مركز الصدرين للدراسات السياسية || الكتب السياسية

الفقيه والسلطة والأمة

الباب السادس: في أحكام ولاية الفقيه وفيه سبعة فصول
ـ الفصل الأول: هل هناك خلاف بين الفقهاء في ولاية الفقيه.
ـ الفصل الثاني: طاعة الولي مع اعتقاد المكلف خطأ الولي في الحكم.
ـ الفصل الثالث: وجوب الإستشارة على الفقيه.
ـ الفصل الرابع: الخمس بناء على نظرية ولاية الفقيه.
ـ الفصل الخامس: وحدة الولاية وتعددها.
ـ الفصل السادس: الولاية والمرجعية.
ـ الفصل السابع: مركزية السلطات.
تمهيد:
لا يكفي في البحث عن ولاية الفقيه مجرد إثباتها شرعاً وعقلاً. بل هناك جملة من البحوث المهمة تعبر عن جملة من الأحكام المرتبطة بولاية الفقيه، بحث العلماء في بعضها ويمتلك بعض القراء صوراً غير صحيحة عن بعضها الآخر. وقد كان لعدم وضوح الصورة أثر في بروز بعض التساؤلات حول ولاية الفقيه، وربما كان لها الأثر أيضاً في تضعيف مبدأ ولاية الفقيه، دون أن يعني هذا أن هناك تعمداً لذلك.
لذا كان لابد من خوض هذه البحوث بشكل مفصل نظراً للأهمية المرجوة.
ونحن نعترف بصعوبة هذه البحوث. فإن الحالة العامة التي كانت عليها مجتمعاتنا وفقهاؤنا والظروف التي عاشوها أدت إلى إهمال بحوث ولاية الفقيه والتدقيق في مقدار صلاحياته، وتحديد الكثير من تفاصيل هذه الولاية وأحكامها مما اقتضى بذل جهد كبير في تحقيق هذه المطالب.
والإنصاف أن الإشتغال بهذه المطالب يشكل تأسيساً لنظرية ربما نحتاج إلى سنين حتى تستقر بحيث تكون واضحة المعالم من جميع الجوانب والتفاصيل من جميع الجهات.
ونحن لم نقصد من عنوان هذا الباب (أحكام ولاية الفقيه) اصطلاحاً خاصاً بل جعلناه عنواناً لجملة من البحوث رأينا أنها تعبر عنه.
وهنا فصول:
الفصل الأول: هل هناك خلاف بين الفقهاء في ولاية الفقيه
تمهيد:
قد أشرنا فيما سبق إلى أن البحث عن ولاية الفقيه بين فقهائنا ليس بحثاً عن أصل الولاية. فإن مسألة الولاية وضرورة تشكيل حكومة إسلامية مع القدرة عليها من المسلمات بين علمائنا، عدا شرذمة ممن ذهب إلى أن تكليف المسلمين في عصر الغيبة هو الجلوس في البيت مهما كان الحال، حتى يظهر الإمام الحجة، وعدم جواز السعي لاستلام الحكم وإن تمكنوا من ذلك.[1]وقد يرى بعضهم أن الفساد الحاصل في المجتمعات يساهم في تعجيل ظهور الحجة، بحيث يكون مؤدى قناعاتهم استحباب السعي لازدياد الفساد حتى يظهر الحجة (عليه السلام)، وإن لم يصرحوا بهذا اللازم أو لم يلتفتوا إليه. وهذه الشرذمة لم يعتن بها علماؤنا الكرام، واعتبروا من شواذ الطائفة لأن مؤدى كلامهم سقوط كثير من آيات القرآن والأحاديث عن أي قيمة إجتماعية في عصر الغيبة، وخصوصاً آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا لا يمكن لمسلم ملتفت واع أن يقبل به فكيف بعلمائنا الكرام.
فلا خلاف بين محققي علمائنا الأجلاء حول مبدأ الولاية وضرورة تشكيل حكومة إسلامية، ولو فرضنا وجود خلاف في هذه الضرورة فلن يكون هناك خلاف في جواز ومشروعية تشكيل حكومة إسلامية.
لا خلاف حول ولاية الفقيه.
وإن عدم الخلاف المشار إليه ينتج أيضاً بالضرورة عدم الخلاف على كون الولي هو الفقيه الجامع للشرائط. ولن تجد أحداً سليم العقل والدين يرجح غير الفقيه على الفقيه، لأن من لم تتم عنده الأدلة اللفظية، فلابد أن يتم عنده الدليل العقلي أعني دليل الحسبة المعول عليه عند جميع العلماء الفقهاء المحققين، وقد طبقوه في موارد متعددة كمورد الأيتام والقصر والحدود والقضاء، وكثير من مصالح المسلمين العامة.’ ولم يكن التطبيق على هذه الموارد من باب الحصر بل كان من باب أنها من موارد الحسبة التي وقعت أعينهم عليها في مقام الحاجة إليها. ومن أهم موارد الحسبة تشكيل الحكومة الإسلامية لما فيه من نشر للعدل والمعروف ورفع للظلم والمنكر، وترسيخ للقيم والمفاهيم والعقائد الإسلامية الصحيحة.
كما أنهم اتفقت كلمتهم على أنه يجوز أن يتولى المؤمن والفقيه في حكومة الظالمين من أجل هذه العناوين، فهل يا ترى سيحرمون على المؤمن والفقيه الدخول في حكومة المؤمنين أو تشكيلها أم هل سينظرون إلى حكومة المؤمنين على أنها حكومة ظالمين. هذا ما لا يمكن افتراضه إلا عند الشرذمة التي أشرنا إليها سابقاً.
وسنشير إن شاء الله تعالى في الخاتمة إلى بعض أقوال العلماء في ولاية الفقيه.
تحديد موارد الخلاف.
لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد خلاف أصلاً بين العلماء في موضوع ولاية الفقيه بل الخلاف موجود، ولكن دائرته منحصرة في أمرين:
أحدهما: في وجود نص تام يدل على جعل الولاية للفقيه من قبل المعصومين (عليهم السلام). وهذا هو العنوان الذي اشتهر عرضه في الكتب الفقهية عندما يناقشون مسألة ولاية الصغير واليتيم، فيستطردون لمناقشة ولاية الفقيه وولاية عدول المؤمنين.
وعلى أساس هذا الخلاف انقسم العلماء ما بين منكر لولاية الفقيه وبين مؤمن بها. وبالتأمل يظهر أن هذا القسم غير دقيق وفق ما تتبعناه ولاحظناه من كلماتهم، بل ينبغي تصحيحه ويقال أنهم اختلفوا في أن الفقيه ولي عام منصوب من قبل الشرع أم لا، ولذا انحصر النزاع بينهم في النص ولم يتعداه إلى دليل الحسبة. وهذا ليس خلافاً فيمن هو الحاكم في الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة بل هم بأجمعهم يسلمون بأنه الفقيه، حتى أننا تتبعنا أقوال بعض العلماء الذين اشتهر عنهم القول بإنكار ولاية الفقيه فوجدنا أن إنكارهم ينحصر بإنكار النص لا بدليل الحسبة المثبت للولاية.
حتى أن السيد الخوئي أنكر ولاية الفقيه في باب القضاء لكنه أثبتها له بطريقة دليل الحسبة[2]، ولذا لم يشتهر عنه إنكاره ولاية الفقيه في باب القضاء. ولو أنه ابتلي بمسألة الحكومة الإسلامية لنص على أن الولي فيها هو الفقيه عملاً بدليل الحسبة، ولذا لما رأى أن الجهاد الابتدائي في عصر الغيبة لم يسقط ولما كان محتاجاً لولي فإنه أعطى الولاية فيه للفقيه لدليل الحسبة، على ما بينه في كتاب الجهاد الذي للأسف لم ينشر أو لم يشتهر في حياة السيد الخوئي (رحمه الله).
وستكون لنا وقفة خاصة مع آراء العلماء ومنهم الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي الذين عرف عنهما بأنهما كانا من أشد المنكرين لولاية الفقيه.
ثانيهما: في صلاحيات الفقيه الولي وحدودها.
ونحن وإن بينا فيما سبق أن صلاحيات الولي الفقيه تكون مطلقة وإن كان دليلها الحسبة، لكنه رأي لا يلزم الآخرين بشيء إلا إذا آمنوا بصوابية دليله. وهو رأي مخالف للمشهور بين العلماء على ما بينا سابقاً، فهو أمر يدخل في محل الخلاف بينهم. لكننا أشرنا سابقاً أيضاً إلى أن القدر المتيقن من الصلاحيات يعبر عن إطار واسع منها.
الإنكار المنسوب إلى بعض علمائنا:
وربما تقول كيف تزعم أنهم متفقون حول مبدأ ولاية الفقيه، والحال أنه قد اشتهر عنهم وجود خلاف بينهم فيها، بل نسب إلى الكثير من علمائنا نفي الولاية وخاصة أمثال الشيخ الأنصاري والسيد الخوئي (رحمة الله عليهما).
ونجيبك أن ما تتناقله الألسن حول هذه الشهرة غير دقيق بل ينبئ عن عدم التدقيق في كلمات العلماء، الأمر الذي يجب فعله لنقف على حدود الخلاف القائم بين الأعلام حول هذه النقطة. والذي نستطيع تأكيده هنا أن المتسالم عليه وجود خلاف في الأمرين المتقدمين لا فيما عدا ذلك. وقد كنا مقتنعين بهذا الكلام لكننا لم نكن نجاهر به لحذر علمي، إلا أنه بعد أن كتب السيد الخوئي (رحمه الله) رسالته في الجهاد وجدنا الباب قد فتح لنا حتى نطلق هذه الفكرة من عقالها.
وربما يكون السبب في نسبة إنكار الولاية للفقيه عند من أنكر النص أن النقاش قد تركز بشكل واسع على مسألة النص وأهمل دليل الحسبة وتفاعلاته بحيث ارتبطت ولاية الفقيه بالنص. وربما كان ذلك لأن دليل الحسبة وإن أثبت الولاية للفقيه لكنه لم ينفها عن غيره نفياً واقعياً، وإنما نفاها عن الغير نفياً ظاهرياً، بمعنى أنه لما لم يثبت هذا الحق لغير الفقيه فلا مسوغ لنا للإعتراف بولايته على ما تقدم في بيان دليل الحسبة. وأما النص فإنه يثبت بشكل مباشر الجعل الشرعي وحصره بالفقيه.
وربما كان لتراخي المسلمين عن السعي لتحقيق هذا الواجب وتراخي العلماء من الدعوة إليها ظناً منهم أنهم غير قادرين على تحقيق ذلك، من أحد الأسباب التي أدت إلى إهمال طرح هذا الموضوع على المستوى الفكري، وبالتالي إلى نسبة الإنكار إليهم. ولولا بعض الأنفس القدسية والأرواح المنيرة التي تجلى بها بعض علمائنا في عصور مختلفة. لنُسي هذا الأمر كلياً. ولم يخل تاريخ المسلمين من أمثال هذه الحركات المضيئة، وقد كان لبعض أعلام علماء جبل عامل جهداً وسعياً في سبيل إقامة حكم عادل في إيران. وسيلاحظ ما ذكرنا كل من تتبع مسيرة علمائنا في إيران والنجف الأشرف وغيرهما من بلاد المسلمين، حتى اكتملت هذه الجهود بنهضة الإمام الخميني المقدسة التي دلت على أن جهود من سبقه لم تذهب هدراً، والتي أثبتت إمكانية تحقيق هذا الحلم حتى أمكن اعتباره مجدد الدين والشريعة من هذه الجهة، من غير بدعة أتاها ولا فلتة تورط فيها.
رأي الشيخ الأنصاري (رحمه الله):
كما أن الشيخ الأنصاري (رحمه الله) المعروف بإنكاره لولاية الفقيه قال في كتابه المعروف باسم المكاسب ما يخالف ذلك. وسننقل مضمون كلامه ملخصاً مع بعض التغيير اقتضاه توضيح العبارة. ومن شاء الدقة فليراجع كتابه في البيع:
فقد قسم الشيخ الأنصاري الولاية إلى معنيين:
أحدهما: أن يكون هناك حق للولي بالتصرف من حيث هو ولي، دون أن يرتبط ذلك بحاجة المورد للإذن بل يتصرف من حيث هو صاحب الحق. وهذه هي ولاية الفقيه العامة المطلقة الموروثة عن الأئمة (عليهم السلام).
ثانيهما: أن يكون هناك حق له بالتصرف لكن لا من حيث هو شأنه بل من حيث توقف المورد على إذنه.
ثم ناقش الأدلة اللفظية المدعاة على الولاية بالنحو الأول واختار عدم دلالتها عليها ثم قال:
(أما الولاية بالمعنى الثاني) أعني توقف تصرف الغير على إذنه فيما كان متوقفاً على إذن الإمام فنقول، بعد أن كانت موارد التوقف عن إذن الإمام غير مندرجة تحت قاعدة محددة:
إن كل معروف علم من الشارع إرادة وجوده في الخارج له صورتان:
إحداهما: إن يعلم كونه وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده، أو صنف خاص كالإفتاء بيد الفقهاء، أو (يعلم) كونه وظيفة كل من يقدر على القيام به. وفي هذه الصورة لا إشكال، لأنه يوكل الأمر حينئذ إلى من علمنا بأنه متروك له.
ثانيهما: أن لا يعلم ذلك. وحينئذ فإن احتمل اشتراط نظر الفقيه، ففي هذه الحال يجب الرجوع في هذا المورد إلى الفقيه لتحديد الموقف، ويكون الفقيه هو الولي إن كان رأيه بحسب الأدلة جواز أن يتولاه، لعدم كون المورد من مختصات الإمام (عليه السلام) أو نائبه الخاص (والمراد من النائب الخاص من عينه الإمام بالإسم للنيابة ومن عين بوجه عام فهو النائب العام كالفقيه في نظرية ولاية الفقيه).
وإن علم أن الأمر من مختصات الإمام تركه وعطله، ومجرد كون المورد من موارد المعروف لا يعني أنه لا يختص بالإمام (عليه السلام). وهذا وإن كان سيؤدي إلى الحرمان من هذا المعروف عند فقد الإمام (عليه السلام) وغيبته، لكنه سيكون كسائر البركات التي حرمناها بفقده (عج).
وقد ذكر الشيخ الأنصاري في سياق نظره في الأدلة أن التوقيع الصادر عن الحجة (عج)، والذي تقدم ذكره في الأدلة، من أدلة ثبوت الولاية بالمعنى الثاني.
وفي نهاية البحث يستخلص ليقول: (وعلى كل تقدير فقط ظهر مما ذكرنا أن ما دلت عليه هذه الأدلة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأمور التي يكون مشروعية إيجادها في الخارج مفروغاً عنها بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية)[3].
وتستطيع أن تستنتج أن الشيخ الأنصاري لم يرفض الولاية بالمطلق، بل قبل بها في جميع الموارد التي علم بحاجتها إلى الإمام ولم يعلم توقفها على خصوص الإمام. وهي الموارد التي لا يجوز تعطيلها بحيث لو فرض عدم الفقيه لوجب على الناس القيام بها. فالشيخ الأنصاري يرى على الأقل ثبوت ولاية للفقيه في هذه الموارد.
وفي الواقع فإن الموارد التي ذكرها (رحمه الله) هي موارد الحسبة، كما أن الدليل الذي ساقه هو دليل الحسبة.
ونحن نعلم أن الحكومة الإسلامية من الأمور التي تحتاج إلى الإمام، لكننا نعلم أن الأمر ليس متوقفاً على حضور الإمام (عليه السلام) وإن كانت تحتاجه.
لأن الضرورة الداعية لتشكيل الحكومة الإسلامية لم تسقط بالغيبة. وبناء عليه يجوز للفقيه حسب رأي الشيخ الأنصاري وفق القاعدة التي حددها، أن يتولى أمر الحكومة بل يتعين عليه، إذ لم يقم دليل على جواز تولي غيره لها ونحتمل اشتراطها بالفقيه.
فهذا الشيخ الأنصاري الذي ينسب إليه القول بعدم الولاية قد قبل بها بهذا المقدار وهو ليس بالمقدار القليل.
رأي السيد الخوئي:
قال في كتاب الجهاد الملحق بمنهاج الصالحين:
(لو قلنا بمشروعية أصل الجهاد في عصر الغيبة فهل يعتبر فيها إذن الفقيه الجامع للشرائط أم لا. يظهر من صاحب الجواهر (رحمه الله) إعتباره بدعوى عموم ولايته بمثل ذلك في زمن الغيبة.
وهذا الكلام غير بعيد بالتقريب الآتي: وهو على الفقيه أن يشاور في هذا الأمر المهم أهل الخبرة والبصيرة من المسلمين، حتى يطمئن بأن لدى المسلمين من العدة والعدد ما يكفي للغلبة على الكفار الحربيين. وبما أن عملية هذا الأمر المهم في الخارج بحاجة إلى قائد وآمر يرى المسلمين نفوذ أمره عليهم، فلا محالة يتعين ذلك في الفقيه الجامع للشرائط فإنه يتصدى لتنفيذ هذا الأمر المهم من باب الحسبة، على أساس أن تصدي غيره لذلك يوجب الهرج والمرج ويؤدي إلى عدم تنفيذه بشكل مطلوب وكامل).
وإذا تأملت في كلامه تجد أنه يشير بشكل ضمني إلى أن الولي على المسلمين في كل شأن يحتاجون فيه إلى ولي هو الفقيه، وأن هذه قاعدة طبقها السيد الخوئي (رحمه الله) على هذا المورد فتأمل كلماته بكل إمعان.
النتيجة:
قد تبين من مجموع ما تقدم أنه لا خلاف بين الأعلام لا في مبدأ مشروعية تشكيل حكومة إسلامية في عصر الغيبة، ولا في مبدأ ولاية الفقيه.
وإنما النقاش في التفاصيل التي لا تؤثر على حق الطاعة للفقيه في إدارة شؤون البلاد وحكم العباد. خاصة إذا لاحظنا أن موارد الحسبة تسمح بولاية واسعة حتى مع الإقتصار على القدر المتيقن على ما أشرنا إليه سابقاً.
الفصل الثاني: طاعة الولي مع اعتقاد المكلف خطأ الولي
تمهيد:
لو قطع المكلف بخطأ حكم الولي فهل تجب عليه طاعة الولي في ذلك الحكم أم لا؟ وهذا سؤال مهم يرتكز على جوابه النظام الإجتماعي العام القائم على مبدأ ولاية الفقيه. وربما يستعجل المرء في الجواب فيقول: لا تجب طاعة الفقيه هنا وإن كان وليا، لأن القطع حجة ومع حجية القطع لا مجال لأمره بخلاف قطعه، وهذا ما ثبت في علم الأصول.
لكن هذا الجواب متسرع جداً. وبتأمل بسيط نجد أننا لا يمكننا هنا تطبيق مبحث القطع، وذلك بالإستناد على علم الأصول أيضاً.
للقطع بالخطأ حالتان:
ولتقديم إجابة واضحة حول هذا الموضوع، يجب أن نحدد أولاً موارد القطع بالخطأ. ومن المعلوم أن الولي عندما يصدر حكمه يحتاج إلى مقدمتين أساسيتين: تشخيص الواقعة والموضوع. وتحديد حكمها الشرعي الكلي المعبر عنه بالفتوى. والحكم يصدره الولي بعد تطبيق الفتوى على المورد.
وعندما نتحدث عن القطع بخطأ الولي في الفتوى التي استند إليها في حكمه.
إحداهما: القطع بخطأ الولي في الفتوى التي استند إليها في حكمه.
الثانية: القطع بخطأ الولي في تشخيص الموضوع.
وعلى التقديرين تارة يكون الولي قد بذل تمام جهده في الوصول إلى الفتوى أو في التشخيص من غير تقصير ولا قصور، وتارة نفترض في الوالي قصوراً أو ظهر منه تقصير في جهده.
ومن مظاهر التقصير في الفتوى أن يكون قد خالف ما هو من بديهيات الإسلام أو خالف دليلاً قطعياً متسالماً عليه بين الجميع.
ومن حالات التقصير في التشخيص أن يكون قد أهمل بعض الملاحظات الأساسية، أو لم يبحث عن كل الظروف المحيطة بالواقع، أو أخذ قراره عن جبن وغير ذلك.
ويختلف الجواب عن السؤال المشار إليه في بداية الفصل باختلاف هذه الأحوال. وسنجد أن القطع بخلاف رأي الفقيه لا يشكل من حيث المبدأ عذراً للقاطع بأن لا يطيع الفقيه، بل لو خالف يكون عاصياً أو متجرياً[4]. وسنبين أن الحالات التي يجوز فيها للمكلف أن لا يطيع الولي مع القطع بالخطأ فيها هي موارد قليلة لا تضر عادة بنظام الحكم القائم على ولاية الفقيه.
وهنا بحوث:
البحث الأول: القطع بخطأ الولي في التشخيص
ومن المهم ذكر أحد التقسيمات التي يذكرها علماؤنا في مباحث علم أصول الفقه حول أقسام القطع، لما له من الأثر المهم في توضيح وجه نظرنا حول حكم المكلف لو قطع بخطأ الولي.
القطع قسمان: طريقي وموضوعي.
فقد ذكر علماء أصول الفقه أن القطع تارة يكون طريقياً، وأخرى يكون موضوعياً أي يكون دخيلاً في موضوع الحكم. ولتوضيح هذين الاصطلاحين نذكر مثالين على ذلك.
المثال الأول: لو قال لي الشرع لا تشرب الخمر، وعلمت أن هذا المائع الذي أمامي خمر، فهذا العلم يقال له طريقي لأنه كاشف عن موضوع الحكم وهو الخمر بما هو خمر، وهذا الموضوع محقق في الواقع قبل علمي، ودور علمي هو تعريفي على وجود الموضوع فقط. لكن لو قال لي لا تشرب ما علمت أنه خمر ثم علمت أن هذا المائع خمر يكون الموضوع قد تحقق حين علمي لا قبله.
المثال الثاني: لو قال لي إن صليت بثوب نجس فقد بطلت صلاتك. ثم صليت بثوب علمت بعد الصلاة أنه كان متنجساً. ففي هذه الحال تبطل الصلاة ويكون هذا العلم طريقياً، لأن الحكم ببطلان الصلاة كان قبل العلم به، لأن البطلان تابع لكون الصلاة قد وقعت بثوب متنجس، سواء علمت بذلك أم لم أعلم. لكن لو قال لي إن صليت بثوب تعلم بنجاسته حين الصلاة فقد بطلت صلاتك، ثم صليت بثوب لم أعلم حين الصلاة بنجاسته لكني علمت بها بعد الصلاة، ففي هذه الحال لا تبطل الصلاة التي صليتها لأن النجاسة ليست لوحدها موجبة للبطلان، بل الفرض أن موضوع البطلان هو النجاسة المعلومة حين الصلاة. فالعلم مأخوذ في موضوع البطلان وهذا العلم يكون موضوعياً.
المثال الثالث: كل علم يتعلق بالأحكام الشرعية هو علم طريقي لأنها أحكام شرعت وانتهى الأمر، وعلمك وجهلك لن يغير من واقعها شيئاً، وإن كان للعلم والجهل أثر بالمطالبة والمسؤولية. وهذا يعني أن العلم بالنسبة للحكم الشرعي طريقي، لكنه موضوعي بالنسبة للمسؤولية التي على أساسها تكون المطالبة والعقاب.
بعض الفروق بين القسمين:
ومن الفوارق بين القطع الطريقي والقطع الموضوعي، أن القطع الطريقي هو الذي ذكر في علم الأصول أنه لا يمكن سلب الحجية عنه، بينما الموضوعي لا يوصف بهذا الوصف كما ثبت في ذلك العلم.
ومن الفوارق أيضاً أن القطع الطريقي لا يختلف أثره بين أسباب القطع وأنحائه وخصوصياته، بينما القطع الموضوعي يمكن أن يكون المأخوذ في الموضوع قطع محدد: إما بتحديد زماني أو بتحديد مكاني أو بتحديد شخص القاطع أو بسبب خاص أو بأي تحديد آخر.[5]
أثر هذا التقسيم في البحث:
وعند الحديث عن القطع بخطأ الولي بالتشخيص، علينا أن نحدد هل القطع بالتشخيص من القطع الطريقي أم من القطع الموضوعي. وعلى تقدير أنه موضوعي فأي قطع هو الذي أخذ في الموضوع.
ومن الواضح أننا عندما نلتزم بولاية الفقيه سواء كان دليلنا النصوص الشرعية أم العقل فإن مقتضى هذه الولاية هو كون تشخيص الولي، في دائرة الولاية وحدودها دخيلاً في موضوع حكم العقل والشرع بوجوب طاعة الولي، سواء كان تشخيص الولي ظنياً أم قطعياً لكن يشترط إن كان ظنياً أن يكون الظن معتبراً. أما تشخيص غير الولي فلا يشكل موضوعاً لحكم شرعي لا بحق القاطع، ولا بحق الولي. وبالتالي فإن القطع المأخوذ في موضوع الحكم الذي تجب الطاعة فيه هنا هو قطع موضوعي لا طريقي، كما أنه ليس كل قطع مأخوذاً في موضوع هذا الحكم بل هو خصوص قطع الولي.
والدليل على ذلك: أمران.
الأول: أن هذا هو معنى الولاية الثابتة بالنص والعقل.
لأن الحكم الذي يطلب من الولي الحاكم ليس حكماً فردياً ليوكل أمر التشخيص فيه إلى المكلف الفرد، بل هو حكم من شؤون المجتمع، وقد أوكل فيه الأمر فقط إلى الولي. فهو الذي إذا شخص كان أمره نافذاً، ولذا فلا قيمة لتشخيص غيره على مستوى التكليف، لأنه لا يشكل لا موضوعاً لتكليف المكلف الذي خالف الولي في التشخيص، ولا لتكليف الولي، ولا لتكليف أي فرد من أفراد الأمة.
نعم يمكن أن يكون لتشخيص غير الولي أثر من حيث أنه يهيئ مورداً من موارد الإشارة والنصح للولي، بمعنى أن من يحصل له القطع بالخلاف يجب عليه تنبيه الولي، وإبراز البينات والأدلة ومحاولة إقناعه، كما أن على الولي أن يتعرف من المخالفين أوجه قناعتهم، فإما أن يبقى على قناعته أو يبدلها، لكن لو لم يصل الولي إلى ما وصل إليه المشير مع كون الوالي بالصفات المشار إليها سابقاً لم تجز مخالفته.
الأمر الثاني: رواية عمر بن حنظلة:
فإننا سواء تمسكنا بها لإثبات ولاية الفقيه أم لم نتمسك، ففيها قاعدة قد أشرنا إليها حين ذكر الإستدلال بها، لها نفع في باب القضاء خاصة وباب ولاية الفقيه عامة. وهي التي نهى فيها الإمام (عليه السلام) عن رد الحكم فراجع ما ذكرناه هناك، وهو نهي يدل بالدلالة الإلتزامية على أن رأي الحاكم له موضوعية في ترتيب الأثر، والرواية مطلقة تشمل صورتي العلم وعدم العلم بخطئه، ولا مشكلة في هذا الإطلاق ما دام العلم المأخوذ في هذا الأمر له موضوعية في الحكم.
والقدر المتيقن الذي علمنا بعدم موضوعية رأي الحاكم فيه ما كان ناشئاً عن قصور أو عن تقصير زائدين عن المتعارف.
وكمثال على ذلك: إذا قال الولي إن الظروف تستدعي الحرب لكن المكلف المأمور بطاعة الولي رأى أن الظروف لا تستدعي ذلك، فإن تشخيصه المخالف لا يكفي لكي يعصي أمر الولي ويترك القتال لو كان الوجوب عينياً.
إلا إذا كان الولي قد أخطأ في التشخيص عن تقصير وإهمال وهذا خلاف فرض عدالته، بل افترضنا فيه ما هو أرقى من العدالة بحيث يمتنع معه احتمال التقصير عادة. كما أننا إذا افترضنا قصور الولي عن التشخيص الصحيح قصوراً زائداً عن المتعارف، سواء من حيث حجم القصور أو من حيث تكرره، فهذا يعني عدم أهليته لهذا المنصب لأنه مناف للكفاءة المعتبرة في الولي. والقصور والتقصير إنما يعرفان من خلال توفر العلامات الحدسية المتعارف عليها لدى العقول التي ينبغي رعايتها عند التشخيص فإذا ظهرت هذه العلامات والآثار الدالة على عدم أهليته وجب عزله.
وإنما قيدنا القصور بأن لا يزيد عن المتعارف، لأن هذا هو معنى إيكال الأمر إلى غير المعصوم لكنه قصور لا ينافي عقلائياً كفاءة القاضي والحاكم للحكم ووجوب طاعته.
لكن ما تقدم لا يعني أنه يحق لك إدعاء عدم الأهلية لمجرد أن تشخيصه لم يكن مقنعاً بالنسبة لك، ولذا فليس الولي ملزماً بالتشخيص وفق ما يراه العامة أو المثقفون، بل هو ملزم بالتشخيص وفق ما يراه ووفق المعطيات التي بين يديه حسب رؤيته هو للواقع. وإذا افترضنا تجاهله لأمر نحن نراه فلابد أن يكون هذا التجاهل لسبب عقلائي مقبول. ولا يجب على الفقيه أن يبين أسباب حكمه ما دام معروفاً بالكفاءة والعدالة، فإن لم يكن معروفاً بذلك من أول الأمر، فهذا يعني خطأ تعيينه لهذا المنصب. وهذا الإحتمال يندفع من خلال فرض وجود أهل خبرة عدول مشرفين على هذا الأمر يراقبون حركة الفقيه ومدى بقاء أهليته لهذا المنصب. فلو تبين لهم أنه تغير وفقد الأهلية، فهم يتحملون مسؤولية عزله بتكليف من الشرع الحنيف. والمأمول من الله تعالى أن يسدد خطى موالينا.
باب القضاء مثالاً:
وإذا أردت المزيد من التوضيح فانظر إلى باب القضاء فإنه لو ترافع شخصان عند قاض مجتهد له كفاءة القضاء، فإن حكمه ملزم حتى وإن كان تشخيص أحد الطرفين أو غيرهما مختلفان عن تشخيص القاضي، بل حتى لو قطع أحد الطرفين أو غيرهما بخطأ القاضي في تشخيصه، فهذا لا يفيد القاطع شيئاً كما لا يلزم القاضي بشيء، بل يجب على طرفي النزاع وغيرهما ترتيب آثار الحكم إلا إذا كان هناك إهمال أو تقصير أو قصور.
وما ذلك إلا لأن تشخيص القاضي ورأي القاضي له موضوعية في باب القضاء يترتب عليه الإلزام وسائر الآثار الشرعية، مع فارق بسيط هنا: أنه لو كان المدعي كاذباً لم يجز له أخذ مال الغير وإن حكم به القاضي، على ما بين بالتفصيل في باب القضاء. لأن هذا المورد من الموارد التي لا يجوز فيها للمدعي اللجوء إلى القضاء، بل هو محكوم قبل القضاء بحكم رد المال أو الحق إلى صاحبه أو بحكم عدم ظلم أخيه الإنسان. والقضاء في هذه الحال لن يغير هذا الحكم المنجز سابقاً على غير المحق في دعواه أو إنكاره.
البحث الثاني: القطع بخطأ الولي في الفتوى
نستطيع أن نقول هنا أيضاً بأن رأي الولي، حتى في دائرة الإفتاء، له موضوعية في حكم الشرع والعقل بوجوب طاعة الفقيه فيما يأمر وينهى.
وأن قطع المكلف بخطأ الفتوى التي استند إليها الفقيه لا ينفع القاطع فيما يتعلق بحكم الولي، ولا يبرر هذا القطع مخالفة أمر الولي. للسببين المشار إليهما في البحث السابق.
وهذا الذي ذكرناه في هذا البحث متسالم عليه بين العلماء في مسألة الولاية كالولاية على الأيتام والقصر والغائب والقضاء وغيرها. ففي كل مورد جعلت فيه الولاية للفقيه، فإن العبرة حينئذ في مقام التطبيقات العملية لهذا المورد بالرأي الفقهي لهذا الفقيه دون غيره من الفقهاء وإن كان مرجعاً. ولذا أفردنا هذا ببحث مستقل عما سبقه.
وكشاهد على ما نقول نذكر القضاء أيضاً مثالاً لهذه الحالة. فبعد أن ذهب علماؤنا إلى أن للفقيه ولاية القضاء رتبوا على ذلك أن قطع أحد الطرفين بخطأ الفتوى التي استند إليها القاضي في الحكم لا يبطل الحكم، ولا يسمح بنقضه حتى من قبل مجتهد آخر كما هو المعروف.ولذا لو ترافع مجتهدان عند ثالث وأعطى رأياً على خلاف رأيهما وجب عليهما تنفيذ رأيه، والإعراض عن رأيهما في هذا الموضوع.
وربما كان السر في ذلك هو ما أشرنا إليه سابقاً من أن هذا معنى الولاية، وأن المجتمع لا يستغني عن ولاية تكون هي المرجعية في الأحكام والأوامر. ولا معنى لمجتمع تتآكله الآراء وتفرقه الإستنتاجات، بل لا يمكن استقرار المجتمع بدون ولاية وحق طاعة ولا ولاية، لو أفسح في المجال أمام هذه الحالات.
ولا يعني وجوب الطاعة في باب الولاية سواء الولاية على مستوى الحكومة أم ولاية القضاء، أن الحكم الواقعي هو ما حكم به القاضي أو الوالي. بل نحن نعترف بأن القاضي أو الوالي قد يخطئ بالحكم، لكن مع ذلك تجب طاعته ما دام غير مقصر وغير قاصر[6]. نعم أشرنا إلى أنه في باب القضاء لا يجوز للكاذب العمل بالحكم إن كان على وفق دعواه، لكن هذا مرتبط بالتشخيص وليس بالفتوى.
هذا كله لو أمكن تحصيل القطع بخطأ الولي.
البحث الثالث: إمكان القطع بخطأ الولي
ما تقدم كان في مدى تأثير القطع بخطأ الولي على فرض حدوث هذا القطع. لكن عند التدقيق سنجد أن تحصيل القطع بخطأ الفقيه في التشخيص أو في الفتوى أمر نادر الحصول. إذ أن الفتاوى والتشخيصات ليست من الأمور الحسية عادة حتى يمكن بوضوح وسهولة أن نقطع بالخطأ. والقدرة على تحصيل هذا القطع لا تتأتى من كل أحد، حتى وإن كان فقيهاً. فإن الفقيه لا يملك القطع تجاه كثير من آرائه الفقهية، وإن حصّلها من خلال الحجة، ما لم يكن مورد الفتوى من الموارد المعروفة المتسالم عليها بين العلماء، أو كان مورد التشخيص من الموارد الحسية التي يلتفت إليها كل أحد. وهذه الحالات هي في ذاتها قليلة، كما أنها من الموارد التي لن نجد الفقيه الولي مخالفاً فيها. ويندر أن يحصل قطع حقيقي في غير هذه الحالات. كأن نفترض أن فقيهاً قام عنده الإجماع على حكم لم يقم الإجماع عند الولي، أو كأن يثبت لديه تواتر في خبر لم يثبت عند الولي، أو كأن تقوم عنده القرائن القطعية على صحية رواية ضعيفة أو نحو ذلك، دون أن تظهر هذه القرائن للولي.
الخلاصة أن القطع بالخطأ نادر الحصول، كما أنه على فرض حصوله لا يسمح بمخالفة أمر الحاكم الشرعي، إلا إذا كان خطأ الحاكم عن تقصير أو قصور. ففي هذه الحالة تجوز المخالفة، لكن إثبات كون ذلك عن تقصير أو قصور يكاد يكون من المستحيلات ما دام قد ثبت لدينا مبدئياً إجتهاد وكفاءة وورع الفقيه الولي. نعم لو ثبت انتفاء بعض هذه الشروط في الولي، فهذا يوجب على الخبراء إعلان عزله عن مقام الحكم والولاية.
ثلاثة تنبيهات مهمة:
التنبيه الأول:
هناك حالات يمكن أن يسمح للمكلف بأن يعمل وفق علمه. وذلك إذا كانت طبيعة حكم الولي ترتكز على ذلك. فلو أشار لي بقتل شخص محدد موجود أمامي، لأن الولي اعتقد أنه فلان المفسد في الأرض، فهنا لا يجوز لي قتله إن علمت أنه ليس الشخص الذي اعتقده الولي. ولتقنين هذا الأمر نقول إن حكم الولي على نحوين:
أحدهما، أن يكون مدلوله: أنه لما كان هذا هو الواقع فالحكم كذا، فمن يرى الواقع غير هذا فالحكم منتف بحقه. وهذا المدلول أو الصياغة للحكم تسمح للمكلف بأن يخالف إن تبين له أن الواقع هو غير ما افترض في الحكم. لأن الولي في المسألة المذكورة، قد علق الحكم على موضوع ليس لتشخيص الولي دخل في موضوعيته بل كان الواقع بتمامه هو الدخيل.
وهذا النوع قد يسمى في كلمات بعض العلماء بالحكم الكاشف. وكمثال على ذلك حكم الحاكم بدخول شهر رمضان أو العيد، فإن هذا الحكم نافذ في حق الشاك، أما من علم أن الشهر لم يدخل فحكمه غير نافذ بالنسبة إليه ويستطيع هذا المكلف أن يخالف.
ولذا فإن الإمام الخميني رغم أنه كان يرى الولاية المطلقة للفقيه، ذهب في مسألة حكم الحاكم بالشهر إلى أنه لا يجب على المكلف الإلتزام به مع القطع بالخطأ[7].
والسبب فيه ما ذكرناه، وهو أن الحاكم حين ألقى هذا الحكم للمكلف ألقاه بلحاظ الواقع لا بلحاظ تشخيصه.
أو لأن هذا المورد لا يرتبط في الشريعة بتشخيص الولي، بل تمام المناط فيه الواقع. وكلما كان الأمر كذلك جازت مخالفة الولي مع القطع بالخطأ.
ولكن ليس هذا هو الحال دائماً بل الحالة الغالبة هي من القسم الثاني الآتي:
والآخر: حكم لا تصح معه تلك الصياغة، وتكون صياغته الوحيدة: لأنني أرى أن الواقع هو كذا فالحكم كذا، مع غض النظر عن رؤية الآخرين. ورؤيته للواقع هي الدخيلة في الحكم. وهذا ما قد يسمى بالحكم المولوي أو الحكومي. وهذا هو الذي ذكرنا سابقاً أنه لا يجوز للمكلف نقضه والتخلف عن تنفيذه، حتى وإن قطع المكلف بخطأ الولي في التشخيص أو في الرأي الفقهي الذي بنى عليه الفقيه حكمه.
وأمثلة ذلك كثيرة تقدم ذكر جملة منها وهي الحالة الغالبة في أحكام الحاكم.
التنبيه الثاني:
قد أشرنا في طي المباحث السابقة إلى أن وجوب طاعة الوالي حتى مع العلم بالخطأ مختص بالمجال الذي ثبتت فيه الولاية للفقيه لا فيما عداه. وأثر ذلك يتجلى في موارد:
منها: تحديد الصلاحيات.
فلو بنينا على أن صلاحيات الفقيه عامة وهي نفس صلاحيات المعصوم (عليه السلام) ففي هذه الحال تكون الطاعة واجبة على المكلف في هذه الدائرة العامة. ولو بنينا على أنه لا دليل يثبت الصلاحيات بهذا العموم والإطلاق، بل يقتصر على القدر المتيقن ففي هذه الحال تكون طاعة الولي مختصة في دائرة هذا القدر المتيقن لا في خارجه. بل في خارج هذه الدائرة لا يكون هناك حق طاعة للولي حتى مع عدم العلم بالخلاف، لأن الفرض أن دائرة الولاية مختصة بهذا القدر المتيقن.
لكننا بينا سابقاً أن هذا القدر المتيقن ليس ضيق الصلاحيات، بل هو واسع بسعة احتياجات الأمة على مستوى نظم أمورها وازدهارها ورقيها وعزتها في جميع المستويات السياسية والإجتماعية والعسكرية والأمنية.
كما يمكن أن يقال إن الدائرة التي مورست فيها الولاية حتى الآن من محتاج إليه عادة إلا نادراً، فلا يبقى أثر مهم على المستوى العملي للفرق بين القول بالصلاحيات المطلقة للولي وبين القول بالإقتصار على القدر المتيقن، إن أدركنا بالضبط مدة سعة هذا القدر المتيقن.
ومنها: دائرة الولاية المكانية.
فإننا لو بنينا على ضرورة كون الولي على الأمة واحداً إلا في حال عدم القدرة، وتمكنا من الولي العام وجب على كل مسلم أينما كان أن يلتزم بطاعته حتى مع العلم بالخلاف، وفق التفصيل الذي بيناه سابقاً.
ولو بنينا على ضرورة ذلك لكن لم نتمكن من ذلك واضطررنا إلى تعدد الولاية، ففي هذه الحال يكون كل مكلف ملزماً بطاعة ولي منطقته أو بلده وهكذا.
ولو بنينا على عدم ضرورة وجود ولي واحد للأمة الإسلامية، وقلنا بأنه يجوز التعدد، ففي هذه الحال تكون الطاعة للولي على المكلف ثابتة حتى مع العلم بالخلاف في المجتمع الذي كان الفقيه ولياً عليه.
لكن لو فرض صيرورة ولاية الأمة قائمة بشخص واحد أو كانت هناك ضرورة تدعو إلى ذلك، أي لو أن الولي أعمل ولايته في الأمة كلها، وجبت طاعته حتى وإن لم نكن من القائلين بضرورة وحدة الولاية. لأن القول بالتعدد ليس على نحو يمنع من حصول الوحدة، ولا أن يمنع فقيهاً من التصدي لقيادة الأمة ما دامت الحجة قد قامت على الأمة كلها بكفاءته وأهليته وتوفر الشروط فيه، أي كان تصديه وفق الطريقة المعتبرة شرعاً وعقلاً في تنجز ولاية هذا الفقيه على الأمة.
التنبيه الثالث:
لو جوزنا مخالفة حكم الحاكم عند القطع بالخطأ، سواء خصصنا الجواز ببعض حالات القطع أم عممنا الجواز لكل حالات القطع بالخطأ، فهذا لا يعني أنه يجوز الإجهار بهذه المخالفة وبث الفرقة بين المسلمين وتضعيف موقع الولاية. وهذا أمر يحكم به كل ذي عقل سليم ومهتم بشؤون المسلمين.
الفصل الثالث: وجوب الإستشارة على الفقيه
تمهيد:
من مميزات الحياة الإجتماعية والمدنية التفاعل القائم بين أبناء هذه الحياة. ومن مظاهر هذا التفاعل الإستشارات والنصائح. والحياة الإجتماعية تبتني في تطورها على أمور كثيرة، منها الأخذ بتجارب الآخرين والإستنارة بآرائهم. ولا يمكن لأي مجتمع أن يتطور بدون أخذ ذلك بعين الإعتبار. ولذا نجد العلماء يأخذون عمن سبقهم ويأخذون من بعضهم البعض كل يأخذ من الآخر ما يختص به.
الإستشارة في مقام الحكم:
ومقام الحكم من المجالات التي لا تستغني عن الإستشارة والنصح. لما يتطلبه من إصدار قرارات مهمة ذات آثار على الأمة واستقرارها. ومن الطبيعي أن تتوقف هذه القرارات على سلسلة مقدمات، ربما يخرج بعضها عن حيز اختصاص الفقيه الكفوء العدل، مما يدعوه للقيام بمجموعة استشارات تتعلق بهذه المقدمات. ومجرد أنه ولي الأمر لا يكفي لكي يستبد برأيه من دون تمحيص عن هذه المقدمات.
وجوب الإستشارة:
وقد أشرنا فيما سبق إلى أن الولي مطالب ببذل تمام الجهد من أجل إصدار القرار المناسب، وأن هذه المطالبة تعبر عن مسؤولية شرعية واجتماعية ملزمة، لا يتمكن من التملص منها ولا من التسامح بشأنها. ولما كانت الإستشارة من مقتضيات بذل الجهد ورفع التسامح والتهاون، فهذا يؤدي إلى أن تكون الإستشارة واجبة على الفقيه من باب وجوب مقدمة الواجب، وهو جوب يقر به العقل. ومعنى ذلك أن الفقيه يكون مقصراً لو لم يستشر أهل الإختصاص في ما يتعلق بالمقدمات المحتاج إليها لإصدار حكمه، إن لم يكن هو من أهل الإختصاص فيها.
بل حتى لو فرضنا أنه من أهل الإختصاص فيها، فمن الضروري بذل تمام الجهد للوصول إلى الموقف الذي يرضي الله تعالى. ولا يكون ذلك إلا باستشارة أكثر من واحد من أهل الإختصاص، حتى يصل إلى الإطمئنان تجاه الموقف الذي يريد اتخاذه.
فلو فرضنا وجود أزمة اقتصادية يراد حلها، فإن النصوص الفقهية إنما تعطي القواعد الإقتصادية التي يجب أن يستند إليها الفقيه إلى علم قد يملكه الفقيه، وقد لا يملكه. وعلى كل تقدير لن يستغني عن أهل الخبرة في هذا المجال أيضاً، وإن كان القرار في النهاية قراره وعليه العمل على ما يعزم عليه، بعدما تتضح الرؤية فقهياً وواقعياً. وشرطا العلم والكفاءة يعنيان أنه يملك القدرة على تمييز الصحيح من الفاسد من الآراء التي تعرض له.
ولذا قد يحتاج الفقيه في كثير من الأحيان إلى أن يكون ملماً بالعلم المذكور، أو أن يوكل الأمر فيما يختص بالمجال الذي لا إحاطة له به إلى أهل الخبرة ويترك لهم القرار. كأن يشكل مجلساً اقتصادياً، في المثال الذي ذكرناه، يفوضه صلاحية اتخاذ القرار المتعلق بشؤون المجلس المذكور، بعد تحديد صلاحياته والإطمئنان إلى أمانة أعضاء هذا المجلس وكفاءتهم.
والإستشارة لا ينحصر موردها بخصوص الأمور الخارجية، بل قد يحتاجها على مستوى تحديد الرأي الفقهي. فالفقيه العدل الكفوء، وإن كان يملك القدرة على استنباط الحكم الشرعي، لكن من الضروري أن يشارك الآخرين من الفقهاء في عقولهم، يكونون بمثابة مستشارين له يساعدونه على الوصول قدر الإمكان إلى تحديد الرأي الشرعي الأصوب والأصح.
وفي الحقيقة فإن الفقيه لا يستغني عن مجموعة مجالس يوكل إليهم بعض الأمور، وإلا فإن الفرد الواحد لن يتمكن من اتخاذ جميع القرارات التي تحتاجها الدولة. وإذا كان فيما سبق من الأزمنة يكفي الشخص الواحد فإنه في زماننا هذا يكاد يكون هذا مستحيلاً.
والواقع فإن اشتراط العدالة والكفاءة يغني عن هذا التفصيل، لأن العدالة والكفاءة تمنعانه من أن يتخذ قراراته بدون استشارة أهل الخبرة والإختصاص. وإنما ذكرنا ذلك ليعرف الناس هذا الأمر.
ومن هنا يتبين لنا أن نظام ولاية الفقيه ليس نظاماً منافياً للشورى، بل هو نظام يطلبها وهو ما قد يسمى بالشورى في ظل ولاية الفقيه.
وجوب النصح والإشارة:
وكما أن الإستشارة واجبة على الفقيه، فكذلك يجب على الأمة وأفرادها تقديم النصح للفقيه. وهذا يعني ضرورة أن يكون هناك طريقة لتقبل النصائح من أفراد الأمة والإطلاع عليها. لكن هذا لا يعني أنه يجب على الفقيه أن يأخذ برأي المشيرين، سواء كانت الإشارة بدوية منهم أم كانت بطلب من الولي. بل هو صاحب القرار فقد يرتئي أن يأخذ برأي أحد المشيرين، وقد يستخلص رأياً آخر من مجموع ما حصل عنده من آراء﴿فإذا عزمت فتوكل﴾. وإنما تكون الإستشارة إضاءة يستضيء بها الفقيه من آراء المشيرين عليه، ولا دليل يلزمه بالأخذ بها، إلا إذا كانت أقرب إلى الحق من رأيه، فعليه بمقتضى عدالته أن يأخذ بها حينئذٍ.
روايات حول المشورة:
ونذكر جملة من الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) ليعرف القراء أهمية الإستشارة والمشورة في الإسلام[8]:
1ـ عن الصادق عن أبيه عليهما السلام أنه قال: (قيل يا رسول الله ما الحزم. قال: مشاورة ذوي الرأي وأتباعهم).
2ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: فيما أوصى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام): (لا مظاهرة أوثق من المشاورة ولا عقل كالتدبير).
3ـ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة أنه قال: (من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولهم).
4ـ عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (من لم يكن له واعظ من قلبه وزاجر من نفسه ولم يكن له قرين مرشد استمكن عدوه من عنقه).
5ـ وفي وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده محمد بن الحنفية: (أضمم آراء الرجال بعضها إلى بعض ثم اختر أقربها من الصواب وأبعدها من الإرتياب.. وقد خاطر بنفسه من استغنى برأيه ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ).
6ـ قال الفضيل بن يسار: (استشارني أبو عبد الله (عليه السلام) مرة في أمر: فقلت: أصلحك الله مثلي يشير على مثلك. قال: نعم إذا استشرتك).
7ـ عن علي بن مهزيار قال: كتب إلي أبو جعفر (عليه السلام): (أن سل فلاناً أن يشير علي ويتخير لنفسه، فهو أعلم بما يجوز في بلده وكيف يعامل السلاطين، فإن المشورة مباركة قال الله لنبيه: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ فإن كان ما يقول مما يجوز كتبت أصوب رأيه وإن كان غير ذلك رجوت أن أضعه على الطريق الواضح إن شاء الله (وشاورهم في الأمر) قال يعني الإستخارة.
8ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام): (استشر في أمرك الذين يخشون ربهم).
9ـ عنه (عليه السلام): (استشر العاقل من الرجال الورع فإنه لا يأمر إلا بخير وإياك والخلاف فإن مخالفة الورع العاقل مفسدة في الدين والدنيا).
10ـ عنه (عليه السلام): (إن المشورة لا تكون إلا بحدودها فمن عرفها بحدودها وإلا كانت مضرتها على المستشير أكثر من منفعتها له. فأولها أن يكون الذي تشاوره عاقلاً. والثانية أن يكون حراً متديناً. والثالثة أن يكون صديقاً مؤاخياً. والرابعة أن تطلعه على سرك فيكون علمه به كعلمك بنفسك. ثم يسر ذلك ويكتمه فإنه إذا كان عاقلاً انتفعت بمشورته وإذا كان حراً متدينا أجهد نفسه في النصيحة لك وإذا كان صديقاً مؤاخياً كتم سرك إذا أطلعته عليه وإذا أطلعته على سرك كان علمه به كعلمك به تمت المشورة وكملت النصيحة).
11ـ عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ( يا علي لا تشاورن جباناً فإنه يضيق عليك المخرج ولا تشاورن بخيلاً فإنه يقصر بك عن غايتك ولا تشاورن حريصاً فإنه يزين لك شرهاً واعلم أن الجبن والبخل والحرص غريزة يجمعها سوء الظن).
12ـ في رسالة الحقوق المروية عن الإمام السجاد (عليه السلام):
(وأما حق المشير عليك فلا تتهمه فيما لا يوافقك عليه من رأيه إذا أشار عليك، فإنما هي الآراء وتصرف الناس فيها واختلافهم. فكن عليه في رأيه بالخيار إذا اتهمت رأيه. فأما تهمته فلا تجوز لك، إذا كان عندك ممن يستحق المشاورة. ولا تدع شكره على ما بدا لك من إشخاص رأيه وحسن وجه مشورته، فإذا وافقك حمدت الله وقبلت ذلك من أخيك بالشكر والإرصاد بالمكافأة في مثلها، إن فزع إليك ولا قوة إلا بالله).
إنّ هذه الروايات التي نقلناها وغيرها مما لم ننقله وهي كثيرة جداً، تدلنا على أن الإسلام يعطي للإستشارة أهمية بالغة في حياة الفرد من جهة، وفي الحكم من جهة أخرى.
وفي الحقيقة فإن في الإسلام الكثير من التلميحات والتصريحات إلى ما يحتاجه الفرد، وما يحتاجه المجتمع، سواء على المستوى التشريعي أم على المستوى المدني العادي. ولا نقصد بذلك أن في الإسلام نظريات جاهزة حول تفاصيل عملية، بل نقصد أن لدينا في مخزوننا الثقافي ما يشكل مرتكزاً لكل العلوم العلمية والإنسانية، ولكنها تحتاج إلى من يتنبه لها ويتفحصها.
الفصل الرابع: حكم الخمس بناء على نظرية ولاية الفقيه
تمهيد:
ومن المسائل الشائكة من الناحية الفقهية في عصر الغيبة الكبرى مسألة الخمس. أعني أنه بعد البناء على وجوب الخمس على المكلفين، وأنه لم يسقط عنهم في عصر الغيبة، كما هو المعروف بين العلماء الفقهاء، فهل يجب على المكلف تسليم الخمس إلى الفقيه، أم يجوز له أن يصرفه في موارده المقررة شرعاً بدون الرجوع إلى أحد.
وعلى فرض وجوب تسليمه إلى الفقيه فما هو الدليل عليه؟
ثم هل يكفي تسليمه إلى مطلق فقيه أم يجب على المكلف أن يسلمه إلى مرجع التقليد وما هو الدليل على ذلك؟
هذه كلها أسئلة لم تجد حلا نهائياً في الفقه، بمعنى أنهم لم يذكروا دليلاً وافياً لها. بمعزل عن أدلة ولاية الفقيه.
ومع ذلك نجد أن الإتجاه الفقهي العام بين العلماء يرتكز على أن يعطي المكلف الخمس للفقيه بل كثير منهم، وخاصة في العصر الأخير، يلزم ولو على سبيل الإحتياط بالتسليم لمرجع التقليد. وهو اتجاه يعكس في مضامينه روح الوحدة بين المرجعية والولاية ولو في خصوص الخمس.
ولذا كان لابد من التوفيق بين ما اشتهر بينهم، وبين ما قدمنا من مسألة الدليل.
وبالتدقيق في ما ذكروه في هذا المجال نجد أن دليلهم منحصر بمبدأ بولاية الفقيه وبذلك صرح بعضهم كالسيد الخوئي. إذ لا جواب عن تلك الأسئلة إلا به سواء كان دليلها النص أو العقل.
وهذا ما يحتاج إلى توضيح.
وحيث أن الخمس ينقسم إلى قسمين: سهم إمام وسهم سادة[9]. وحتى نستوفي البحث في الجهة المقصودة، أي فيمن يجب على المكلف تسليم الخمس إليه، وتحديد من هو المعني في عصر الغيبة في استلامه وصرفه في موارده، علينا البحث في هذين القسمين. وقبل ذلك علينا أن نحدد طبيعة علاقة الإمام المعصوم (عليه السلام) بالخمس.
فهناك ثلاث بحوث:
البحث الأول: علاقة الإمام المعصوم (عليه السلام) بالخمس
أولاً: علاقته بسهم الإمام (عليه السلام).
وعند النظر في هذه العلاقة نجد أنفسنا بدواً أمام عدة احتمالات:
الأول: أنه ملك شخصي للإمام من حيث هو شخص.
الثاني: أنه ملك شخصي له لكن من حيث هو إمام.
الثالث: أنه ملك للحكومة الإسلامية وبيت مال المسلمين، والإمام ولي أمره.
وهذه البحوث رغم أهميتها لن نتمكن من التفصيل فيها في هذا الكتاب، لأن غرضنا الربط بين الخمس وولاية الفقيه.
والذي نستطيع قوله هنا أن منشأ دعوى الملكية هو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾[10]. لكن يمكن نفي الإحتمال الأول والثاني ليبقى الثالث.
أما نفي الإحتمال الأول فمرده إلى أنه لو كان ملكاً شخصياً للإمام (عليه السلام) لوجب أن ينتقل ما يكون عنده من خمس إلى أولاده بالإرث عند الوفاة. وهذا ما لم يحصل كما لم يدعه أحد علمنا.
أما الإحتمال الثاني ففيه صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون المال ملكاً شخصياً للإمام، وسبب الملكية هي الإمامة، وكأنه راتب قد قدمه الله تعالى للإمام. وهذا أيضاً كسابقه يلزم منه جواز توريثه، ولم يقل به أحد.
الصورة الثانية: أن يكون المال ملكاً للمنصب أي للإمامة، وليس لشخص الإمام (عليه السلام). وهذا لا معنى له إلا بأن يكون المال للحكومة الإسلامية لأنها جهة الإمامة، وإنما يكون الإمام (عليه السلام) مالكاً للتصرف. فالله تعالى هو الولي الحقيقي والرسول والإمام (عليه السلام) هم الولاة الذين خولهم الله تعالى التصرف.
وهذا معنى ما يقال من أن الخمس ملك بيت مال المسلمين، يوزع في مصالح الإسلام والمسلمين، والذي يتولى أمره الحاكم الشرعي.
وهذا هو حال الأنفال أيضاً في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾[11] وفيما ورد في الأخبار: (أن الأنفال لرسول الله ولنا بعده)[12].
ثانياً: في علاقته (عليه السلام) بسهم السادة.
المعروف بين علمائنا أن سهم السادة ملك للسادة فلا يصرف في غيرهم. وهناك رأي فقهي آخر يعتبر أن سهم السادة يصرف منه على السادة، فإن فضل منه شيء جاز صرف سهم السادة في مصالح المسلمين وفقرائهم.
ويستند هذا الرأي إلى أمور:
منها: أنه لو كان الملحوظ في هذا القسم من الخمس وهو النصف السادة فقط، لم يكن هناك داع لفرض الخمس في جميع الأمور التي وجب فيها الخمس، لأن هذا سيستلزم تعطيل هذا السهم، بعد أن كان الأقل منه يكفي لجميع السادة لو دفع جميع الناس ما عليهم من خمس. وهذا يعني أن المال سيتراكم، وهذا لا يتناسب مع حكمة التشريع. فمناسبة الحكم والموضوع تأبى عن التخصيص بالسادة.
ومنها: بعض الأخبار التي دلت على أن ما يزيد عن حاجة السادة يصرفه الولي في مصارف أخرى، كما أنه لو فرض نقص سهم السادة عن الوفاء بحاجاتهم أكمل هذا النقص من بيت المال بما فيه سهم الإمام.
ومن هذه الأخبار ما رواه الشيخ الكليني في كتابه الكافي بإسناده عن الإمام الكاظم (عليه السلام) في حديث طويل قال فيه أثناء الحديث عن سهم السادة:
(... ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته فسهم ليتاماهم وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم يقسم بينهم على الكتاب والسنة ما يستغنون به في سنتهم (أي عامهم) فإن فضل عنه شيء فهو للوالي فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به وإنما صار عليه أن يمونهم لأن له ما فضل عنهم)[13].
وبناء على هذا القول سيكون حكم سهم السادة حكم سهم الإمام من جهة أنه تحت سلطة الإمام وولايته، فلا يجوز للمكلف أن يبادر إلى تسليمه للسادة من دون أخذ إذن ولي الأمر فيه.
وحصيلة هذا البحث أن سهم الإمام تحت ولاية ولي الأمر الإمام المعصوم (عليه السلام) وكذا سهم السادة على بعض الوجوه فهل ينتقل هذا الحق للفقيه.
البحث الثاني: الخمس في عصر الغيبة على ضوء نظرية ولاية الفقيه
لو بني على أن سهم الإمام (عليه السلام) ملك له (عليه السلام) وأن سهم السادة ملك للسادة لم يكن بالإمكان إثبات أن للفقيه حق التصرف في الخمس، فضلاً عن إيجاب تسليمه للفقيه أو مرجع التقليد، حتى بناء على أدلة الفقيه. لأن غاية ما تثبته هذه الأدلة أن للفقيه أن يتصرف وأن يتولى ما كانا لإمام (عليه السلام) ولياً فيه. أما ما كان ملكاً للإمام (عليه السلام) أو السادة، فلا تدل على جواز أن يتملكه الفقيه، ولا على جواز أن يتولى شأنه. وسنكون محتاجين إلى أدلة أكثر وضوحاً تدل على شمول صلاحيات الفقيه لأملاك الإمام.
وربما كان اعتقاد ملكية الإمام لسهم الإمام هو السبب الذي دعا بعض الفقهاء قديماً إلى اختيار بعض الآراء الغريبة التي هجرت فيما بعد، كفكرة وجوب حفظ سهم الإمام حتى يظهر الحجة عليه السالم ولو بدفنه في الأرض، أو بإيداعه أحد الأمناء ثم ينقله هذا الأمين إلى أمين آخر حتى يصل المال إلى صاحب الأمر (عليه السلام).
وربما لأجل هذا الإعتقاد أيضاً لجأ بعض الفقهاء إلى القول بأننا نتصرف في سهم الإمام فيما نحرز فيه رضاه بالتصرف فيه.
ولكنه قول لا يخلو من غرابة وذلك من وجوه:
أحدها: لأننا لو فرضنا تمامية هذا الدليل، فإنه لا يدل على أكثر من جواز التصرف، ولكنه لا يصلح دليلاً على انحصار حق التصرف بالفقيه لنلزم المكلف بتسليم المال إليه، فضلاً عن صلوحه لانحصار حق التصرف بمرجع التقليد.
لأن القطع برضا الإمام (عليه السلام) بالتصرف لا ينحصر بالفقيه. بل يمكن للمكلف العادي أن يحرز هذا الرضا ولو من خلال ما يشيع بين الفقهاء.
الثاني: أن هذا الكلام في ذاته مطعون فيه إذ من أين لنا أن نعلم بذلك الرضا. وعلى فرض أننا علمنا فمن أين لنا أن نعلم بالأولويات عند الإمام (عليه السلام) في صرف سهمه مع كثرة موارد الصرف وتزاحمها. ومجرد علمنا بأن هذا المورد مما يرضى به لا ينفعنا في جميع الموارد التي أحرزنا رضاه فيها، وهي موارد يصعب ترتيب أولوياتها وإحراز وجهة نظر الإمام (عليه السلام) حول الأولويات مع غيابه (عليه السلام)، خصوصاً مع تشتت المال بين أيدي العلماء من دون أي تنسيق بينهم على الأقل، مما يعني أن كل عالم أو فقيه لن يتمكن من استيعاب جميع الأولويات التي بين يديه، وأنه لن يكون المال كافياً للصرف فيها، مما يوجب ترتيب الأولويات بنحو يرضى عنه الإمام (عليه السلام). وأنى لنا بإحراز ذلك والإحتمالات كثيرة بل ومختلف فيها.
فهل الأولوية للحوزة العلمية وشؤونها، أم للفقراء والمشاريع الإقتصادية، أم للتعليم والمشاريع التربوية ومحاربة الغزو الثقافي المحتاج إلى بذل مال كبير في التبليغ والتأليف والرد على الكتب وغير ذلك.
الحل:
إن المشكلة تكمن في اعتقاد أن سهم الإمام ملك للإمام (عليه السلام)، لكن لو بنينا على أنه ملك بيت مال المسلمين تحت ولاية الإمام (عليه السلام)، فإن الأمر يصبح سهلاً بناء على نظرية ولاية الفقيه. أما سهم السادة فلا مشكلة فيه سواء بنينا على أنه ملك السادة. إذ يصرف حينئذ عليهم بلا حاجة إلى إذن الفقيه كما هو رأي جملة من العلماء، أم بنينا على أنه تحت ولاية الإمام (عليه السلام) ومصرفه الأولي السادة ثم غيرهم، إذ يكون الإمام (عليه السلام) هو ولي الخمس بقسميه وبناء على نظرية ولاية الفقيه تنتقل هذه الولاية إلى الفقيه.
وإذا جاز للفقيه استلام الخمس بولايته عليه نيابة عن الإمام (عليه السلام)، وجب أن نقيد الفقيه بشروط أقلها الكفاءة والأمانة في تحمل مسؤولية هذا المال، وصرفه والإطمئنان إلى حسن إدارته له. فلا يجوز إعطاؤه لفقيه لا يتوفر فيه هذا الشرط وإن كان مرجع تقليد، كما يجوز إعطاؤه لكل فقيه توفر فيه الشرط وإن لم يكن مرجع تقليد. وإذا فرضنا وجود ولي على الأمة فهو الأولى من غيره بقبض المال، بل قد يجب دفع الخمس له إن طلبه، أو حصرنا النيابة بشخص واحد هو الأفضل من كل الجهات كما هو الأرجح بناء على ما تقدم.
ولعل اشتراط الأفضل هو الداعي لتخصيص الخمس بالمرجع، بأن يقال إن الذي ثبت أن له ولاية الخمس نيابة عن الإمام هو خصوص الفقيه الأعلم، وهو المرجع. هذا أحد مظاهر نظرية وحدة الولاية والمرجعية كما أشرنا.
ولكن هذا التخصيص يستدعي شروطاً في المرجع لم تلحظ في باب المرجعية أي يستدعي شرط كفاءة تحمل مسؤولية المال، ولم يشترطوا ذلك وهذا غريب.
على أن بعضهم لا يشترط تقليد الأعلم، فبأي وجه يلزم بالدفع إلى المرجع.
وعلى كل تقدير لم نجد دليلاً يمنع من تسليم المال للولي، خاصة إن كان هو الأفضل من غيره من حيث الصفات عامة والكفاءة خاصة. بل أقصاه أنه يجوز أن يدفع لغيره من الفقهاء الكفوئين لتحمل مسؤولية المال.
ثم إن كل الكلام الذي سبق يصبح بلا قيمة إن لم نؤمن بولاية الفقيه، ولن يبقى لنا دليل على حق الفقيه باستلام المال ووجوب دفعه إليه. ومجرد أن الفقيه له مؤسسات يريد تأمين احتياجاتها المادية لا يكفي للوجوب، خاصة إن لم نحرز كفاءته لتولي شؤونها.
ولست أدري ماذا سيفعل منكر ولاية الفقيه، مثل الكاتب الذي نقلنا كلامه سابقاً، والذي يدعو لولاية الأمة على نفسها. وبأي حق سيلزم المكلف بدفع الخمس للحكومة الإسلامية، إن دعا إليها . أو بأي حق سيلزم المكلف بالدفع للفقيه إلا أن يلتزم هنا بولاية الفقيه بخصوص الخمس عملاً بدليل الحسبة. ولكن إن جرى دليل الحسبة في الخمس جرى في الحكومة الإسلامية، وهي أعظم شأناً من المال.
البحث الثالث: ولاية الفقيه على الخمس بالنظر إلى أدلته
قد تبين من الفصل السابق أن الطريق الوحيد لإثبات ضرورة أن يدفع المال للفقيه هو إثبات ولايته. وليس هذا الطريق مبتدعاً من أجل أخذ المال، بل هو طريق ثبتت صحته على ما بينا سابقاً.
ولا يفرق فيما ذكرناه بين أن تثبت ولاية الفقيه بالنصوص أو بدليل الحسبة.
أما بناء على ثبوتها بالنص فواضح لأن النص أعطى ولاية عامة للفقيه ومن جملتها الولاية على الخمس. ولكن لن ينفع هذا الوجه من أنكر النص على ولاية الفقيه.
أما بناء على ثبوت الولاية من دليل الحسبة، فلأن دليل الحسبة يثبت لنا أولاً أن الولي في الحكومة الإسلامية هو الفقيه، وهذه الحكومة تأخذ كل صلاحيات الحاكم في الإسلام، والتي من جملتها الأموال الشرعية التي ترجع ملكيتها إلى بيت مال المسلمين على ما تقدم. وبيت المال من شؤون الحكومة الإسلامية العامة.
ولو لم يقبل هذا الكلام فلنا طريق آخر وهو أن نجري دليل الحسبة في خصوص الخمس فنقول:
قد قام الدليل على أن الشرع لم يرد إهمال أمر الخمس في عصر الغيبة كما هو المعروف بين علمائنا، لأن إهماله مع وجوب دفعه يعني تكديسه وتعريضه للتلف، وهذا إضرار بالمكلفين من دون أن ينتفع بالمال أحد. إلا أن يلتزم بأن الخمس غير واجب في عصر الغيبة، وهذا أيضاً باطل لأن الخمس بقي على وجوبه ولم يجعل مباحاً بين الناس. وحينئذ نقول لا دليل على أن الإمام (عليه السلام) قد أجاز المكلفين بصرف الخمس، بعد أن كانت القاعدة فيه الحاجة إلى الإذن. فإذا افترضنا قصور الأدلة عن بيان من يحق له أن يجيز بناء على عدم تمامية أدلة ولاية الفقيه اللفظية فهذا يعني أننا أمام احتمالين:
الأول: أن يتوقف صرف المال على إذن الفقيه. وبناء على هذا الإحتمال لا تبرأ ذمة المكلف من الخمس إلا إذا دفعه للفقيه.
الثاني: أن يجوز للمكلف أن يصرفه بنفسه بلا حاجة للرجوع للفقيه.
والقدر المتيقن المبرئ للذمة هو اعتماد الإحتمال الأول لأنه حسب الفرض لا دليل على الإحتمال الثاني. فلو صرفه المكلف بنفسه لا يحرز براءة ذمته من الخمس والإشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية، ولا يقين بالبراءة إلا برعاية الإحتمال الأول. فيكون القدر المتيقن ممن يحق له التصرف في الخمس وصرفه هو الفقيه وهو الذي يتيقن معه المكلف ببراءة ذمته تجاه الخمس.
ثم إذا ثبت أن الأمر يرجع إلى الفقيه، نسأل هل يجوز لمطلق فقيه أم ينحصر الأمر بالفقيه الأفضل من حيث الصفات وبدليل الحسبة أيضاً نستنتج وجوب دفعه الفقيه الأفضل. فهو صاحب الحق بالتصرف ولم يثبت هذا الحق لغيره.
وبالإضافة إلى ذلك كله، فإن هناك إجماعاً بين العلماء على أن مالك التصرف بالخمس فيه هو الفقيه لا المكلف. فإن صح هذا الكلام فهو نعم الدليل، وإن لم يصح كان لنا فيما سبق كفاية.
وعلى كل حال فإن بحث الخمس له تفاصيل كثيرة مرتبطة بالجهة التي ذكرناها لم نستوف البحث فيها لأن المقام ليس مقامه.
الفصل الخامس: وحدة الولاية وتعددها وفيه تمهيد وبحوث
البحث الأول: في معنى الوحدة والتعدد وإمكانية كل منهما.
البحث الثاني: أدلة التعدد ومناقشتها.
البحث الثالث: أدلة الوحدة.
تمهيد:
لقد سبقنا علماء السنة إلى مناقشة هذه الفكرة، وبحثوا كثيراً في مسألة ما إذا كان الوالي الشرعي والياً على منطقة محددة أم أنه وال على جميع الأمة. والمشهور بينهم أن الأمة ليس لها إلا واحد، وأن التعدد لا يكون إلا عند الضرورات.
ونحن لم نكن مبتلين بهذا الأمر قبل غيبة صاحب الأمر (عج). لأن الإمام الظاهر هو الذي كان يدير الساحة الإسلامية وينشر الوكلاء والولاة، ولو سرا في البلاد والأمصار ويشرف على المسار مقدار ما يستطيع، رغم المعاناة الشديدة التي كان يمر بها أئمتنا (عليهم السلام) في مجتمعاتهم حتى أن مجرد وجودهم كان يرعب مخالفيهم.
فلم تكن هناك أزمة عملية، كما أنه لا أزمة فكرية لدينا حول هذا الموضوع باعتبار أن الإمام في المعتقد الشيعي إمام لجميع المسلمين، وإن تخلف عنه الكثيرون لأسباب ليس هنا محل ذكرها.
ورغم وجود أكثر من معصوم في الزمان الواحد، وأحياناً أكثر من معصومين فإن الإمامة لم تكن إلا لواحد، علماً أن التعدد لم يكن ليشكل مشكلة، لأن العصمة تمنع وقوع أي مشكلة، قد تنشأ من هذا التعدد.
وليس الحديث في الإمامة عن أن التعدد وقع أو لم يقع، بل عن إمكانية الوقوع. فقد دلت الروايات على أنه لا يمكن أن يقع، وأن الله تعالى لا يريد أي تعدد على مستوى قيادة الأمة الإسلامية نذكر بعضها.
فعن الكافي بسند صحيح عن الحسين بن أبي العلاء: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال: (لا. قلت: يكون إمامان؟ قال: لا إلا وأحدهما صامت)[14].
وعن الصدوق في كمال الدين بسند صحيح عن ابن أبي يعفور، أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام): (هل يترك الأرض بغير إمام؟ قال: لا. قلت: فيكون إمامان؟ قال: لا إلا وأحدهما صامت)[15].
وعن هشام بن سالم قال: (قلت للصادق (عليه السلام): هل يكون إمامان في وقت؟ قال: لا، إلا أن يكون أحدهما صامتاً مأموماً لصاحبه والآخر ناطقاً إماماً لصاحبه وأما أن يكون إمامان ناطقان في وقت واحد فلا)[16].
والروايات بهذا المعنى كثيرة. ومن الواضح أن السؤال ليس إلا عن إمكانية وجود إمامين فكان الجواب بالنفي. كما كان الجواب بالنفي في سؤال عن إمكانية خلو الأرض من إمام. ولم يكن السؤال عن وجود إمامين في دائرة اجتماعية واحدة بل في الأرض بنحو مطلق، فيشمل التعدد على سبيل التقسيم.
ونحن في زمن الغيبة لابد وأن نسأل علماءنا ما سئل عنه أبو عبد الله (عليه السلام). وعلى الجميع العمل على استخراج الأجوبة عن هذا السؤال: هل يكون في عصر الغيبة للأمة أكثر من ولي أم لا يكون؟.
ولم يقدم العلماء جواباً واضحاً عن هذا السؤال، والأصح أنهم لم يُسألوا هذا السؤال في الأزمنة السابقة، لأن المسألة لم تكن محل ابتلاء. وما كانوا مبتلين به كان يقتضي التعدد، كالقضاء والولاية على الأيتام والقصر والمجانين وغير ذلك، إذ لا يمكن أن يكون القاضي في الأمة الإسلامية واحداً، كما لا يمكن أن يكون الولي على الأيتام ونحوهم بحيث يشرف على أمورهم واحداً. كما أنه لو احتاج مجتمع إلى فقيه يرجعون إليه في شؤونهم العامة، كان من شبه المستحيل في الأزمنة الماضية أن يكون الولي واحداً لجميع المجتمعات حيث لا سلطة وحيث الملاحقات وصعوبة الإتصالات. فالأمور التي كانت محط أنظارهم وميسورة لهم كانت تستدعي التعدد، أو كان التعدد يفرض نفسه، فلم يخطر على بال أحد منهم أن يسأل عن مورد عام يشمل جميع المسلمين، كمورد الحكومة هل يكون الحاكم واحد أو يتعدد، بسبب عدم ابتلائهم ولذا لم يتعرضوا له في كتبهم.
نعم تعرضوا لمسألة الوحدة والتعدد في الأمور العادية التي أشرنا لها أعني الولاية على الأيتام ونحوهم، وبحثوه تحت عنوان جواز مزاحمة فقيه لفقيه آخر في هذه الأمور. ولكن بحثنا مختلف جوهرياً عن تلك المسائل، لأنها إن كانت تقبل التعدد في المجتمع الواحد فهذه لا تقبله، وتلك المسائل مرتبطة بموضوعات محددة بينما هذه المسألة تتعلق بالأمة كلها. وإن كانت تلك المسائل غير ذي أثر على مستوى الأمة وأوضاعها فهذه المسألة ذات آثار مهمة، فلا نستطيع أن نستفيد مما قالوه هناك رأيهم هنا.
ولا ريب أن عصر الغيبة مختلف عن عصر الحضور، فإن الإمامة إن لم تقبل التعدد، فهذا لا يعني أنها تعددت في عصر الغيبة، بل لازال الإمام على الأمة واحداً وهو وإن كان غائباً لكنه حي موجود، لا ندري إن كان يتدخل أو لا يتدخل، ولا نعرف كيف يتدخل إن تدخل. ولما كان الإمام موجوداً وهو واحد، فليس التعدد على مستوى الحاكم غير المعصوم بذلك الأمر غير الممكن فرضه على ما سنبين.
ومن هنا وقع الخلاف فيما إذا كانت ولاية الفقيه شاملة للأمة الإسلامية أم تتعدد بعدد المناطق والمجتمعات والحكومات. ومن ذهبوا إلى التعدد اختلفوا في تقريبه والإستدلال عليه. فمنهم من اعتبر أن أدلة ولاية الفقيه لا تحمل جواب هذا السؤال، ورأوا هذا كافياً للقول بالتعدد. ومنهم من تمسك بالإطلاق في أدلة ولاية الفقيه. ومنهم من تمسك بأن دليل ولاية الفقيه عقلي لا لفظي، واعتبر أن الدليل العقلي يسمح بالتعدد.
رأي الإمام القائد السيد الخامنئي (دام ظله).
وليس لدينا تصريح مباشر من الإمام الخميني (رحمه الله) لنعرف ما إذا كان من أنصار القول بوحدة الولاية أم بالتعدد وإن كانت هناك تلميحات توحي بالقول بالوحدة بل هذا ما مارسه عملياً. ولكن لدينا تصريح من تلميذه الإمام الخامنئي (دام ظله) اختار فيه وحدة الولاية وشمولها للأمة كلها. فقد أجاب عن استفتاء حول الموضوع بما يلي:
(ولاية ولي الأمر إنما هي بمنزلة إمامة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) غير محدودة بقوم دون قوم وبصقع دون آخر، وذلك لشمول الأدلة الدالة على ولايته لكل من ينتحل الإسلام والإيمان من دون أي تقييد وتخصيص).
ولما كان هذا البحث على درجة كبيرة من الأهمية كان لابد من التعمق فيه وفق ما تقتضيه الأمانة العلمية وليس سعياً وراء هوى أو انقياد وراء تعصب.
البحث الأول: المقصود من الولاية والتعدد والوحدة وإمكانية كل منهم
المقصود من الولاية في هذا البحث:
ليس كل ولاية يشملها هذا الحديث، فإن من الولايات ما لا يقبل الإتحاد كما أشرنا في التمهيد. وبالتالي فإننا عندما نتساءل عن التعدد والوحدة في الولاية نقصد من ذلك الحديث عن الولاية في الشأن السياسي والإجتماعي العام، لا في شؤون تهم بعض الأفراد كالقضاء والأيتام ونحو ذلك. فإن هذا المعنى من الولاية لا يضر فيه التعدد، ولا أعتقد بأن هناك من ذهب إلى ضرورة الإتحاد فيها. ولذا فإن الولاية في هذه الأمور يكفي فيها التصدي ورجوع المعنيين فيها إلى أي فقيه يختارونه على أن يكون أهلاً للولاية في الشأن الخاص.
وقد صرح الإمام الخميني (رحمه الله) في كتاب البيع بأن الفقيه ليس له ولاية على أي فقيه آخر في هذه الشؤون بمعنى أنه ليس له أن يمنعه من التصدي لها[17]. والسبب في ذلك أن هذه الموارد التي للفقهاء ولاية فيها ذات موضوعات متعددة، ولا تعبر عن موضوع واحد فهي تقبل التعدد بل وتفرضه أحياناً.
ولكن لما كانت الولاية على المجتمع من الجهة العامة موضوعاً واحداً في النظرة العقلائية، كما أن الولاية على الحكومة ولاية على موضوع واحد كانت هي المقصودة بالبحث هنا: فهل يمكن فيها التعدد رغم اتحاد الموضوع أم لا يمكن.
المقصود من التعدد:
والذي يمكن أن يقصد من التعدد أحد أمرين:
أحدهما: أن يراد به الكثرة مع الإجتماع بأن تكون الولاية لمجلس قيادة يضم مجموعة علماء فقهاء عدول، ويكون المراد بالوحدة حينئذ انحصار الولاية بفقيه واحد تتوفر فيه الشروط.
وهذا المعنى من التعدد غير مقصود هنا، كما أنه لا دليل ينفيه. وأدلة ولاية الفقيه لا تأباه، وإن كان يمكن المناقشة في مدى صوابية جعل الولاية لمجلس قيادة ومدى فاعليته على الصعيد العملي بما يتلاءم مع الأهداف.
ثانيهما: أن يراد به الكثرة من دون اجتماع، بمعنى أن يكون كل واحد منهم ولياً فعلياً مستقلاً عن الآخر. وهذا المعنى له صورتان:
الأولى: أن يكون كل منهم ولياً فعلياً في دائرة اجتماعية واحدة كبيرة كانت الدائرة أو صغيرة، بمعنى انه لو اجتمع في بلد واحد عدة فقهاء عدول أكفاء فإنهم بأجمعهم يكونون ولاة فعليين في تلك الدائرة. ويكون معنى الوحدة حينئذٍ أن الولاية في الدائرة الواحدة لا يمكن أن تكون على نحو الإستقلال إلا لواحد أو مجلس موحد سواء كانت هناك حكومة أم لم تكن.
وهذا المعنى لا يمكن قصده أيضاً، إذ لا يمكن لأي عاقل أن يقبل وجود أكثر من حاكم في حكومة واحدة وأكثر من ولي في دائرة واحدة مع كون كل منهم والياً أو حاكماً بشكل مستقل عن الآخر. إذ لا نظم حينئذٍ ولا نظام ولا مجتمع ولا حياة اجتماعية بل هرج ومرج.
الثانية: أن يكون كل منهم ولياً فعلياً لكن مع تقسيم الدوائر، بأن توزع المهام والمواقع ويكون كل فقيه أو مجلس فقهاء تتوفر فيه الشروط ولياً فعلياً في دائرة خاصة به، فكل منهم في بلد أو مدينة أو منطقة، ويكون المراد بالوحدة حينئذ أن الولي في جميع الدوائر أي في الأمة كلها واحد أو مجلس موحد.
وهذا هو المعنى المطروح للنقاش في هذا الفصل.
إمكانية التعدد:
علينا في البداية أن نعترف أن كلا الأمرين ممكنان. وإمكانية التعدد بالمعنى الذي ذكرناه تظهر على الأقل في فرض عدم إمكانية أن يكون هناك ولي واحد لكل الأمة، بل كانت هناك عوائق تمنع من ممارسة هذا الدور. ولابد في هذه الحال أن يوجد وليان كل منهما في منطقة تختلف عن الأخرى، وإن كان أحدهما أو كلاهما يملكان أهلية قيادة الأمة بأجمعها. لكن الفرض المذكور نادر في هذه العصور مع تطور وسائل الاتصال.
كما يمكن فرضه في غير حال الاضطرار إذ ليس ما يمنع في الشريعة ما دام الإمام المعصوم حياً أن يوكل أثناء غيابه مجموعة فقهاء يديرون شؤون الأمة في مواقع الحاجة، وأن يتوزعوا في البلاد والأمصار يكونوا بمثابة الولاة المعينين من قبله (عليه السلام) كما هو الحال عند ظهور الإمام (عليه السلام) وكما فعل أمير المؤمنين (عليه السلام).
إذن لا نقاش على مستوى الإمكانية الثبوتية والإثباتية، إلا أن الأمر الذي نريد بحثه هنا هو في تحديد ما هو مقتضى القاعدة وفيما دل عليه الدليل. فهل الأصول الإسلامية والقواعد الدينية والأدلة الشرعية تفيد أن الأصل في الولاية تعدد الولاة بحسب تعدد مناطقهم؟ ومن المعلوم أننا لو تبنينا هذا الرأي فهذا لا يعني لزوم التعدد بل يكون خياراً جائزاً فعلاً لا أكثر كما أن وحدة الولاية خيار، وإن كان قد يتعين أحدهما عند الضرورات. أم أنها تفيد أن الأصل هو وحدة الولي في جميع البلاد الإسلامية؟ أي أن يكون هناك ولي واحد فيها. ومن المعلوم أننا لو تبنينا هذا الرأي فهذا يعني ضرورة الإتحاد، بحيث لا يجوز أن يكون في الأمة أكثر من ولي واحد عليها، وإنما يلجأ إلى التعدد في حالات الاضطرار.
وهنا قد يدعى أن الإجابة عن هذا السؤال تختلف بين إثبات الولاية بالنصوص وبين ثوبتها استناداً إلى دليل الحسبة. ويرى آخرون أن طبيعة الدليل لا تؤثر على هذا السؤال، ولكن هؤلاء اختلفوا فمنهم من قال أن الأدلة لا تقتضي الإتحاد لفظية كانت أو عقلية. ومنهم من قال أنها تقتضي الوحدة على التقديرين أيضاً.
تأسيس الأصل:
هل المحتاج إلى الدليل هو القول بالوحدة، أم المحتاج إلى الدليل هو القول بالتعدد؟. وهذا السؤال له أثر مهم في البحث، لأننا لو قلنا بالأول فلازمه أن التعدد هو الأصل، ويكفي القائل بالتعدد حينئذ عدم الدليل على الإتحاد. وإن قلنا بالثاني فمعناه أن الأصل هو الإتحاد ويصبح القائل بالتعدد مطالباً بالدليل.
والظاهر أن الأصل يقتضي الإتحاد، والتعدد محتاج إلى دليل. والسبب أن الأمة الإسلامية أمة واحدة، وأن تجزئتها إلى دول ومجتمعات على خلاف نهج الإسلام، وأن الوطن الإسلامي الذي يطلب حكومة إسلامية واحدة، وبالتالي والياً واحداً يعم جميع بلاد المسلمين، وهي أجزاء من هذا الوطن الكبير، وليست بلاداً مستقلة عن بعضها سياسياً واجتماعياً، والتقسيم الجغرافي لا أثر له على المستوى السياسي والحكومي لأنه يصل إلى القرى والأحياء.
فإذا نظرنا إلى المجتمع الإسلامي ككل واعتبرناه دائرة اجتماعية واحدة لم يكن لنا خيار إلا فرض ولي واحد فيها، إلا في حالات الضرورة. وأما في حالات القدرة فالقول بالتعدد يحتاج إلى دليل.
وربما نرجع إلى هذا الأصل من جديد في طي البحوث الآتية إن شاء الله تعالى.
البحث الثاني: أدلة القول بالتعدد
قد بينا أن القول بالتعدد ليس مستنكراً في حد ذاته، لأنه يمكن للإمام المعصوم أن يعين عدة ولاة ينوبون عنه في البقاع والأمصار. لكن هذا لا يكفي للقول بالتعدد بل لابد من دليل يدل على أن هذا هو ما وقع بالفعل من الأئمة (عليهم السلام).
الدليل الأول:
وقد أنكر بعض من كتب في نظام الحكم في الإسلام أن تكون للفقيه ولاية مطلقة شاملة للأمة الإسلامية، معتبراً أن هذا يشكل أزمة طاعة وأزمة حكم في المجتمع الإسلامي.
وقد ذكر هذا البعض أنه لو كان الدليل على شرعية ولاية الفقيه هو العقل من جهة وجوب حفظ النظام فهذا الدليل لبي لا إطلاق له فيقتصر منه على القدر المتيقن. ويظهر من هذا الكاتب أن جملة القدر المتيقن انحصار ولايته في الدائرة الإجتماعية التي اختارته. ثم قال:
وأما إذا كان دليل الشرعية هو الدليل اللفظي، فالظاهر أن عمدة النصوص التي تذكر عادة في الإستدلال على الولاية العامة للفقيه في عصر الغيبة لا إطلاق فيها من ناحية الولاية السياسية على كل المسلمين. بل الظاهر إختصاصها، على فرض دلالتها على أصل الولاية، بمن تصدى لإقامة تكوين الدولة الإسلامية ونصب الحكومة الإسلامية فيها.
ومن عمدة ما يذكر في الإستدلال على الولاية العامة للفقيه، ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن عمر بن حنظلة... فإن قوله: (ينظران إلى من كان منكم) لسانه ومفاده لسان ومفاد العلة لقوله: (فإني قد جعلته حاكماً).
وهذا الجعل إذن يختص بمن (نظر واختار) دون من لم (ينظر)، فتختص ولاية الفقيه بأهل ذلك البلد الذين (نظروا واختاروا)، وأما أهل سائر البلدان الإسلامية الذين (لم ينظروا) ولم يختاروا هذا الفقيه فلا ولاية له عليهم، لأنه لم يجعل (حاكماً) في حال عدم النظر.. والخطاب في هذه الرواية ونظائرها ليس للأمة على نحو (إنشاء الحاكمية للفقيه) وإنما هو لمن نظروا واختاروا)، وهذا يقتضي أن تقتصر الولاية عليهم ولا تتعداهم إلى غيرهم.
وإذا كان في الروايات الأخرى التي يستدل بها على ولاية الفقيه إطلاق، فيجب تقييده بهذه الرواية في خصوص من نظروا واختاروا. على أن القول بالإطلاق في غيرها فيه مجازفة واضحة. ولا أقل من إجمال الروايات من هذه الجهة على فرض دلالتها على أصل الولاية، فيقتصر منها على القدر المتيقن هو خصوص شعب الدولة الإسلامية التي يحكمها الفقيه، دون غيرها من الشعوب الإسلامية[18]... إنتهى.
أقول: ويمكن مناقشة هذا الكلام من وجوه:
منها: أزمة حكم وأزمة طاعة.
إدعاؤه أننا لو عممنا الولاية على الأمة فلازمه ظهور أزمة حكم وأزمة طاعة، وهذا ما سنفرد له فصلا مستقلا لمناقشته.
ومنها: قوله العقل دليل لبي:
إدعى أن الدليل العقلي لا يدل على وحدة الولاية أو على شمولها للأمة كلها، وهذا غير دقيق وذلك:
أولاً: نحن نعلم أن الأدلة العقلية أدلة لبية لا إطلاق لها، لكن هذا لا يعني أن الإطلاق لا يكون العقل دليلاً عليه. ولا مانع من أن تكون نتيجة الدليل العقلي الإطلاق لكن لا على النحو المعروف بمباحث الإطلاق اللفظي الذي يثبت من خلال مقدمات الحكمة التي يكون معها شك في مراد الإجماع دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن، لأن المفروض أن الإطلاق من هذا القدر المتيقن بسبب دخوله في معقد الإجماع. وكذلك فيما نحن فيه.
لذا كان عليه أن يسأل أولا عن هذا الإطلاق الذي قد يستفاد من دليل العقل هل هو خارج عن القدر المتيقن أم داخل فيه ونحن ندعي أنه داخل فيه. لأننا عندما نستدل على الحكومة بدليل حفظ النظام، لابد أن نسأل أولاً عن أي نظام نتحدث، هل نتحدث عن نظام العلاقة بين أخوين أم نتحدث عن نظام في الأسرة، أم نتحدث عن نظام في الحي أو القرية أو في المدينة أو في المحافظة أو في دائرة أوسع من ذلك. وهذا الأمر يجب تحديده سلفاً قبل النظر في دليل العقل ونتيجته، لأن العقل يستنتج من دليل حفظ النظام أنه لابد من حكومة في الدائرة الإجتماعية المحتاجة إلى نظام.
فإن كانت هذه الدائرة هي أحد أحياء القرى وجب تخصيص الحكومة بهذا الحي، ولا شأن لها بالحي الآخر. لكن لو كان السؤال عن دائرة الأمة باعتبار أنها تمثل في النظرة الإسلامية وحدة إجتماعية متكاملة متراصة مترابطة فيما بينهما ينبغي أن تنظم أمورها، ففي هذه الحال سيكون جواب الدليل العقلي المذكور أنه لابد من حكومة في هذه الدائرة وهو معنى الوحدة.
فما ذكره هذا الكاتب قد نشأ عن توهم أن الدليل العقلي لم يحدد الدائرة الإجتماعية المطلوب حفظ نظامها، وكان ساكتاً عنها ولذا لم يكن له إطلاق يشمل كل الأمة، والحال أن هذا الأمر مرتبط بسؤالنا نحن للعقل لا بالجواب. فإن كان سؤالنا مهملاً سيكون الجواب مهملاً، وإن كان السؤال عاماً فسيكون الجواب عاماً. وهذا لا دخل له بكون دليل العقل لبيّاً.
ولسنا مخيرين في تحديد طبيعة السؤال الموجه للعقل، بل نحن ملزمون بسؤاله عن حال الأمة ككل، لأن المسلم لا ينحصر همه ببلده بل يحمل هم الأمة كلها. كما أنه لا وجه لتخصيص السؤال ببلد دون بلد، فإنه ترجيح من غير مرجح، إلا أن يكون حفظ النظام في بلد متوقفاً على فصله عن النظام في بلد آخر، وهذا لا يمكن أن يدعيه أحد. ولو فرض معقوليته لكان خارجاً عن فرض الكلام.
ثانياً: إنّ دليل حفظ النظام ليس هو الدليل على ولاية الفقيه، بل هو دليل على ضرورة تشكيل حكومة إسلامية. والدليل العقلي الدال على ضرورة أن يكون الحاكم والمتولي للأمر في هذه الحكومة هو الفقيه هو ما ذكرناه في دليل الحسبة، وحفظ النظام من مواردها. والدليل العقلي الجاري في موارد الحسبة أيضاً يكون مهملاً لجانب الأمة إن أهملناه نحن في السؤال، ويكون جوابه عاماً إن سألناه عن العام.
وقد عرفت فيما سبق أن دليل الحسبة يتألف من مقدمات إحداها أن الأمة الإسلامية لا تستغني عن حاكم. وعندما سقنا بقية المقدمات كان هدفنا أن نعرف من هو الحاكم في هذه الأمة، فلم تكن المقدمة مهملة لسعة الدائرة وضيقها بل كانت محددة بالأمة جمعاء. وحيث كانت نتيجة دليل الحسبة أن القدر المتيقن ممن يحق له أن يتولى هذا الأمر هو الفقيه، فالنتيجة تعني أن الفقيه يتولى أمر الأمة كي تتوافق النتيجة مع المقدمات.
نعم لو لم يمكننا إيجاد ولي واحد للأمة أو كانت هناك صعوبات تحول دون ذلك، نكون مضطرين لتشكيل دليل الحسبة وفق دائرة إجتماعية أضيق من دائرة الأمة. ولكن هذا خارج عن محل الكلام الذي هو حال الإختيار لا الاضطرار.
وهذا الذي ذكرناه إنما يتم لو كان الكاتب مقراً بأن الأمة الإسلامية وحدة متكاملة تتطلب نظاماً واحداً وحكومة واحدة، أما إذا نظر إليها على أنها أمة لا وحدة لها على المستوى السياسي ونحوه، وإنما هي واحدة على المستوى العقائدي فقط، فربما يحق له أن يرفض ما قلناه. لكن لو كان هذا رأيه وجب تعميمه على حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)،ووجب أن نقر بأن لا ضرورة تدعو لانضواء جميع المسلمين تحت قيادة الرسول والأئمة (عليهم السلام) لو كانوا ظاهرين، ويحق لكل مجتمع أن يكون له نظامه السياسي الخاص به. ولا نعتقد أن يلتزم بذلك.
ومنها: حديثه عن الأدلة اللفظية.
ولنا حول ما قاله حول الأدلة اللفظية ملاحظات:
أولاً: ليست رواية عمر بن حنظلة هي العمدة في أدلة ولاية الفقيه وإن جعلها المحقق النائيني (رحمه الله) وغيره عمدة الأدلة، خصوصاً مع الخلاف الشديد في دلالتها.
ثانياً: لو سلمنا أنها من أدلة ولاية الفقيه، فإن ما فهمه من الرواية غير صحيح. وهذا يحيجنا إلى أن نذكر المقطع المقصود من الرواية.
قال (عليه السلام): (ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً)..
وقد ادعى الكاتب بأن قوله (عليه السلام): ينظران.. علة لقوله: فإني قد جعلته.. وهذا غير صحيح قطعاً، بل هو غير مأنوس في استعمالات العرب. والمتبادر من الجملة أن الإمام دعا الطرفين إلى أن ينظرا من كان منكم، معللاً ذلك بأنه (عليه السلام) قد جعله حاكماً، فالأمر عكس ما ذكره. وإن كان قاصداً أن الفاء هي التي دلت على ذلك فهذا أيضاً غير صحيح، لأن الفاء لا تدل بأي حال من الأحوال على أن ما بعدها مسبب عما قبلها، إلا إذا كانت فاء السببية وهي ليست هنا.
ويدل على ما ذكرنا أمور:
1ـ أن قوله (عليه السلام): (ينظران) ليس أمراً اختيارياً للمكلفين المتنازعين بل هو أمر على سبيل الإلزام، لأنه مفاد الجملة الخبرية في مقام الطلب ما لم تقم قرينة على العكس. وإذا كان النظر واختيار الفقيه الجامع للشرائط إلزامياً لم يصح كونه علة الجعل، لأنه إنما كان إلزامياً لأنه مجعول حاكماً.
فلو لم يكن الجعل ثابتاً قبل النظر، فكيف وجب النظر والتفتيش عمن كان حاملاً للصفات المذكورة. ودعوى أن النظر غير واجب ينفيها ظهور الرواية كما ذكرنا.
2ـ قوله (عليه السلام) عطفاً على ينظران: (وليرضوا به حكماً) وهذا أمر ظاهر في الوجوب أيضاً، فلو كان جعله حاكماً معلقاً على نظرنا ورضانا به حاكماً، فلماذا أوجب علينا جعله حكماً. هذا غير معقول.
3ـ إنّ قوله (عليه السلام): (فإني قد جعلته حاكماً..) ليس ناظراً إلى خصوص من نظرا إليه بل إلى العنوان. فلو كان (ينظران) علة لكان المجعول حاكماً شخصاً خاصاً هو خصوص من نظرا واختاراه، بينما الكلام يدل على جعل العنوان. ولذا وجب أن ينظر المتخاصمان من كان مصداقاً له ويرضيا به حكماً.
والخلاصة أن العلة هي الجعل والنظر واجب وهو المعلول، وهذا هو ظاهر التعبير. ولست أدري ما هو التعبير الذي يراه الكاتب مناسباً ليكون الجعل علة النظر.
ثالثاً: لو تنزلنا، نقول: إن الرواية تكون مجملة من هذه الجهة، لأن هذا التعبير يصلح للدلالة على تعليل وجوب النظر بالجعل ويصلح، بعد التنزل، لتعليل الجعل بالنظر. وليس له أن يجزم بما قاله بل ليس له أن يستظهره ويرجحه على الإحتمال الآخر، لأنه ليس أظهر منه إن لم يكن الآخر الذي ذكرناه هو الأظهر.
رابعاً: ولو سلمنا بما قاله رغم وضوح خطئه، فإن أقصى ما هنالك أن الرواية المذكورة أثبتت الجعل بمن نظر إليه المتخاصمان، وأين هذا من التخصيص الدال على نفي الجعل عن الغير، إلا أن يلتزم بمفهوم الوصف بل بمفهوم اللقب وهو أضعف المفاهيم. ولست أدري إن كان سيلتزم به في هذا المقام ليصحح دعواه. وبناء عليه فلا تصلح هذه الرواية لتقييد المطلقات.
خامساً: ربما يكون مقصود الكاتب أن النظر وإن كان واجباً لكن الروايات وخاصة رواية عمر بن حنظلة لم تشترط فيمن يجب النظر إليه والتحاكم لديه إلا المواصفات المشار إليها في تلك الرواية. وهذا يعني أننا مخيرون في عين أن هناك وجوباً شرعياً وجعلاً إلهياً. أي في الوقت الذي جعل الفقيه حاكماً لم نلزم بفقيه محدد، بل يبقى لنا خيار أن نختار من نشاء من الفقهاء الجامعي للمواصفات المذكورة في الرواية، ويكون الحاكم الفعلي هو من نختاره نحن.
لكن هذا لا يتلاءم مع كلام الكاتب خاصة وأنه علل الجعل بالنظر لا العكس.
ثم إن استظهار التخيير من الرواية في غير محله حتى على الفرض الذي ذكر:
أولاً: لما أشرنا إليه أكثر من مرة من أن الرواية ليست في مقام بيان تمام الشروط، وإنما ركزت على المبدأ. ومن المعلوم أنه لا تكفي الفقاهة لوحدها ليكون الفقيه حاكماً على ما تقدم في بحث المواصفات، والحال أن رواية عمر بن حنظلة قد نصت على شرطية الفقيه فقط. فالرواية ليست في مقام بيان فعلية الولاية لكل فقيه حتى نتخير، فإن هذا المعنى لا يمكن القبول به وبالتالي لا يصح حمل الرواية عليه.
ثانياً: يمكن القول أن الرواية قد دلت على وجوب النظر إلى الأفضل، لو كان هناك خلاف بين الفقهاء. ففي تتمة الرواية نجد قوله (عليه السلام): (فإن الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر). ومع هذا النص كيف يستفاد التخيير من الرواية.
وعلى كل حال فالعمدة في رد ما قاله هو ما قلناه ثانياً وثالثاً:
ومنها: إنكاره وجود مطلقات في أدلة ولاية الفقيه.
ويعرف جواب هذا مما سبق حين عرض الأدلة. وقد بينا بكل وضوح وجود إطلاقات تثبت جعلاً تأسيسياً لولاية الفقيه، من دون ربط ذلك برضا قوم محددين واختيارهم. كما بينا سابقاً أثناء الحديث عن الإنتخاب أن الناس ملزمة باختيار الأصلح واستكشافه لأنه وليها شاءت أو أبت، ولذا كان الخبراء ملزمين بالإشارة إليه والدلالة عليه.
هذا بالنسبة لجهة دخالة اختيار الناس في فعلية الولاية، لكن في الروايات إجمالاً من جهة تحديد صاحب الولاية الفعلي على ما وضحناه سابقاً وسنعيده عند مناقشة الدليل الآتي، وسنبين أن هذا الإجمال لا ينتج التعدد.
وإني لأنتظر كتابه الذي وعد به حول ولاية الأمة على نفسها، لنقف على حقيقة مراده وطبيعة أدلته والتي أرجو أن لا تكون من قبيل ما ناقشناه آنفاً.
الدليل الثاني على التعدد: التمسك بإطلاق الأدلة
وتوضيح هذا الدليل أن يقال:
إنّ إطلاقات النصوص أعطت لكل من هو متصف بالمواصفات المذكورة ولاية الحكم على الأمة الإسلامية، فكأن الإمام (عليه السلام) عندما أطلق تلك الكلمات قد نشر ولاته في المناطق والبلاد. وجعل الفقهاء هم الولاة وإن كان لا إباء عن جعل ولي واحد للأمة، لكن هذا لا يتنافى مع القول بالتعدد. لأن القائل بالتعدد لا يريد أن ينفي وحدة الولاية، بل يكفيه أن الأدلة لم تجبر المؤمنين على الإنقياد لفقيه واحد، ولم تمنع الفقهاء من التصدي للولاية كل في بلد يخصه بعدما كانت تسمح بالتعدد على نحو نشر الولاة، فيكون حصر الولاية على الأمة بفقيه أو مجلس قيادي واحد منافياً لهذا الإطلاق. إلا إذا فرض أن الشروط المعتبرة في الولاية إنحصرت في واحد، أو فرض الضرورة الداعية لوحدة الولي كاقتصاء مصلحة الأمة ذلك.
مناقشة هذا الدليل:
ومن الواضح أن هذا الدليل أمتن من سابقه بكثير، ذلك أن ظاهر سابقه حسبما يشير إليه كلام صاحبه أن التعدد ضرورة ولو للتخلص من أزمة الحكم وأزمة الطاعة فراجع كلامه، بينما هذا الدليل يبقي الأمر مفتوحاً على الحالتين.
ولكنه مع ذلك يمكن مناقشته من وجوه:
الوجه الأول: أن مقتضى الأخذ بالإطلاق المذكور، لو افترضنا وجود إطلاق في الروايات، حمل الخطابات على أنها ليست للأمة بأجمعها. لأنه لا يمكن الجمع بين كون الخطاب لمجموع الأمة وكون جميع الفقهاء ولاة فعليين لها، لما قدمناه من أنه في الدائرة الإجتماعية الواحدة، وهي حسب الفرض هنا الأمة، لا يمكن أن يكون لها أكثر من ولي وحاكم. فحتى يتم الإطلاق المستدل به يجب أن نفرض أن الإمام أو الرسول قد فرض الأمة مقطعة عدة أجزاء، وأنه (صلى الله عليه وآله) يخاطب هذه الأجزاء على سبيل البدل بحيث يكون لكل جزء ولياً له من الفقهاء. وهذا خلاف ظاهر الروايات أعني فرض الخطاب للأمة بأجمعها.
ومآل ذلك إلى أن الروايات ذات ظهورين متعارضين: ظهورها في كون الخطاب لجميع الأمة، وظهورها في كون الفقهاء ولاة بالفعل. وبعدما ظهر من أنه لا يمكن الجمع بينهما فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما:
أحدهما: أن يستقر أحد الظهورين وينتفي الآخر أو أن نرجح أحد الظهورين على حساب الآخر، وفق المعايير المتعارف عليها في الترجيح.
فإن رجحنا جانب الظهور في التعدد يبطل الظهور في كون الخطاب للأمة، وإن رجحنا كون الخطاب للأمة الإسلامية جمعاء كدائرة واحدة فلازمه وحدة الولي، لأنه في الدائرة الواحدة لا يكون هناك أكثر من ولي سواء كبرت هذه الدائرة أم صغرت.
وعلى كل تقدير فنحن محتاجون إلى وسيلة معتبرة للترجيح، ولا نستطيع الترجيح كيفما كان.
ثانيهما: أن لا نتمكن من الترجيح ولازمه تساقط كلا الظهورين، لأن انعقاد أحدهما لا يكون إلا في طول انتفاء الآخر. فإن لم يمكن الترجيح لم يمكن نفي أي منهما فلا ينعقد ظهور في أي منهما. ويصير النص مجملاً من هذه الجهة، ولا يكون له ظهور في كون الخطاب لمجموع الأمة ولا في كون جميع الفقهاء ولاة فعليين.
الترجيح للأقوى ظهوراً.
والقاعدة المتبعة في الترجيح بين الظهورات ملاحظة الظهور الأقوى، وتقديمه على الآخر. لأن الظهور الأقوى يمنع الأضعف المتصل به من الإنعقاد، وينتفي الإستدلال به، وينتفي معه التعارض من أساسه أيضاً. ولكن المستدل لم يذكر لنا وجه اقوائية الظهور الذي ادعاه لكي نعتمده ونفضله على الآخر.
بل يمكن القول إن الظهور الأقوى هو الظهور المخالف لمدعى المستدل، أي ظهور الروايات في كون الحديث عن أمة إسلامية واحدة متكاملة، لأنه المرتكز بين المسلمين قاطبة. وهذا الإرتكاز يشكل قرينة حالية متصلة يفهم بواسطتها كون المتكلم في مقام بيان من هو الحاكم على الأمة من حيث المبدأ، ومن هو الذي يخلف الرسول على الأمة ومن هو الأمين على الأمة والقيم عليها. وحديثنا هنا عن الروايات المتمحضة في الولاية العامة لا في مثل مقبولة عمر بن حنظلة. ومع هذا الظهور وهذا الإرتكاز لا يبقى محل لفرض ولاية فعلية لجميع الفقهاء، بل نتيجته القهرية كون الولي الفعلي واحداً. وفي أسوأ الحالات يكون الإرتكاز المذكور صالحاً للقرينية، وهذا أيضاً يمنع من انعقاد ظهور في الإطلاق المجوّز للتعدد، فلا يبقى ما يعارض ظهور الرواية في أنها تتحدث عن الأمة كوحدة اجتماعية واحدة.
الوجه الثاني: إنه لا ظهور للروايات أصلاً في فعلية الولاية لجميع الفقهاء، وليست هي إلا في مقام بيان من له شأنية الولاية، والشأنية لا تستدعي التعدد على مستوى السلطة الفعلية، وإنما تقتضي تعدد من لهم شأنية الولاية، وهذا لا ننكره لكنه ليس محل الكلام، لأن كلامنا في التعدد على مستوى الممارسة الفعلية للسلطة السياسية والإدارية.
والموجب لنفي الإطلاق في الفعلية أن ظاهر حال الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) كونهم في مقام بيان المبدأ وإرشاد الناس إليه، ولم يكن هناك غرض أو لم يكن المقام مقام بيان جميع التفاصيل المتعقلة بهذا المبدأ، وإلا لكان الكلام ناقصاً. ضرورة أن بيان التفاصيل لا يكفي فيه الفعلية بل لابد من بيان شروطها وبيان الدوائر المعتمدة في توزيع الفقهاء وغير ذلك، وهذا لم يبين. وفقدان البيان يبطل التمسك بالإطلاق لأنه يعتمد على مقدمات الحكمة[19]، والتي من جملتها كون المتكلم في مقام البيان من الجهة المقصودة المراد إثبات الإطلاق فيها.
وإذا كان المقام متمحضاً لبيان الشأنية وساكتاً عن الفعلية، فإذا ضممنا إلى ذلك أنه لا إبهام فيمن هو المخاطب بهذه الخطابات، وأنه الأمة بسبب الإرتكاز المشار إليه، تصير النتيجة أنه لابد أن يكون الوالي على الأمة من الفقهاء. وحيث أنها أمة واحدة تحتاج إلى قيادة واحدة فاللازم العقلي لهذا الإرتكاز هو وحدة الولي. واللازم العقلي لا يحتاج إلى كون المتكلم في مقام البيان، بل يكفينا المبدأ لنضيفه إلى الإرتكاز ثم نستنتج ذلك اللازم. وسيأتي مزيد توضيح حول هذا الأمر في أدلة وحدة الولاية.
الوجه الثالث: أن القائل بالتعدد بالمعنى المطروح للنقاش لا يكفيه التمسك بإطلاق الروايات الدال على ولاية فعلية لكل الفقهاء على نحو العموم الإستغراقي. بل هذا الإطلاق مضر باستدلاله ومحتاج لتتميمه إلى تقييدين.
أما التقييد الأول: تقييد الولاية الفعلية بواحد في كل دائرة.
لأن مؤدى الإطلاق في الروايات ولاية فعلية لجميع الفقهاء في عرض واحد، دون أي طولية بين فقيه وفقيه، ولا أرجحية لفقيه على آخر، مهما كانت الدائرة المفترض توجيه الخطاب إليها أو المفترض كون الفقيه ولياً فيها، بحيث لو وجد فقيهان في بلد واحد لكان لكل منهما ولاية فعلية، وفق الإطلاق المذكور، وليس لأي منهما أن يدعي انحصار الولاية به أو أن يمنع غيره من التصدي لممارسة ولايته. ولن يكفي في هذه الأحوال التصدي أو الإنتخاب لحل المشكلة، لأن التصدي والإنتخاب يرتكزان على مسبوقية فعلية الولاية لواحد، فلو فرض أنها فعلية لأكثر من واحد فلن يُسقط تعدد الفعلية تصدي شخص أو انتخاب آخر، ما دام الشرع قد أثبت فعلية لكليهما.
وهذه النتيجة الملازمة للإطلاق على خلاف مراد المستدل، كما لن يلتزم بها أحد، لما ذكرناه في البحث الأول من أن هذا النحو من التعدد لا يمكن أن يكون مشروعاً في الإسلام في باب الولاية.
ولا يمكن للمستدل الجمع بين الإطلاق وبين كون الولي في البلد الواحد أو المدينة الواحدة واحدا.
وعليه، فإن قبل معنا المستدل بضرورة رفع اليد عن الظهور بالفعلية بسبب هذا المحذور المترتب على القول بالإطلاق فهو إلتزام بما ذكرناه، لأنه لا يستطيع أن يرفع فعلية ويبقى فعلية بشكل عشوائي.
التقييد الثاني: تحديد الدائرة.
ولو فرضنا أنه تم التقييد الأول أعني تقييد فعلية الولاية بفقيه واحد في دائرة واحدة، بحيث لا سلطة لفقيه آخر أو لا يحق لفقيه آخر ممارسة سلطته فيها. لكن هنا سؤال عن المقياس الذي يمكن اعتماده في تقسيم الدوائر لتوزيعها على الفقهاء، فهل هو اختيار الفقيه أم اختيار الناس أم نترك الأمر للظروف. وعلى كل تقدر فهذا تقييد آخر لم تدل عليه الرواية. كما أنها لم تحدد مقياس التوزيع، فهل المقياس هو البلاد أم المناطق أم الأحياء وهل للتقسيم القائم وللحدود القائمة دخل في هذا التعدد أم لا. ولا يمكن إبقاء الأمر مهملاً من هذه الجهة إذ ستنتفي فائدة التقييد الأول.
إن عدم انضباط هذا الأمر يفتح الباب واسعاً أمام تكثر الولاة بحسب الأحياء، فضلاً عن المدن والبلاد. ويدفع إلى المزيد من التشتت والتفرق في المجتمع الإسلامي، إذ ما دمنا قد قبلنا بتعدد الولاة بحسب البلاد، فلم لا نقبل بتعدد الولاة بحسب المناطق أو بحسب الأمصار. ومن الواضح أن التشكيلات السياسية اعتبارية خاضعة لاعتبارات المجتمعين، لا لحدود مرسومة من قبل الغير، لأنها ليست منزلة من قبل الله تعالى كي يجب على الفقهاء الإلتزام بها، وسيكون قبول هذا ورفض ذاك تحكماً محضاً. وإذا قبلنا التعدد إلى مستوى الأحياء فهذا تشتت في تشتت، وليس هذا هو مرام الإسلام يقينا وبعيد جداً عن روح الإسلام وعما أسس في الإسلام.
وإذا قبلنا بضرورة هذين التقييدين فإن دعوى الإجمال أو الإهمال هي الأولى، لأن كل تقييد منهما يحتاج إلى دليل ولا يصح التقييد العشوائي ومع عدم الدليل يسقط مرام المستدل. ولا يكون هناك محيص عن القول بإجمال الروايات من حيث صاحب الولاية الفعلية.
بل لو كان هناك إصرار على وجود إطلاق في الروايات فإن النتيجة هي وحدة الولاية على مستوى الأمة، لأنها لا تحتاج إلا إلى تقييد واحد. وهذا له قرينته وهو الإرتكاز المشار إليه سابقاً، فيكون هو المتعين لو قيل إن الروايات في مقام بيان من هو الوالي بالفعل. اللّهمّ إلا أن يأتي في آخر الزمان من يقول إن هذا الإرتكاز يمثل تخلفاً علينا أن نخلص أنفسنا منه.
التعدد بمثابة ولاة الإمام.
وأما حديث أن الإمام (عليه السلام) كأنه يريد بث الولاة في البلاد والأمصار، فهذا يمكن الركون إليه لو كان الإمام حياً ظاهراً يمكن للولاة الوصول إليه.
أما وأنه غائب فإن مرجع دعوى إرادة الإمام (عليه السلام) لبث الولاة إلى دعوى إرادته لتفكيك الأمة والمجتمع المسلم، مع كل ما يترتب على ذلك من مخاطر ومفاسد. وهذا غير معقول، لأن المفترض أن الأدلة لم تبين لنا كيف ستتحد هذه الأمة مع تعدد الولاة ولأن مدعي التعدد يعتبر أن لا ضرورة لهذا الإتحاد. ولذا فإن قياس عصر الغيبة على عصر الحضور قياس مع الفارق، لأن الإمام (عليه السلام) كان على رأس الهرم وكان هو الناظر العام والولي التام، فلم يضر التعدد بوحدة الولاية بل كان نابعاً منها.
النتيجة:
وعلى كل حال فالأرجح في النظر بهذه الروايات أنه لا إطلاق لها من جهة فعلية الولاية وشروط الفعلية، وإن كان لها ظهور في مبدأ الفعلية والجعل من دون تعليق على رضا المولى عليهم.
ولكن هل عدم الإطلاق ينافي القول بالإتحاد فلننظر في أدلة هذا القول.
البحث الثالث أدلة وحدة الولاية
الدليل الأول:
المسلمون أمة واحدة في الرأي الإسلامي العام.
إنّ الآيات القرآنية والنصوص الشريفة تتعاطى مع المسلمين على أنهم أمة واحدة ومجتمع واحد ليس لهم إلا حكومة واحدة، وكذا حال الروايات وكذلك هي مرتكزات المسلمين وسيرتهم من كلا الفريقين أعني السنة والشيعة. وأي تفكيك بين الأمة إلى بلاد وأمصار ينافي تلك الآيات والروايات والمرتكزات. صحيح أن المسلمين تنازعوا فيما بينهم، لكن لم يمكن النزاع في صحة وجود أكثر من ولي بل كان النزاع حول من يملك أهلية ذلك.
فوحدة الولي ووحدة الحكومة الإسلامية كانت أمراً مسلماً في ارتكاز المتشرعة من حين إنشاء الدولة الإسلامية على يد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وظهرت بوضوح أكثر بعد وفاته (صلى الله عليه وآله). إذ كان النزاع الظاهر في السقيفة وغيرها فيمن يكون الولي، ولم يخطر ببال أحد أن يقسم البلد الإسلامي أو أن يدعو إلى تقسميه إلى دوائر يكون لكل دائرة وليها الخاص. ولم يكن هذا عن قصور فيهم بل كان نتيجة ما ذكرنا. وإنما حصل التقسيم فيما بعد نتيجة حروب وأطماع وخلافات أدت إلى ذلك، لكنه كان دائماً أمراً مستنكراً.
حتى أنه عندما عمل معاوية على تفكيك الأمة الإسلامية والإستيلاء على الشام لم يحاول، وهو الذي أنكر النص على الإمامة، أن يتشبث بتعدد الولاة وبتعدد الحكومات. صحيح أنه كتب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام): (أما إذا شئت فلك العراق ولي الشام وتكف السيف عن هذه الأمة ولا تريق دماء المسلمين). وصحيح أن الطبري ذكر في تاريخه أن الإمام (عليه السلام) وافق فأقام معاوية بالشام يجبيها وما حولها وعلي بالعراق يجبيها ويقسمها بين جنوده.
لكن اقتراح معاوية كان بصيغة: إن شئت. وكان قبول الإمام (عليه السلام) بدافع حقن الدماء. فلولا حقن الدماء لم يكن ليقبل الإمام (عليه السلام) بهذه التجزئة، هذا على فرض صحة ما جاء في تاريخ الطبري.
الدليل الثاني: آيات وروايات.
وقد ورد بعض الآيات القرآنية والروائية التي تدعم ما ذكرنا وأن المسلمين يجب أن يحفظوا ترابطهم فيما بينهم وأن لا يختلفوا ولا يتشتتوا وإن تعدد الولاية مع إمكان الإتحاد يخالف كل تلك الروايات والآيات:
فمن هذه الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾[20].
فكيف يكون المؤمنون والمؤمنات أولياء وأنصار لبعضهم البعض، وكيف سيتعاونون فيما بينهم على نشر الشريعة وأحكامها وبث المعروف ومنع المنكرات إن تفككوا إلى مجتمعات وحكومات ودول.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾[21].
ومن الروايات:
ما رواه في المحاسن بسند صحيح كما رواه الكليني عن الإمام الصادق (عليه السلام):
(من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربقة الإيمان من عنقه)[22].
وما رواه الصدوق في الأمالي بإسناده عن الإمام الكاظم (عليه السلام) عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).
(من فارق جماعة المسلمين فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، قيل: يا رسول الله! وما جماعة المسلمين؟ قال: جماعة الحق وإن قلوا)[23].
وما رواه في الكافي بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:
(ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئٍ مسلم: إخلاص العمل لله والنصيحة لأئمة المسلمين واللزوم لجماعتهم فإن دعوتهم محيطة من ورائهم. المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم)[24].
وقد تقدمت في الباب الأول بعض الروايات حول أن الإمامة نظام الأمة. فكيف تكون نظاماً للأمة مع تشتت البلاد بكثرة الحكومات والإمام غائب عنها.
ونتيجة هذا الدليل ان الأمة الواحدة لا يمكن أن يكون فيها أكثر من حكومة واحدة وولاية واحدة وهو القول بالإتحاد. فيجب على مدعي التعدد أن يدعي أن وحدة الأمة قد تم التنازل عنها في عصر الغيبة.
الدليل الثالث: ليس للمسلمين إلا رأس واحد.
إن هناك روايات دلت على أن المسلمين كأمة واحدة لا يكون لهم أكثر من رأس واحد. ومن هذه الروايات ما رواه الشيخ الكشي في رجاله الذي رتبه الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: (ما لكم وللرئاسات إنما للمسلمين (المسلمون) رأس واحد)[25].
وهذا النص موافق للعقل وللإعتبار العقلائي في مقام الحكم والرئاسة. كما أنه صالح للإستدلال سواء كانت النسخة (للمسلمين) أم كانت (المسلمون).
أما على الأول فواضح إذ تكون الرواية صريحة بأن الأصل في مجتمع المسلمين رئاسة واحدة لهم جميعاً.
وأما على الثاني فلأنه يدل مباشرة على كون المسلمين مجتمعاً واحداً ودائرة واحدة، وقد بينا فيما سبق أن المجتمع الواحد لا يجوز عقلاً أن يحكمه أكثر من رأس واحد.
الدليل الرابع:
أن ننظر إلى مصلحة الأمة ونقرر على أساسها ما الذي توجبه. وهي مصلحة واحدة لا تتحقق إلا بوحدة الأمة ووحدة قيادتها لا بتعددها وتعدد قادتها.
بل لو فرضنا جواز أن يكون لكل بلد وليه وحاكمه، فلا بد أن يكون هناك جهة اتحاد يرجع إليها هذا التعدد لتحفظ بذلك مصالح الأمة. وقد رأينا الحكومات التي تدعي أنها واحدة تشكل مجالس تعاون وتنسيق كيف أنها أضرت ببعضها البعض، وكيف أن كلا منهم يقدم مصلحته على مصلحة غيره ويقدم مصلحة حكومته على المصلحة العامة التي تهم المجموع.
إن القول بالتعدد دون وجود جهة حاكمة جامعة عامة ذات سلطة يعرض مصالح الأمة للضياع. وإذا تم القبول بوجود مرجعية حاكمة على رأس كل وال، حتى وإن كانت هذه المرجعية الحاكمة هي مجلس قيادي صاحب سلطة وقرار وولاية فهذا مرجعه إلى القول بوحدة الولاية.
ومن جميع ما ذكرنا يظهر ضرورة أن يكون الولي على الأمة واحداً، وقد كان ينبغي عد هذا من البديهيات واعتبار أن تعدد الولاية وتقسيم الأمة إلى أقسام لا ينبغي طرحه في غير الحالات الضرورية التي لا يمكن معها الإتحاد.
ولا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون الدليل على الولاية النص أو الحسبة على ما بيناه في سياق مناقشة الدليل الأول على التعدد.
كلمة أخيرة:
إنه مهما كان رأينا في مسألة وحدة الولاية والتعدد فإن هناك حالات اتفقت فيها الكلمة بين العلماء على وحدة الولاية. ومن تلك الحالات ما لو كان وجود ولي آخر موجباً لتضعيف غيره، أو كان تصدي فقيه موجباً لتضعيف الجمهورية الإسلامية أو الحكومة الإسلامية الموجودة والتي يكون حفظها من أهم الواجبات. وهذا هو القدر المتيقن من وحدة الولاية وبه صرح عدد من العلماء والفقهاء، منهم الشيخ جواد التبريزي.[26]
وإذا كانت الأمة لا يصلح لها أكثر من إمام وإن كان الإمام الثاني معصوماً، فبالأولى أن لا يصلح لها إمامان غير معصومين.
ومن جميع ما تقدم يتبين أن القول بوحدة الولاية في الأمة لا تتوقف على النص الوارد في أدلة ولاية الفقيه.
هذا كله لو أمكن أن تتحد الأمة في ظل ولاية وحكومة واحدة أما لو لم يمكن ذلك فيعمل حسب الإمكان على ما بينا في التمهيد.
الفصل السادس: الولاية والمرجعية
تمهيد:
لقد ارتكز في الأذهان أن شروط المرجعية مختلفة عن شروط الولاية، بمعنى أن هناك شروطاً معتبرة في المرجعية غير معتبرة في الولاية، وهناك شروطاً معتبرة في الولاية غير معتبرة في المرجعية. ونتيجة هذا أن المرجع قد لا يكون ولياً إذا توفرت فيه شروط المرجعية ولم تتوفر فيه شروط الولاية، وقد لا يكون الولي مرجعاً إذا توفرت فيه شروط الولاية ولم تتوفر فيه شروط المرجعية.
وعند التدقيق في شروط كل منهما نجد أن هذا الكلام ينحصر في خصوص شرط الأعلمية بالنسبة للمرجعية، وشرط الكفاءة والقدرة على قيادة الأمة بالنسبة للولاية. أما الشروط الأخرى فهي من الشروط المشتركة بين المرجعية والولاية.
والذي نريد بحثه في هذا الفصل هو التدقيق في مدى صوابية هذا التفريق. فهل صحيح أن الأعلمية شرط في المرجعية وليست شرطاً في الولاية؟ وهل صحيح أن الكفاءة شرط في الولاية، وليست شرطاً في المرجعية؟ ويكفينا من الناحية المبدئية أن نثبت وحدة الشروط بينهما، بمعنى أن الأهلية للمرجعية والأهلية للولاية هي أهلية واحدة لا تتعدد ولا تتجزأ.
ثم إن من المؤثرات في هذا البحث كيفية نظرتنا، كأفراد مكلفين، إلى المرجعية. ذلك أننا تارة ننظر إلى المرجعية على أنها شأن أفراد المسلمين بما هم أفراد لا بما هم مجتمع متكامل يحتاج إلى مرجعية، وتارة ننظر إليها على أنها شأن اجتماعي ولكل من النظرتين أثر مختلف عن الآخر.
نظرة إلى المرجعية في حياة الناس:
وكنظرة أولية نجد المرجع شئنا أو أبينا تنظر إليه الناس على أنه ذو دور اجتماعي عام يتجاوز الشأن الفردي لكل واحد منهم. ولذا نجدهم ينقادون للسؤال من مرجعهم هل تفعل هذا الفعل أم لا؟ وهل تتحرك هذا التحرك أم لا؟ علماً أن المرجعية ليس لها هذا الدور لكن هذا أمر واقع لا يمكن تجاوزه. ومنشأ هذا الواقع أن هناك ارتكازاً عند أفراد الناس أن المرجعية ذات شأن اجتماعي. وبالتالي فهناك هوة بين الصياغة الفعلية التي تتجلى فيها المرجعية وبين ما هو مرتكز بين الناس. وقد كان للتعاطي الفقهي مع المرجعية على أنها شأن فردي آثاره السلبية على المجتمعات الإسلامية وانكماشها وعدم تطورها وتوفيقها في الوصول إلى أهدافها.
والحالات المضيئة في تاريخنا تجلت من مرجعيات ذات أهلية للولاية وتعاطت مع الشأن المرجعي على أنه شأن اجتماعي. ومن هذه الحالات حالة الميرزا الشيرازي وحالة الشيخ الأخند وغيرهما. ومن أهمها الحالة التي عاصرناها أي حالة الثورة الإسلامية المباركة التي انتصرت في إيران بقيادة المرجع الولي الإمام الخميني (رحمه الله) ولولا أنه كان مرجع تقليد لربما كان من الصعب أن نرى النتيجة التي وصل إليها في المجتمع الإسلامي في إيران وغيرها.
رأي الإمام الخميني حول الموضوع:
وقد كان الإمام الخميني (رحمه الله) يميل إلى اتحاد الولاية والمرجعية إذا أمكن، وكان يسعى إلى إضافة شرط جديد في المرجعية تصير بموجبه المرجعية متحدة مع الولاية. وقد تجلت هذه المحاولة في خطاباته التي كان يخاطب بها الحوزات العلمية والتي كان يدعو فيها إلى أن تكون المرجعية مشروطة بصفات تؤهلها لقيادة الأمة من حيث الكفاءة والعلم بالزمان. ولكن لم تأخذ هذه الأمور جديتها اللازمة أو لم تأخذ الوقت الكافي ليستقر عليها الرأي في الحوزات العلمية. مما أضطره أخيراً إلى أن يعلن أنه قد يكون الولي غير مرجع. ومراده من ذلك التمييز بين الولاية والمرجعية بالمعنى المعروف والشروط المعهودة، لكن لا بمعنى أن الولي يجب أن لا يكون مرجعاً. بل حتى لا تلزم الأمة بولاية المرجعيات في ظل الشروط الفعلية للمرجعية التي لا ترتبط بصفات الولاية. لكن لو وجد المرجع الولي فهو المنى.
محاولات في هذا السبيل
وهذه المحاولة نجد أمثالها عند كل من استشعر الربط بين المجتمع والمرجعية، بحيث لا تستقيم هذه العلاقة إن اقتصرنا في شروط المرجعية على الشروط المعروفة التي تحصر المرجعية في الشأن الفردي، ولم نأخذ بعين الإعتبار أهلية المرجع لقيادة الأمة.
ومن هؤلاء الذين سعوا ذلك السعي الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رحمه الله) الذي كان يدعو بشكل جاد إلى تحقق هذه المحاولة، ولذا عندما وجد ضالته في الإمام الخميني (رحمه الله) دعا الجميع لا لكي يتبعوا الإمام فقط بل ليذوبوا فيه، الذي يعني الإنقياد المطلق وشبه الأعمى لقيادة الإمام الخميني (رحمه الله). وقد طرح السيد الشهيد نفسه جندياً في هذا السبيل موصياً بذلك بنيه ومحبيه غير عابئ بالإعتبارات التي تحيط به، خصوصاً وأنه كان صاحب مشروع فتنازل من أجل الإسلام، ولقناعته بأنه لا مرجعية أرشد من مرجعية الإمام الخميني (رحمه الله).
ولن تعدم الساحة الإسلامية المزيد من المحاولات على مستوى تحديد الشروط المطلوبة في الولي والمرجع، وتنقيتها لنصل في نهاية الأمر إلى وحدة الولي والمرجع. وفي اعتقادي فإن هذه هي النتيجة الحتمية التي سنصل إليها إن أشبعنا البحث من الجانب العلمي، وإن كنا سنلاقي صعوبات جمة، لكن في نهاية المطاف لا بديل عن هذا التعديل في شروط المرجعية بمعنى أن نضيف الشرط الذي يصحح علاقة المرجع بالأمة.
البحث الأول: وحدة المرجعية والولاية
لقد أشرنا في التمهيد إلى نظرة الناس إلى المرجعية وأنها أقرب إلى الولاية. فلنر إلى أي حد يمكن أن نستكشف هذه الوحدة.
نظرة في علاقة الناس بالأئمة (عليهم السلام)
ولو تأملنا حياة أهل البيت (عليهم السلام) لوجدنا أن مراد الشريعة من علاقة الناس بهم (عليهم السلام) لا ينحصر بأخذ الحكم الشرعي، بل كانت علاقة الهداية ومراقبة حركة الناس وإرشادهم نحو الطريق السليم. ومن الطبيعي أن العلماء عليهم أن يأخذوا هذا الدور لا أن يكون دورهم مجرد إعطاء الفتوى بعيداً عن حركة المسلمين في عالم الواقع مما يستدعي شرط الكفاءة.
نظرة في شروط المرجعية:
ولو تأملنا الشروط المطروحة للمرجعية لحق لنا أن نقول: إن ما يراد للمرجعية من دور إن كان هو محض الإستفتاء فهو لا ينسجم مع بعض الشروط. فأي حاجة لأن يكون مرجع التقليد عادلاً ما دام دوره مجرد إعطاء الفتوى، وما دام ينظر إليه على أنه طريق ظني للمكلف لإحراز الواقع. فكما أن راوي الحديث طريق لنا لإحراز صدور الرواية عن المعصوم (عليه السلام) فالفقيه المرجع طريق لإحراز الحكم الشرعي. والطريقية لا تحتاج إلى عدالة بل يكفي فيها الوثاقة.
وعندما نسأل عن أدلة اشتراط العدالة في مرجع التقليد نجد أن الدليل هو أن هذا المقام لا يليق بغير العادل، وأنه إذا اشترط في الشاهد وفي إمام الجماعة العدالة فبالأولى اشتراط ذلك في مرجع التقليد. وأنت ترى أن هذا الإستدلال يرتكز على أن للفقيه دوراً آخر غير دور الإفتاء وهو دور يستبطن نحواً من أنحاء الإمامة والقيادة، وإلا فما هو هذا المقام الذي لا يليق بغير العادل غير مقام هداية الناس واقتدائهم به، وهو أمر زائد على الإفتاء ويحتاج إلى شروط أخرى ليكون المرجع أهلاً لهداية الناس واقتدائهم به. نعم لو كان هناك نص[27]على أنه يشترط في المفتي أن يكون عدلاً لأخذنا به، ولكن النصوص[28] الموجودة تتلاءم مع الولاية لا مجرد الفتوى وإن كنا لا نقلل من أهمية دور الإفتاء في حياة الأمة.
وكذلك هو الحال لو تأملنا الشروط الأخرى المذكورة في المرجعية، كطهارة المولد ونحوها فهذه شروط لا دخل لها بدور الإفتاء ما لم نضف إلى الإفتاء دور القيادة.
إنّ دور الإفتاء لا يتطلب أكثر من خبرة الشخص وعلمه وأمانته وليس له أي جهة ولاية، حتى أن إطلاق وصف (ولاية الإفتاء) لا يخلو من تسامح يراد منه حق إعطاء الفتوى لا أكثر لا أن هناك سلطنة. فالفقيه في الفتوى كمدرس الطب وليس كالطبيب المعالج والجراح الماهر، وإنما يكون كذلك بنزوله إلى الميدان. والخبير العليم لا يطلب منه أكثر من الوثاقة بعلمه وخبرته حتى نلجأ إلى أخذ المعارف منه.
وحدة الولاية والمرجعية تاريخياً:
ولذا ندعي أن المرتكز في أول نشوء المرجعية أنها قيادة الأمة واحتضان لها، كتعويض جزئي عما فاتها من غيبة الإمام الحجة (عج). ولكن مع مرور الزمن ونتيجة ضعف هذا الدور لعوامل عديدة نُسي هذا الأمر، وصار مرجع التقليد مجرد مفت قد يكون بعيداً كل البعد عن حياة الناس. فبقيت بعض الشروط ونسينا الدور.
وإذا استقرأنا الأزمة الأولى المقاربة لعصر الغيبة الصغرى نجد أن العلماء الذين تصدّوا للمرجعية كانوا قادرين على قيادة الأمة في الساحة التي يعيشونها. ولذا كنا نجد أن المتصدي للمرجعية هو الأكفأ للقيادة في الشأن الذي كان ظاهراً على الساحة، والذي يحتاج الشيعة إلى القائد فيه. فحيث كانت الساحة عقائدية كانت المرجعيات من أقدر الناس على خوض المعركة الكلامية العقائدية، كما يتجلى ذلك بوضوح من كون السيد المرتضى والشيخ الطوسي والشيخ المفيد من تولَّى المرجعية في تلك العصور. علما أن بعض هؤلاء ليس لهم تلك الرتبة الفقهية العالية التي تستدعي ترجيحه على غيره في مقام التقليد وفق مقاييس هذا الزمن. بل إن بعضهم يقل اهتمام العلماء بآرائهم، ومع ذلك كانوا هم المراجع العامين من جهة والمتصدين للساحة وشؤونها من جهة أخرى، ولا زال ينظر إليهم بعين التقديس والإجلال حتى وقتنا الحاضر.
نظرة في الفتاوى:
ربما يستهجن البعض هذا العنوان لأن المسألة لم تطرح في كتب العلماء حتى نجد فتاوى تتحدث عن الوحدة وعدمها. ولكن ما نقصده هنا هو ما أشرنا إليه في حديثنا عن الخمس من أن ما ارتكز في أذهان العلماء من الأمر بالدفع لمراجع التقليد لا يمكن فهمه إلا على ضوء ولاية الفقيه في الخمس وكون الولي هو المرجع. وهذه الولاية وإن كانت خاصة في مورد الخمس لكن المناط واحد. أليس صرف الخمس محتاجا إلى ارتباط بحياة الناس ووعي بشؤونها وما يجري على الساحة. أم كيف يلزم المكلف بدفع الخمس إلى مرجع لا يملك كفاءة صرفه.
إنّ كل رأي فقهي يدعو إلى دفع الخمس إلى المراجع ووجوب الإستئذان منه لصرفه يستبطن هذه الوحدة ويستشعرها المرجع في واقعه وحاجاته المرتبطة بشؤون الأمة.
عودة إلى أدلة ولاية الفقيه:
وإذا راجعنا الروايات التي استدللنا بها على ولاية الفقيه نجد أنها لا ينحصر مفادها بإرجاع المكلفين إلى العلماء من أجل الإنقياد لهم في الساحة العلمية، بل يعم مفادها الإرجاع من أجل ذلك والإرجاع من أجل أخذ الفتوى. وبالتالي فالروايات أعطت دورين هما الولاية والمرجعية لعنوان واحد هو الفقيه، بل هنا دور واحد يستبطن دوراً آخر وهو الولاية المستبطنة للمرجعية. لأن الإرجاع للعلماء في الولاية إرجاع لهم في أخذ الفتوى ضمناً، لما بيناه سابقاً من أن حكم الولي يرتكز على فتواه الفقهية كما يرتكز على تشخيصه الواقع القائم. فلو لم يكن رأيه الفقهي حجة على المكلفين لم يصح العمل بأمره. ومعنى أن رأيه حجة أنه مرجعهم في الفتوى. فالولاية هي الأصل والمرجعية الفرع لا العكس.
خلاصة ومناقشة:
والنتيجة هي أنه لابد من أن يكون المرجع ذا أهلية للتصدي للساحة باعتبار أن المرجعية شأن اجتماعي، كما استفدنا ذلك من ارتكاز الأمة ومن البحث التاريخي ومن التأمل في الشروط وفي بعض الفتاوى ومن واقع الحال ومن أدلة ولاية الفقيه.
ومما ذكرنا يظهر لك عدم صحة ما ذكره السيد كاظم الحائري حيث استدل على صحة فصل المرجعية عن الولاية بما خلاصته[29]: (إنّ المرجعية في التقليد في الأمور الفردية مدارها الأعلمية، أما المقياس في الولاية فيختلف عن مقياس المرجعية في أمرين:
الأول: أن الولاية مشروطة بالكفاءة السياسية والإجتماعية في حين أن التقليد لم يكن مشروطاً بهذا الشرط. ولو اشترطنا في الولاية الأعلمية أيضاً فإن الأعلمية في أحد الموردين تختلف عن الأعلمية في المورد الآخر.
صحيح أن الكفاءة الذهنية السياسية والإجتماعية دخيلة في استنباط كثير من الأحكام فتؤثر على الأعلمية، لكن ليست هي وحدها الدخيلة في ذلك كي لا تنفك الأعلمية عن الكفاءة.[30]
الثاني: أن مقياس الترجيح في باب التقليد الفردي هو الأعلمية، وفي باب الولاية هو الأكثرية. ولا يمكن أن يكون المقياس واقع الأعلمية في فن القيادة لأن هذا يوجب تعدد الأولياء لأن الناس يختلفون في تشخيص الواقع) إنتهى.
وجه عدم الصحة: من جهتين:
الأولى: أنه قد بنى على أن المرجعية شأن فردي. فإن قصد بذلك أن هذا هو الدارج فهو محق، لكن هذا لا يصلح دليلا لفصل المرجعية عن الولاية. وإن أراد أن المرجعية هي واقعاً كذلك ، وأن ما ذكره هي مقاييس واقعية للمرجعية تميزها عما عداه فهو مصادرة إذ (لا تغيير) لم يأت بدليل على أنها شأن فردي. نعم هي شأن فردي واجتماعي، وحيث أن للمجتمع ربطاً به وجب أن تتوفر في المرجع شروط الولي. لا من جهة أن الكفاءة دخيلة في الإستنباط، بل من جهة أن أصل المرجعية كما بينا شأن قيادي وليست شأناً إفتائياً محضاً، وإن اشتهر ذلك في الأزمنة المتأخرة لكن الظاهر أن الأصل لم يكن إلا ما ذكرنا.
الثانية: أنه قد جعل المقياس في ترجيح الولاية الأكثرية بخلاف المرجعية. وهذا مردود بما ذكرناه سابقاً من أن المقياس في ترجيح الولاية هي الأفضلية، فإن كانت الأعلمية ممكنة الإدراك فهي شرط في الولي كما أنها شرط في المرجع وإن لم تكن ممكنة الإدراك فهي ساقطة في الموردين. علماً أن بعض الفقهاء من القدماء لم يقبلوا بشرط الأعلمية في المرجع.
وبعبارة أخرى حيث نشترط الأعلمية تكون مشترطة في المقامين وإن لم نشترطها تكون غير مشترطة في المقامين ولم يظهر لنا وجه حتى الآن يميز الولي عن المرجع من حيث الشروط والحال أن الولي له نحو مرجعية فقهية ولو في الأبواب والشؤون المتعلقة بولايته. علماً أننا تحدثنا مطولاً عن مسألة الأعلمية وذكرنا هناك أنه لا وجود لمقياس منضبط تحرز معه الأعلمية.
وعليه فالمرجح في باب الولاية هو الأفضلية وإنما نلجأ إلى الأكثرية إن لم نشترط الأفضلية أو لم نعرفها. وهكذا الحال في المرجعية فإن الأعلمية هي المرجح إن اشترطناها وتسقط عن الإعتبار إن لم نشترطها أو لم نعرفها. لكن الأفضلية الملحوظة في باب الولاية أعمق من مجرد الأعلمية بل تشمل الأكفئية على ما بيناه سابقاً فراجع.
وقد بينا سابقاً أن اشتراط الأفضلية لا يلزم منه تعدد الولاة ما دام لابد من حصول علم أو اطمئنان بالأفضل ولو من خلال مجلس حاشد من أهل الخبرة أو أكثرية هذا المجلس. فالأكثرية ليست هي المرجح في حد ذاتها وإنما كانت مرجحاً لكاشفيتها عن الأفضل.
البحث الثاني: لو تعدد المرجع والولي:
إنّ ما تقدم منا كان بمثابة دعوة إستدلالية لتوحيد المقامين في شخص واحد، ولكن الحوزات العلمية لم تطلق هذا الأمر بعد. ولذا لابد من استكمال البحث على ضوء الواقع القائم حيث لا يلزم العلماء بتقليد الولي من حيث ولي، وإن كان يجب تقليده أحياناً إن كان هو الأرجح بحسب مرجحات التقليد.
وفي هذه الحال يرد سؤال ملح يهم المكلفين عامة، والذي يقلد غير الولي خاصة: هل هناك تعارض بين المرجعية والولاية أم يمكن للمكلف أن يكون تحت ولاية شخص بينما يكون مقلداً لشخص آخر؟ ويمكن التوسعة في الطرح إذ أن المكلف قد يكون مجتهداً وهذا، باتفاق الكل، عليه أن يقلد نفسه، سواء قلنا بقيام الولاية والمرجعية في شخص واحد أم لم نقل. فهل يجب عليه أن يكون تحت ولاية فقيه آخر أم لا.
والبحث حول هذه النقاط أهم من البحث عن وحدة الولاية والمرجعية. لأن هذه الوحدة، وإن آمنا بها لكنها غير مطبقة فعلاً، والموجود بالفعل هو التفريق وبالتالي فإن ما يهم المؤمن العادي هو ملاحظة مدى تأثير هذه الثنائية عليه في حياته العملية.
وللإجابة عن التساؤلات السابقة نتحدث تارة في حكم المجتهد، وأخرى في حكم المقلد.
أما بالنسبة إلى المجتهد:
فحيث أنه بحسب الفرض أحد أفراد الأمة الذين تولى أمرهم فقيه آخر فإنه يجب عليه كفرد من أفرادها أن يضع نفسه بتصرف هذه الولاية والإلتزام بأحكامها. ومجرد أنه فقيه لا يكفي للتهرب من إلتزامات الولاية. وليس في هذا أي منقصة لشأنه ولا مذمة في حقه ولا استهتار بعلمه، بل هذا من شؤون الورع والدين والتقوى والحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين ونحوها من الصفات التي يجب على كل مكلف أن يتحلى بها. فكما أنه لا ضرر على الفقيه ولا منقصة في شأنه لو انقاد لحكم قاض حكم بخلاف رأيه في أمر تنازع فيه ذلك الفقيه مع فقيه آخر أو مع شخص آخر، فكذلك لا ضرر ولا منقصة في أن ينقاد لحكم ولي الأمر التي هي من فروع ولاية أهل البيت (عليهم السلام).
والأدلة الدالة على ثبوت ولاية الفقيه على الأمة لم تستثن الفقهاء بل يشملهم الدليل لأنهم جزء منها، بلا فرق بين أن يكون دليلنا على ذلك النصوص الشرعية أو دليل الحسبة.
أما بالنسبة إلى المقلد:
الذي يقلد شخصاً بينما يكون الولي شخصاً آخر فأيضاً يجب عليه أن يعمل في حياته الإجتماعية والسياسية وما يرتبط بشؤون الولاية بأمر الولي الفقيه. وليس له أن يتهرب من ذلك بحجة أنه لا يقلد ذلك الولي. كما لا يحق للفقيه المرجع غير الولي أن يتدخل في شؤون الناس بما يتعارض مع حكم الحاكم الولي الفقيه، حتى وإن كان طالب التدخل من مقلديه، بعدما عرفت أن الفقيه نفسه ملزم بالعمل وفق حكم الحاكم الوالي.
وبوضوح أكثر نقول: إننا إن لم نلتزم بضرورة وحدة الولاية والمرجعية بشكل مطلق، فعلى الأقل يجب الإلتزام بها في حدود المسائل الفقهية المرتبطة بشأن الولاية ومجالاتها، وهذا ما تقتضيه أدلة ولاية الفقيه لفظية كانت أو عقلية.
أما الأدلة اللفظية فقد أعطت الولاية للفقيه، وقد تقدم معنا أن الولاية لا يمكن أن تكون لأكثر من واحد في دائرة اجتماعية واحدة. فكل مكلف في هذه الدائرة مكلف بالعمل وفق رأي الحاكم حسب ما دلت عليه هذه الأدلة اللفظية. فلو كان المكلف يقلد مرجعاً غير الولي فليس لهذا المرجع حق الأمر والنهي في هذه الدائرة، وبالتالي لا يجوز له التدخل المباشر في حركة الناس، وإن كان يحق له أو يجب عليه أحياناً أن يقدم النصح والمشورة للفقيه الولي في تلك الدائرة. لكن في النهاية الأمر والحكم الملزم، والذي يجب العمل على وفقه هو أمر وحكم الفقيه الولي. وفي هذه الحال لو فرضنا أن الفقيه المرجع من أفراد تلك الدائرة فهو أيضاً ممن يجب عليه الإلتزام بحكم ذلك الحاكم. وقد بينا فيما سبق أن المفترض بالولي أن يقدم أهل العلم ويحترم علمهم وورعهم وأن يتعاطى معهم بالنحو المناسب لهم.
فالمرجعية لوحدها لا تكفي مبرراً لنقض حكم الحاكم لا لنفس المرجع ولا بالنسبة لمقلديه، ما دامت المرجعية شيئاً والولاية شيئاً آخر حسب الفرض، سواء كان الإختلاف بين المرجع والولي في الفتوى أم كان في التشخيص، كما أنه الحال كذلك في باب القضاء كما تقدم. بل لو كان الإختلاف في التشخيص فقط فالأمر أوضح، لأنه لا ولاية للمرجع في هذه الحال بل الولاية للفقيه الولي فقط فلا تصل النوبة للتعارض بينهما. فلو فرضنا أن المرجع والولي إتفقا في الفتوى واختلفا في التشخيص فإن الذي يجب الأخذ بقوله هنا هو من له ولاية التشخيص وهو ولي الأمر أما المرجعية فهي ولاية الفتوى فقط.
فالمشكلة لو كان هناك مشكلة يتأثر بها المكلف العادي منحصرة في مجالات الإختلاف في الفتوى. كما لو افترضنا أن الفقيه المرجع لا يرى الحرب بأي حال بينما رأى الولي إمكانية إعلان الحرب في بعض الحالات، فإنه مع غض النظر عن التشخيص سيكون الإختلاف قائماً. لكن في هذه الحال حيث أن هذه الفتوى من مقدمات الولاية وإعمالها، وقد دلت الأدلة اللفظية على وجوب طاعة الفقيه، يدل هذا بالملازمة على أن ولاية الفتوى لدى المرجع ساقطة في هذه الحال، إذ لا يوجد في الأدلة ما يسمح بترجيح الرأي الفقهي للمرجع غير الولي على الرأي الفقهي للولي، بل العكس هو الموجود وهو ما دل على لزوم طاعة الولي من الأدلة اللفظية.
ومثله لو كان الدليل عقلياً أي دليل الحسبة. فإننا بعد أن تيقنا بوجوب إطاعة الفقيه يكون هذا كافياً في تقديم رأي الولي الفقهي على رأي المرجع، لأن العقل يدرك بناء على دليله أن تقليد المرجع ينحصر مجاله بالأحكام التي لا تعارض ولاية الولي والحكومة العادلة. فلو (فرض أن الولي أعمل سلطانه في حكم من الأحكام فإن طاعته حينئذ واجبة حتى لو كانت تخالف ما يعتقد المكلف صحته إجتهاداً أو تقليداً)[31].
نتيجة البحث:
والنتيجة هي أنه لو جوز البعض تقليد غير الولي كما هو عليه الحال في هذا العصر إلى أن يأتي العصر الذي تصحح فيه الأحوال وتتوحد فيه كلمة الحق حول وحدة الولاية والمرجعية، فإنه لا مجال لأن يجوّز أحد تقليد المرجع في الموارد التي تتعارض مع رأي الفقيه الولي والتي هي من شأن الولي، والتي يؤدي التقليد فيها إلى عدم العمل برأي الفقيه الولي. لأن ذلك مخالف للأدلة المشار إليها سابقاً الدالة على أن ولاية الإفتاء بغرض العمل المرتبط بالشأن العام منحصرة بالفقيه الولي. علماً أن الغالب هو التوافق بين العلماء الأعلام على المستوى الفقهي في الفتاوى المتعلقة بالموارد الإجتماعية والسياسية إلا ما ندر. أما التشخيص وإصدار الأحكام التي تحتاجها الأمة فليس من شأن المرجع التصدي لها على الإطلاق، ما لم يكن هو الولي.
لو كان المرجع لا يرى ولاية الفقيه:
والمشكلة المشار إليها سابقاً ستظهر بشكل أكبر إن لاحظنا مرجعاً لا يرى ولاية الفقيه، أو قد يتخيل المقلد ذلك. ففي هذه الحال ماذا يفعل المقلد لهذا المرجع وماذا نقول له.
نقول له: إنك قد عرفت فيما سبق عدم وجود خلاف بين الفقهاء في مبدأ ولاية الفقيه، وأن القدر المتيقن من الولاية هو المقدار الذي تثبته أدلة الحسبة. وبناء عليه يصح كل ما تقدم من ضرورة التبعية للولي، لأن هذا المرجع سيكون على الأقل من القائلين بولاية الفقيه بهذا المقدار. ولو أن المقلدين إلتزموا بهذا المقدار لكان فيه الكفاية خاصة وأن دائرة الحسبة واسعة جداً وليست ضيقة كما قد يتوهم البعض فراجع ما ذكرناه من موارد الحسبة. والحرص الذي يتطلبه دليل الحسبة موجود أساساً في الفقيه الولي وفق الشروط التي بيناها فيما سبق.
إلا أن يكون الفقيه المرجع ممن يرى حرمة إقامة حكومة إسلامية وعدم جواز العمل لإقامة العدل بين الناس والحكم بما أنزل الله تعالى قدر المستطاع. وفي هذه الحال تصبح طاعة الفقيه الولي محرمة على المكلف الذي يقلد هذا المرجع، لكن في هذه الحال أيضاً نقول: إنّ هذا الفقيه ممن نقطع بعدم صحة تقليده وعدم أهليته للمرجعية، وأن مشكلة ما قد أصابته.
ولقد شاءت عناية الله تعالى لا يستلم سدة المرجعية أناس من هذا القبيل منذ انتهاء الغيبة الصغرى.
وعلى كل حال فالمفترض بالفقهاء الكرام أن لا يتدخلوا في ما هو من شؤون الولاية بشكل مباشر مع الأفراد بما يؤدي إلى تلبيس الأمر على المكلفين، وزعزعة ثقة الناس بولاتهم واضطرابهم في كيفية تصرفاتهم، بل قد يؤدي هذا إلى فتن لا تحمد عقباها، خاصة في هذه العصور حيث تكالب الآخرين علينا.

الفصل السابع: مركزية السلطات أو الفصل بينه
غدا في هذه العصور ينظر إلى مبدأ الفصل بين السلطات من المبادئ الأساسية لنجاح أي حكم أو نظام. فكان من الطبيعي السؤال عن هذا المبدأ في ظل ولاية الفقيه: هل تتمركز السلطات في الفقيه أم أنها مستقلة.
نظرة تاريخية:
ومن الجهة التاريخية لم يعرف عن أنظمة الحكم في المجتمعات الإسلامية التي عرفت باسم الخلافة الفصل بين هذه السلطات، فكانت السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قائمتين بالوالي، وإن كان قد يحتاج إلى أعوان أو وزراء لكن في النهاية كانت كلتا السلطتين بيده. بل إن أكثر العهود التي مضت لم تعترف باستقلالية السلطة القضائية، ولذا كانت التدخلات فيه هي السمة البارزة في عهود الخلافة إلا ما ندر.
وبنظرة تاريخية أبعد نجد أن حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله) قد ركزت السلطات الثلاث في شخص واحد هو النبي (صلى الله عليه وآله). فهو المشرع والمرسل من رب العالمين لإظهار تشريعاته تعالى﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾. وهو صاحب السلطة التنفيذية لولايته على الأنفس والأموال، ولوجوب طاعته في كل ما يأمر وينهى سواء كان في المجال السياسي أو في المجال الإداري التنظيمي أو في المجال الإجتماعي وغيره من المجالات فإن أمر وجبت طاعته بلا تردد ولا تلكؤ.
وهكذا هو حال السلطات عند الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لو استلموا الحكم.
سلطة المعصومين (عليهم السلام):
وتمركز السلطات في شخص واحد هو المعصوم لا يشكل أي مشكلة في التصور الإسلامي عن الحكم وأهدافه، سواء كان هذا المعصوم نبياً أم إماماً. وفي الواقع فإن صفة العصمة التي يتصف بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) تمنع من ظهور أي مشكلة من تمركز السلطات، لأن الداعي إلى فصل السلطات هو الحرص على الوصول إلى الحق قدر الإمكان، وحيث أن الوصول إليه محرز في ظل قيادة المعصوم من دون تخوّف على الإطلاق من شمول سلطته للأنحاء الثلاثة، فلن يتوقع حصول أي مشكلة قد تنشأ من تمركز السلطات في حكومته.
وبعبارة أخرى بدل أن تكون هناك دعوة للفصل بين السلطات فإن العصمة تصبح داعياً لتمركزها، لأنها الضمانة الإلهية التي جعلها الله تعالى في أمة الإسلام، وبالتالي صح لنا أن نقول: إن الأصل في السلطات التمركز إذا كان السلطان هو المعصوم (عليه السلام). وهذا مبدأ أساسي لكنه يحق للمعصوم (عليه السلام) فصلها ويكون معنى ذلك أنه (عليه السلام) قد نقل بعض صلاحياته إلى غيره، ولكنه نقل مقيد مؤقت يستطيع استرداده ساعة يشاء. ولن يكون في أي حال من الأحوال ملزماً لا بنقل بعض صلاحياته لغيره ولا بعدم الإسترجاع، بل الأمر له على الإطلاق.
وفي الحقيقة فإن التنازل لا يحقق أيضاً الفصل بين السلطات، لأن حقه لم يسقط بالتنازل وسيبقى له التدخل في كل مجال من المجالات التي تتكون منها الدولة.
الحال في حكومة الفقيه
فإذا كان هذا هو حال السلطة في حكم المعصوم (عليه السلام) فهل الأمر كذلك في حكومة الفقيه، أم أن تغييراً ما قد حصل يوجب الفصل بين السلطات.
ومن حيث المبدأ لا نرى بأن هناك ما يلزم بالفصل بين السلطات على المستوى النظري الفكري، كما أن الفصل بينها ليس أمراً مكروهاً أو مرفوضاً. ولذا لا نستطيع أن نجيب عن السؤال المذكور بدون أن نراجع الأدلة الدالة على ولاية الفقيه سواء في ذلك الدليل العقلي أم الدليل النقلي.
إستقلالية القضاء
لكن هناك شيء مؤكد يمكن قوله في موضوع الفصل، وهو إستقلالية القضاء في حكومة الولي الفقيه. وهذا الأمر متسالم عليه بين علمائنا ولذا اتفقت كلمتهم على أنه لا يجوز لأحد نقض حكمه حتى الفقيه، وإن كان سلطاناً. وقد دلت رواية عمر بن حنظلة على هذا المعنى فراجع.
حتى أن استئناف الحكم القضائي الصادر عن الفقيه الكفوء لا وجود له في الشريعة الإسلامية، إلا في حالات محددة ضيقة ليس هنا محل بيانها.
لكن هذا الإستقلال متسالم عليه إن كان القاضي مجتهداً. أما إن كان غير مجتهد، فالأمر قد يختلف بعض الشيء تبعاً لما قد يفهم من الأدلة.
ذلك أن العلماء اختلفوا فيما بينهم في جواز أن يتصدى غير المجتهد للقضاء، وهل النصب العام يشمله أم لا يشمله؟ والمشهور أنه لا يشمله، بل لابد على الأقل من أن يكون فقيهاً في أحكام القضاء مجتهداً في باب المسألة التي طرحها المتنازعان بين يديه.
فمن يرى أن الأدلة اللفظية كمقبولة عمر بن حنظلة ومشهورة أبي خديجة المعتبرة تشمل غير المجتهد فإن الإستقلالية حينئذ محفوظة وإن كان القاضي غير مجتهد.
لكن بناء على المشهور فإنه لا حصانة للحكم القضائي الصادر عن غير المجتهد، ولذا كان العمل القضائي الذي يمارسه غير المجتهد قابلاً للتقنين بطريقة تسمح بالإستئناف من جهة، وبتدخل ولي الأمر من جهة أخرى ولا محذور شرعي فيه.
والسبب في ذلك أننا لو قلنا بعدم جواز تصدي غير المجتهد للقضاء إبتداء، فهذا يعني أنه إنما يحق له التصدي إن كلفه الوالي الحاكم الفقيه ونصبه للقضاء. وهذا يعني أن القاضي الحقيقي هو الوالي، ولذا حق للوالي الفقيه أن يتدخل في حكم هذا القاضي، لأنه يكون من تدخله في أحكامه لا في أحكام غيره. كما يستطيع أن يضع قيوداً على هذا القاضي وشروطاً ووظائف بان يسمح له بالقضاء في بعض الأمور دون بعض، كما يمكن أن يسمح بالإستئناف مطلقاً، وقد لا يسمح به إلا في موارد محددة. كل هذا قابل للتقنين ما دام القاضي غير مجتهد.
نصب القضاة في حكومة الفقيه
ومن المسائل المهمة التي تطرح في مجال صلاحيات الوالي هو حق تعيين القضاة ونصبهم في الحكومة الإسلامية. وهذا يمكن إثباته سواء كان دليل الولاية لفظياً أم كان عقلياً.
أما إن كان لفظياً فلأن الإمام المعصوم الحاكم كان يعين القضاة فيكون من صلاحيات الحاكم الفقيه أن يعين القضاة أيضاً.
أما إن كان عقلياً فكذلك بناء على ما أسسناه من أن دليل الحسبة يثبت من هو صاحب الحق بالولاية وفق القدر المتيقن على ما تقدم بيانه، وأما الصلاحيات فتثبت من مكان آخر. وهنا قد ثبت لدينا أن الحاكم في الإسلام له تعيين القضاة ونصبهم، فإذا ثبت أن الفقيه له الولاية فهذا يعني أن له حق ذلك التعيين.
وإن لم يقبل هذا الكلام وجب الإقتصار في تعيين القضاة على ما دل الدليل على جواز نصبهم للقضاء أي الفقهاء، فإن وجد منهم المقدار الذي تحتاجه الأمة فبه، وإلا جاز تعيين القضاة من غير المجتهدين عملاً بدليل الحسبة، بعد أن كان النظام يتوقف على وجود جهاز قضائي.
ولكن ثبوت الحق للوالي الفقيه بتعيين القضاة لا يعني أن له حق منع الفقهاء من التصدي للقضاء، بل هذا الحق ثابت لهم، ولم يدل دليل على أن للفقيه منعهم من ذلك. نعم له أن يمنع غير الفقيه أو غير الكفوء، أما الفقيه الكفوء فالواجب على الحكومة الإسلامية إمضاء حكمه وتنفيذه، ولا يجوز لها نقضه سواء كان منصوباً من قبل الحكومة أم لم يكن.
والخلاصة أن القضاء الصادر من مجتهد كفوء منصوب أو غير منصوب من الحكومة الإسلامية مستقل عن الحكومة، لا يحق لأحد التدخل في سير القضية، ولا في نتائجها بل لا يحق الإستئناف، إلا في موارد محددة مذكورة في الشريعة. وأما القضاء الذي يتولاه غير مجتهد بواسطة تعيينه لهذا المنصب، فهذا غير مستقل عن الحاكم بل يحق للفقيه الحاكم التدخل كما له أن لا يتدخل.
السلطة التنفيذية: السياسية والإدارية
وهذه السلطة هي بيد الفقيه الوالي قطعاً لأن هذا هو معنى ولايته، سواء كان دليل الولاية هو العقل أم النقل. وإن كنا قد نختلف في حدود هذه الصلاحيات، لكن سواء كانت واسعة أو ضيقة فهي للفقيه الحاكم وليست لغيره. ومجرد أن هناك قدراً متيقناً من صلاحيات الحاكم على المستوى السياسي والإداري لا يعني أن تسلب عنه بعض الصلاحيات، كما لا يعني أن ما يزيد عن القدر المتيقن يعطى لغيره. لأنه إن جاز لغير الفقيه أن يكون صاحب سلطة في شيء فهو جائز للفقيه بطريق أولى، وقد بينا فيما سبق أن لا دليل يسمح بإعطاء غير الفقيه أي سلطة على المستوى السياسي أو الإدارية ما لم يمكنه منها الفقيه نفسه.
السلطة التشريعية:
قد بينا في مقدمة الكتاب أن حق التشريع في الإسلام منحصر بالله تعالى، وأن بيان التشريع التام بكل واقعيته وصدقيته منحصر بالنبي والأئمة (عليهم السلام)، لأنهم الذين هيأ الله لهم سبل معرفة أحكامه وتشريعاته ومراده. وأن الفقيه مجتهد يعمل نظره فيما توفر لديه من أدلة تساعده على استنباط الحكم الشرعي، فهو في الحقيقة ليس مشرعاً بل مستكشف شريعة قد يصيب في نتائجه وقد يخطئ. لكنه إن أخطأ يكون معذوراً لسلوكه الطرق المعتبرة شرعاً في استنتاجاته.
وعليه فيجب تفسير السلطة التشريعية هنا بالمرجعية الشرعية الفقهية. وهنا نقول أيضاً بأن المرجعية الفقهية المرتبطة بشؤون الحكومة بناء على نظرية ولاية الفقيه هي الفقيه الوالي سواء قلنا بوحدة الولاية والمرجعية أم لم نقل، كما بينا سابقاً في بحث الولاية والمرجعية.
وبناء عليه فصاحب السلطة التشريعية بمعنى المرجعية الفقهية الشرعية وصاحب السلطة التنفيذية هو الفقيه الوالي لا غير، وكذلك هو صاحب السلطة القضائية إن كان القاضي منصوباً من قبله ولم يكن مجتهداً.
الفصل بين السلطات تحت إشراف الفقيه
وبناء على ما تقدم تكون السلطات الثلاثة بيد الفقيه، فله أن يفصل بينها بأن يفوض بعض صلاحياته لغيره، وله أن لا يفوض. فهذا أمر داخل تحت قدرته وعليه أن يلاحظ ما هو الأوفق بمصلحة الأمة.
ومن المفيد التنبيه هنا على أنه رغم كون هذه السلطات من صلاحيات الفقيه فإن الممارسة الراقية التي مارسها الإمام الخميني (رحمه الله) للولاية أثبتت هذا الفصل بنحو من الأنحاء وإن لم تثبته كلياً. فهناك المجلس التنفيذي المتشكل حكومة يرأسها رئيس الجمهورية، وهناك مجموعة مجالس تعمل على إصدار التشريعات والقوانين التي يحتاجها المجتمع، وهذه المجالس هي مجلس النواب ومجلس المحافظة على الدستور ومجلس مجمع تشخيص المصلحة ضمن آلية دقيقة تضمن القرب قدر الإمكان نحو تشريع سليم.
حتى أن الدستور الذي صاغته الجمهورية لنفسها حين تأسيسها لم يقتصر فيه النظر على خصوص الآراء الفقهية للإمام الخميني (رحمه الله)، بل هو حصيلة آراء فقهية متعددة. وقد كان لبعض المرجعيات الشيعية دور في بعض شؤونه، كما كان جل واضعي الدستور من الفقهاء المجتهدين، ومن الخبراء الحقوقيين.
ثم إن الإستقلال بين السلطات موجود تحت إشراف الفقيه. فالفقيه الولي لا يمثل سلطة محددة من هذه السلطات الثلاث، ولا أنه طرفاً من أطراف الحكم. بل كلها تحت إشرافه، وهو فوقها وفوق من يمارسها، يراقبهم ويتدخل في الموارد التي يرى الصلاح في التدخل سواء في المجال السياسي أو في المجال التشريعي أو في المجال القضائي أو غيره. وإنه لمن أروع الإنجازات التي قدمتها هذه الثورة المباركة والولاية الرشيدة للفقيه الولي الإمام الخميني (رحمه الله) هذا الشكل الرائع من شكل الحكم، فلم يكن الفقيه الولي رئيس جمهورية ولا رئيس حكومة، بل كان فوق كل الرؤساء وفوق كل السلطات، وهذا أقرب جمع ممكن بين نظرية ولاية الفقيه وحفظ موقع الناس ودورهم في الشأن السياسي والإداري.
وهذا الذي قلناه يعني أن السلطات فيما بينها مستقلة تمام الإستقلال، فلا شأن للسلطة التنفيذية التي أوكل الفقيه الولي إليها بعض الصلاحيات بالسلطة التشريعية التي بدورها أوكل الفقيه إليها صلاحيات أخرى. ولا علاقة لأي من هاتين السلطتين بالسلطة القضائية. ولكن لا سلطة من هذه السلطات منفصلة أو مستقلة عن الولي بل هو المشرف عليها والمحاسب لها.
لكن صفة الإشراف لا تعني أنه فوق القانون بل هو كغيره تحت القانون الإسلامي، ليس له أن يخرج عند قيد أنملة.
______________________
[1] وقد أخطأ صاحب كتاب نظام الحكم والإدارة في الإسلام حيث قال: أدت غيبة الإمام (عليه السلام) إلى توقف المشروع السياسي الفعلي لتولي السلطة من قبله بسبب غيبته... ونتيجة لذلك: لم يعد للشيعة الإمامية مشروع سياسي فعلي لتولي الحكم ولذا فإن الرأي المشهور عند فقهاء تلك الحقبة التالية لسنة الغيبة الكبرى ذهبوا إلى عدم مشروعية العمل لإقامة حكم إسلامي على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وحاولوا أن يستنبطوا صيغة للتعايش مع الوضع القائم استناداً إلى المبادئ الشرعية التي وضعها الأئمة المعصومون.. (ص402).
ووجه الخطأ في هذا من جهتين:
الأولى: أنه أسند إلى مشهور العلماء في الحقبة التالية لسنة الغيبة عدم مشروعية العمل على إقامة حكم إسلامي وهذا قول لم يذكر له سند بل الظاهر خلافه. علماً أن الكاتب ذكر قبل ذلك بصفحات أن الشائع بين فقهاء الشيعة مشروعية تشكيل دولة إسلامية.
الثانية: أننا لو سلمنا صحة ما أسنده فقد أخطأ في تعليل ذلك بغياب المشروع السياسي بسبب الغيبة بل الظاهر أن القول بالحرمة لو كان له وجود منشؤه التقية وتصور أن في السعي لذلك جهداً لا طائل تحته وسفك دم بدون نتيجة وهذا غير ما علله. لأن مقتضى تعليله أنهم يحرمون ذلك سواء تمكنوا أم لم يتمكنوا وهذا مما نقطع بأنه لم يقل به أحد من علمائنا على الإطلاق إلا شرذمة ممن ذكرنا في المتن وهؤلاء لم يستلموا سدة المرجعيات والمسؤوليات في المجتمع الشيعي عامة.
[2] راجع مباني تكملة المنهاج ج1، ص 6 وما بعدها.
[3] المكاسب ص 154 حجرية.
[4] الفرق بين العصيان والتجري في الإصطلاحات الأصولية الفقهية أن المكلف لما كان مطالباً بمتابعة أمر الولي فلو خالف فتارة يكون الأمر ثابتاً في الواقع وأخرى لا يكون, ففي الحالة الأولى يطلق على المخالفة أنها معصية وفي الحالة الثانية يطلق عليها التجري وهذا المعنى موجود في الأحكام الشرعية عموماً.
[5] من أراد معرفة مناشئ هذه الفوارق فليراجع كتب علم أصول الفقه.
[6] وفي الفقه الكثير من الحالات التي وجب علينا متابعتها رغم احتمال الخطأ فيها وذلك في كل مورد كان حكمنا فيها ناشئاً عن ظن قام الدليل على حجيته. فإن قيام الدليل على حجيته لا يعني انتفاء احتمال الخطأ وإنما يعني أن الشرع سمح لنا بتجاوز هذا الإحتمال وعدم الإعتناء به، دون أن يعني ذلك تغييراً في الوقائع الشرعية والأحكام الواقعية. نعم بعض المذاهب الإسلامية ذهبت إلى أن الحكم الواقعي هو ما حكم به المجتهد وهذا ما يسمى بمذهب التصويب وقد خالف في ذلك الإمامية الإثني عشرية وذهبوا إلى أن الحكم الواقعي لا يتبدل عما هو عليه في الواقع بمجرد اجتهاد الفقيه ولذا كان باب الإجتهاد مفتوحاً في الفقه الشيعي الإمامي بينما أدى مذهب التصويب إلى سد باب الإجتهاد لدى أغلب المذاهب الأخرى.
[7] تحرير الوسيلة ج1 كتاب الصوم ص 270.
[8] جميع هذه الروايات نقلناها عن وسائل الشيعة كتاب الحج أبواب أحكام العشرة الباب 21 وما بعده.
[9] الخمس في الشريعة الإسلامية ضريبة مالية عبادية شرعت على أمور متعددة ولها شروط محددة. وقد قسم الخمس إلى قسمين سهم للإمام المعصوم عليه السلام وسهم للسادة من بني هاشم فكل من انتسب إلى هاشم من طريق الأب فهو ممن يثبت له حق الإستفادة من هذا السهم إن توفرت فيه الشروط المعتبرة في التصرف.
[10] سورة الأنفال: الآية: 41.
[11] سورة الأنفال، الآية: 1.
[12] الوسائل ج6 باب 1 من أبواب الأنفال.
[13] الوسائل ج6 كتاب الخمس الباب الثالث من أبواب قسمة الخمس، وهذه الرواية محل كلام من حيث السند.
[14] عن أصول الكافي للشيخ الكليني ج1 كتاب الحجة باب أن الأرض لا تخلو من حجة.
[15] بحار الأنوار ج25 كتاب الإمامة باب أنه لا يكون إمامان في زمان واحد.
[16] المصدر السابق.
[17] راجع كتاب البيع ج2، ص 514 وما بعدها.
[18] نظام الحكم والإدارة في الإسلام للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص 417 وما بعدها.
[19] مقدمات الحكمة تعبير يستخدمه علماء أصول الفقه المسلمين ويريدون به أن الكلام حتى يكون ظاهراً في الإطلاق لابد من إثبات مقدمات:
1ـ كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده.
2ـ أن لا يذكر أي قيد ينافي الإطلاق.
3ـ أن يكون ذكر القيد ممكناً. فلو قال: أكرم العالم ونشك هل أريد كل عالم أم أريد خصوص العادل يكون الرافع للشك هو الإطلاق من خلال تطبيق هذه المقدمات الثلاثة.
[20] سورة التوبة، الآية: 71.
[21] سورة آل عمران الآية: 103.
[22] أصول الكافي ج1، ص 334 كتاب الحجة باب ما أمر النبي بالنصيحة ح4.
[23] البحار ج27، ص67.
[24] أصول الكافي ج1 كتاب الحجة باب ما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالنصيحة ح1 ص 332.
[25] الوسائل الجزء 11 من طباعة المكتبة الإسلامية الباب 50 من أبواب جهاد النفس. الحديث 12.
[26] راجع إرشاد الطالب في شرح المكاسب ج3 ص 40.
[27] وممن اعترف بعدم وجود نص على اشتراط العدالة في المفتي السيد الخوئي (رحمه الله) حسبما ورد في التنقيح ج1، ص 221. ولذا استدل على ذلك الشرط بأن ( المرتكز في أذهان المتشرعة عدم رضى الشرع بزعامة من لا عدالة له.. لأن المرجعية في التقليد من أعظم المناصب الإلهية بعد الولاية).
[28] وقد يدعى وجود نص على اشتراط العدالة في المفتي هو رواية الإحتجاج المروية عن التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام) وفيه أنه عليه السلام قال: (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه). (راجع الوسائل ج18 باب 10 من أبواب صفات القاضي ح20). لكن هذا الحديث لو سلم سنده وصح لنا الأخذ به، لا يتعلق مفاده بخصوص الفتوى بل يشمل التقليد بمعناه العام الشامل للإتباع والتولي.
[29] السيد الحائري في كتابه: (ولاية الأمر في عصر الغيبة) ص 245.
[30] مراده أن الكفاءة لا تستلزم الأعلمية.
[31] السيد محمد حسين فضل الله فقه الشريعة ج1 ص 18 طباعة دار الملاك سنة 1999.

السابق || التالي

الدراسات السياسية  || المقالات السياسية || الكتب السياسية

مركز الصدرين للدراسات السياسية