مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

الفقيه والسلطة والأمة

الخاتمة وفيها ثلاثة فصول
ـ الفصل الأول: عرض نماذج لآراء الفقهاء حول ولاية الفقيه من بداية الغيبة والى عصرنا الحاضر.
ـ الفصل الثاني: ولاية الفقيه في دستور الجمهورية الإسلامية.
ـ الفصل الثالث: مسألة ولاية الفقيه فقهية أم عقائدية.
ـ مسك الختام: طائفة من كلام الإمام الخميني والإمام الخامنئي.
الفصل الأول: ذكر آراء بعض العلماء في هذا المقام
1ـ رأي الشيخ المفيد:
قال في المقنعة في باب الأمر بالمعروف والجهاد: (فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى. وهم أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان.
وللفقهاء من شيعة الأئمة عليهم السلام أن يجمعوا بإخوانهم في الصلوات الخمس ولهم أن يقضوا بينهم بالحق ويصلحوا بين المختلفين في الدعاوى عند عدم البينات ويفعلوا جميع ما جعل للقضاة في الإسلام، لأن الأئمة عليهم السلام قد فوضوا إليهم ذلك عند تمكنهم منه ومن تأمر على الناس من أهل الحق بتمكين ظالم له وكان أميراً من قبله في ظاهر الحال، فإنما هو أمير في الحقيقة من قبل صاحب الأمر الذي سوغه ذلك وأذن له فيه دون المتغلب من أهل الضلال ومن لم يصلح للولاية على الناس لجهل بالأحكام أو عجز عن القيام بما يسند إليه من أمور الناس، فلا يحل له التعرض لذلك والتكلف له)[1].
أقول: قوله: (فإنما هو أمير في الحقيقة من قبل صاحب الأمر) صريح في تبني نظرية ولاية الفقيه.
وقال في المقنعة في كتاب الوصية: (وليس للوصي أن يوصي إلى غيره إلا أن يشترط ذلك الموصي، فإن لم يشترط له ذلك لم يكن له الإيصاء في الوصية، فإن مات كان الناظر في أمور المسلمين يتولى إنفاذ الوصية على حسب ما كان يجب على الموصي أن ينفذها، وليس للورثة أن يتولوا ذلك بأنفسهم. وإذا عدم السلطان العادل فيما ذكرناه من هذه الأبواب كان لفقهاء أهل الحق العدول من ذوي الرأي والعقل والفضل أن يتولوا ما تولاه السلطان فإن لم يتمكنوا من ذلك فلا تبعه عليهم فيه وبالله التوفيق)[2].
وقوله: (أن يتولوا ما تولاه السلطان) شامل لكل شؤون السلطنة وهو تصريح آخر من قبله بولاية الفقهاء.
2ـ كلام الشيخ الطوسي:
قال في كتاب الخلاف: (الحاكم منصوب لاستيفاء الحقوق وحفظها وترك تضييعها)[3].
ومراده من الحاكم الفقيه على ما يظهر من أدنى مراجعة لكلامه. والتعبير بالمنصوب دليل على القول بالولاية المنصوصة، وليس فقط من باب الحسبة. وعنوان استيفاء الحقوق عام يشمل باب القضاء والأيتام والقصر، كما يشمل الحقوق الإجتماعية والسياسية للمؤمنين. وهذا المعنى الذي ذكره الشيخ نجده عند أغلب علمائنا كالعلامة في مواضع من كتبه وكغيره من العلماء الأجلاء.
وفي كتاب النهاية، نجد أن الشيخ الطوسي قد أكثر من استعمال لفظ الناظر في أمور المسلمين وحاكمهم، كعبارته في باب الوكالة من هذا الكتاب: (وللناظر في أمور المسلمين ولحاكمهم أن يوكل على سفهائهم وأيتامهم ونواقص عقولهم من يطالب بحقوقهم ويحتج عنهم ولهم)[4].
فمن هو هذا الحاكم والناظر في أمور المسلمين غير الفقهاء على ما يدل عليه مجمل الكلام في كتب العلماء ومنهم الشيخ.
3ـ رأي الحلبي:
وقال الحلبي في كتابه الكافي: (تنفيذ الأحكام الشرعية والحكم بمقتضى التعبد فيها من فروض الأئمة (عليهم السلام) المختصة بهم دون من عداهم ممن لم يؤهلوا لذلك. فإن تعذر تنفيذها منهم (عليهم السلام) وبالمأهول لها من قبلهم لأحد الأسباب، لم يجز لغير شيعتهم تولي ذلك ولا التحاكم إليه ولا التوصل بحكمه إلى الحق ولا تقليده الحكم مع الإختيار، ولا لمن لم يتكامل له شروط النائب عن الإمام عليه السلام في الحكم في شيعته، وهي: العلم بالحق في الحكم المردود إليه والتمكن من إمضائه على وجهه واجتماع العقل والرأي وسعة الحلم والبصيرة بالوضع وظهور العدالة والورع والتدين بالحكم والقوة على القيام به ووضعه مواضعه فمتى تكاملت هذه الشروط فقد أذن له في تقلد الحكم، وإن كان مقلده ظالماً متغلباً. وعليه، متى عرض لذلك، أن يتولاه لكون هذه الولاية أمراً بمعروف ونهياً عن منكر تعين فرضها بالتعريض للولاية عليه، وإن كان في الظاهر من قبل المتغلب، فهو نائب عن ولي الأمر عليه السلام في الحكم، ومأهول له لثبوت الإذن منه وآبائه (عليهم السلام) لمن كان بصفته في ذلك وإن لم يقلد من هذه حاله النظر بين الناس فهو في الحقيقة مأهول لذلك بإذن ولاة الأمر)[5] .
وكلامه (رحمه الله) وإن كان مرتبطاً بباب القضاء لكنه قال كلاماً أوسع من دائرته فقد تحدث في بداية كلامه عن تنفيذ الأحكام الشرعية كما أوجب على المستجمع للشرائط أن يقبل الولاية من الظالم حيث يمكنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبالأولى جواز ذلك إن تمكن من الولاية مباشرة بدون أن يكون هناك ظالم فوقه.
4ـ رأي المحقق في الشرائع:
قال في باب اللقطة: (والبعير لا يؤخذ لو وجد في كلأ وماء، ولو أخذ ضمنه ولا يبرأ لو أرسله، ويبرأ لو سلمه إلى صاحبه، ولو فقده سلمه إلى الحاكم، لأنه منصوب للمصالح)[6].. ومثله العلامة في التذكرة وابن العلامة فخر المحققين في إيضاح الفوائد في شرح القواعد.
والمراد بالمصالح مصالح المسلمين التي تعم المصالح الفردية والمصالح العامة. ووصف الحاكم بأنه (منصوب للمصالح) ليس إلا للدلالة على وجود نص أعطى الحاكم الشرعي هذا المنصب، وإلا فلا يقال في المصطلحات الفقهية عن الحاكم أنه منصوب إن كان الدليل عليه دليل الحسبة. كما أن المراد بالحاكم هو الفقيه كما يتضح ذلك بأدنى مراجعة لكلماتهم.
5ـ رأي المحقق الكركي العاملي والعلامة الحلي:
نقل في الجواهر عن المحقق الكركي في رسالته التي ألفها في صلاة الجمعة:
(إتفق أصحابنا على أن الفقيه العادل الأمين الجامع لشرائط الفتوى المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية نائب من قبل أئمة الهدى (عليهم السلام) في حال الغيبة، في جميع ما للنيابة فيه مدخل، وربما استثنى الأصحاب القتل والحدود إلى أن يقول: والأصل فيه ما رواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن عمر بن حنظلة وفي معناه أحاديث أخرى. والمقصود من هذا الحديث هنا أن الفقيه الموصوف بالأوصاف المعينة منصوب من قبل أئمتنا (عليهم السلام) نائب عنهم في جميع ما للنيابة فيه مدخل بمقتضى قوله: (فإني جعلته عليكم حاكماً). وهذه استنابة على وجه كلي.
ثم نقل المحقق كلام العلامة، من أننا لو اشترطنا في انعقاد صلاة الجمعة بالإمام أو المنصوب من قبله فإن الفقيه منصوب من قبله فتنعقد به. ثم قال المحقق: لا يقال الفقيه منصوب للحكم والإفتاء والصلاة أمر خارج عنهما. لأنا نقول هذا في غاية السقوط لأن الفقيه منصوب من قبلهم (عليهم السلام) حاكماً في جميع الأمور الشرعية)[7].
كما يكثر منه (رحمه الله) التعبير بكون الفقيه هو النائب العام فراجع كتابه جامع المقاصد ورسائله المجموعة في عدة مجلدات.
واعلم أن من يشترط في انعقاد صلاة الجماعة المنصوب من قبل الإمام، يقصد بذلك من يجعله الإمام عليه السلام نائباً عنه في شؤون الأمة المعبر عنه بالسلطان. لأن منشأ الإشتراط المذكور أن المشترطين يعتبرون انعقاد صلاة الجمعة من شؤون الحكومة والسلطة. فحتى تنعقد يجب أن يكون هناك سلطان معصوم أو عادل عينه المعصوم عليه السلام.
فعندما يرى العلامة على ما نقله المحقق الثاني أننا حتى لو اشترطنا وجود هذا النائب فإن صلاة الجمعة يمكن انعقادها في عصر الغيبة لأن الفقيه منصوب من قبله، يعلم أن مراده النصب للولاية العامة. وليس مراده أن الفقيه منصوب لخصوص صلاة الجمعة حتى يقال إنه لا علاقة لهذا بالنصب العام. لأن المطلوب وجود من يملك صلاحية أن يأذن في الصلاة، فقد يصلي الفقيه وقد يصلي غير الفقيه، لكن لو صلى غير الفقيه يحتاج إلى إذن وتعيين من قبل الفقيه. وهذه الصلاحية التي تثبت للفقيه أعني حق تعيين أئمة الجمعة لن تثبت بدليل الحسبة كما لا يوجد نص خاص عليها، بل هي من فروع القول بالولاية العامة. فمن أنكر الولاية العامة لن يستطيع أن يدعي أن الفقهاء نواب الإمام (عليه السلام) بحيث يكفي إذنهم لانعقاد الجماعة.
وفي الواقع فإن هذا هو مراد كل من عبر بقوله: (يشترط الإمام أو نائبه)[8].
ولو فرضنا أن المقصود كون الفقيه مأذوناً له في صلاة الجمعة فقط، نقول أيضاً هذا لا يتلاءم مع غير القول بالولاية العامة، لأنه لا يوجد لدينا نص خاص يدل على وجود هذا الإذن للفقيه، كما أن دليل الحسبة لا يثبته. كما أنه ليس من شؤون القضاء التصدي لصلاة الجمعة حتى يستكشف هذا الإذن من الإذن في القضاء. فمن قال بأن الفقيه مأذون له من قبل الإمام بالصلاة لا يستطيع أن يدعي ذلك دون أن يكون هناك إذن عام للفقيه بالقيام مقام الإمام (عليه السلام)، ولذا عقب المحقق الثاني على كلام العلامة بأن دليل النصب لصلاة الجمعة هو الإذن العام والنيابة العامة.
6ـ رأي الشهيد الثاني العاملي:
قال في مسالك الأفهام: (فالفقيه في حال الغيبة وإن كان منصوباً للمصالح العامة لا يجوز له مباشرة أمر الجهاد بالمعنى الأول)[9].
وهذا الكلام صريح في كون الفقيه ولياً من قبل المعصوم على أمور المسلمين لكنه استثنى من ذلك الجهاد الإبتدائي. ولولا أنه منصوب للأمور العامة ولشؤون الحكم لم يكن وجه لهذا الإستثناء، أو لتخصيص الإستثناء بالجهاد الإبتدائي.
7ـ رأي المحقق النراقي:
وهو من أساتذة الشيخ الأعظم الأنصاري. قال في كتابه عوائد الأيام: (كلية ما للفقيه العادل توليه وله الولاية في أمرين:
أحدهما: كل ما كان للنبي صلى الله عليه وآله والإمام (عليه السلام) الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام فيه الولاية وكان لهم، فللفقيه أيضاً إلا ما أخرجه الدليل.
وثانيهما: إنّ كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم ودنياهم ولابد من الإتيان به ولا مفر منه إما عقلاً أو عادة من جهة توقف أمور المعاد أو المعاش لواحد أو جماعة عليه وإناطة انتظام أمور الدين أو الدنيا به، أو شرعاً من جهة ورود أمر به أو إجماع أو نفي ضرر أو إضرار أو عسر أو حرج او فساد على مسلم، أو دليل آخر أو ورد الإذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفة لمعين واحد أو جماعة ولا لغير معين أي واحد لا بعينه بل علم لا بدية الإتيان به أو الإذن فيه، ولم يعلم المأمور به ولا المأذون فيه فهو وظيفة الفقيه وله التصرف فيه والإتيان به)[10].
وهذا الذي ذكره (رحمه الله) تحت عنوان ثانيهما هي الأمور الحسبية وهي القدر المتيقن من ولاية الفقيه التي لا ينبغي إسناد إنكارها إلى أحد من فقهائنا.
8ـ رأي الشيخ النجفي صاحب الجواهر (رحمه الله).
قد ذهب في كتابه جواهر الكلام إلى ثبوت الولاية العامة للفقهاء، مستدلاً على ذلك بحديث عمر بن حنظلة وحديث الخليفة والتوقيع المروي عن صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه وحديث الوراثة.
ثم قال: (لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلقة بشيعتهم معطلة. فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً، ولا تأمل المراد من قولهم إني جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجة وخليفة، ونحو ذلك مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم.
ولذا جزم فيما سمعته من المراسم [11] بتفويضهم (عليهم السلام) لهم في ذلك. نعم لم يأذنوا لهم في زمن الغيبة ببعض الأمور التي يعلمون عدم حاجتهم إليها كجهاد الدعوة المحتاج إلى سلطان وجيوش وأمراء ونحو ذلك مما يعلمون قصور اليد فيها عن ذلك ونحوه، وإلا[12]لظهرت دولة الحق كما أومأ إليه الصادق (عليه السلام) بقوله: (لو أن لي عدد هذه الشويهات[13] وكانت أربعين لخرجت)[14].
9ـ رأي الشيخ الأنصاري (رحمه الله).
وقد تقدم نقل كلامه سابقاً.
10 ـ رأي الشيخ الآغا رضا الهمداني (رحمه الله):
قال في كتاب الخمس: (.. ولكن الذي يظهر بالتدبر في التوقيع المروي عن إمام العصر (عج) الذي هو عمدة دليل النصب إنما هو إقامة الفقيه المتمسك برواياتهم مقامه بإرجاع عوام الشيعة إليه في كل ما يكون الإمام مرجعاً فيه، كي لا يبقى شيعته متحيرين في أزمنة الغيبة، وهو ما رواه في الوسائل (ثم ذكر التوقيع الشريف). ومن تدبر هذا التوقيع الشريف يرى أنه (عليه السلام) قد أراد به إتمام الحجة على شيعته في زمان غيبته، بجعل الرواة حجة عليهم على وجه لا يسع لأحد أن يتخطى عما فرضه الله معتذراً بغيبة الإمام (عليه السلام)، لا مجرد حجية قولهم في نقل الرواية أو الفتوى. فإن هذا مع أنه لا يناسبه التعبير بحجتي عليكم، لا يتفرع عليه مرجعيتهم في الحوادث الواقعة التي هي عبارة عن الجزئيات الخارجية التي من شأنها الإيكال إلى المعصوم. إن قلت: إن القدر المتيقن الذي يقتضيه التفريع إنما هو إقامته مقامه من حيث الولاية. ومقتضاه ثبوت منصب الولاية له من قبل الإمام (عليه السلام)، ولكن فيما من شأنه الرجوع إلى الإمام.. لا كل شيء كي يقتضي ذلك الولاية المطلقة وكون الفقيه كالإمام أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وملخص الكلام إن غاية ما يمكن أن ادعاؤه إنما هو دلالة هذا التوقيع على ثبوت منصب الرئاسة والولاية للفقيه، وكون الفقيه في زمان الغيبة بمنزلة الولاة المنصوبين من قبل السلاطين على رعاياهم في الرجوع إليه، وإطاعته فيما شأنه الرجوع فيه إلى الرئيس. وهذا غير مسألة النيابة والتوكل في قبض أمواله كما هو المدعى[15]. قلت: يفهم هذا عرفاً من إعطاء هذا المنصب لشخص بالفحوى خصوصاً في ضبط أمواله الراجعة إليه من حيث الرئاسة كجمع الفيء والأنفال والأخماس ونحوها مما هو كجمع الخراج من مناصب الرئيس. وكيف كان فلا ينبغي الإستشكال في نيابة الفقيه الجامع لشرائط الفتوى عن الإمام (عليه السلام) حال الغيبة في مثل هذه الأمور، كما يؤيده التتبع في كلمات الأصحاب، حيث يظهر كونها لديهم من الأمور المسلمة في كل باب حتى أنه جعل غير واحد عمدة المستند لعموم نيابة الفقيه لمثل هذه الأشياء هو الإجماع..)[16].
وكلامه (رحمه الله) يوحي بالإجماع على عموم نيابة الفقيه.
11ـ رأي السيد الخوئي (رحمه الله):
قد نقلنا كلام السيد الخوئي الذي ذكره في كتاب الجهاد ونضيف هنا قوله في بعض أجوبة الإستفتاءات الموجهة إليه:
(في ثبوت الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط خلاف ومعظم فقهاء الإمامية يقولون بعدم ثبوتها وإنما ثبتت في الأمور الحسبية)[17].
وقد بينا فيما سبق أن الأمور الحسبية ليست ضيقة الحدود. ثم إن فيما نسبه للمعظم من فقهاء الإمامية لا يخلو من نقاش يظهر منشؤه مما نقلناه سابقا من آراء للعلماء حول الموضوع، فإنها إن لم تكن صريحة في ثبوت الولاية العامة لكنها على الأقل تمنع مما قاله السيد الخوئي (رحمه الله).
12ـ رأي السيد البروجردي:
وهو من أساتذة الإمام الخميني ولم يدرك الثورة الإسلامية المباركة.
وكان قد تعرض لمسألة ولاية الفقيه في محاضرات فقهية حول صلاة الجمعة قررها تلميذه الشيخ المنتظري ودوّنها في كتاب وننقل هنا خلاصة كلامه (رحمه الله):
(يتوقف إثبات ولاية الفقيه على أمور:
الأول: إن في المجتمع أموراً إجتماعية عامة يتوقف عليها حفظ نظام المجتمع كالقضاء والولاية على القصر ونحوها ومثل حفظ النظام الداخلي وسد الثغور.. وليست هي بالتالي يتصدى لها كل شخص بل هي من وظائف القيّم على المجتمع.
الثاني: يكتشف المتتبع لقوانين الإسلام أنه دين سياسي إجتماعي، وليست أحكامه مقصورة على العبادات المحضة بل أكثر أحكامه مرتبطة بسياسة المدن وتنظيم المجتمع وسعادته كأحكام المعاملات والقضاء والضرائب ونحوها. ولذا اتفق الخاصة والعامة على ضرورة وجود سائس في المجتمع الإسلامي، وزعيم يدبر أمور المسلمين بل هو من ضروريات الإسلام وإن اختلفوا في شرائطه وخصوصياته وأن تعيينه من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله أو بالإنتخاب.
الثالث: إن سياسة المدن وتأمين الأمور الإجتماعية ليست بعيدة عن الجوانب الروحية وجانب تبليغ الأحكام وإرشاد المسلمين، بل كانت السياسة في الإسلام مختلطة منذ اليوم الأول بالدين، وكانت من شؤونه فكان الرسول صلى الله عليه وآله بشخصه يدبر أمور المسلمين وينصب الحكام ويطلب الحقوق المالية.
الرابع: إن من معتقداتنا معاشر الإمامية أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يهمل أمر الخلافة، وأن خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وزعامة المسلمين من بعده كانت للأئمة الإثني عشر (عليهم السلام) فكانوا هم المراجع بحق للأمور السياسية والإجتماعية وكان هذا مرتكزاً في أذهان أصحاب الأئمة (عليهم السلام) أيضاً.
النتيجة:
وحينئذٍ نقول: لما كانت هذه الأمور والحاجات الإجتماعية مما يبتلى بها الجميع مدة عمرهم غالباً، ولم يكن الشيعة في عصر الأئمة (عليهم السلام) متمكنين من الرجوع إليهم (عليهم السلام) في جميع الأحوال، كما يشهد بذلك تفرقهم في البلدان، وعدم كون الأئمة (عليهم السلام) حاكمين فعليين، فلا محالة يحصل لنا القطع بأن أمثال زرارة قد سألوا عمن يرجع إليه في أمثال تلك الأمور، ونقطع بأن الأئمة (عليهم السلام) لم يهملوا هذه الأمور العامة البلوى التي لا يرضى الشرع بإهمالها، بل نصبوا من يرجع إليهم الشيعة عند عدم التمكن من الرجوع إليهم (عليهم السلام)، بل في عصر الغيبة الذي كان الأئمة (عليهم السلام) يخبرون عنه ويهيئون شيعتهم له. فهل يحتمل أحد أنهم (عليهم السلام) نهوا شيعتهم عن الرجوع إلى الطواغيت وقضاة الجور دون أن يحددوا البديل في فصل الخصومات والتصرف في أموال القصر والغائبين والدفاع عن حوزة الإسلام ونحو ذلك من الأمور التي لا يرضى الشرع بإهمالها. لا يمكن بل كانت هناك أسئلة وأجوبة، غايته أنه لم يصلنا منها إلا القليل كرواية عمر بن حنظلة وأبي خديجة.
وإذا جزمنا بأنهم لم يهملوا هذه النقطة وأنهم عينوا مرجعاً لهذه الأمور فلابد أنه الفقيه، إذ لم يقل أحد من علمائنا بنصب غير الفقيه. فإذا كانت كلماتهم متفقة على أنه إن كان هناك تعيين فهو تعيين للفقيه، يكون دليلاً على أن الفقيه هو المعين بعد فرض عدم إمكان إهمال التعيين).[18]
أقول: وما أشبه هذا الذي ذكره الإمام الخميني في كتابيه البيع والحكومة الإسلامية. والملاحظ أن السيد البروجردي قد أقرن كلامه بما يشبه دعوى الإجماع على أن من يمكن أن يعين لهذه الأمور هو الفقيه فقط.
13ـ رأي السيد الگلبايگاني:
في بحث خاص حول ولاية الفقيه قرره تلميذه الشيخ الصابري الهمداني تحت اسم (الهداية إلى من له الولاية) نجد ما خلاصته:
بعد أن استعرض الأدلة الدالة على ولاية الفقيه يستنتج ثبوت الولاية للفقيه الجامع للشرائط فيما يرتبط بالأمور العامة وحفظ المجتمع والأمة وسياسة الرعية والملة، لوضوح أن المجتمع لا ينتظم أمره إلا بسلسلة من القوانين الجارية فيهم الحاكمة عليهم، حتى يقف الناس على حد محدود ولا يتعدى بعضهم على بعض ولا يأكل القوي الضعيف ويقوّم الإعوجاج ويرتفع اللجاج فيحكم بثبوت الولاية لفقيه فيما يرتبط بسياسة المجتمع وإدارته إلا ما أخرجه الدليل كالجهاد للدعوة إلى الإسلام لاختصاصه بالنبي صلى الله عليه وآله والإمام (عليه السلام) ونائبه المخصوص لذلك. وأما الجهاد للدفاع فإنه وإن كان واجباً بنفسه ولا يتوقف وجوبه على أمر الفقيه لكن للفقيه تنظيم هذا الأمر فينفر للجهاد البعض ويبقي على البعض، وينظر في الكيفية المخصوصة التي تحقق الهدف ويوجب النصر على الكفار)[19].
14ـ رأي السيد محمد آل بحر العلوم:
قد نقلنا بعضاً من كلامه فيما سبق عند الحديث عن دليل الحسبة وهنا ننقل له هذه العبارة من كتابه بلغة الفقيه: (فتعين كون المنصوب هو الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة (مراده أنه منصوب لتنفيذ كل ما كان مناطاً بنظر الإمام (عليه السلام) من حيث رئاسته).. هذا مضافاً إلى غير ما يظهر لمن تتبع فتاوى الفقهاء في موارد عديدة مع أنه غير منصوص عليها بالخصوص، وليس إلا لاستفادتهم عموم الولاية له بضرورة العقل والنقل، بل استدلوا به عليه (مراده أنهم استدلوا بعموم الولاية على ذلك المورد الخاص)، بل حكاية الإجماع عليه فوق حد الإستفاضة وهو واضح بحمد الله تعالى لا شك فيه)[20].
وإن هذا الكلام منه صريح في البداهة الشرعية وعدم وجود خلاف في الولاية العامة ومراده من الدليل العقلي دليل الحسبة الذي نقلناه سابقاً.
15 ـ رأي الشهيد السيد الصدر:
وهو معروف شائع فقد اشتهر عنه قوله بثبوت الولاية للفقيه والتزم بها عملياً من خلال إقراره بالقيادة للإمام الخميني (رحمه الله)، فأغنى ذلك عن نقل عبارة محددة عنه تبين ذلك. وقد تأثر به في ذلك تلامذته كالسيد كاظم الحائري والسيد محمود الهاشمي وآخرين.
16ـ رأي السيد عبد الأعلى السبزواري (رحمه الله).
قال في كتابه مهذب الأحكام: (والذي ينبغي البحث عنه إنما هو في سعة الولاية.. والحق أن هذا البحث يدور مدار سعة بسط اليد وعدمها.
فالمتشرعة يرون للفقيه المبسوط اليد من الولاية ما لا يرونه لغيره، فكلما زيد في بسط اليد تزداد سعة الولاية. ومقتضى فطرة الأنام أن الفقيه الجامع للشرائط بمنزلة الإمام (عليه السلام) إلا ما اختص المعصوم به. وذلك يقتضي سعة الولاية إلا ما خرج بالدليل كما يقتضيها إطلاق قوله (عليه السلام): (فإنهم حجتي عليكم)..، هذا مع أنه بعد سد الرجوع إلى أبواب حكام الجور وقضاتهم والأخذ منهم وعدم الميل إليهم بنحو شديد أكيد، مع عموم الإبتلاء للإحتياج إلى ولاية الفقيه الجامع للشرائط، فهل يتصور أن يهمل الشارع هذه الجهة بالنسبة إلى أمته ويذرهم حيارى فالتشكيك في ولاية الفقيه فيما تبسط يده بالنسبة إليها مما لا ينبغي)[21].
والملفت اعتباره ولاية الفقيه وعمومها من مقتضيات فطرة الأنام وهي أبعد من دعوى الإجماع على ولاية الفقيه.
ما هو المشهور:
ويكفي هذا المقدار من نقل لأقوال العلماء. وقد نقلنا أقوالاً لبعض القدماء وأقوالاً لبعض فقهاء عصرنا.[22]
ويمكن أن نضيف بأن كل من ذهب إلى أنه يحق للفقهاء أن يتولوا الإمارة ولو من الظالم إن أمكن من خلال ذلك نشر العدل وإحقاق الحق وإبطال الباطل، فهو ممن يرى الولاية للفقهاء. وإلا فإن لم يكن لهم هذه الولاية فبأي حق يجوز لهم تولي هذا المنصب، والحال أن المفروض أن الفقهاء غير مكرهين على قبول هذا المنصب، كما أن المفروض أن السلطان الظالم لا يعطي شرعية لمنصبهم بل الشرعية إن تمت فهي مستفادة من أن هذا شأنهم ودورهم المعطى لهم والمسؤولون عنه. بل أن بعض الفقهاء عبر بأن الفقيه في هذه الحال عليه أن يحكم ويتولى بعنوان النيابة عن المعصوم وهذا كالصريح في القول بثبوت الولاية للفقهاء.. والظاهر أن المشهور بين العلماء القدماء هو الرأي.
بل على القول المشهور من جواز تصدي الفقهاء للولاية من قبل الظالم مع وجود المصلحة الداعية له يكون الأولى منه بالجواز قيام الفقهاء بتشكيل الحكومة الإسلامية بدون أن يكون هناك وال ظالم فوقهم.
كما يمكن استنتاج ذلك من كل من أوجب أو أعطى للفقيه الحق باستلام الحقوق الشرعية كالخمس ونحوها بعنوان النيابة عن المعصوم (عليه السلام). إذ من الواضح أن هذه النيابة لا ترتبط بالقضاء وإجراء الحدود، فلو كان الدليل الدال على النيابة عند فقهائنا العظام منحصراً بباب القضاء وإجراء الحدود، لم يكن وجه لذكر النيابة في قبض الخمس وصرفه على أهله. والمشهور بين العلماء إعطاء هذا الحق للفقيه بل ربما كان المشهور إلزام المكلفين بإعطاء الخمس للفقهاء بعنوان أنهم نواب الأئمة (عليهم السلام) في عصر الغيبة.
كما أننا أشرنا إلى أن جملة من الفقهاء اشترطوا في صحة انعقاد صلاة الجمعة وجود النائب عن الإمام وقالوا بتحقق هذا الشرط في عصر الغيبة لأن الفقهاء نواب ومنصوبون من قبل الأئمة (عليهم السلام) ولا علاقة لهذه النيابة بباب القضاء وإجراء الحدود.
والخلاصة أنه ربما يجد المتتبع لكلمات الفقهاء القرائن العديدة على أنهم في أغلبهم يرون الولاية للفقيه فتأمل في كلماتهم وتتبع مواردها والله المسدد. فإنك لو فعلت ذلك سيحصل لك الإطمئنان بأن مسألة ولاية الفقيه وعمومها من المسائل المتسالم عليها بينهم سواء منهم العلماء المتصلين بعصر الغيبة الصغرى أم من عداهم على ما نقلناه من آراء بعضهم. ومع هذا فمن الغريب أن يدعي بعضهم أن مسألة ولاية الفقيه غريبة عن الأمة أو يدعي أن المشهور بين علماء الحقبة المتصلة بعصر الغيبة الصغرى عدم مشروعية الحكم للفقهاء.
الفصل الثاني: ولاية الفقيه في دستور الجمهورية الإسلامية المباركة[23]
أولاً: ولاية الفقيه العادل: في مقدمة الدستور
إعتماداً على استمرار ولاية الأمر والإمامة يقوم الدستور بإعداد الظروف المناسبة لتحقيق قيادة الفقيه جامع الشرائط والذي يعترف به الناس باعتباره قائداً لهم (مجاري الأمور بيد العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه) وبذلك يضمن الدستور صيانة الأجهزة المختلفة عن الإنحراف عن وظائفها الإسلامية الأصيلة.
ثانياً: يقوم نظام الجمهورية على أساس (المادة الثانية)[24]:
الإيمان بالله الإيمان بالإمامة والقيادة المستمرة ودورها الأساس في استمرار الثورة التي أحدثها الإسلام.
وهو نظام يؤمن القسط والعدل والإستقلال السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي والتلاحم الوطني عن طريق ما يلي:
الإجتهاد المستمر من قبل الفقهاء جامعي الشرائط على أساس الكتاب وسنة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين.
الإستفادة من العلوم والفنون والتجارب المقدمة لدى البشرية والسعي من أجل تقدمها.
ثالثاً: (المادة الخامسة):
في زمن غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل المتقي البصير بأمور العصر الشجاع القادر على الإدارة والتدبير وذلك وفقاً للمادة 701.
رابعاً: السلطات الحاكمة في جمهورية إيران الإسلامية هي (المادة السابعة والخمسون):
السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية تمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأمة وذلك وفقاً للمواد اللاحقة في هذا الدستور.
خامساً (المادة التاسعة والثمانون):
في حالة استيضاح (استجواب) رئيس الجمهورية من قبل ثلث النواب على الأقل في مجلس الشورى حول القيام بواجبات إدارة السلطة التنفيذية وإدارة الأمور التنفيذية في البلاد فإن على رئيس الجمهورية ـ خلال مدة شهر من طرح الإستيضاح ـ أن يحضر في المجلس ويعطي التوضيحات الكافية حول المسائل المطروحة وعند انتهاء مناقشات النواب المعارضين والمؤيدين وجواب رئيس الجمهورية إذا صوتت أكثرية الثلثين من النواب على عدم كفاءة رئيس الجمهورية فإن ذلك يرفع وفق الفقرة العاشرة من المادة العشرة بعد المائة إلى مقام القيادة لإطلاعه عليها.
سادساً: تشكيل مجلس صيانة الدستور (المادة الحادية والتسعون):
يتم تشكيل مجلس باسم مجلس صيانة الدستور ويتكون على النحو التالي:
ستة أعضاء من الفقهاء العدول العارفين بمقتضيات العصر وقضايا الساعة ويختارهم القائد. ستة أعضاء من المسلمين من ذوي الإختصاص في مختلف فروع القانون يرشحهم رئيس السلطة القضائية ويصادق عليهم مجلس الشورى الإسلامي.
القائد (الفصل الثامن من الدستور ضمن المواد التالية):
سابعاً: (المادة السابعة بعد المائة):
بعد المرجع المعظم والقائد الكبير للثورة الإسلامية العالمية ومؤسس جمهورية إيران الإسلامية سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني (رحمه الله) توكل مهمة تعيين القائد إلى الخبراء المنتخبين من قبل الشعب وهؤلاء الخبراء يدرسون ويتشاورون بشأن كل الفقهاء الجامعين للشرائط المذكورة في المادتين الخامسة والتاسعة بعد المائة ومتى ما شخصوا فرداً منهم باعتباره الأعلم بالأحكام والموضوعات الفقهية أو المسائل السياسية والإجتماعية أو حيازته تأييد الرأي العام أو تمتعه بشكل بارز بإحدى الصفات المذكورة في المادة التاسعة بعد المائة انتخبوه للقيادة وإلا فإنهم ينتخبون أحدهم ويعلنونه قائداً ويتمتع القائد المنتخب بولاية الأمر ويتحمل كل المسؤوليات الناشئة عن ذلك. ويتساوى القائد مع كل أفراد البلاد أمام القانون.
ثامناً: (المادة الثامنة بعد المائة):
القانون المتعلق بعدد الخبراء والشروط اللازم توفرها فيهم وكيفية انتخابهم والنظام الداخلي لجلساتهم بالنسبة للدورة الأولى يجب إعداده بواسطة الفقهاء الأعضاء في أول مجلس لصيانة الدستور ويصادق عليه بأكثرية أصواتهم وفي النهاية يصادق قائد الثورة عليه وبعد ذلك فإن أي تغيير أو إعادة نظر في هذا القانون والموافقة على سائر المقررات المتعلقة بواجبات الخبراء يكون ضمن صلاحيات مجلس الخبراء.
تاسعاً: ( المادة التاسعة بعد المائة):
الشروط اللازم توفرها في القائد وصفاته هي:
الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه.
العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمة الإسلامية.
الرؤية السياسية الصحيحة والكفاءة الإجتماعية والإدارية والتدبير والشجاعة والقدرة الكافية للقيادة.
وعند تعدد من تتوفر فيهم الشروط المذكورة يفضل من كان منهم حائزاً على رؤية فقهية وسياسية أقوى من غيره.
عاشراً: (المادة العاشرة بعد المائة): وظائف القائد وصلاحياته.
1ـ تعيين السياسات العامة لنظام جمهورية إيران الإسلامية بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام.
2ـ الإشراف على حسن إجراء السياسات العامة للنظام.
3ـ إصدار الأمر بالإستفتاء العام.
4ـ القيادة العامة للقوات المسلحة.
5ـ إعلان الحرب والسلام والنفير العام.
6ـ نصب وعزل وقبول استقالة كل من:
أ ـ فقهاء مجلس صيانة الدستور.
ب ـ أعلى مسؤول في السلطة القضائية.
ج ـ رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في جمهورية إيران الإسلامية.
د ـ رئيس أركان القيادة المشتركة.
هـ القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية.
و ـ القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي.
7ـ حل الإختلافات وتنظيم العلائق بين السلطات.
8 ـ حل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية من خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام.
9 ـ إمضاء حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب أما بالنسبة لصلاحية المرشحين لرئاسة الجمهورية من حيث توفر الشروط المعينة في هذا الدستور فيهم فيجب أن تنال قبل الإنتخابات موافقة مجلس صيانة الدستور وفي الدورة الأولى تنال موافقة القيادة.
10 ـ عزل رئيس الجمهورية مع ملاحظة مصالح البلاد وذلك بعد صدور حكم المحكمة العليا بتخلفه عن وظائفه القانونية أو بعد رأي مجلس الشورى الإسلامي بعدم كفاءته السياسية على أساس من المادة التاسعة والثمانين.
11ـ العفو أو التخفيف من عقوبات المحكوم عليهم في إطار الموازين الإسلامية بعد اقتراح رئيس السلطة القضائية.
ويستطيع القائد أن يوكل شخصاً آخر أداء بعض وظائفه وصلاحياته.
حادي عشر: (المادة الحادية عشرة بعد المائة):
عند عجز القائد عن أداء وظائفه القانونية أو فقده أحد الشروط المذكورة في المادة الخامسة والمادة التاسعة بعد المائة أو علم فقدانه لبعضها منذ البدء فإنه يعزل عن منصبه ويعود تشخيص هذا الأمر إلى مجلس الخبراء المذكور في المادة الثامنة بعد المائة.
وفي حالة وفاة القائد أو استقالته أو عزله فإن الخبراء مكلفون بالقيام بأسرع وقت بتعيين القائد الجديد وإعلان ذلك وحتى يتم إعلان القائد فإن مجلس شورى مؤلف من رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور ـ ينتخب من قبل مجمع تشخيص مصلحة النظام ـ يتحمل جميع مسؤوليات القيادة بشكل مؤقت وإذا لم يتمكن أحد هؤلاء من القيام بواجباته في هذه الفترة (لأي سبب كان) يعين شخص آخر في الشورى من قبل مجمع تشخيص مصلحة النظام مع التركيز على بقاء أكثرية الفقهاء وهذا المجلس يقوم بتنفيذ الوظائف المذكورة في البنود 1و 3 و 5 و10. والفقرات (د) و (ه) و (و) في البند السادس من المادة العاشرة بعد المائة بعد موافقة ثلاثة أرباع أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام.
ومتى ما عجز القائد ـ إثر مرضه أو أية حادثة أخرى ـ عن القيام بواجبات القيادة مؤقتاً يقوم المجلس المذكور في هذه المادة ـ خلال فترة العجز ـ بأداء مسؤوليات القائد.
ثاني عشر: (المادة الثانية عشرة بعد المائة):
يتم تشكيل مجمع تشخيص مصلحة النظام بأمر من القائد لتشخيص المصلحة في الحالات التي يرى مجلس صيانة الدستور أن قرار مجلس الشورى الإسلامي يخالف موازين الشريعة أو الدستور ـ في حين لم يقبل مجلس الشورى الإسلامي رأي مجلس صيانة الدستور ـ بملاحظة مصلحة النظام. وكذلك للتشاور في الأمور التي يكلها القائد إليه وسائر الوظائف المذكورة في هذا الدستور. ويقوم القائد بتعيين الأعضاء الدائمين والمؤقتين لهذا المجمع أما المقرات التي تتعلق بهذا المجمع فتتم تهيئتها والمصادقة عليها من قبل أعضاء المجمع أنفسهم وترفع إلى القائد لتتم الموافقة عليها.
ثالث عشر: (المادة الثلاثون بعد المائة).
يقدم رئيس الجمهورية استقالته إلى القائد ويستمر في القيام بوظائفه إلى أن تتم الموافقة على استقالته.
رابع عشر: (المادة الحادية والثلاثون بعد المائة).
في حالة وفاة رئيس الجمهورية أو عزله أو استقالته أو غيابه أو مرضه لأكثر من شهرين أو في حال انتهاء رئاسة الجمهورية عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية نتيجة وجود بعض العقبات أو لأمور أخرى من هذا القبيل يتولى المعاون الأول لرئيس الجمهورية أداء وظائف رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحياته بموافقة القيادة وفي حالة وفاة المعاون الأول لرئيس الجمهورية أو لوجود أمور أخرى تحول دون قيامه بواجباته وكذلك فيما إذا لم يكن لرئيس الجمهورية معاون أول تعيّن القيادة شخصاً آخر مكانه.
خامس عشر: (المادة الثانية والأربعون بعد المائة):
يتولى رئيس السلطة القضائية التحقيق في أموال القائد ورئيس الجمهورية ومعاونيه والوزراء وزوجاتهم قبل تحمل المسؤولية وبعده.
سادس عشر: (المادة السادسة والسبعون بعد المائة).
يتم تشكيل مجلس الأمن الوطني الأعلى برئاسة رئيس الجمهورية لغرض تأمين المصالح الوطنية وحراسة الثورة ووحدة أراضي البلاد والسيادة الوطنية وذلك للقيام بالمهام التالية:
1ـ تعيين السياسات الدفاعية والأمنية للبلاد في إطار السياسات العامة التي يحددها القائد.
2ـ ويكون أعضاء المجلس على النحو التالي: رؤساء السلطات الثلاث.
ـ رئيس هيئة أركان القيادة العامة للقوات المسلحة.
ـ مسؤول شؤون التخطيط والميزانية.
ـ مندوبان يعينان من قبل القائد.
ويحدد القانون حدود صلاحيات المجالس الفرعية ووظائفها وتتم المصادقة على تنظيمها من قبل الأعلى وتكون قرارات مجلس الأمن الوطني الأعلى نافذة المفعول بعد مصادقة القائد عليها.
سابع عشر: (المادة السابعة والسبعون بعد المائة):
تتم إعادة النظر في دستور جمهورية إيران الإسلامية في الحالات الضرورية على النحو التالي:
يقوم القائد بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام وفق حكم موجه إلى رئيس الجمهورية باقتراح المواد التي يلزم إعادة النظر فيها أو تكميل الدستور بها والدعوة لتشكيل مجلس إعادة النظر في الدستور على النحو التالي:
1ـ أعضاء مجلس صيانة الدستور.
2ـ رؤساء السلطات الثلاث.
3ـ الأعضاء الدائمون في مجمع تشخيص مصلحة النظام.
4ـ خمسة أشخاص من أعضاء مجلس خبراء القيادة.
5ـ عشرة أشخاص يعينهم القائد.
6ـ ثلاثة من أعضاء مجلس الوزراء.
7ـ ثلاثة أشخاص من السلطة القضائية.
8ـ عشرة من نواب مجلس الشورى الإسلامي.
9ـ ثلاثة أشخاص من الجامعيين.
ويعين القانون كيفية العمل وأسلوب الإنتخاب وشروطه وقرارات هذا المجلس يجب أن تطرح للإستفتاء العام بعد أن يتم تأييدها والمصادقة عليها من قبل القائد وتحصل على موافقة الأكثرية المطلقة للمشاركين في الإستفتاء العام.
إن مضامين المواد المتعلقة بكون النظام إسلامياً وبولاية الأمر وإمامة الأمة وكذلك إدارة أمور البلاد بالإعتماد على الآراء العامة والدين والمذهب الرسمي لإيران هي من الأمور التي لا تقبل التغيير.
تعقيب:
إن غالبية هذه البنود قد أعطت للأمة ولمجالس متعددة دوراً قيدت فيه صلاحية الولي الفقيه، وهذا يظهر وجهه من خلال ما ذكرناه سابقاً من صلاحيات. فالفقيه، يحق له ابتداء أن يعزل رئيس الجمهورية وإن لم يقترح ذلك المجلس النيابي وغير ذلك لكن الفقيه الولي أسس لهذا التقييد، وقبل به عملاً بالمقولة التي قدمنا ذكرها عن عهد الأشتر في فصل سراية الولاية والتي تدعو إلى رعاية رضا الأمة، فإن رضا الأمة وإن لم يكن شرطاً في انعقاد ولاية ولي الأمر لكن مما لاشك فيه أن رضا الأمة دخيل في تثبيت دعائم ولاية الفقيه والنظام المبني عليها ما دام الرضا في دائرة الشريعة لم يخرج عنها كما أشار إلى ذلك السيد القائد الإمام الخامنئي في خطبة له في ذكرى وفاة الإمام الخميني سنة 1999م.
الفصل الثالث: ولاية الفقيه مسألة فقهية أم عقائدية
لم نكن نريد الحديث في هذه النقطة لكن لما وجدنا تشويشاً في بعض الأذهان وجدنا حاجة للتعرض إليها. وقد نضطر للإطناب فيها حسب الحاجة، مع ما فيه من الفوائد الأخرى كما ستظهر للقارئ الكريم.
وقد طرح بعض المهتمين بهذه الأمور مسألة ولاية الفقيه على أنها من المسائل العقائدية. ورغم علمنا بأن بعض هؤلاء من الحريصين على مبدأ ولاية الفقيه لا يبغي إلا تثبيت دعائمه، إلا أننا نجد أنفسنا في وضع لا يسمح لنا بالموافقة على ذلك. وأعتقد أن طرح مسألة ولاية الفقيه في مجال عقائدي له آثار سلبية على نفس الفكرة، ولا يساهم في تعزيزها على ما سنبينه. كما أنه طرح يحمل في طياته سلاح التكفير الذي قد يؤدي إلى أن يحمله الجهلة غير المدربين على حمله، سواء قصد صاحب الطرح ذلك أم لم يقصد.
وحتى يتضح ما نقوله، لابد من ذكر ما يمكن أن يكون منشأ لتوهم كون مسألة ولاية الفقيه عقائدية.
كلام للشيخ جوادي الآملي:
قال: يمكن بحث مسألة الولاية من جهتين: الأولى فقهية والأخرى كلامية.
والبحث الفقهي في مسألة الولاية هو أنه إن وجد مثل هذا القانون فالعمل به واجب، والفقيه يبحث في الفقه هل تجب علينا الطاعة أم لا؟ وهل يحق لأفراد محددين أن يتسلموا زمام الأمور في النظام الإسلامي أم لا؟ وهاتان المسألتان فقهيتان والموضوع هنا هو فعل المكلف والبحث يدور حوله.
أما البحث الكلامي في موضوع ولاية الفقيه فهو أن الله تعالى هل وضع دستوراً بهذا الخصوص في زمان الغيبة أم لا؟ وموضوع هذه المسألة هو فعل الله تعالى، وإن كان يترتب عليه حكم على الوالي وهو وجوب القبول وعلى الناس وهو لزوم العمل بهذا التشريع.
ومسألة ولاية الفقيه وإن طرحت كمسألة فقهية، لكنها تحمل في طياتها الجانب الكلامي لأنه ما لم يجعل الله تعالى دستوراً لن تكون هناك وظيفة للفقيه ولن يكون الناس ملزمين بشيء.
وعليه فموضوع المسألة إن كان فعل الله تعالى فالمسألة كلامية، وإن كان فعل المكلف فالمسألة فقهية.
ثم يقول فيما بعد أنه لو طرحت مسألة ولاية الفقيه كمسألة كلامية، فهذا لا يعني أنها تصير كمسألة النبوة والتوحيد[25]، بل المراد أن موضوعها فعل الله تعالى. وليس كل مسألة كلامية هي من أصول الدين، وهناك الكثير من المسائل الكلامية هي ليست من أصول الدين. إنتهى كلامه ملخصاً.[26]
مناقشة هذا الكلام:
وهذه ليست أول مسألة فقهية يذكر في شأنها أنها ذات جانب كلامي، فلدينا الكثير من المسائل التي تطرح في علم أصول الفقه والفقه، والتي يقال فيها أنها ذات جانب أصولي فقهي أو فقهي وذات جانب كلامي.
بل بناء على التحديد الذي ذكر ما من مسألة فقهية إلا وفي طياتها جانب كلامي. فالصلاة من جهة أنها واجبة على المكلف تكون موضوعاً فقهياً، ومن جهة أن الله تعالى هو المشرع وأن تشريع الصلاة فعله تعالى تكون مسألة كلامية. وهكذا بالنسبة إلى كل التشريعات الفقهية، إذ ما لم يشرع الله تعالى لن يكون هناك وجوب ولا تحريم، ولا أي حكم من الأحكام التكليفية والوضعية على المكلف. فما ذكره الشيخ جوادي في توجيه كون المسألة ذات جهة بحث كلامي منطبق على جميع المسائل الفقهية، ولا خصوصية لمسألة ولاية الفقيه في هذا الشأن.
وفي الحقيقة فإن هذا الجانب الكلامي العام الذي تحتاجه جميع المسائل الفقهية مرجعه إلى من يملك حق التشريع وعقيدتنا الإسلامية تقول إنه حق منحصر بالله تعالى، كما أن من ديننا أن ما من واقعة إلا ولها حكم في الإسلام ومن تلك الوقائع أمر الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة فهل شرع الله تعالى تشريعاً أم لا.
وكيفما كان فإننا لا نمانع في اعتبار البحث ذا حيثية كلامية من الجهة التي ذكرها سماحة الشيخ جوادي، دون أن يعني هذا أن علم الكلام يكفي لوحده لحل المسألة بلا حاجة إلى بحث فقهي حولها.
ومن الضروري توضيح ما ذكره الشيخ جوادي حول عدم كون المسألة من الأصول، وذلك من خلال إعطاء الضابطة والتعريف الذي على أساسه نميز بين كون المسألة من الأصول وبين كونها من الفروع حتى لا نتخبط تخبط عشوائي ونحن نناقش أنفسنا في أن المسألة الفلانية هل هي من أصول الدين أو من فروعه. كما أن تعريف أصول الدين يختلف عن تعريف علم الكلام[27].
تعريف أصول الدين:
أصول الدين هي الأمور التي يتوقف عليها الإيمان بالدين والإلتزام به، وبعبارة أخرى ما يتوقف عليها انتساب الإنسان إلى الدين. وأما ما يتفرع عن الإيمان بالدين من تفاصيل فهو خارج عن هذه الأصول، سواء أدخلناه في علم الكلام أم أدخلناه في علم الفقه.
فكون التوحيد والنبوة والمعاد من الأصول لانطباق هذا التعريف عليها. ورغم أن المعاد مما يكفي للإيمان به الإيمان بالقرآن الكريم، لكن مع ذلك عدوه في أصول الدين والسبب في ذلك على ما يظهر لنا أحد أمور:
1ـ أن الإيمان بالمعاد لا يتوقف على الإيمان بالقرآن الكريم.
2ـ أنه ما لم يكن هناك إدراك سابق لدى العقل بالمعاد فسيفقد الإنسان الداعي للإيمان، وسيفقد العقل الحجة التي يلزم بها العقل للبحث عن النبوة والتشريعات.

3ـ أضف إلى ذلك أنه مما بني عليه الإلتزام الشخصي بالدين، فإن الإنسان العادي لن يشعر بالحاجة إلى الإلتزام بالدين لولا قانون الثواب والعقاب الأخروي، وهذا كاف في عد المعاد من أصول الدين وإن لم يكن دليله العقل.[28]
وهذا الذي قلناه من ضرورة توفر الداعي والحجة لدى العقل للبحث وما يتوقف عليه الإلتزام بالدين إنما هو بلحاظ عامة الناس، وإلا فإن الخواص من الناس يكفيهم الإيمان بالله تعالى للبحث عن طريق رضاه وسلوكه، سواء كانت هناك آخرة أم لم تكن، فباعتبار عامة الناس كان المعاد من أصول الدين.
ومن مميزات أصول الدين أن منكرها يكون خارجاً عن الدين سواء كان إنكاره عن تقصير أم عن قصور.
أصول المذهب.
وعلى هذا الأساس يمكن معرفة معنى أصول المذهب، إذ يكون المقصود منه ما يتوقف عليه الإيمان بالمذهب والإلتزام به، كما يتوقف عليه انتساب الإنسان إلى المذهب المخصوص. فإذا قيل العدل والإمامة من أصول الإسلام في نظرية المذهب الجعفري، فمعنى ذلك أنه من أصول المذهب الجعفري، ومعنى ذلك أن الإيمان بهذا المذهب يتوقف على العدل والإمامة، وأن هذا المذهب قد بني على تلك الثلاثة مع هذين الأصلين.
نعم يمكن أن يناقش في كون العدل أصلاً مستقلاً من أصول المذهب، بل هو من فروع مباحث التوحيد. لعل الذي دعا العلماء إلى عده من الأصول كونه علامة فارقة بين المذاهب. فقد سمي المذهب الذي يؤمن بالعدل بمذهب العدلية في مقابل الأشاعرة. والعدلية ينطبق على الشيعة الإمامية وعلى المعتزلة، لكن عندما يضاف الإمامة يتميز العدلية الإمامية عن العدلية المعتزلة.
ومن مميزات أصول المذهب أن منكرها لا يكون من أهل هذا المذهب سواء كان إنكارها ناشئاً عن قصور أو عن تقصير.
وإذا عرفنا بأن الإعتقاد بولاية الفقيه لا يتوقف عليه لا الإيمان بالإسلام ولا الإيمان بالمذهب الجعفري، ولا التزام الفرد به، كما أن إنكارها بمجرده لا يكفي للحكم عليه بأنه خارج عن المذهب، نعرف أنها ليست من هذه الأصول.
ومما يزيد الأمر وضوحاً أن المسائل الإعتقادية من شؤون العقل النظري، ويكون نفس الإعتقاد بها واجباً دينياً أو عقلياً، بينما المسائل الفقهية من شؤون العقل العملي والواجب فيها العمل. وفي أصول الفقه بحث مستقل حول كون الإعتقاد بالحكم ذا وجوب مستقل أم لا والمشهور عدمه.
وإذا بنينا على أن مسألة ولاية الفقيه من جملة فروع هذا المذهب الشريف، فهي من أهمها ومن أهم الأركان الأساسية كالصلاة والصوم والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، لأنه يتوقف عليها تطبيق وإجراء أحكام الإسلام على المستوى الإجتماعي العام بشقيه السياسي والإداري.
لا ترتبط طبيعة المسألة بطبيعة الدليل عليها:
وهذا الأمر ظاهر في العلوم المختلفة، فقد تمر على الأسماع أنواع شتى من الأدلة على المسائل الفقهية ومسائل أصول الفقه وغيرهما من العلوم، دون أن يلزم من ذلك أن تختلف المسألة باختلاف الدليل الدال عليها.
وهذا الذي قلناه صرح به الشيخ جوادي أملي بقوله: (لن يكون بأي حال من الأحوال دليل المسألة هو المعيار في معرفة من أي علم هي)[29].
وبناء عليه:
1ـ فكون مسألة ما من المسائل بديهية فهذا لا يعني أنها غير فقهية، وكم من المسائل الفقهية البديهية أبرزها وجوب الصلاة والصوم ونحوهما.
2ـ كما أن كون مسألة ما من المسائل عقلية الدليل فهذا أيضاً لا يعني أنها غير فقهية، فقد جعل علماء الإسلام العقل من أدلة الأحكام.
علماً أن مسألة ولاية الفقيه ليست بديهية تماماً ولا عقلية تماماً، بل البديهي منها لدى العقل خصوص الولاية وضرورة الحكومة كما تبين عند ذكر الأدلة.
أما كون الولاية للفقيه فهذا ليس بديهياً، بل يحتاج إلى دليل كما تبين. وقد اتضح لك أن الأدلة التي ذكرناها على ذلك ليست بهذه البداهة التي قد يتصورها الإنسان حتى في حسابات الدليل العقلي، وإن كانت قد تبلغ البداهة لدى جملة ممن عرفوا الإسلام حق المعرفة وما أعطاه من دور ومقام للعلم والعلماء، وما يترتب على الحكم من أهمية في نظر الإسلام.
وقد رأينا عند نقل الأقوال أن جمعاً من العلماء الفقهاء قد ادعوا البداهة على ثبوت الولاية للفقيه، لكنها بداهة الفقيه الخبير وليست البداهة التي يدركها كل عاقل مثل الواحد نصف الاثنين.
أما أنها ليست عقلية تماماً فلأن العقل يعتمد في استنتاج كون الولاية للفقيه على جملة مقدمات دينية شرعية بعضها من القرآن الكريم وبعضها الآخر من الروايات كما تقدم.
3ـ كما أن الإستدلال على ولاية الفقيه من باب اللطف لا يعني أن المسألة غير فقهية كمسألة النبوة والإمامة. لأن اللطف لا يصلح دليلاً إلا على أصل الولاية لا على كون الولاية للفقيه، إذ لا ينافي اللطف أو على الأقل لا دليل على أنه ينافيه أن تجعل الولاية في عصر الغيبة لشخص كفوء غير فقيه يتلقى الرأي الشرعي من مرجعية فقهية.
على أن مجرد كون الدليل هو اللطف لا يكفي لكي تخرج المسألة عن كونها فقهية وتصير من علم الكلام. فقد استدل الشيخ الطوسي على كاشفية الإجماع عن قول المعصوم بقاعدة اللطف من غير أن تدخل هذه المسألة في علم الكلام وتخرج عن علم الأصول.
هذا لو استعملت قاعدة اللطف بمعناها ولم تختلط بالرحمة ونحوها من المعاني.[30]
التقليد في مسألة ولاية الفقيه:
وربما كان مراد البعض نفي التقليد عن هذه المسألة، فهي وإن كانت فقهية لكنها ليست من المسائل التي تدخل في دائرة التقليد، فهي كبعض المسائل الفقهية التي لا يقلد فيها مثل وجوب الصلاة والصوم ونحوهما مما يعد من البديهيات الإسلامية.
وهذا الأمر غير صحيح لما أشرنا إليه من أننا نؤمن بكون مسألة الولاية بديهية بالمعنى الذي تقدم، لكننا لا نقر ببداهة مسألة كون الولاية للفقيه بل لابد من الدليل عليها. فما دام يمكن عقلاً وشرعاً أن تقوم الأدلة على ثبوت الولاية لغير الفقيه فمعنى ذلك أن المسألة ليست بتلك المثابة من البداهة.
على أن ما هو بديهي عندنا قد لا يكون بديهياً عند غيرنا، وما يكون هذا هو حاله لا يخرج من دائرة التقليد. وإنما خرجت مسألة وجوب الصلاة والصوم والحج ونحوها من دائرة التقليد لأنها بديهية عن الجميع وغدت من اللوازم الواضحة للإسلام ولشخصية المسلم، فكان كل مسلم يعرف ذلك فاستغنى عن التقليد. وليست مسألة ولاية الفقيه من هذا القبيل كما سيتضح من الأدلة، وإن كنا نرجو أن تصل إلى هذا المستوى، ولكن الأمانة العلمية تقتضي منا أن لا ندخل التمنيات في النتائج.
فالتقليد يشمل مسألة ولاية الفقيه إلا إذا وصل المكلف إلى قناعة قطعية بثبوتها وبداهتها، لكن الإنصاف أن وصول المكلف إلى هذه القناعة لا يمكن دون أن يملك بعضاً من أدوات الإجتهاد التي تؤهله لخوض الأدلة، لما عرفت من أن الوصول إلى هذه القناعة يرتكز على نظرة متعمقة في القرآن والروايات. لكننا في الوقت ذاته نعترف بأن مبدأ الولاية يمكن لمن ملك حظاً من العلم أن يجزم به ويستغني عن التقليد فيه لكن هذا غير كون الولاية للفقيه.
ومن هنا تستنتج أننا لو سلمنا أن المسألة كلامية فهذا لا يعني أنها غير إجتهادية[31] بل تبقى محتاجة إلى اجتهاد على الطريقة الفقهية سواء سميناها فقهية أم لم نسمها بهذا الإسم.ولا يكفي إدخالها في علم الكلام حتى تخرج عن كونها إجتهادية، وهذا ما يلوح من كلام لم ننقله للشيخ جوادي آملي في تلك المجلة.
كون المسألة عقائدية يضيّع لزوم الإلتزام بها.
ولو جعلناها مسألة إعتقادية لا تقليد فيها فنتيجة ذلك عدم وجوب الإعتقاد بها وضياع لزوم الإلتزام بها وذلك لسببين:
أحدهما: إن كان الإعتقاد واجباً، وجب على المكلف أن يجتهد فإن لم يتمكن وجب عليه أن يقلد فإن بطل التقليد يصير تكليف الناس بالإعتقاد بها تكليفاً بغير المقدور، لعدم القدرة على الإجتهاد حسب الفرض. ولن يكون حلاً لهذا الأمر أن ندور بين الناس لإقناعهم بولاية الفقيه بالأدلة العقلية والنقلية، لأن قسماً من الناس بل الغالب منهم لن تتمكن من الإقرار بالنتائج إلا إذا قلدت من تستمع إليه.
ولذا نجد أن العلماء قالوا بعدم وجوب الإعتقاد بالمسائل الكلامية التي لا يكفي فيها التقليد، والتي يحتاج إثباتها إلى قدرة علمية خاصة كمسألة الرجعة ونحوها من المسائل الإعتقادية.
الثاني: إن ترك هذه المسألة لمحض العقول يعرضها للضياع ويصبح للآخرين حق الإحتجاج علينا بأنها لم تثبت عندهم، ولن يهمه في هذه الحال رأي الفقيه الذي قال بولاية الفقيه.
إن كل المسائل المرتبطة مباشرة بالسلوك الإنساني يجب أن يكون المكلف فيها إما مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً، ولن يكون لأحد عذر في التخلف عن ولاية الفقيه لمجرد أن عقله لم يصل إليها.
ما معنى شعار الموت لمن هو ضد ولاية الفقيه:
وربما يعترض علينا بعض المتابعين لموضوع ولاية الفقيه بأنه إن كان الأمر كذلك، فلماذا تنادون أو ينادى في الجمهورية لمن هو ضد ولاية الفقيه؟.
والجواب:
إنّ هذا الشعار ليس ضد من أنكرها اجتهاداً أو تقليداً أو لشبهة، بل هو موجه ضد فئة ظهرت بعد انتصار الثورة واستفتاء الشعب المسلم في إيران على نظام الجمهورية الإسلامية المباركة وفق مبدأ ولاية الفقيه، فئة عملت على محاربة نظام ولاية الفقيه عرفت فيما بعد باسم منافقي الشعب، وضد بعض الشخصيات التي كان أبرزها بني صدر وبعض المتزيين بلباس أهل العلم ممن كانوا يكيدون لهذه الجمهورية، وضد بعض الشخصيات التي رفضت فكرة ولاية الفقيه على خلفية رفض الإسلام أو خلفية الحقد والحسد والإنتقام.
ولذا نجد في بعض كلمات الإمام الخميني ما يشبه تكفير المحاربين للحكومة الإسلامية[32]، لأن من يحارب هذه الحكومة محارب لأهل الإسلام، بل هي محاربة للإسلام والمسلمين. وكيف يكون الإنسان مسلماً إن حارب المسلمين بلا ذنب سوى أنهم آمنوا بولاية الفقيه. وإنكار ولاية الفقيه لا يبرر بأي حال من الأحوال محاربة الحكومة الإسلامية المبنية على نظرية ولاية الفقيه، مهما كان نوع المحاربة. وإننا لنعتبر كل من يعمل على تضعيف هذه الجمهورية ونظامها فاسقاً لا ورع له.
أساس المسألة عقائدي:
لا نمانع في اعتبار مسألة ولاية الفقيه ذات أساس عقائدي فهي على الأقل من تجليات ولاية الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة (عليهم السلام) وشؤونها وتوابعها لأنهم (عليهم السلام) هم الذين جعلوا الفقهاء نواباً عنهم وطاعة النواب من طاعة الأئمة (عليهم السلام). والحق أن هناك مسائل فقهية كثيرة إن لم تكن كلها ذات جذر عقائدي.
بل يمكن القول إن مبدأ الولاية ليس مبدأ فقهياً بل هو مبدأ عقائدي لأن عليه تقوم نظرية النبوة والإمامة في بعض وجوهها، لكن الولاية بالمعنى العقائدي تؤدي بالضرورة إلى اشتراط عصمة النبي والإمام. وهذا المبدأ لم يتغير في عصر الغيبة لأن إمامة أهل العصمة لم تنقطع بالغيبة.
ولو أريد إدراج ولاية الفقيه في نفس سياق ولاية النبي والإمام من دون أن نلتفت إلى أوجه الإختلاف بين مرتبة الولايتين سواء من حيث حقيقة الولاية أو من حيث الأصالة والنيابة، وأدخلنا قاعدة اللطف في الإستدلال عليها فسيؤدي هذا النمط من الإستدلال في نهاية الأمر إلى اشتراط العصمة في الولي، وهذا يعني الإستغناء عن الإمام (عليه السلام) ولا أظن أن أحداً يريد الوصول إلى هذه النتيجة.
فتاوى للسيد القائد المعظم آية الله العظمى الإمام الخامنئي (مد ظله):
سؤال: هل الإعتقاد بأصل ولاية الفقيه من الناحيتين المفهومية والمصداقية عقلي أم شرعي؟
جواب:
(إن ولاية الفقيه التي هي بمعنى حكومة الفقيه العدل العارف بالدين حكم شرعي تعبدي يؤيده العقل أيضاً، وهناك طريق عقلائي لتعيين مصداقه مبين في دستور الجمهورية الإسلامية).
ومن هذا الجواب نفهم أنها ليست عقائدية بالمعنى الذي طرحه الآخرون لأنه لا تعبد في المسائل العقائدية. وعلى الأقل تكون المسألة إجتهادية لأن كل مسألة تعبدية هي مسألة إجتهادية ما لم تكن مثل مسألة الصلاة والصوم كما تقدم.
سؤال: ما هو تكليفنا تجاه الأشخاص الذين لا يرون ولاية الفقيه العادل إلا في الأمور الحسبية فقط. علماً بأن بعض ممثليهم يشيعون ذلك أيضاً؟.
جواب: (ولاية الفقيه في قيادة المجتمع وإدارة المسائل الإجتماعية في كل عصر وزمان من أركان المذهب الحق الإثني عشري ولها جذور في أصل الإمامة. ومن أوصله الإستدلالية إلى عدم القول بها فهو معذور، ولكن لا يجوز له بث التفرقة والخلاف).
وكون المسألة من الأركان كالصلاة أو لها جذر في أصل الإمامة غير كونها عقائدية.و لهذا فلا محل لما اعترض به بعض من كتب في ولاية الفقيه[33]بأن كونها من الأركان ينافي ما تقدم في استفتاء سابق من كونها مسألة تعبدية.
سؤال: هل تعتبر ولاية الفقيه مسألة تقليدية أم إعتقادية. وما هو حكم من لا يؤمن بها؟.
جواب: (ولاية الفقيه من شؤون الولاية والإمامة التي هي من أصول المذهب، إلاّ أن الأحكام الراجعة إليها تستنبط من الأدلة الشرعية كغيرها من الأحكام الفقهية. ومن انتهى به الإستدلال إلى عدم قبولها فهو معذور).
والظاهر أن معنى كون ولاية الفقيه من شؤون الإمامة أنها من فروع الإمامة على ما بيناه سابقاً من كون ولاية الفقيه استمراراً لها وأن جعلها كان من قبلهم وأن الفقيه نائب عنهم فكيف لا تكون النيابة من شؤونهم.
وعندما يقول السيد القائد (مد ظله): ومن أوصله ... فهو لا يتحدث في المريخ بل يتحدث عن الأرض ويشير إلى إمكانية وجود مثل هذه الحالة.
وقال (مد ظله) في جواب عن سؤال آخر: (عدم الإعتقاد اجتهاداً أو تقليداً بولاية الفقيه المطلقة في زمن غيبة الإمام الحجة أرواحنا فداه لا يوجب الإرتداد والخروج عن الإسلام)[34].
فتأمل في كلمة (اجتهاداً أو تقليداً).
وقال (مد ظله) في جواب على سؤال عن مسألة ولاية الفقيه: (ليست هذه المسألة من أصول الدين ولا من أصول المذهب بل هي مسألة فرعية محط نظر الفقهاء. وكيف كان، فالمسألة ثابتة بالنقل الوارد من الأئمة المعصومين (عليهم السلام)).[35]
___________________________
[1] المقنعة ص 129 و 130 طبعة حجرية. منشورات مكتبة الداوري قم المقدسة إيران.
[2] المقنعة طبعة حجرية ص 102. منشورات مكتبة الداوري إيران قم.
[3] الخلاف الجزء 3 ص 320.
[4] النهاية للشيخ الطوسي ص 317.
[5] الكافي لأبي الصلاح الحلبي ص 425.
[6] الشرائع ج4، ص 804.
[7] رسائل المحقق الكركي ج1 ص 142.
[8] والتعبير بالنائب أوضح من التعبير بالمأذون له وقد ميز العلماء بين التعبيرين بدقة، ثم إن أغلب كلماتهم صريحة في أن الشرط هو حضور المعصوم أو نائبه في مقابل الغياب لا إقامتها من قبل النائب وكثير من العلماء عبر بالسلطان العادل أو نائبه. فمن أراد المزيد فليراجع مفتاح الكرامة للعلامة الشيخ جواد العاملي.
[9] مسالك الأفهام، ج1 ص 116 طبعة حجرية.
[10] عوائد الأيام، ص 187، 188 منشورات مكتبة بصيرتي طبعة حجرية.
[11] قد نقل صاحب الجواهر عن كتاب المراسم للسيد ابن زهرة قوله: (فقد فوضوا (عليهم السلام) إلى الفقهاء إقامة الحدود والأحكام بين الناس بعد أن لا يتعدوا واجباً ولا يتجاوزا حداً وأمروا عامة الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك ما استقاموا على الطريقة.
[12] أي لو أمكن الفقيه القيام بهذا الجهاد وتحصيل ثمرته لظهر الحجة (عج) ولقام هو بالأمر.
[13] جمع شاة.
[14] جواهر الكلام ج21 ص 397.
[15] هذا الإشكال يهدف إلى بيان أن ولاية الفقيه على عمومها لا تثبت حق الفقيه في قبض الخمس وعدم جواز تصدي المكلف بنفسه لصرفه. وكنا قد أشرنا في بحث الخمس إلى هذا الأمر وقلنا: إن لازم دعوى ملكية الإمام (عليه السلام) للخمس أنه لا يجوز لنا التصرف وإن قلنا بولاية الفقيه. وجواب الشيخ الهمداني يرتكز على أن الأموال الشرعية ليست ملكاً شخصياً للإمام (عليه السلام) وبالتالي تشمله أدلة الولاية.
[16] مصباح الفقيه مجلد الزكاة والخمس والصوم والرهن، كتاب الخمس ص 160 و 161 حجرية.
[17] صراط النجاة ج1 ص 12 الطبعة الأولى سنة 1995 عن دار المحجة البيضاء ودار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).
[18] البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر ص 51 وما بعدها.
[19] راجع القرص الكمبيوتري سي. دي. روم. المسمى بإسم المعجم الفقهي الذي أورد هذه الرسالة.
[20] بلغة الفقيه ج3، ص 233 و 234. منشورات مكتبة الصادق طهران، 1984.
[21] مهذب الأحكام ج1 ص 116 طباعة قم المقدسة.
[22] وهنالك الكثير ممن لم ننقل آراءهم ممن ذهبوا إلى ثبوت ولاية الحكم للفقيه ـ مع قطع النظر عن الدليل المعتمد لديهم ـ مثل الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه عقائد الإمامية ومثل شيخنا الشيخ جواد التبريزي في عدة كتب فقهية له.
[23] ما سننقله من مواد الدستور المتعلقة بولاية الفقيه ما لها وما عليها مأخوذ من ترجمة عربية لدستور الجمهورية الإسلامية في إيران صادرة عن معاونية العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي في طهران والمطبوع في مطبعة العلامة الطباطبائي سنة 1992 الطبعة الثانية. وقد اقتصرنا على نقل ما يتعلق بالولي الفقيه في الدستور. وغرضنا من هذا النقل الإطلاع على حجم التنازل الذي قدمه الولي لصالح المؤسسات لما فيه من صلاح المجتمع.
[24] قد أدعى بعضهم أن النظام الجمهوري يتنافى مع مبدأ ولاية الفقيه حيث أن مدة ولاية الفقيه غير محددة بينما النظام الجمهوري يقتضي تحديدها. وهذا الكلام غير صحيح لأن النظام الجمهوري غاية ما يقتضي أن يكون للناس دخل في اختيار مسؤوليهم وتحديد دستور البلاد أما ما عدا ذلك فهو خاضع لطبيعة الدستور الذي يتفق عليه أبناء البلد أنفسهم، وهذا المعنى حاصل في الجمهورية الإسلامية المباركة. ولو افترضنا أن ذلك شرط فيما تعاونت عليه الأنظمة الجمهورية قلنا هذا المعنى غير مقصود هنا كما توضح ذلك في الدستور وإنما اختير اسم الجمهورية لأنه لا يوجد اسم يعبر عن المعنى المقصود أقرب من كلمة الجمهورية وليس في هذا أي مشكلة بعد أن توضح المقصود.
[25] والغريب أن الشيخ محسن كديور الذي كتب في ولاية الفقيه ناقش كلام الشيخ جوادي آملي على أنه من القائلين بكون ولاية الفقيه من الأصول والحال أنه يصرح بخلافه.
[26] راجع مجلة الحكومة الإسلامية الصادرة عن مجلس الخبراء. السنة الأولى العدد الأول ص60. وراجع أيضاً كتابه ولاية الفقيه تعريب السيد عباس نور الدين ص 104.
[27] ذكر في تحديد موضوع علم الكلام عدة آراء منها ما ذكره الشيخ جوادي آملي وهذا المعنى مأخوذ من قول القاضي الأرموي أن موضوع علم الكلام: ذات الله تعالى إذ يبحث فيه (أي في علم الكلام) عن صفاته وأفعاله في الدنيا كحدوث العالم وفي الآخرة كالحشر، وأحكامه تعالى فيهما (أي في الدنيا والآخرة) كبعث الرسول ونصب الإمام والثواب والعقاب. وقيل في تحديد الموضوع آراء أخرى منها: أنه الموجود بما هو موجود. ولما كان هذا التحديد مشاركاً لموضوع علم الفلسفة ميزوّا بينهما بأن علم الكلام يبحث عن الموجود على قانون الإسلام بينما الفلسفة يبحث فيها عن الوجود على قانون العقول (راجع المواقف للقاضي عضد الدين عبد الرحمن اللايجي بشرح المحقق السيد الشريف علي بن محمد بن محمد الجرجاني المطبوع مع حاشيتي السيالكوتي، والحلبي طباعة دار السعادة بمصر الطبعة الأولى سنة 1907م. الجزء الأول ص 34).
أقول: الذي يظهر من علماء علم الكلام وكتبهم كالمحقق نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي والشيخ المقداد السيّوري وغيرهم أن الذي يبحث عنه في علم الكلام في مباحث أفعال الله هو المباحث الكلية لا جزئيات الأفعال فيبحث في علم الكلام مثلاً عن أن الله تعالى لا يفعل القبيح ولا يفعل إلا الحسن، وأنه تعالى لا يفعل إلا لحكمة وأنه يريد الطاعة ويكره المعصية وعن القضاء والقدر والهدى والضلالة والثواب والعقاب والتشريع كمبدأ ونحو ذلك من البحوث. ولكنهم لا يبحثون عن فعل الله الذي هو تشريع الصلاة مثلاً والسبب في أن هذه ليست مسائل كلامية مع أن البحث فيها حول فعل الله تعالى أنها جزئيات الأفعال.
وبعبارة أخرى أفضل تارة يبحث عن ما يتعلق بأفعال الله بوجه عام فهذا من مسائل علم الكلام وتارة نسأل هل فعل الله تعالى هذا الفعل أم لم يفعل، فإن كان القصد من هذا الفعل إعلام الناس وإخبارهم ليعلموا بمضمونه فهو الفعل التشريعي فيكون البحث فقهياً وإن كان الغرض مترتب على نفس الفعل ولا دخل لإعلام الناس ولا لسلوك الناس بالغرض فهذا قد يدخل في مباحث علم الكلام وقد يدخل في علوم أخرى.
والنتيجة هي أنه ليس كلما كان البحث حول فعل من أفعال الله تعالى يكون البحث كلامياً، نعم كل بحث حول فعل من أفعال الله لابد أن يكون له منشأ كلامي فالبحث عن تشريعات الله تعالى مرتبطة بأفعاله تعالى وصفاته وهي بحوث كلامية كما أنها مرتبطة بالتشريع كمبدأ وهو بحث كلامي.
[28] نهدف من هذا التوضيح الزائد حول كون المعاد من أصول الدين مناقشة ما كتبه بعض الأفاضل في العقائد ذاهباً إلى أن أصول الدين إثنان لا ثلاثة مخرجاً للمعاد عن كونه منها.
[29] (مجلة حكومت إسلامي العدد الثاني من السنة الأولى ص 241 تصدر عن مجلس الخبراء في الجمهورية الإسلامية باللغة الفارسية).
[30] وحتى لا يختلط الأمر على القارئ نذكر تعريف علماء الكلام للطف. قال في التجريد: واللطف واجب ليحصل الغرض به. وشرح العلامة الحلي ذلك بقوله: اللطف هو ما يكون المكلف معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد من فعل المعصية ولم يكن له حظ في التمكين ولم يبلغ حد الإلجاء (راجع شرح التجريد ص 351 و 352 طباعة الأعلمي). والمعنى أن اللطف كل ما يحتاج إليه الإنسان ليقربه إلى الطاعة ويبعده عن المعصية بحيث لا يتمكن من ذلك بدونه مع حفظ اختيار الإنسان فلو حصل الإلجاء والإجبار لم يكن لطفاً ولو كان مما يتمكن معه الإنسان من التقرب إلى الطاعة والبعد عن المعصية بدونه لم يكن لطفاً ولذا كانت جميع التشريعات ألطاف إلهية لأن الإنسان لا يتمكن من الطاعة والبعد عن المعصية بدون إرشاد من الله تعالى إلا في بعض المسائل المحدودة التي يملك العقل طريقاً لمعرفتها. ثم قسموا اللطف إلى أقسام ثلاثة: الأول: أن يكون اللطف من فعل الله تعالى فهذا يجب على الله تعالى فعله تحصيلاً للغرض كإرسال الرسل. الثاني: أن يكون اللطف من فعل المكلف فهذا يجب على الله تعالى أن يعرفه إياه ويشعره به ويوجبه عليه وهي التكاليف الشرعية. الثالث: أن يكون من فعل غيرهما لهذا ما يشترط في التكليف بالملطوف فيه للعلم بأن ذلك يفعل اللطف كقيام الرسول بالمهمة الموكلة إليه. (راجع شرح التجريد واللوامع الإلهية للمقداد السيوري ص 152 التي علق عليها السيد محمد علي القاضي الطباطبائي طباعة تبريز).
[31] لأننا أن اعتبرنا أن كل مسألة تدور حول فعل الله تعالى هي مسألة كلامية فلازمه التفصيل بين المسائل الكلامية فما كان من أفعال الله تعالى التي يراد منها مباشرة سلوك الناس فيجب التقليد فيها إلا أن تكون من الضروريات وإن لم يكن المراد المباشر منها التكليف فهذا لا تقليد فيه لكن إن احتاج إلى قدرة علمية خاصة للتوصل إليه فلا يكون الإعتقاد به واجباً كما سنذكر في المتن.
[32] صحيفة نور ج10 ص 15 (فارسي). وله (رحمه الله) كلام آخر في مقام ردع الذين أثاروا ضجة بعدما أقر مبدأ ولاية الفقيه في الدستور ينبههم فيه على أن الإنكار قد يؤدي إلى الكفر لو التفتوا إلى لوازم الإنكار لكنهم غير ملتفتين (صحيفة نور ج6 ص 36). وهذا الذي ذكره الإمام الخميني (رحمه الله) لا يختص بولاية الفقيه بل كل مسألة فقهية يكون إنكارها موجباً للكفر إن كان ناشئاً عن التفات إلى لوازمه التي يقصد بها تكذيب الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) والقرآن الكريم.
[33] محسن كديور، حكومة ولايي ص 236. (فارسي).
[34] مجموع هذه الإستفتاءات تجدها في كتاب أجوبة الإستفتاءات للإمام الخامنئي الطبعة الثالثة عن الدار الإسلامية ج1 ص 21.
[35] استفتاء مخطوط غير مطبوع.

السابق || التالي

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية