى صاحبكم وإذا
خرج اليماني فأنهض إليه ولا يحل لمسلم أن يتلوى عنه فمن فعل ذلك فهو من أهل النار
لأنه يدعو إلى الحق والى طريق مستقيم)[13].
وبملاحظة هذه الأدلة يظهر أن بعض تلك الأخبار يجب حملها:
إما على ما ذكرناه في (أولاً) و (ثانياً)، أو حمله على التقية.
فقوله عليه السلام في الرواية الثالثة: كل راية ترفع ليس المراد بها من قام من أجل
تلك الأهداف.
والخلاصة أنه يجب أن نفهم هذه الأخبار بالطريقة المتلائمة مع الكتاب والسنة.
فالمقصود بها الردع عن التسرع في الإنقياد خلف كل راية، وعن الإلتحاق بالرايات التي
تريد أن تسخرنا لأنفسها وأغراضها بعيداً عن الدين وعن رضا أهل البيت عليهم السلام،
حتى لا تغشنا عناوين الناس وعناوين الرايات، كأن يكون رائدها مسلماً بالهوية أو ممن
يدعي حب أهل البيت عليهم السلام وهو في مسلكه ليس من المحبين.
وأما الرايات التي يدعو أصحابها للحق والطريق المستقيم يريدون أن يحكم الدين فينا،
والأوفياء لشعاراتهم الحقة والصادقة والذين لو كان الإمام الحجة عليه السلام حاضراً
بيننا لوفوا بتسليم الراية إليه، فلا تنهى هذه الروايات عن إتباع هؤلاء.
ومن مجموع ما تقدم تعرف لماذا لم يذهب أحد من علمائنا المحققين إلى عدم جواز الثورة
ضد الظلم، ولماذا اختاروا القول بجواز بل وجوب السعي لإقامة العدل بين الناس والمنع
من المنكر وإحقاق الحق. ولم يقبل أحد منهم أن يستفاد أي استفادة سيئة من هذه
الروايات التي هي في مقام آخر يختلف كلياً عن مقام الثورة من أجل الحق بقيادة رموز
الحق. وإن سمعت أن بعضهم ذهب إلى عدم مشروعية الجهاد ضد الظلم، فأعلم أن المنقول
عنه من غير المعتبرين في عالم العلم والعلماء أو أنه ممن كبا في هذه المسألة وجمد
على لفظ لم يدرك حقيقة معناه.
الفصل الثاني: هل يلزم الديكتاتورية
وقد أثير هذا الموضوع في بدايات إنتصار الثورة بشكل واسع من قبل جميع قليل من الذين
لم يعجبهم أن تختار الأمة نظام الجمهورية الإسلامية المرتكز على مبدأ ولاية الفقيه،
وأبدوا رفضهم باعتراضات أثاروها. وكان من جملة ما أوردوه دعوى أنه يلزم من نظرية
ولاية الفقيه الديكتاتورية، وأن يكون الحكم المبني على أساسها نظاماً دكتاتورياً.
وقد تصدى الإمام الخميني (رحمه الله) بنفسه لهذه الدعوى كما تصدى لغيرها من الأمور
التي طالت نظرية ولاية الفقيه[14]. ولم يكن يسمح بأي تهاون بها، حتى أنه دعا جميع
خطباء الجمعة في ذلك الوقت لبيان مسألة ولاية الفقيه بشكل واضح، حتى لا يقع الناس
في شباك أولئك الذين أرادوا زعزعة ثقتهم بهذا المبدأ المقدس.
وقد كان أساس تلك الشبهات ومنشؤها من قبل الأعداء، وإن كان بعضها قد ينطلق من سذج
انقادوا لبعض المفاهيم والأفكار. لكن بالتأكيد فإن الجو الذي يدعو لمناقشة مبدأ
ولاية الفقيه بطريقة مسيئة هو جو معاد، سواء كان المناقش منهم أو كان يظن نفسه من
المقربين. حتى أنك ترى الغضب والغيظ في كلمات هؤلاء الذين يكتبون ضد مبدأ ولاية
الفقيه، ولا تجد مبرراً لهذا الغيظ سوى حقد أو انحراف خطير عن دين الإسلام.
رد الشبهة:
وإنما سميناها شبهة لما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة:
(وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين
ودليلهم سمت الهدى وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى)[15].
وسنكتفي في الرد على هذه الشبهة بما فهمناه مما قاله الإمام الخميني (رحمه الله) في
هذا الصدد:
أولاً: ليس من الديكتاتورية في شيء أن يكون النظام المعتمد في إيران قد أيده أكثرية
الشعب بحيث تجاوزت نسبة التأييد التسعين في المائة دون ضغط أو إكراه. فالشعب
بغالبيته العظمى أيد ولا يزال نظام الجمهورية الإسلامية المبني على مبدأ ولاية
الفقيه كما نص عليه الدستور.
ثانياً: الديكتاتورية متجسدة في كلمات المعترضين، إذ يحاولون وهم القلة أن ينصبوا
أنفسهم في موقع يحسبون أنفسهم أوصياء على الشعب والأمة، والحال أن الشعب لم يرض
بذلك منهم بدليل أنه خالفهم. وهؤلاء عندما ينصبون أنفسهم في هذا الموقع يسعون لفرض
رأيهم وإثارة جو نفسي وزعزعة ثقة الشعب والمسلمين بهذه الجمهورية والثورة، وهذا نحو
من أنحاء الديكتاتورية.
ثالثاً: إن من يدعي أن مبدأ ولاية الفقيه يستلزم ديكتاتورية فلا ريب أنه جاهل بهذا
المبدأ وأهميته وقدسيته. بل العكس هو الصحيح فإن الحامي للحريات وفق المبادئ
الإسلامية، والحامي لإرادة الشعب وحقوقه والمدافع عنه هو مبدأ ولاية الفقيه الذي
يقوم بمهمة الإشراف على أمور البلد، حتى لا ينحرف أحد ممن يمكن أن يستلم مقدرات
البلد.
فهو الذي يمنع رئيس الجمهورية من أن ينحرف وأن يحكم بهواه. وهو الذي يمنع رئيس
الوزراء من أن ينحرف ويحكم بهواه، وهكذا الكلام بالنسبة لأي مسؤول. كما أن مبدأ
ولاية الفقيه يمنع الفقيه نفسه أن ينحرف وأن يحكم بهواه، ولا يحق له ذلك أصلاً، بل
عليه أن يحكم وفق رأي الإسلام حسب اجتهاده. والمفروض أنه بذل جهده كله للوصول إلى
هذا الرأي واستكشافه من خلال وسائل الإستنباط الممكنة له.
كما أن عليه بذل الجهد في تمحيص الوقائع وتشخيصها حتى يطبق عليها حكمها الإلهي
ويحكم على وفقه. والمفروض في الفقيه الولي العدالة والورع والكفاءة بل الأكفئية في
تحقيق كل ذلك. كما أن المفروض أن في الأمة علماء وتقاة وثقاة ورعون يراقبون حركة
الفقيه، بإمكانهم عزله إن انحرف وصار يحكم بهواه، وقد صان الدستور هذا الحق للخبراء
وللأمة.
وإنما يكون الحكم ديكتاتورياً إذا استند الحكم إلى الرأي الشخصي بعيداً عن أي
اعتبارات صحيحة وأجبرهم على إتباعه. وإنما يكون الحكم ديكتاتورياً إن كان الحكم وفق
الهوى متاحاً للحاكم، وكان الحاكم قادراً على أن ينفذ جميع رغباته بدون أن يتجرأ
أحد على معارضته.
والإنصاف أن كثيراً من مدعي الحرية والمطالبين بها هم في مواقعهم يريدون أن يكونوا
حاكمين ديكتاتوريين. لأنه ما من حاكم حكم أمة إلا وكان الهوى رائده. ويكاد يندر أن
تجد أمة أو شعباً يخضع فيها الحاكم لضوابط تكون حاكمة عليه كما تكون حاكمة على
الأمة. ومبدأ ولاية الفقيه يجعل الفقيه كغيره من أبناء الأمة خاضعاً للقانون
والتشريع الإسلامي لا يستطيع أن يحيد عنه قيد أنملة. وعند التدقيق نجد أن أقوى
ضمانة يمكن أن يقدمها الإسلام للمنتسبين إليه في عصر الغيبة هو مبدأ ولاية الفقيه.
نعم لو أريد من الديكتاتورية حكم الرجل الواحد لصح هذا التعبير. لكنه تعبير يحمل
المغالطات الكثيرة فحكم رسول الله صلى الله عليه وآله حكم الرجل الواحد، ومع ذلك لا
يستطيع عاقل مسلم أن يقول إن حكمه كان ديكتاتورياً، وكذا حكم أمير المؤمنين عليه
السلام. فليس كلما كان الحكم حكم الرجل الواحد كان الحكم ديكتاتورياً بل ربما كان
الحكم ديكتاتورياً مع كون الحاكم مجموعة من الناس لا يوجد بينهم أي رابط حزبي.
وربما يحكم الرجل الواحد فيجسد أرقى مظاهر الحرية المسؤولة والمشورة وفق القيم
الصحيحة التي نراها متجسدة بالإسلام.
وللأسف فإن كثيراً من المعترضين بالديكتاتورية وغيرها من الإعتراضات على مبدأ ولاية
الفقيه، يريدون في الحقيقة الوصول إلى طريقة يمكن من خلالها فرض الرأي الشخصي على
الفقيه من خلال التهويل على هذا المبدأ وعلى مؤيديه، وهو نحو من أنحاء الإرهاب
الفكري يمارسه من هواه على خلاف هذا المبدأ أو من يريد الخروج من حكم الإسلام
والتفلت من قيوده وتشريعاته، بعدما كانت مشكلتهم الأساسية الشخصية مع الدين نفسه
بهدف أن تكون لهم كلمة في مقابل كلمة الله وكلمة الله هي العليا لو كانوا يفقهون.
رابعاً: على أن هؤلاء المعترضين لن يعترضوا بهذا الإعتراض لو كانت الصلاحيات كلها
التي ثبت في الإسلام أنها للفقيه قد أعطيت لإنسان آخر غير فقيه بل وغير مسلم، بل
ربما سيمدحون الشخص والنظام حينئذ، ولكنهم يعيشون عقدة الإسلام ولا يتجرؤون على قول
ذلك.
خامساً: على أنه في دستور الجمهورية قد حددت للفقيه صلاحيات هي أقصر دائرة من
صلاحياته الأساسية وإنما وافق عليها الإمام الخميني (رحمه الله) وتلاميذه من مؤسسي
الجمهورية المباركة لأن الإمام مؤمن بإعطاء دور للأمة. وقد نقلنا مواد الدستور
المرتبطة بولاية الفقيه في خاتمة الكتاب، ويمكنك من خلال مقارنة تلك البنود مع ما
ذكرناه في هذا الكتاب، استكشاف وجه التقليص في الصلاحيات والذي تم برضا الولي.
سادساً: كما أن الفقيه يمارس الشورى بأفضل طرقها وهو ملزم شرعاً وعقلاً بالإستشارات
في مواضع كثيرة كما أشرنا في بحوث سابقة.
بل نجد أن الإمام الخميني (رحمه الله)، وهو الولي الفقيه الذي كان بإمكانه أن ينفرد
بالحكم ولم يكن ليعترض عليه أحد نظراً لعمق المحبة له في قلب الشعب المسلم في
الجمهورية الإسلامية في إيران بل وخارجها وجميع المستضعفين في الأرض، قد أسس لعمل
جماعي يخرج فيه الحكم عن حكم الرجل الواحد، ليكون المستقبل أكثر ضماناً للأمة
والمجتمع من خلال تشكيل المؤسسات التي شرعت في الدستور وأعطيت صلاحيات، وتجسدت بذلك
أرقى مظاهر الشورى إن على مستوى التشريع أو على مستوى القضاء أو على مستوى الحكم
عامة، كمؤسسة المجلس النيابي التشريعي ومؤسسة مجلس الوزراء، ومؤسسة مجمع تشخيص
المصلحة ومؤسسة شورى القضاء، ومؤسسة مجلس الخبراء ومؤسسة مجلس المحافظة على الدستور
وغيرها من المؤسسات. وهذا كله من نتاج ولاية الفقيه المسدد الإمام الخميني المقدس
(رحمه الله).
والخلاصة أنه لا ينبغي لإنسان فهم ولاية الفقيه أن يعترض بهذا الإعتراض. لكن غالب
المعترضين هم للأسف إما جهلة بهذا المبدأ أو يعيشون عقدة من الفقهاء أو من الإسلام
أو من كل ما هو دين، أو هم قوم خبيثوا النية يريدون التسويق لأفكار غريبة عن الأمة
لأهداف شيطانية، وهو ما لن يخفى على أي متتبع، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم
والله متم نوره ولو كره المشركون والكافرون.
وسنشهد تكرر هذا الإعتراض كلما سنحت الفرصة بذلك، لا بهدف البحث عن حل له بل بهدف
التشويش على هذا المبدأ المقدس، وبهدف تضييع المجتمع الإسلامي القائم عليه.
إنّ ضمانتنا الكبرى في عصر الغيبة ليس في ولاية الأمة على نفسها فهذا وهم يحسبه
الظمآن ماء، بل ضمانتنا في مبدأ ولاية الفقيه. ولا يمكن لأي مجموعة من الناس أن
تزعزع ثقتنا بهذا المبدأ. ولا أن تجعلنا نقنع بغيره من أسس الحكم فما وجدنا ولن نجد
أمانا في ظل أي شيء آخر.
نعم نحن نعترف أن العدل في ظل ولاية الفقيه نسبي ولا يمكن تحقيق العدل الكامل في
عصر الغيبة، لكن هذا شيء لا يتنافى مع كون هذا المبدأ أفضل طريق يمكن اعتماده في
عصر الغيبة كضمان لحقوق الأمة إلى أن يظهر ولي الأمر عليه السلام.
كما أن النقاش مفتوح على المستوى العلمي والفكري سواء في صلاحيات الفقيه الولي أم
في مبدأ ولاية الفقيه، على أن ينطلق ذلك من روحية استكشاف ماذا يريد الإسلام، لا من
خلفية ما الذي يعجبنا وما الذي لا يعجبنا. وهذا يستدعي حسن رعاية لأسلوب النقاش
وزمان ومكان عرضه، ولا يتلاءم أبداً مع أي طريقة تهدف عن قصد أو غير قصد إلى تشويه
صورة المبدأ أو إلى جرأة الآخرين عليه. وإن من أحد الأسباب الداعية إلى إتباع مثل
هذا الأسلوب المسيء الإغترار بالنفس الأمارة بالسوء والداعية للجدال والتكبر
والمماراة، فعلى المفكرين الإلتفات إلى أنفسهم وأن لا ينسوا جهادها وهم يعرضون فكرة
للنقاش على صفحات الجرائد والمجلات وغيرهما من وسائل الإعلام.
الفصل الثالث: هل الفقهاء عاجزون
وهذا الإعتراض نجده منتشراً في أذهان المثقفين غير الإسلاميين، وهو أحد معاني قولهم
بفصل الدين عن السياسة. كما أن من معانيه أن الأديان لا تملك تشريعاً لشأن الحكم أو
أننا لا نريد للدين أن يتدخل سواء كان يملك ذلك أو لا يملكه. وربما نجد امتداداً
لهذا الإعتراض في نفوس بعض المثقفين الإسلاميين، وربما يكون أحد الدوافع لإنكار
مبدأ ولاية الفقيه.
ولكن لو تأملنا بعض الشيء في هذا المرتكز نجد خلوه من أي منشأ عقلائي أو شرعي، وإن
كان له منشأ تاريخي إذا لاحظنا تجربة الحكم الكنسي.
والذي يظهر لنا أن مثقفينا قد تأثروا بما ارتكز لدى أهل الأديان والشعوب الأخرى،
وأخذوه منهم ظناً منهم أو تلبيساً عليهم بأن الأديان في ذلك على حد سواء. وسبب هذا
الأخذ هو التلقي الثقافي غير الممنهج وغير المبني على أسس نقدية صحيحة، بل هو في
أغلبه يعتمد أسلوب الإنبهار بما عند الغير، فنتلقى بدون تدقيق حتى يصير كلام
الآخرين من أعلام الفكر الغربي من النصوص المقدسة في نفوسهم ربما تفوق في قدسيتها
الأحاديث الشريفة أو القرآن الكريم. وربما بلغ الأمر ببعضهم أن يجعل أفكار كتبه وما
درسه والشخصيات المعجب بها من الثوابت وما عدا ذلك من المتغير، وإن كان قرآناً أو
نصاً نبوياً أو إمامياً. وقد تجد من يحارب فكرك بحجة أنك تعتبرها من المقدسات فيعمل
على تحطيمها، لكن معتمداً على مقدسات من عنده ما أنزل الله بها من سلطان، وما أيدها
العقل في أي آن.
وقد كان من أهم الأسباب الداعية إلى فصل الدين عن السياسة في المجتمعات غير
الإسلامية هو تلك التجربة من الحكم الكنسي من جهة، وعدم توفر التشريعات اللازمة في
الأديان الأخرى لتحقيق هذا الأمر، والإغترار بالتطور العلمي الذي بلغته تلك
المجتمعات من جهة أخرى.
وعلى كل حال فقد أشرنا سابقاً إلى الفرق بين حكم ولاية الفقيه والحكم الكنسي، وأن
قياس أحدهما على الآخر غير منطقي على الإطلاق.
فالإسلام صاحب مشروع يمتلك كل عناصر نجاحه خاصة التشريعات المطلوبة المتعلقة بالحكم
بين الناس وعلى الناس. وهي تشريعات صادرة من رب العالمين وليس من عقول صغيرة ضعيفة،
لا تملك أن تعرف ما وراء الجدار إن لم تنظر بعينها. كما أنه للأسف لم تتحقق سابقاً
التجربة السليمة لتطبيق حكم الإسلام. وقد كان في التاريخ هنات وهنات ضيعت على
المسلمين فرصة تحقيق تلك التجربة، حتى أن الإمام علي عليه السلام عندما استلم الحكم
كانت الظروف ضاغطة عليه بشكل لم تشهده أي خلافة سابقة.
وها نحن نعيش إحدى تلك التجارب الراقية في الجمهورية الإسلامية المباركة، لكن
الأعداء من داخل الأمة وخارجها يعملون على قدم وساق على إفشال هذا النموذج المبارك،
حتى أنهم يستغلون أبسط المسائل ويحاولون أن يروجوا من خلالها أموراً لا وجود لها.
وللأسف فإن وسائل إعلامنا تتلقى الأخبار من وكالات متآمرة، وتأخذ نفس الصياغة التي
تقدمها تلك الوكالات وتنشرها بين الناس الذين يتلقونها كما هي أيضاً. فإذا فرضنا أن
الجمهورية منعت باطلاً من الرواج قالوا هذا كبت للحرية، وإذا استدعى القضاء شخصاً
للمحاكمة قالوا هذه محاكمات سياسية، وإذا اختلفت الآراء قالوا إن هناك صراعاً. إن
العدى لن يعترفوا بأي حالة إيجابية في هذه الجمهورية المباركة، ولا في أي مجتمع
مسلم، إلا إذا كان هناك تراخ لمصلحتهم واستسلام لمخططاتهم وحينئذ ستكال المدائح
وستصبح الديكتاتورية حرية وخنق المعارضة مواكبة للعصر كما نراه في بعض الدول
العربية.
نسأله تعالى دوام التوفيق لهذه الجمهورية المباركة والتسديد والتأييد حتى يظهر
الحجة (عج).
جواب الإمام الخميني (رحمه الله).
وقد أشار الإمام الخميني (رحمه الله) إلى هذا الإعتراض حين قال: (ثم إن ما ذكرنا من
أن الحكومة للفقهاء العدول قد ينقدح في الأذهان إشكال بأنهم عاجزون عن تمشية الأمور
السياسية والعسكرية وغيرها)[16].
ثم يجيب (رحمه الله) عن هذا الإشكال بقوله:
(لكن لا وقع لذلك بعد أن كان التدبير والإدارة في كل دولة يكون بتشريك جهود عدد
كبير من المتخصصين وأرباب البصيرة. ولن تجد في دولة سلطاناً أو رئيس جمهورية عالماً
بكل شيء، بل أغلبهم لم يكونوا عارفين بفنون السياسة والقيادة العسكرية. وكانت
الأمور تجري على أيدي المتخصصين في كل فن، مع فارق أنه إن كان من يترأس الحكومة
والولي فيها شخصاً عادلاً، فلا محالة سيختار الوزراء العدول الخبراء فيقل الظلم
والفساد والتعدي على أموال المسلمين وأعراضهم ونفوسهم.
وكذلك كانت الحال في زمان ولاية أمير المؤمنين عليه السلام فهو لم يجر جميع الأمور
بيده الشريفة بل كان له ولاة وقضاة ورؤساء للجيش ونحوهم). إنتهى كلامه (رحمه الله)
مع تغيير بسيط.
ونحن لن نضيف شيئاً هنا سوى أن نؤكد أنه إن كان المقصود بالعجز العجز الذاتي وأن
الفقهاء فاقدون لأهلية الحكم والولاية فهذا تجن يفتقد إلى أبسط قواعد الموضوعية.
وإن كان المقصود أن الفقهاء قد لا يتمكنون من ممارسة هذه السلطة لموانع كما حصل في
العهود السابقة والعهود الحالية بالنسبة لغالبية بلاد المسلمين. ففي هذه الحال نقول
ما قاله الإمام الخميني (رحمه الله) من أنه بناء على نظرية ولاية الفقيه لا تسقط
الولاية بالعجز عن تشكيل الحكومة الإسلامية بل تبقى الأمة مطالبة بالرجوع إليه
والعمل برأيه، غايته أن كل فقيه عليه أن يعمل في المكان الذي يقدر عليه. إذ من
الواضح حينئذ أن الفقيه إن لم يكن صاحب سلطة وحكومة لن يكون بمقدوره ممارسة
صلاحياته بحيث تشمل العالم الإسلامي، فيجب على الفقهاء إجراء ما يمكن من أحكام
الإسلام الإجتماعية من حفظ بيت المال وإجراء الحدود، وإصدار الأوامر التي فيها
مصالح الأمة مع الإمكان، غير ذلك من الشؤون المتعلقة بولايتهم. وهذا ما كان يفعله
الفقهاء في بعض الأحيان عندما يرون خطراً محدقاً بالأمة.
وإن كان المقصود أن الفقيه لن يتمكن لذلك لوحده قلنا أننا بينا فيما سبق ضرورة
ووجوب الإستشارة والإستعانة بأهل الخبرة في مواقع متعددة، وهذا المعنى هو الذي
أفاده الإمام (رحمه الله) في جوابه عن الإعتراض المذكور.
الفصل الرابع: أزمة حكم وأزمة طاعة
تمهيد:
قيل: إن لازم القول بعموم ولاية الفقيه سواء من حيث الصلاحيات أو من حيث شمولها
للأمة، حصول أزمة على مستوى الحكم وأزمة على مستوى الطاعة. وقد قرر ذلك بعض من كتب
في نظام الحكم في الإسلام.
قال:
وقد يتوهم البعض أن صيغة ولاية الفقيه تقتضي المحذورين نفسيهما (أزمة الحكم وأزمة
الطاعة). فهي من جهة أولى عبارة عن صيغة الإمامة المعصومة التي لا يسلم بها علم
الكلام الأشعري والمعتزلي ومذاهب الفقه السني. وهي من جهة أخرى عالمية تقتضي طاعة
وانقياد المسلمين عامة لها، أو المسلمين الشيعة على الأقل الذين يعتقدون بالإمامة
المعصومة ويتدينون بها، سواء كانوا داخل حدود سلطتها أم كانوا لا ينتمون إلى أرضها
ولا يحملون جنسيتها.
وهي بالإعتبار الأول تسبب أزمة حكم، لأن المسلمين من أتباع المذاهب غير الشيعة لن
يسلموا بشرعية صيغة ولاية الفقيه. والنظام الإسلامي القائم على هذه الصيغة لابد أن
يعتبرهم عصاة وخوارج، ويعتبرونه غير شرعي وغير إسلامي وهكذا تنشأ أزمة الحكم.
وبالإعتبار الثاني: لو سلم المسلمون جميعاً بشرعية هذه الصيغة أو سلم المسلمون
الشيعة على الأقل بشرعيتها، فقد لا يسلمون بوجوب الطاعة لها خارج حدود تطبيقها
وخارج حدود شعبها وأرضها. بينما هي بحكم كونها صيغة الولاية المعصومة تقتضي الطاعة
المطلقة، كما لو كان الإمام المعصوم بنفسه على رأس سلطة الدولة الإسلامية المعاصرة.
ثم دفع هذا التوهم بأن ولاية الفقيه لا يقتضي دليلها عموم الولاية على كل المسلمين،
وليست نسخة عن صيغة الإمامة المعصومة بل هي صيغة مستقلة مختلفة.[17]
وهو وإن صاغ الكلام بصيغة (يتوهم)، لكن رفعه للتوهم بهذه الطريقة يعبر عن تأييده له
وتثبيته إياه، إن قلنا بشمول الولاية للأمة جميعاً وقلنا بسعة بالولاية العامة
المطلقة للفقيه. وهذا يعبر عن عدم إنصاف في التعامل مع مسألة ولاية الفقيه وعن
تشويه لمعناها.
ثم يعقب على ذلك بأن لا أزمة بناء على نظرية ولاية الأمة على نفسها فقال:
(وأما صيغة ولاية الأمة على نفسها فمن الواضح أنها لا تؤدي إلى أزمة حكم ولا إلى
أزمة طاعة، لأن هذه الصيغة تقتضي أنه يشرع لكل شعب من الأمة أن يقيم لنفسه نظامه
الإسلامي الخاص به في نطاق وحدة الأمة).
وهذا الفصل منعقد لمناقشة ما ذكره في المقامين، أي هل هناك أزمة بناء على نظرية
الولاية المطلقة الشاملة العامة للفقيه، وهل ننجو من هذه الأزمة بناء على نظرية
ولاية الأمة على نفسها. فهنا بحثان:
البحث الأول: هل تستوجب نظرية ولاية الفقيه أزمة
أولاً: أزمة الطاعة:
1ـ لا يحسن من أي مفكر أن يفترض أن احتمال عدم رضا الناس أو بعض الناس بالنظرية
ثغرة في النظرية، يدعوه إلى تغييرها واستبدالها بنظرية أخرى توافق هوى الناس. كما
أنه لا يدل على صحة النظرية وعدم صحتها مدى قبول الناس ورفضهم لها.
والنظرية كل نظرية تكتسب صحتها وقوتها من قوة دليلها الشرعي أو العقلي، وعلى الأقل
هذا ما نفكر به نحن المسلمون، ولا يهمنا الطرق الغربية بالتفكير ولا النظريات
المادية المتعلقة بذلك كالنفعية وأمثالها. وإذا قام الدليل على صحة النظرية فهذا
يعني أن رفض الناس لها هو الخطأ المحتاج إلى علاج، لا أن النظرية تعيش ثغرة علينا
تداركها. وهذا يعني أيضاً أنه لا يجوز لنا أن نؤيد الناس في رفضهم لها بل المفروض
توعيتهم وتعريفهم بأهميتها.
ومن يعتبر أن رفض الناس وقبولهم أمراً جوهرياً في صياغة النظريات فهو لا شك مخطئ.
وربما يؤدي به الحال إلى نظريات غريبة عن الإسلام والعقل والمنطق.
2ـ إنه وإن ترتبت أزمة طاعة عملياً من رفض الناس، لكنها أزمة يتحمل مسؤوليتها الناس
والعلماء لا النظرية ذاتها. أما الناس فلأنهم لم يجعلوا الإسلام دليلهم إلى الحق
والى ما يجب قبوله وما لا يجب. وأما العلماء فلأنهم لم يقوموا بواجبهم نحو توعية
الناس على الفكرة والنظرية. هذا لو كان المقصود رفض عامة الناس أو جزء كبير من
الأمة.
أما لو كان المقصود رفض جزء بسيط منها فإنك لن تجد نظرية قد تلقاها بالقبول جميع
الناس. وقد اشتهر أن رضا الناس كلهم يكاد أن يكون من المستحيلات.
3ـ إنّ هذا الرفض لو كان ثغرة في نظام ولاية الفقيه لكان ثغرة في نظرية الإمامة
المعصومة أيضاً، لأن الناس قد رفضوا الإنصياع لها وخذلوها. فهل نستنتج من ذلك أن
هناك مشكلة في النظرية حتى نبحث عن صيغة أخرى للإمامة أو نقيدها أو نشرطها بشروط
حتى نخفف من رفض الناس أو حتى يقبلوها.
4ـ وعليه فإننا لا نجد رفض الناس أو بعض الشيعة الإنقياد لحكم الولي العام مبرراً
لتعديل النظرية بمقدار ما هو داع لتربية النفوس على التقوى وتعليمها الحق وتعريفها
إياه حتى لا تقع في شباك الباطل.
فطرح المشكلة بهذه الصيغة هو مشكلة في حد ذاته تستوجب العلاج.
وليت شعري إن كان رفض الطاعة ولو عصيانا سيشكل أزمة طاعة تستوجب تغيير النظام، فإن
أنسب شيء حتى نتخلص من تلك الأزمة أن ندعو إلى حكم نطلق فيه العنان للأهواء
والشهوات. وبالتأكيد لن نجد أزمة طاعة في هذه الحال إلا من المتدينين.
هذا كله لو كان المقصود رفض الشيعة الإمامية للطاعة.
5ـ أما لو كان المقصود منها ما قد يثيره المسلمون من غير الشيعة الإمامية فهذا
يستدعي التمييز بين من هم داخل مجتمع ولاية الفقيه ومن هم خارجه. فإن كانوا في داخل
النظام الخاص أعني الدولة التي بنيت على أساس نظرية ولاية الفقيه فوجوب الطاعة
عليهم مرتبط بتوافق مخصوص بينهم وبين الحكومة من جهة، وينطبق عليهم ما ينطبق على كل
مجتمع قد رضيت غالبيته بنظام محدد من جهة أخرى، مع احترام لخصوصيتهم الدينية
والمذهبية.
وإن كانوا من خارج مجتمع الدولة، فمن قال إن نظام ولاية الفقيه مطروح على المسلمين
السنة في العالم الإسلامي من باب حق الطاعة عليهم وإلزامهم بالعمل على وفقه بل هذا
الأمر متروك لهم. وكل الذي يفعله نظام الولاية المبارك أنه يحترم مرجعياتهم
الشرعية، ويدعوهم إلى التأمل فيما فيه مصلحة المسلمين جمعياً في مواجهة الأعداء،
وفيما يحقق نظمهم الداخلي ورص صفوفهم، وليأخذوا قراراتهم على هذا الأساس. وإنهم لو
فعلوا ذلك فسيصلون إلى ضرورة تأييد ودعم ومساندة كل حاكم إسلامي عادل، فيما يطرحه
من قضايا تهم المسلمين جميعاً وخصوصاً ما يتعلق بالقضايا الكبرى والمسائل المشتركة.
فهم إن التزموا بذلك فبسبب ما تمليه عليه شرعيتهم وعقولهم، وليس من باب فرض ولاية
الفقيه عليهم، إذ لا يمكن فرضها عليهم بسبب الخلاف الفقهي معهم حول هذا الموضوع.
وهذا المعنى الذي ذكرناه كان يمكن أن ينعكس لو استلم شؤون المسلمين وتصدى حاكم عادل
من السنة يحمل هم القضايا الإسلامية العامة التي لا تهم خصوص السنة ولا خصوص
الشيعة، وسيشعر المسلمون الشيعة حينئذ بأنهم ملزمون بمساندة وتأييد دعم هذا الحاكم.
والذي سيلزمهم بذلك فقههم وعقيدتهم وليس الفقه السني. وقد مارس الشيعة الإمامية هذا
النحو من الدعم في كثير من عصور الخلافة، رغم أنها كانت في نظرهم خلافة مغتصبة من
جهة وعدم اعترافهم بعدالة أكثر الخلفاء من جهة أخرى.
6ـ على أن البناء على أن صلاحيات الوالي الفقيه منحصرة بدائرة القدر المتيقن لن
ترفع الأزمة، ولا ربط لها بحجم الصلاحيات، فإن لم يكن لهم عذر في مخالفة الولي في
دائرة القدر المتيقن من الصلاحيات فلا عذر لهم أيضاً في مخالفته في الصلاحيات
الأوسع إن ثبتت. وهذا دليل على أن ثبوت الصلاحيات الواسعة لن يشكل أزمة فلماذا
نتوجه لتقييد الصلاحيات لرفعها، والحال أنها لو وجدت لن ترتفع بذلك.
ثانياً: أزمة حكم.
ومن الواضح أيضاً أنه لا أزمة حكم بناء على نظرية ولاية الفقيه، وإن جعلناها عامة
لتشمل جميع الأمة. وذلك:
1ـ أما بالنسبة للشيعة الإمامية فواضح. لأنه بعد أن قام الدليل عليها، ولو من باب
الحسبة فهم ملزمون بالتسليم بشرعية هذا النظام. ولن يترتب على سعة الولاية في هذه
الحال أي أزمة على هذا الصعيد كما يوحي به كلام هذا الكاتب.
أما بالنسبة للمسلمين من غير الشيعة الإمامية، فمن كان داخل الدولة المؤسسة على
أساس تلك النظرية فلا أزمة حكم أيضاً، لأن المفروض أن لهم دوراً في بناء تلك
الدولة، ويجري عليهم ما يجري على أي قوم في أي مجتمع رضي غالبيته بنظام محدد في
الحكم.
وأما بالنسبة لمن هم خارج حدود الدولة من المسلمين غير الشيعة، فمن قال أن النظام
الإسلامي المبني على ولاية الفقيه العامة سيعتبرهم عصاة وخوارج إن لم يسلموا
بالشرعية لذلك النظام، بل إن خصوصية غير الشيعة محفوظة في حكم ولاية الفقيه على ما
بيناه في المسألة السابقة. أما اعتبارهم لها نظاماً غير شرعي فهذا شأنهم، لكن لن
يوجب ذلك أزمة حكم إلا إذا أردنا أن نفرض شرعية ولاية الفقيه على المسلمين غير
الشيعة خارج الدولة، وهذا لم يقل به أحد. نعم من المرفوض محاربة هذه الشرعية ويحق
لنظام ولاية الفقيه أن يدافع عن نفسه.
2ـ ثم إن أزمة الحكم هذه هي ذاتها التي قد يعترض بها على الإمامة المعصومة، لأن
المسلمين من غير الشيعة لن يعترفوا بها كنظرية إسلامية مؤيدة من قبلهم. فهل هذا
يعني أنه يجب إعادة النظر في الإمامة المعصومة وتقييد صلاحياتها وتقييد دائرة
سلطتها.
3ـ وإن مراجعة بسيطة لحكم أمير المؤمنين عليه السلام يدل على فساد ما قاله ذلك
الكاتب. ألم يعان عليه السلام من الخوارج والقاسطين والمارقين، فهل لأحد أن يدعي أن
هناك أزمة حكم وشرعية في نظامه عليه السلام أم أن الخلل في الذين لم يعترفوا بتلك
الشرعية، حتى وصل بهم الأمر إلى محاربة حكومته عليه السلام، ومنعوه من تقديم مشروعه
بالشكل الناصع السليم.
4ـ ثم لو فرضنا وجود أزمة شرعية وأزمة حكم لو عممت الولاية على مستوى الإلزام إلى
المسلمين غير الشيعة، فهذا لا يقتضي إلا عدم شمولهم بالولاية الملزمة. أما تقييد
صلاحية الولي بدائرة بلد محدد بحيث يرتفع الإلزام عن المسلمين الشيعة في بلد آخر
فهذا لا يقتضيه محذور أزمة الحكم. ويكفي نظرية ولاية الفقيه شمولها لكل المسلمين من
الشيعة الإمامية في أي بقعة من بقاع العالم، وهذا لا يشكل أزمة حكم لها ولا أزمة
طاعة. وأما المسلمون من غير الشيعة خارج حدود الدولة الإسلامية، فلابد من توافق ما
حول طريقة التواصل والتعاطي بعيداً عن عناوين العصيان والخروج عن الدين. بل
انطلاقاً من احترام خصوصيتهم الفكرية والفقهية وبالتنسيق التام مع مرجعياتهم
الحقيقية. والباب مفتوح لكل من شاء الإلتحاق بحكومة الولاية دون أي إجبار.
البحث الثاني: هل تنجو الأمة من هذه الأزمة بولاية الأمة على نفسه
والحقيقة إن من أبسط البديهيات القول بأن تولي الأمة لشؤون نفسها يزرع وينتج أزمات
لا عدد لها سواء في داخل المجتمعات أو في خارجها.
وإن ادعاء أن نظرية ولاية الأمة على نفسها معصومة عن هذه الأزمة لهي قراءة مبسطة
زائدة عن اللزوم للنظريات وتسخيف بعقول الآخرين.
أولاً: أزمة حكم
1ـ إن ولاية الأمة على نفسها وإن سمحت بأن يشرع كل شعب من الأمة أن يقيم لنفسه
نظامه الإسلامي الخاص به، لكن من قال إن من في داخله سيقبلون بهذا النظام الخاص.
ذلك أننا نسأل هل النظام الذي سيقيمه الشعب هو نظام مستخرج من قواعد فقهية شيعية أو
من قواعد فقهية سنية أو من قواعد مشتركة أو من قواعد مدنية غير إسلامية. وعلى كل
تقدير هناك أزمة حكم وأزمة شرعية في داخل ذلك النظام.
أما على التقدير الأول فلن يسلم أتباع المذاهب غير الشيعية بشرعية هذا النظام. وعلى
التقدير الثاني فلن يسلم بذلك المسلمون الشيعة. وعلى التقدير الثالث فستجد عدم
الإعتراف بالشرعية لدى الكثير من السنة والشيعة.
وعلى كل تقدير من هذه التقادير الثلاثة فسيعتبر أهل الأديان الأخرى والخارجين عن كل
الأديان من ملحدين وعلمانيين أن هذا النظام غير شرعي.
وعلى التقدير الرابع فإن كل المسلمين ملزمون شرعاً بعدم الإعتراف بشرعية ذلك النظام
وإن لم يكن يعني ذلك لزوم محاربته.
إن كل ما ذكرناه يجسد نماذج كثيرة من أزمة حكم وشرعية سيعيشها ذلك النظام، مهما
كانت طبيعته لو أخذنا بالمبنى الذي ذكره الكاتب في معنى الأزمة.
اللهم إلا إذا كان المقصود أن نلغي الأديان والمذاهب من حياة الشعوب ونمنع من تعدد
الأفكار والمعتقدات حتى نصل إلى شعب مقر بشرعية نظام على قياسه.
أو يكون المقصود أن يا أيها الآخرون كل الآخرين إبنوا النظام الذي تريدون، والشيعة
فقط هم الذين عليهم أن يعترفوا بشرعية ذلك النظام حتى لا تكون هناك أزمة حكم. وإنما
تنشأ أزمة الحكم لو كان للمسلمين الشيعة نظامهم المبني على مبدأ ولاية الفقيه.
2ـ إن نظاماً بني على أساس ولاية الأمة على نفسها هي يصبح شرعياً بمجرد قبول تلك
الأمة أو ذلك الشعب لهذا النظام أم أن قيوداً لابد من أخذها بعين الإعتبار في
النظام المطلوب من الشعب أن يختاره حتى يصير شرعياً. وماذا لو أن الشعب رفض تلك
القيود، فمن أين ستأتي الشرعية من قبل رب العالمين لهذا الحكم.
ثانياً: أزمة طاعة.
هل حقاً إن نظاماً بني على أساس ولاية الأمة على نفسها سيحقق الطاعة المخلصة، ولن
تكون هناك أزمة طاعة في داخل الأمة أو داخل الشعب الذي رضي أكثره بنظام معين؟ وهل
الأقلية ستنقاد له بالطاعة أو ستشعر بأن النظام له حق طاعة عليها علماً أن الأقلية
المخالفة قد تكون كثيرة العدد. أم أنها ستطيع خوفاً من قانون العقوبات.
إنه لمن الغريب حقاً أن نفترض خلو الأمة من تلك الأزمات لمجرد أننا أعطينا عنواناً
براقاً اسمه ولاية الأمة على نفسها.
ثالثاً: أزمات أخرى.
وفي الواقع فإن أزمات من نوع آخر إضافة إلى الأزمات السابقة ستصيب الأمة، بناء على
نظرية ولاية الأمة على نفسها بالمعنى الذي ذكره الكاتب:
منها: أزمة الفكر والعقيدة، إذ بناء على أي عقيدة سنقيم ذلك النظام.
ومنها: أزمة العدالة الإجتماعية إذ ما هو الضامن في تلك الصيغة لتحقيق العدالة وعدم
ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
ومنها: أزمة التفتت فإنه وإن قال عبارة: (لأن هذه الصيغة تقتضي أنه يشرع لكل شعب من
الأمة أن يقيم لنفسه نظامه الخاص به في نطاق وحدة الأمة). لكنه يبقى أمراً مجملاً
لم يبين، إن لم يكن أمراً خطابياً إنشائياً.
وكيف تندمج تلك المجتمعات في نطاق وحدة الأمة، وما هو الضامن أن لا تتشتت تلك
المجتمعات وتصبح أسيرة مفاهيم السيادة الخاصة بالشعب والمصالح الخاصة بذلك الشعب،
فتضيع بذلك سيادة الأمة ومصالحها، وقد يضطر أحد هذه الشعوب للجوء إلى ما هو خارج
الأمة للإنتصار على الشعب الآخر الذي هو جزء من الأمة. إن من يجزّء الأمة إلى أجزاء
ثم يتصور أنها ستتحد في نطاق الأمة لهو في حلم لن يستيقظ منه، ما لم تكن هناك
مرجعية حاكمة ذات سلطة على الأمة تربط بين الأجزاء المذكورة وتوحد الشعوب والبلاد.
وفي الواقع فإن هذه الأزمة الأخيرة هي أخطر أزمة تواجه صيغة ولاية الأمة على نفسها
بالمعنى الذي يراه ذلك الكاتب.
الفصل الخامس: كيف يكون ولي الأمر المختار من قبل أهل خبرة بلد ولياً على أهل بلد
آخر
ربما يتساءل البعض وحقه أن يتساءل: أنه إن كان ولي الأمر المختار ولياً على الأمة
الإسلامية بأجمعها، فهذا يقتضي أن تشارك الأمة كلها في اختيار ولي الأمر. بينما
الذي يحصل هو خلاف ذلك، أي إن بعض الأمة تختار ولي الأمر دون أن يكون للبعض الآخر
دخل في ذلك، ثم يصبح هذا الولي ولياً على الجميع بما فيهم هذا البعض الذي لم يكن له
أي دور في اختياره. وربما يكون عدد هذا البعض أكبر من عدد الذين شاركوا في
الإختيار. ومن هنا يحق لنا السؤال أن كيف صار الولي المنتخب من قبل بعض الأمة ولياً
على الجميع.
وهذا وإن كان متعقلاً في الأزمنة السابقة، حيث لم يكن بمقدور الأمة أن تشارك
بأجمعها في اختيار الولي لصعوبة التواصل، وبالتالي الحضور في الوقت المناسب. لكنه
في هذا الوقت لم يعد بالإمكان الإتكال على رأي مجموعة خاصة ونهمل الباقي، بعد أن
بلغت الإتصالات هذه المرحلة من التطور، بحيث يمكن خلال يومين أن يجتمع مندوبوا
المسلمين من جميع الدول والمشاركة في الإختيار أو كما أنه يمكن لهم أن يشاركوا وهم
في أماكنهم وبلادهم.
وبعبارة صريحة وكنموذج تطبيقي لما نقول:
إن المجتمع المسلم في إيران يختار أهل الخبرة من مجتمعه، بينما لا يختار المجتمع
المسلم في لبنان وغيره من البلاد الإسلامية أهل خبرة من عندهم، يكونون جزء من مجلس
الخبراء الذي يتولى اختيار القائد ومراقبة مسيرته وعزله، حين يحتاج الأمر إلى
العزل. فهل يمكن مع ذلك فرض أن ولي الأمر في المجتمع المسلم في إيران ولياً على
مسلمي لبنان وغيره من البلاد الإسلامية.
والجواب:
أولاً: نحن نسلم بأن المبدأ يقتضي ما ذكر لكن لا يبلغ حد الإلزام والضرورة.
ثانياً: نحن في الواقع لا نعتبر أن ذلك الأمر لم يحصل، ولا نعتبر أنفسنا غير
مشاركين في الإختيار. بل لنا دور على مستوى التعيين، كما لنا دور على مستوى العزل.
أما على مستوى التعيين فكل المطلوب منا هو أن نحرز كالمسلمين الإيرانيين أن الشخص
المعين من قبل أهل الخبرة قد توفرت فيه جميع الشروط المعتبرة في الوالي.
أما على مستوى العزل فلأننا عندما نحرز من طريق شياع أهل الخبرة المفيد للعلم أو
الإطمئنان أنه لم يعد صالحاً لهذا الموقع نصبح غير معنيين بولايته.
وبعبارة مختصرة المطلوب منا أن نحرز من خلال شياع أهل الخبرة توفر الشروط فيه حتى
تصبح طاعته واجبة علينا، كما أننا لا نكون معنيين بالطاعة لو أحرزنا من خلال الشياع
المذكور أيضاً عدم توفر الشروط أو زوالها.
وإنه لمن المنطقي تماماً أن نحرز هذا وذاك من رأي مجلس الخبراء الموجود في
الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا يتوقف هذا الإحراز على أن يكون لنا ممثلون في
ذلك المجلس.
ومنشأ ما ذكرناه الآن هو ما ذكرناه سابقاً أن الإنتخاب ليس دوره إعطاء شرعية حكم
للمنتخب، بل استكشاف صاحب الشرعية، وأن ذلك لا يكون إلا من خلال شياع أهل الخبرة
المفيد للعلم أو الإطمئنان. وقد ذكرنا أنه لا يكفي في التعيين قول شخص أو شخصين ولا
شياع غير أهل الخبرة، كما لا يكفي ذلك في العزل أو رفض الولاية. فراجع ما ذكرناه.
وهذا المعنى متحقق في ولاية ولي أمر هذه الجمهورية، فإننا من خلال شياع أهل الخبرة
علمنا بتوفر الشروط، وانكشف لنا من هو صاحب الحق بالطاعة وصاحب الشرعية بالحكم،
ولذا صرنا ملزمين بطاعته. وإن لم نكن ملزمين بتفاصيل الحكم المختص بإدارة الجمهورية
الإسلامية، ولذا لا نعتبر رئيس الجمهورية ولي أمرنا إلا إذا أمره علينا الإمام
القائد، وكذا غير الرئيس من المسؤولين في تلك الجمهورية.
ثالثاً: فإذا التفتنا إلى ما ذكرناه سابقاً نقول إنه من الضروري تحديد المقصود من
السؤال وتحيد منشئه ومنطلقه.
فإن كان المنطلق حالة قومية أو شخصية، فإننا لا نملك جواباً على هذا السؤال إلا
تقديم النصح بضرورة الإلتزام بالأخلاق الإسلامية وتربية النفوس على قواعد إسلامية
لأن خلفية السؤال غير دينية. والإسلام لم يأخذ بعين الإعتبار هذه الإعتبارات في
تشريعاته وخصوصاً في باب الولاية، فإن مجرد أن المسلم اللبناني لم ينتخب أو لم يختر
شخصاً من أهل الخبرة فهذا لا يشكل أساساً للطعن من الجهة الشرعية في الموضوع الجاري
حالياً في الجمهورية الإسلامية المباركة.
نعم سيكون طعناً إن اعتبرنا أن الولي في إيران إيراني. وسيكون طعناً إن اعتبرنا
مجلس الخبراء مجلساً قومياً إيرانياً، فنسأل عن مجلس لبناني أو عن مجلس يكون خليطاً
بين إيرانيين ولبنانيين.
فالسؤال بالخلفية المذكورة سؤال خاطئ.
بل السؤال الذي يهمنا كمسلمين مع غض النظر عن كوننا لبنانيين أو إيرانيين أو من أي
جنسية كنا هو: هل هذا المجلس مؤلف من أهل خبرة أم لا؟ وهل نعترف بكونهم أهل خبرة أم
لا؟ وهل هم عدول أم لا؟ وهل يملكون القدرة على تمييز الشخص الذي يملك أهلية الولاية
أم لا؟ وبالتالي هل هم حجة علينا أم لا؟.
فإن كان الجواب بالإيجاب فلن يضر في الموضوع الشرعي بعد ذلك كون أهل الخبرة
إيرانيين أو عراقيين أو من غيرهم. وإن كان الجواب بالسلب فلن يفيدنا حينئذ كون
المجلس خليطاً من شعوب مختلفة وقوميات متعددة. وبعبارة أوضح إن كان العدد المتوفر
في المجلس هو من أهل الخبرة، وكان يكفي لتحصيل العلم أو الإطمئنان كما ذكرنا ذلك
فيما سبق حين الحديث عن مجلس الخبراء، فهو حجة علينا سواء شاركنا في الإنتخاب أم لم
نشارك، وسواء كان لنا مندوبون من أهل الخبرة أم لم يكن.
نعم قد أشرنا إلى أن المشاركة كلما عمت كلما كان ذلك أحسن لكي يشعر المسلمون على
اختلاف بلادهم أن لهم دوراً، وأنهم يتحملون جزء من المسؤولية المباشرة في هذا
المجال. لكن التفضيل والإستحسان شيء، ولزومه الشرعي بحيث يصلح ما ذكر نقضا على
العملية الجارية شيء آخر.
لكننا عندما نفضل ذلك فإنما نستحسنه مع إمكان تنفيذ ذلك، ومع إمكان إصدار تشريع
يسمح للخبراء من الدول المختلفة في المشاركة من غير ضرر بمصالح الجمهورية الإسلامية
التي يعتبر حفظها من أهم الواجبات في الإسلام.
ولكن الذي يسهل الأمر ويؤدي إلى القناعة بأن المجلس يتضمن أهل الخبرة، أن المرشحين
لهذا المجلس يجب أن يأخذوا موافقة مجلس أعلى يدقق في حملهم للمواصفات التي تجعلهم
أهلا ليكونوا في هذا المجلس.
فنحن لم نستدل على كون المنتخبين في هذا المجلس من أهل الخبرة من خلال انتخاب الناس
لهم، بل من خلال تأييد ذلك المجلس الأعلى لأهليتهم. والمفروض أن أعضاء ذلك المجلس
الأعلى من المعروفين بالعلم والعدالة والورع والتقوى بل هذا هو ما نعرفه عنهم فعلا.
فمهما كانت جنسية الأشخاص المنتخبين في مجلس الخبراء فهم من أهل الخبرة، وبالتالي
فإن قولهم حجة علينا.
نعم سنقع في مشكلة لو أن مجلس الخبرة يفتش عن ولي أمر يكون إيرانياً ويفضله على
غيره من الأقطار الأخرى حتى وإن كان هذا الغير هو الأفضل الأكفأ.
وبعبارة أصرح نقول: إن الواجب الشرعي يملي على مجلس الخبراء أن يفتشوا عن الولي
الأصلح من بين جميع الفقهاء في جميع البلاد الإسلامية، وحصر البحث بالفقهاء
الإيرانيين مخالف للشريعة، إن كان هناك احتمال وجود الأكفأ بين الفقهاء غير
الإيرانيين، لأنه لا يشترط في الفقيه الولي أن يكون من جنسية معينة. إلا إذا كانت
هناك ضرورة داعية لتخصيص الإختيار من فقهاء بلد الدولة الإسلامية المركزية كما
سيأتي.
لكن الذي يجري في الجمهورية الإسلامية يجري على النهج الصحيح، ولذا نجد أنه لم
يشترط في دستور الجمهورية الإسلامية أن يكون الولي إيرانياً، علماً أنهم اشترطوا
ذلك في رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء. والسر في ذلك أن رئيس الجمهورية رئيس
للإيرانيين وليس رئيساً لجميع المسلمين، بينما الولي ولي على جميع المسلمين. فمن
جهة التشريع تم تشريع قانون يوافق المبادئ الإسلامية في موضوع تعيين الولي من حيث
عدم اشتراط جنسية معينة.
كما أن التنفيذ يسير بشكل سليم لأننا نعلم بأن أعضاء مجلس الخبراء يبحثون عن الولي
من بين جميع الفقهاء المسلمين المحتمل وجود الأصلح فيهم، لعلمنا بورعهم وعلمهم
ومعرفتهم بأن الولي لا يشترط فيه أن يكون إيرانياً، بل مع علمهم أن هذا الشرط لاغ
شرعاً.
ولو فرضنا أن مصلحة الإسلام والأمة وحفظ الجمهورية الإسلامية توقفت على أن يكون
الولي إيرانياً بحيث إن لم يكن إيرانياً يخشى من زوال الإنجازات التي تحققت بما
يشبه المعجزة، ويخشى من أن تسقط راية الإسلام هناك، خصوصاً مع وجود الألاعيب
السياسية والإجتماعية والمؤامرات الهادفة إلى إسقاط ذلك النظام المقدس الذي اعتبره
الإمام الخميني (رحمه الله) بحق أوجب من الصلاة وجميع العبادات، واعتبر بحق أن حفظه
من أهم الواجبات، ففي مثل هذه الحال لا مانع من اختيار ولي إيراني كفوء تتوفر فيه
الشروط المعتبرة في الولي.
وفي هذه الحال يجب علينا أيضاً الإنقياد له، لأن الفرض أن ضرورة الإسلام دعت إلى
تخصيص الإختيار. والواجب على جميع المسلمين التضحية من أجل الإسلام وتقديم مصلحة
الإسلام على جميع الإعتبارات الشرعية وغيرها، ويكون هذا التكليف مقدماً على أي
اعتبار آخر وأي تكليف آخر.
لكن بحمد الله لم نصل إلى هذه المرحلة من الضرورة والاضطرار بل لازال هذا المنصب
تحت سلطة الفقيه الكفوء الذي تتوفر فيه أفضل الشروط من بين جميع فقهاء المسلمين،
كما كان كذلك في عهد الإمام الخميني (رحمه الله). ولا أعتقد أننا سنبلغ مرحلة
الاضطرار المذكورة، لأن الله تعالى قد شاء أن تكون الجمهورية الإسلامية مركزاً
حوزوياً ومنبعاً علمياً مهماً يتخرج منه العلماء الفقهاء القادرون على تحمل أعباء
المسؤولية.
وأملنا بالله تعالى أن يحفظ المسيرة ويهيئ لها حفظة وأمناء إلى أن يظهر الحجة (عج).
الفصل السادس: هل تعني ولاية الفقيه قصور الأمة
ربما يدعي ذلك بعض من علق على بحث ولاية الفقيه بما قد يوحي برفض المسألة كلياً،
بغض النظر عن التفاصيل انتقاماً للكرامة الشخصية.
فيقال في بيان هذا الإعتراض أن مبدأ ولاية الفقيه يعني أن الأمة كالطفل المحتاج إلى
ولي أمر يدير شؤونه، مما يعني أن الأمة قاصرة عن ذلك غير واعية، ولذا فهي تحتاج إلى
من يأخذ بيدها. وهذا الكلام إن لم يشكل إهانة للطفل لكنه يشكل إهانة للأمة. لأنها
بالتأكيد تملك الوعي الكافي، وفيها القدرات التي تسمح لها بالوعي تمييز الخطأ
والصواب والخير والشر.
والجواب:
وربما أوحى بهذا الإشكال استخدام تعبير (ولي الأمر) المستعمل في المدارس بالنسبة
للأولاد والقصر والأيتام علماً أن معناه (ولي الحكم).
وعلى كل حال فإن مبدأ ولاية الفقيه لا يعني أن الأمة جاهلة غير واعية أو سفيهة غير
راشدة حتى يفترض تلك اللوازم لمبدأ ولاية الفقيه، وحتى يفترض أن هذا المبدأ يشكل
طعناً في الأمة. كيف وهذه الأمة هي التي ستلد هذا الفقيه وهي التي ستختاره والتي
ستحدد توفر الصفات فيه، والتي ستكون مستشارة الفقيه أو سيكون من أبنائها من يشير
على الفقيه في الشؤون السياسية والإقتصادية والعسكرية والتي ستملأ المؤسسات
بالكفاءات المطلوبة لإدارة الحكم، وهي التي ستراقب الفقيه وعمله ومدى بقاء أهليته.
كل هذه الأمور متلازمة مع مبدأ ولاية الفقيه، وهي تدل على أن الأمة قد بلغت الوعي
الكافي للقيام بكل هذه المهام.
نعم لو كان مبدأ ولاية الفقيه يعني أن يفرض الفقيه نفسه على الأمة حتى وإن لم تقتنع
بتوفر الصفات فيه، وأن يفرض رأيه عليها بدون أي استشارات وأن لا يكون هناك أي
مراقبة، وأن لا يجوز عزله حتى وإن تخلف عن الصفات والشروط المعتبرة في ثبوت الولاية
له، لأمكن أن يقال إن هذا عزل للأمة كلياً عن أي دور وتهميش لها وبالتالي إلغاء
لوعيها بل وقهرها. ولكن ليس هذا ما يقول به أصحاب نظرية ولاية الفقيه، بل يصرحون
بأن هذه النظرية لا تستقيم بدون دور الأمة التي يفترض وعيها الكافي للقيام بهذا
الدور الذي قد يتطلب تضحيات جمة، لا يمكن تحقيقها وتحقيق الإنجازات المترتب عليها
بدون ذلك الوعي.
وفي الواقع فإن درجة الوعي المطلوبة من الأمة لتقوم بدورها المذكور لم يصل إليه أي
مجتمع من المجتمعات المعاصرة غير الإسلامية.
وإن كان المقصود بكون الأمة قاصرة أن ليس لها دخل في القرار على مستوى الحكم
الشرعي، فهذا ليس نقصاً في الأمة بل هو تحكيم للشرع عليها باعتبار أنه دستورها
المنزل من رب العالمين. وكل المجتمعات والأمم تتقيد بدستورها ولا يعني ذلك أن في
الأمة قصوراً. فالأمة تقبل ذلك لا لقصورها بل لأنها تعي أن الشرع أعرف بمصالحها وما
يحل مشاكلها.
والحكم الشرعي ليس فقط فوق الأمة بل هو أيضاً فوق الفقيه، غايته أن الفقيه هو الذي
قام بعملية استنباط الحكم الشرعي والفرض أنه يملك هذه القدرة وهذا ليس عيباً فيها.
وهل يعاب على الأمة لو أنها مثلاً سلمت أمرها الصحي لأطباء متخصصون.
وبعبارة أخرى تدرك الأمة بوعيها أنها قاصرة عن إدراك الأحكام الشرعية، وأن الذي
يقدر على ذلك هو الشرع وحده، والفقيه ليس مشرعاً بل مستكشف للشريعة من خلال عملية
الإستنباط.
مناقشة أخرى
وأما دعوى لزوم كون الأمة محجوراً عليها في الأمور العامة بناء على نظرية ولاية
الفقيه مثلما أن الطفل والسفيه المحجور عليهما[18] فهي مردودة من جهتين أساسيتين:
الأولى: ماذا نقول في ولاية المعصوم على الأمة فهل يكون هذا حجراً على الأمة؟
الثانية: الحجر تارة يفسر بالمنع مطلقاً وإن لم يكن صاحب حق أي المعنى اللغوي
للحجر. وتارة أخرى يفسر بمنع صاحب الحق لعروض مانع سمح بمنعه. والثاني هو المعروف
في اصطلاح الفقهاء.
فإن أريد الأول، فإن كان المقصود أن الأمة لا تستطيع التصرف كما تشاء فهذا ليس
إشكالاً لأنه مهما كانت نظريتنا حول الحكم فلابد من الإلتزام بنحو من أنحاء المنع،
وإلا فما معنى ما يقال عن الدولة المحترمة بأنها دولة المؤسسات ودولة القانون. وإن
كان المقصود أن الأمة لا رأي لها في ظل ولاية الفقيه فقد بينا سابقاً أنه لا ملازمة
بين الأمرين.
وإن أريد الثاني أي الحجر الفقهي فهذا كلام باطل. إذ لابد أولاً من إثبات أن
الولاية السياسية والإدارية حق الأمة حى يصح ذلك الكلام. ولذا لم تستعمل كلمة الحجر
في الاصطلاح الفقهي إلا في مورد يكون المحجور عليه هو مالك التصرف أساساً، وإنما
منع منه لمانع. فالطفل يحجر عليه في ماله لا في مال غيره وكذا السفيه. والأمة لم
تمنع من التصرف فيما تملكه حتى يقاس باب الحجر بباب الولاية. وبعبارة أخرى ما هو حق
الأمة في نظرية ولاية الفقيه لم يحجر عليها فيه وما منعت منه فهو ليس حقها.
وهذا الذي قلناه هو مراد الشيخ جوادي آملي عندما ذكر أن مسألة الولاية تختلف عن باب
الحجر المذكور في كتاب الفقه. ولكن ذلك القائل لما لم يلتفت مقصوده اعترض بأن
التغيير اللفظي لا يغير من المعنى شيئاً.
ولكنك عرفت الفرق الجوهري بين باب الحجر الفقهي وباب الولاية في الحكم.
وقد اعترف صاحب تلك الدعوى أن ولاية الفقيه تفرض شروطاً ومواصفات في الوالي الفقيه،
ومع ذلك يعتبر ذلك حجراً يشبه الحجر الفقهي، علماً أن انتفاء الشروط يوجب انتفاء
المقتضي لا وجود المانع مع وجود المقتضي. إذ بناء على ولاية الفقيه يكون حق الولاية
للمعصومين عليهم السلام ومن يتولى من قبلهم عليهم السلام، وهذا يعني أنه لن تكون
الأمة في مرحلة صاحبة حق ليكون هناك حجر شرعي طارئ عليها. علماً أن حديث الحجر يدل
على أن ولاية المعصوم عليه السلام أو من يعينه عليه السلام على الأمة خلافة الطبع.
تنبيه:
إن صاحب تلك الدعوى ميز بين ولاية الفقيه على الأمة، وبين ولايته في الأمور الحسبية
بأن المحجور عليه في الأمور الحسبية محجور عليه في جميع أموره الشخصية والعامة، وأن
أسباب الحجر فيها الصغر والسفه والجنون.
وهذا ناشئ عن تحديد غير صحيح للأمور الحسبية وحصرها بخصوص أمور القاصر والسفيه
بينما الغائب من جملة الموارد التي تطبق فيها الأمور الحسبية ولم يقل أحد بالحجر
فيها عليه في جميع شؤونه الخاصة والعامة. كما أن القضاء من موارد الحسبة فمن هو
المحجر عليه في القضاء. وعلى كل حال فقد بينا سابقاً أن موارد الحسبة لا تستثني
أمور الحكم والإدارة على مستوى الأمة فراجع ما قلناه.
الفصل السابع: شكل الحكم بناء على نظرية ولاية الفقيه
وقد يعترض على نظرية ولاية الفقيه ويقال أنها ليست نظرية متكاملة، وأنه لم يتحدد
فيها ما هو شكل الحكم في المجتمع الذي سيديره الفقيه الولي. وهذا يترك ثغرة في
كيفية إدارة المجتمع.
والجواب:
أنك بعد أن عرفت أن الحكم في عصر الغيبة مرجعه إلى الفقيه، وأن ولاية إدارة الشؤون
المتعلقة بالمجتمع من سياسة واقتصاد وحرب وسلم وشؤون إجتماعية أخرى كلها بيد
الفقيه، فإن أمر تحديد شكل الحكم يرجع إليه، وعليه أن يراعي في شكل الحكم الذي يريد
من خلاله أن يدير البلد ويقود شعبه وأمته أفضل صيغة ممكنة، خصوصاً مع سعة الأعمال
التي لابد من إدارتها، وتنوع المهام وكثرتها بحيث تفوق قدرة الشخص الواحد. كما أن
عليه أن يستشير الخبراء في البحث عن تلك الصيغة.
وليس الفقيه ملزماً بإتباع طريقة محددة كطريقة تعيين الولاة في البلاد والأمصار،
مثلما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام. فإن
الطريقة التي كانت متبعة في تلك الأزمنة، لا تعبر عن صيغة شرعية ملزمة بل هي مجرد
شكل حكم كان مناسباً لإدارة شؤون ذلك العصر. فهي من مقتضيات الزمان والمكان، ويبدو
أنها كانت الطريقة المتبعة في إدارة البلاد وقيادتها مع غض النظر عن دين الدولة.
وبالتالي يمكن للفقيه أن يختار الطريقة التي تناسب عصره وبلاده، والتي يمكنه من
خلالها القيام بالدور المكلف به، لأن الحكم وإدارة شؤون البلاد فن يختلف شكله
وإدارته باختلاف الشعوب والعصور. ويمكن للفقيه أن يصل إلى تلك الصيغة من خلال
الرجوع إلى أهل الخبرة، وقد كتب الكثير منهم حول هذا الموضوع وحول سلبيات وإيجابيات
الأشكال المختلفة للحكم. لكن على الفقيه أن يراعي الأسس الإسلامية في شكل الحكم
وخاصة مبدأ ولاية الفقيه.
السمات العامة للنظام
وهذه الأسس يمكن تسميتها بالسمات العامة لنظام الحكم في الإسلام نذكر بعضاً منها
على سبيل المثال:
1ـ كل فرد من أفراد المجتمع محكوم بأحكام الإسلام لا يستطيع أن يشرع لنفسه أي تشريع
يتنافى مع الإسلام. وعليه فلو أريد تشكيل مجلس تشريعي أو ما قد يسمى بالمجلس
النيابي، فإن هذا المجلس لا يملك صلاحية مطلقة للتشريع بل هو محكوم بالشرع
الإسلامي. نعم يستطيع أن يقنن الأحكام الإسلامية وفق آليات وبرامج معينة ويختار
الآلية والبرنامج الأنسب لتحقيق الأهداف الإسلامية بما يضمن تنفيذ الأحكام
الإسلامية.
وهذا فارق جوهري بين المجلس التشريعي في المجتمع الإسلامي وأي مجلس تشريعي آخر في
المجتمعات المدنية التي لا تحتكم للإسلام.
ففي تلك المجتمعات التي قد تسمّى بالديمقراطية يملك هذا المجلس حق التشريع المطلق،
وإن كان قد يقيده البعض بما لا يتنافى مع الدستور. لكن هذا التقييد لا يشكل سداً
كبيراً لأن الدستور أيضاً وضع من قبل البشر من جهة وهم يملكون تعديله من جهة أخرى.
وقد أشرنا في بداية الكتاب إلى أن حق التشريع منحصر بالله تعالى ولا يملك أي عبد من
عباده تعالى مهما علا شأنه صلاحية التشريع إلا في موارد محددة وعلى بعض المعاني
التي ذكرناها في المقدمة.
2ـ الإقتصار في الهيكليات الإدارية على القدر المحتاج إليه حتى لا يحصل هدر في
الأموال الشرعية وأموال الدولة.
3ـ رفض النظام الملكي والوراثة النسبية للسلطة، وأي شكل من أشكال الحكم التي تستبطن
مفاهيم وقيم أجنبية عن الإسلام، والتي وإن كان يحلو لنا لفظها لكنها قد تحدث
تشويشاً تجاه النظام وشكل الحكم، خاصة حين يكون اللفظ حاملاً لأبعاد غير مرادة.
كلفظ الديمقراطية ولفظ الإشتراكية اللذين يعبران عن مدرستين فكريتين واقتصاديتين
تختلفان عن مدرسة الإسلام في تفاصيل كثيرة. وفي الإسلام من المفاهيم والقيم ما يكفي
للدلالة عليه بلفظ الإسلام.
4ـ ليس في الإسلام حرية بالمعنى الغربي بل هي حرية محكومة بمبادئ الإسلام. فلا
يستطيع المسلم أن يجاهر بالكفر بحجة الحرية في العقيدة ولا أن يطرح في العلن ما
يسيء إلى الإسلام والمسلمين. نعم حرية العقيدة مصانة لمن هو ديانة مختلفة ويعيش في
المجتمع الإسلامي وفق أسس معينة يتم التوافق عليها بين الدولة الإسلامية وغير
المسلمين من أبنائها.
ورغم أن الإسلام يقبل بفكرة الإقتصاد الحر من حيث المبدأ، لكنه لا يقبل الحرية
المطلقة فيه. بل لابد من تقييدها بالتشريعات الإسلامية المتعلقة بالإقتصاد وبما لا
يوجب الغنى الفاحش، وبما لا يوجب انحصار استثمار الطبيعة بشخص أو جماعة محدودة. وقد
يرفض الإقتصاد الحر في بعض الأحوال، حين يكون المجتمع محتاجاً إلى اقتصاد موجه
مدعوم من الدولة.
5ـ العمل على التوزيع العادل للثروات الطبيعية وتمكين الكفاءات من القيام بدورها.
6ـ الإهتمام بالإنسان وحقوقه التي نص عليها الإسلام وعدم التفريط بها وأخذها بعين
الإعتبار وتأمين التشريعات المناسبة لذلك حتى في المجال القضائي.
7ـ عدم التفريط باستقلال ووحدة المجتمع المسلم وعدم عقد المعاهدات والإتفاقات التي
تؤدي إلى الإستسلام للسياسات المعادية للإسلام والمسلمين.
وهناك أمور أخرى تطال الجانب المالي والإداري والسياسي والإقتصادي والعسكري
والتربوي قد فصل فيها الباحثون والمفكرون. وليس كتابنا هذا منعقداً لبيانها فمن
أراد التفصيل فليراجع ما كتب في هذا المجال.
_______________________
[1] وهم غير محقين في هذا الإنطباع، وأن عمل الكثير من غير المحبين على ترسيخ هذه
الفكرة لتضخيم الحاجز بين هذين الصنفين من الأمة.
[2] لا نعني بذلك أنه لا يهمنا أمر المثقفين غير المسلمين أو المثقفين غير
الملتزمين بالإسلام. بل نعي أن الحاجة في البداية ملحة لردهم الهوة بين من ذكرنا من
المثقفين والعلماء، لأن الأمر فيه أيسر من المثقفين الآخرين وإن كان بعض ما سنذكره
ينطبق أيضاً على المثقفين غير الملتزمين بالإسلام.
[3] راجع ص (268) وما بعدها من كلمات «الكلمات القصار» من منشورات الوحدة الثقافية
في حزب الله.
[4] سورة محمد (صلى الله عليه وآله) الآية: 7.
[5] كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 177 إصدار مكتبة نينوى الحديثة طهران.
[6] ج11 الباب الثالث عشر من أبواب جهاد العدو.
[7] وسائل الشيعة ج11 الباب 13 من أبواب جهاد العدو ح8.
[8] جمع جدي.
[9] أصول الكافي كتاب الإيمان والكفر باب في قلة عدد المؤمنين الحديث 4.
[10] الكافي الجزء الثامن (الروضة) الحديث 456.
[11] وليست التقية من مختصات الفكر الإسلامي الشيعي بل هي من مسلمات الفكر الإنساني
بشكل عام سواء سمينا ذلك باسم التقية أم لا ولن تجد قوماً أو فئة أو مذهباً إلا
ويمارسها في عمله السياسي ونشاطه الإجتماعي عندما تملي الظروف ذلك بعد ملاحظة
التزاحم بين الأهم والمهم وترجيح الأهم على المهم وقد نقل الله تعالى مثلها في
القرآن في حكاية عمار بن ياسر حيث نطق بالكفر ليخلص نفسه من تعذيب القوم له. ولو
أحاط المرء بالأذى الذي تعرض له الشيعة الإمامية وأئمتهم عليه السلام لفهم معنى
التقية ولم يحورها عن معناها. ولكن التقية لا تعني أن عقائد الشيعة الإمامية باطنية
فإن عقائدهم منشورة معروفة ولم يعد يشعر الشيعة الإمامية في هذا العصر بالحاجة إلى
التقية. رغم كل التشويش الذي تحاط به عقائدهم من قبل الجهلة بها والحاقدين عليهم.
وعلى كل حال فقد كتب الكثير حول التقية لو كان هناك من يريد فيهم حقيقتها.
[12] الوسائل الباب الأول من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحديث التاسع.
[13] الغيبة للنعماني الباب 14 ـ باب ما جاء في العلامات التي تكون قبل قيام القائم
(عج)، الحديث 13.
[14] والملفت أن الإمام الخميني (رحمه الله) لم يتصد لتلك الإعتراضات إلا بعد أن
أدلى شعب الجمهورية الإسلامية بصوته قائلاً نعم للدستور الذي ترتكز على مبدأ ولاية
الفقيه.
[15] نهج البلاغة ص 81 خ 38 شرح الشيخ صبحي الصالح وص 89 ج1 شرح الشيخ محمد عبده.
[16] الإمام الخميني (رحمه الله) كتاب البيع ج2 ص 498.
[17] راجع نظام الحكم والإدارة في الإسلام للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص 416 وما
بعدها.
[18] محسن كديور في حكومة ولايي ص 125. وهو وإن لم يذكر هذا الكلام في سياق إعتراضي
لكن صياغته لهذا الكلام في كتابه صياغة إعتراضية.