الباب الخامس: في صلاحيات الولي الفقيه وفيه تمهيد وستة فصول
ـ الفصل الأول: الصلاحيات على ضوء الأدلة اللفظية.
ـ الفصل الثاني: الصلاحيات على ضوء دليل العقل.
ـ الفصل الثالث: معنى كون أحكام الولي أحكام أولية.
ـ الفصل الرابع: مناقشة في الصلاحيات.
ـ الفصل الخامس: سراية الولاية.
ـ الفصل السادس: نصوص في الوالي والولاة والرعية.
تمهيد
حاول بعض الشيعة الإمامية أن يناقش مسألة ولاية الفقيه من حيث الصلاحيات كما ناقشها
من حيث المبدأ، وقال إن صلاحيات الولي الفقيه ليست نفس صلاحيات الإمام (عليه
السلام) سواء كان دليلها النص أو العقل.
قال: إن الحكومة الإسلامية على صيغة ولاية الفقيه الثابتة باعتبار كون الفقيه
نائباً عاماً عن الإمام ليست حكومة الإمام المعصوم، ولا تثبت لها عمومية ولاية
الإمام المعصوم، وإن كان البعض يحاول ذلك ويدعيه لاعتبارات يدعي أنها فقهية وهي في
حقيقتها اعتبارات سياسية ليس لها سند فقهي معتبر، بل هي حكومة نائب الإمام فلا يثبت
لها إلا القدر المتيقن من السلطة في الأمور المنوب عن الإمام في ممارستها وإعمال
الولاية بشأنها.
والمعيار في ذلك هو دليل نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم في الشأن السياسي السلطوي
والتنظيمي. وهذا الدليل إما الإعتبار العقلي من جهة وجوب حفظ النظام العام لحياة
المجتمع، وإما الأدلة اللفظية التي يدعى دلالتها على النيابة العامة عن الإمام.
فإذا كان دليل الشرعية هو وجوب حفظ النظام فمن المعلوم أنه دليل عقلي لبي لا إطلاق
له، ولا يمكن التمسك به إلا بالمقدار المتقين منه. وكل مورد يشك في اندراجه فيه
يكون خارجاً عنه في مقام العمل[1]. ثم تحدث عن الدليل اللفظي ورفض دلالته على ولاية
شاملة للأمة كلها.
أقول: إن الذي يستوقف المرء عند هذا الكلام أنه اعتبر أن ادعاء عموم الولاية للفقيه
ينشأ من اعتبارات سياسية ليس لها سند فقهي معتبر وأن ذلك مجرد ادعاء. ولست أدري في
أي جو نفسي كان يعيش عندما كتب الكاتب هذه الكلمات. لأن فيه طعنا دينياً بمن يدعي
ذلك العموم، وأبرز من ادعى هذه الدعوى هو الإمام الخميني (رحمه الله) والشيخ النجفي
الفقيه المتبحر صاحب جواهر الكلام، فهذا الكاتب يتهم صاحب فكرة الولاية العامة بأنه
ينطلق من اعتبارات غير فقهية ويلبسها لباس الفقه، وهذا يشبه الإتهام بالتدليس وهو
مردود مرفوض. والإمام الخميني كالفقهاء الحقيقيين, منزهون من هذه الأقاويل التي
تنبئ عن سريرة غير نقية.
ثم إننا قد بينا فيما سبق أن الدليل العقلي على ولاية الفقيه ليس هو وجوب حفظ
النظام، بل وجوب حفظ النظام دليل على ضرورة الحكومة الإسلامية التي تستدعي ضرورة
وجود وال فيها. وأما الدليل العقلي على ثبوت كون الولي هو الفقيه فهو ما ذكرناه في
دليل الحسبة لا غير، وإن حاول أن يظهر الكاتب في مواضع من كتابه أن دليل الحسبة
ودليل حفظ النظام واحد، وأحياناً ميز بينهما.
وعلى كل حال فقد بينا ونحن نستدل على أدلة ولاية الفقيه أن الأدلة اللفظية تعطي
عموم الولاية للفقيه، وأن له ما للإمام (عليه السلام) من حيث هو حاكم. وسنذكر في
هذا الفصل صلاحيات الفقيه وطرق تحديدها ومعرفتها، بعد الفراغ عن عمومها. كما سنبين
أن هذا العموم ثابت، وإن كان دليلنا على ولاية الفقيه هو الدليل العقلي. كما سنبين
في فصل مستقل في باب آخر أن ولاية الفقيه عامة تعم الأمة الإسلامية بأجمعها، وفي
ذلك الفصل سننقل كلام هذا الكاتب حول الأدلة اللفظية لنبين الخلل فيه.
الفصل الأول: الصلاحيات بناء على النصوص
تمهيد:
لا خلاف بين العلماء المحققين في أنه بناء على الإستدلال لولاية الفقيه بالنصوص
تكون الصلاحيات مطلقة، ويكون الثابت للفقيه جميع ما ثبت للمعصوم (عليه السلام) من
حيث هو قائد وحاكم، كما بينا ذلك حين استعراض الأدلة. وقلنا هناك أنه يستثنى من ذلك
الصلاحيات التي كانت للمعصوم (عليه السلام) من حيث هو معصوم.
وكأمثلة على هذا الإستثناء نذكر: ما قاله المشهور من علمائنا في مسألة إعلان الجهاد
الإبتدائي، حيث قيل إن هذا الأمر من مختصات المعصوم ولا يمكن تطبيقه في غير حال
حضوره، سواء أقيمت حكومة إسلامية أم لم تقم[2].
ويمكن أن يمثل له أيضاً بأن قول المعصوم وفعله وتقريره حجة والفقيه ليس كذلك. لأن
تلك الحجية لم تنشأ من كونه (عليه السلام) حاكماً بل من كونه معصوماً.
كما يمكن أن يمثل له بأن المعصوم يعين الإمام اللاحق له، بينما الفقيه لا يملك هذا
الحق. وذلك لأن ثبوت ذلك الحق للمعصوم كان ناشئاً من عصمته ومن عدم إمكان خطئه في
تعيينه، ومن أن تعيينه يكشف عن تعلق إرادة الله تعالى بالمعيّن، وهذا من مختصات
المعصوم.
طرق معرفة الصلاحيات:
ولذا لابد من البحث لمعرفة وتحديد الصلاحيات التي ثبتت للحاكم في الإسلام. ولابد في
البداية من تحديد الطرق التي يمكن من خلالها استكشاف الصلاحيات الثابتة للحاكم في
الإسلام. ويمكن تلخيصها بالطرق التالية:
أحدها: البحث التاريخي فيما قام به الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه
السلام) وما تحملاه من مسؤوليات على مستوى الحكم والإدارة.
ثانيها: ملاحظة سيرة متشرعة المسلمين من خلال البحث التاريخي في الدور الذي كان
يقوم به الخلفاء الذين توالوا على الحكم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). لأن
الظاهر من المسلمين جميعاً توافقهم على صلاحيات الحكومة، وإن اختلفوا في أهلية
الشخص للحكومة وعدم أهليته لها. فنأخذ تلك الصلاحيات ونعتبرها من صلاحيات الحاكم في
الإسلام، إلا من قام الدليل على أن الخليفة قد تجاوز صلاحياته في أحد الشؤون، كأن
يظهر لنا من الأدلة الردع والإستنكار[3]عن بعض تلك الصلاحيات التي مارسوها. فإذا لم
يكن هناك ردع ودليل على عدم صحة تلك الصلاحية، مع إمكان الردع والبيان من قبل أهل
العصمة (عليهم السلام)، فإنه يجوز لنا في هذه الحال البناء على أن تلك الصلاحيات
مشروعة من حيث المبدأ للحاكم، مع غض النظر عن شرعية شخص الحاكم وعدم شرعيته.
ثالثها: ملاحظة النصوص المعتبرة لمعرفة الصلاحيات المنصوص عليها أو المدلول عليها
بالملازمة التي قد تستبطنها بعض النصوص. فإن كل نص ذكر صلاحيات الحاكم بعنوان
(الإمام) أو (أمير) يكون شاملاً لكل حاكم شرعي في الإسلام. وقد تكرر ذكر هذا اللفظ
بالمعنى الشامل لكل ولي وإن لم يكن معصوماً في أبواب متفرقة من الفقه الإسلامي
ونذكر لذلك نموذجين:
أحدهما: ما ورد في أبواب الحدود.
منها: قول أبي عبد الله (عليه السلام): (من أقر على نفسه عند الإمام... إلى أن قال
فعلى الإمام أن يقيم الحد عليه)[4].
ومنها: قوله (عليه السلام): (الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر
أن يقيم عليه الحد ولا يحتاج إلى بينة مع نظره لأنه أمين الله في خلقه)[5].
ومنها: ما عن أبي جعفر (عليه السلام): (إذا شهد عند الإمام شاهدان.. إلى أن قال:
أمر الإمام بالإفطار)[6].
وشمول عنوان الإمام في هذه الأخبار وأمثالها للفقيه والحاكم الإسلامي لا يفرق فيه
بين أن تكون الولاية ثابتة بالنصوص أم بدليل الحسبة.
فإنه بعد أن قام الدليل على ضرورة وجود حاكم في الإسلام هو المسمى بالإمام، فإن هذه
الصلاحيات تثبت له لشمول العنوان له. وسيأتي الحديث بشكل أوسع عن هذه النقطة.
الثاني: ما ورد في مقامات متفرقة.
منها: ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في رده على مقالة الخوارج: (لا حكم إلا
لله): (ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وإنه لابد للناس من أمير بر أو فاجر
يعمل في إمرته المؤمن ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى
يستريح به بر ويستراح من فاجر)[7].
وقد تقدم في تضاعيف الكتاب وخاصة عند ذكر أدلة ولاية الفقيه ما يفيد في هذا المجال.
رابعها: الإستماع إلى صوت العقل فيما يقرره من ضرورات على مستوى الحكم والإرادة
واحتياجات لابد فيها من ولي.
خامسها: ملاحظة الأمور التي علم من الشرع إرادته لوجودها في مستوى الحكم والإدارة،
وعلى مستوى تنظيم شؤون المجتمعات، مما لم يوكل الأمر فيها إلى شخص محدد.
تحديد الصلاحيات:
وإذا اعتمدنا هذه الطرق يمكننا استخلاص ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:
1ـ فهو العين الساهرة على تطبيق الأحكام الإسلامية والنظام الإسلامي.
2ـ وهو المسؤول السياسي الأول عن اتخاذ جميع القرارات السياسية، والمسؤول عن تعيين
الأشخاص في المواقع السياسية التي يحتاجها المجتمع ونظام الدولة. فبمقدوره
الإستغناء عن رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة وعن مجلس النواب ومجلس تشريعي، وبمقدوره
تعيين كل ذلك. كما أن له أن يتنازل عن بعض هذه الصلاحيات، فيقبل بانتخاب رئيس
الجمهورية ونواب يكون مجلسهم هو المجلس التشريعي. ويمكنه أن يشرط ذلك بموافقته، وقد
لا يشترط بأن يكون هناك إمضاء عام من قبله ويقبل بكل من ينتخبه الشعب بلا حاجة إلى
إمضاء خاص جديد بعد الإنتخاب.
وبهذا الإمضاء العام أو الخاص نتخلص من بعض المشكلات التي قد تعترض طريقة انتخاب
رئيس الجمهورية، كالمشكلة التي تبرز إن لم ينتخبه الجميع أو حين يكون عدد من لم
ينتخبه أكثر ممن انتخبه، لو لاحظنا الذين لم يشاركوا في الإنتخاب واعتبرناهم في عدد
المخالفين، وإن كانت هذه التوسعة غير دقيقة. والمشكلة في هذه الحالات هي في تحديد
الموقف الشرعي لهؤلاء الذين لم ينتخبوه. والتخلص من هذا المحذور يكون بأن إمضاء ولي
الأمر هو الملزم للجميع بمقتضى ولايته.[8]
3ـ وهو الذي يعين الولاة في البلاد والأمصار ويقدر حدود صلاحياتهم، وكل تعيين في
المسؤوليات على اختلافها في كل بقاع الوطن الإسلامي يحتاج إلى موافقته، سواء كانت
الموافقة خاصة أم عامة وسواء مباشرة أم بتوكيل الغير بذلك، كأن يعطي صلاحية بعض
التعيينات، للحكومة أو لوزير الداخلية أو لأي وزير معني بذلك الموقع أو لمحافظ أو
لأي شخص يرتضيه الولي.
4ـ وهو صاحب القرار العسكري، أي القائد العام للقوات المسلحة وجميع تشكيلاتها
التنظيمية، وبالتالي فهو صاحب قرار الصلح والحرب، والمسؤول عن تحصين الثغور وتأمين
القوة الجاهزة لدفع الأعداء والتهيؤ لكل الحالات العسكرية الطارئة والتي منها
مفاجأة العدو للمسلمين.
5ـ وهو المسؤول عن أمن نفوس الناس وأموالهم وأعراضهم.
6ـ وهو الولي على جميع الأموال الشرعية بما فيها الخمس والأنفال، والمسؤول عن
جبايتها، وهو وارث من لا وارث له.
7ـ وهو المسؤول الأول عن القضاء وبيده إجراء الحدود وتقنين العقوبات، وتعيين القضاة
في البلاد والأمصار، وإن لم يكن له أن يمنع الفقهاء من التصدي للقضاء على ما سيأتي.
8ـ وهو الذي يراقب الوضع الإقتصادي بما فيها الملكية الفردية، وينظر فيما إذا كانت
هناك حالات استغلال لأفراد المجتمع من قبل بعض الأغنياء، أو ما إذا كان هناك غنى
فاحش إلى درجة تؤدي إلى اختلال الموازين الإجتماعية، بما يتنافى مع العدل، وبما
يؤدي إلى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. فيتدخل الولي ويحدد سقفاً للملكية الفردية حسب
كل زمان ومكان.
قال الإمام الخميني (رحمه الله) في كلمة أوردها في تاريخ 14/8/1358هـ.ش:
(إنّ الملكية الشخصية إنما تكون محترمة إذا كانت مشروعة. ولكن من صلاحيات الولي
الفقيه التدخل وتحديد الملكية الشخصية، حتى وإن كانت مشروعة. فالإسلام لا يعترف
بالملكية الواسعة جداً، وإن كانت قد تجمعت من طريق مشروع، بل هناك حدود لهذه
الملكية المشروعة. ويحق للفقيه الحاكم الشرعي مصادرة ما يزيد عنها والتشخيص في هذا
الموضوع متروك إليه).
9ـ كما أن الولي الفقيه يمنع انحصار استغلال الطبيعة بفرد واحد أو أفراد قليلين.
ويمنع الإحتكار، ويصدر جميع الأحكام التي من شأنها تأسيس العدل الإجتماعي وعزة
المسلمين، سواء على المستوى الداخلي أم على مستوى العلاقات الخارجية. وأحكامه تكون
مقدمة على جميع الأحكام الأولية.
قال الإمام الخميني في رسالة[9]يوضح فيها نظريته حول ولاية الفقيه، من أنها الولاية
المطلقة المجعولة من قبل الله تعالى للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والمعصومين
(عليهم السلام) بصفة كونهم حكاماً، وأن لها التقدم على جميع الأحكام الفرعية
الإلهية:
(لو كانت صلاحيات الحكومة محكومة بسقف الأحكام الفرعية الإلهية الكلية يصبح جعل
الحكومة الإلهية والولاية المفوضة لنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) لغواً، وسيسبب
ذلك ارتباكات على المستوى العملي لا يمكن لأحد أن يلتزم بها، كشق الشارع المستلزم
أحياناً للتصرف في منزل أو في حريم منزل، فإن مقتضى الأحكام الفرعية الكلية هو عدم
جواز هذا التصرف. ومثل نظام التجنيد الإجباري والبعث الإجباري إلى الجبهات، مع أن
الأحكام الفرعية الكلية تقتضي عدم جواز ذلك إلا حين الوجوب العيني على كل مكلف.
ومثل المنع من إدخال وإخراج العملات الصعبة، ومقتضى الأحكام الشرعية الكلية جواز
ذلك. ومثل المنع من إدخال وإخارج أي سلعة ومنع الإحتكار عموماً، مع أن مقتضى
الأحكام الشرعية حصر منع الإحتكار بالموارد الأربعة المعروفة. ومثل فرض الجمارك
والضرائب بالخمس والزكاة ونحوهما مما أوجبه الشرع. ومثل المنع من الغلاء وتحديد
الأسعار، والمنع من نشر المواد المخدرة ومنع الإدمان بأي نوع غير المسكرات، ومنع
حمل الأسلحة مهما كان نوعها، ومئات من أمثلة ذلك التي تصبح بمقتضى ذلك التقييد
خارجة عن صلاحية الحكومة.
فالذي يجب قوله هنا أن الحكومة شعبة من الولاية المطلقة لرسول الله (صلى الله عليه
وآله)، وهي من الأحكام الأولية المقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم
والحج. فبمقدور الحاكم أن يهدم مسجداً أو منزلاً من أجل شق شارع، ويستطيع أن يعطل
المساجد حين اللزوم، وأن يهدم مسجداً يكون ضراراً إذا لم يمكن رفع الضرر بدونه.
والحكومة تستطيع من طرف واحد أن تلغي العقود الشرعية التي عقدتها مع الناس حين يكون
العقد مخالفاً لمصالح البلد والإسلام. ويمكنها المنع من أي أمر عبادي كان أو غير
عبادي، إن كان تنفيذه على خلاف مصالح الإسلام. ويمكنها أن تمنع مؤقتاً من الحج الذي
هو من الفرائض الإلهية المهمة حين يكون حسب تشخيصها على خلاف صلاح البلد الإسلامي).
10 ـ وهو الذي يشرف على الوضع الثقافي في الأمة، وصيانته من أي تغرب أو بدع وتشويه،
وعلى نشر المعروف ومنع المنكر: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ
أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا
عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[10].
11ـ وبيده طلاق المرأة من زوجها إن رفعت أمرها إليه في الموارد التي يحق لها
المطالبة بالطلاق في نظر الحاكم.
12ـ وهو ولي من لا ولي له، والولي على الأيتام والقصر والمجانين وأموال الغائبين
ونحو ذلك. وإن لم تكن الولاية في هذه الموارد منحصرة بالولي الحاكم لأنه يجوز
للفقهاء غير الحكام التصدي لها في بعض الأحيان من دون توقف على إذن الحاكم.
وغير ذلك من الصلاحيات الثابتة لهم (عليهم السلام) من جهة الحكومة والقيادة.
الفصل الثاني: الصلاحيات بناء على دليل الحسبة
قد يظن البعض: أن صلاحيات الولي ليست بنفس القوة والسعة لو كان دليلنا على الولاية
دليل الحسبة، وأننا لن نستطيع في هذه الحال أن نطلق القول ونقول كل ما كان ثابتاً
للرسول والإمام (عليه السلام) فهو ثابت للفقيه، وأن المتعين حينئذ في مقام تحديد
حجم الصلاحيات أن نلاحظ كل صلاحية على حدة، وننظر هل يجري دليل الحسبة بلحاظها أم
لا.
وبتعبير أوضح إن دليل الحسبة إنما يدل على ثبوت الولاية للفقيه في الموارد التي
يجري فيها دليل الحسبة لا غير.
والموارد التي يجري فيها دليل الحسبة هي ثلاثة:
1ـ أن يكون المورد من الموارد التي يتوقف عليها حفظ النظام، أو من لوازم الحكومة
وتشكيلاتها وإدارتها البلاد على المستويات كافة.
2ـ أن يكون المورد من الموارد التي علمنا بحاجة المجتمع إليها حاجة ضرورية وإن لم
يتوقف عليها حفظ النظام.
3ـ أن يكون من الموارد التي علمنا بأن الشرع لم يرض بتركها.
وفيما عدا ذلك من الموارد لن يجري دليل الحسبة. ولذا فهو عاجز عن إثبات ولاية
الفقيه فيها. ولن يكون كافياً مجرد أن الفعل من صلاحيات المعصوم لإثبات أنه من
صلاحيات الفقيه، ما لم يكن هذا الفعل مورداً من موارد دليل الحسبة.
وبناء عليه يكون مثل شق الطريق المتوقف على هدم مسجد غير جائز، إلا إذا دخل في أحد
الموارد الثلاثة المتقدمة. وكذا لو توقف شق الطريق على هدم منزل لم يرض صاحبه
بالهدم، فإن الملكية الفردية تحافظ على قدسيتها حتى في ظل الحكومة الإسلامية
وتمنعها من اتخاذ أي إجراء ينافيها، إذا بنيت ولاية الفقيه على دليل الحسبة بخلاف
ما إذا كان الدليل هو النص.
ومن جملة الفروقات بين نحوي الإستدلال أي بين النص والحسبة، أن الحكومة الإسلامية
بناء على النصوص ذات بعد قد تتأثر بها الأحكام الشرعية الأولية، بينما هي مقيدة
بتلك الأحكام بناء على دليل الحسبة.
وهذا معنى ما يقال من أن الأحكام الحكومية التي يصدرها الولي، بناء على ثبوت
الولاية من النصوص، من الأحكام الأولية. أما إن كانت مستفادة من دليل الحسبة تكون
الأحكام الحكومية مجرد أحكام ثانوية خاضعة لأحد العناوين الثلاثة السالفة الذكر.
هل دعوى الفرق صحيحة؟
الذي يظهر بعد التأمل هو عدم صحة هذه الدعوى، لكن لا بمعنى أن الولاية يقتصر فيها
على القدر المتيقن وإن كان الدليل النص على ما أفاده من نقلنا كلامه في التمهيد،
فهذا قد بينا بطلانه. بل بمعنى أنه سواء ثبتت ولاية الفقيه بالنصوص أم ثبتت بدليل
الحسبة، فإن الصلاحيات واسعة وعامة.
أما سعة الصلاحيات بناء على النصوص فقد تقدم بيان ذلك.
وأما بناء على دليل الحسبة فلأن مقتضى دليل العقل في موارد الحسبة أن الحاكم الذي
يقوم بالدور الذي تتطلبه الحكومة وإدارة شؤونها هو الفقيه. وليس شأن العقل أن يحدد
هذا الدور وحدوده، بل علينا أن ننظر أولاً هل في الإسلام ما يفيد في هذا المجال أم
لا؟ فإن وجدنا لا تصل النوبة إلى حديث القدر المتيقن بدعوى أن دليل العقل دليل لبي
لا إطلاق فيه.
وبعبارة أخرى هناك مرحلتان مطلوبتان للوصول إلى الصلاحيات قد تنقضيان بمرحلة واحدة
وقد لا تنقضيان. وهما:
من هو الوالي في الحكومة الإسلامية؟ وما هو رأي الإسلام في الدور والصلاحيات؟.
والأدلة اللفظية المتقدمة تمكنت من الإجابة عن كلا التساؤلين على ما بينا. أما
الدليل العقلي في موارد الحسبة فليس شأنه الإجابة عن السؤال الثاني بل عن السؤال
الأول فقط. وإنما نحتاج إليه للسؤال الثاني إن لم نجد الإجابة في الشريعة. فإذا
كانت الأدلة بمعزل عن أدلة ولاية الفقيه قد بينت هذا الأمر فإن الدليل العقلي
المذكور لا يمنعنا من الأخذ بها.
فالسؤال الذي ينبغي أن يوجه: هل في الأدلة ما يدل على صلاحيات الحاكم الشرعي في
الإسلام أم لا وجود لشيء من هذا القبيل؟ فإن لم يوجد، ربما صح ما تقدم من أن
صلاحيات الحاكم محددة بالموارد التي يجري فيها دليل الحسبة.
والإنصاف أن الأدلة غير عاجزة عن إثبات ذلك، وهي بعض ما ذكرناه سابقاً من طرق
استكشاف الصلاحيات، وبشكل خاص النصوص التي تحدثت عن صلاحيات الإمام والأمير ونحو
ذلك من العناوين التي نقلنا نموذجاً لها. وهي لا تختص بالمعصومين بل تشمل كل حاكم
شرعي. فإذا استطعنا إثبات أن الحاكم الشرعي في عصر الغيبة هو الفقيه ولو لدليل
الحسبة ثبتت له هذه الصلاحيات.
وبعبارة علمية أمتن نقول هناك كبرى وصغرى. والكبرى تقول: هذه صلاحيات الحاكم الشرعي
في الإسلام، والصغرى تقول الفقيه حاكم. وبضم هذه إلى تلك نستنتج أن هذه الصلاحيات
هي أيضاً للفقيه، بلا فرق بين أن تكون الصغرى ثابتة بالنصوص أم بدليل الحسبة.
فالعبرة في تحديد الصلاحيات ليست بالصغرى بل بالكبرى. والكبرى يجب إن أمكن إثباتها
بالنصوص والسيرة التاريخية للمعصومين (عليهم السلام) ونحو ذلك.
ومما ذكرنا يظهر لك وجه الخلل فيما قاله ذلك الكاتب من أن دليل الولاية العقلي
يقتصر فيه على القدر المتيقن. إذ تخيل أن دليل الولاية العقلي هو المطلوب منه إثبات
الصلاحيات والحال أنه لن تصل النوبة إليه.
وإنكارنا لدلالة النصوص على ولاية الفقيه لا يعني أنه لا توجد نصوص تبين الصلاحيات،
غايته أن المنكر يدعي أن النصوص لم تبين من هو صاحبها.
لكن الإنصاف يقتضي منا أن نعترف بأن ما قلناه وإن كان موافقاً لجملة من الفقهاء
الأعلام[11]، لكن يبدو أنه خلاف المشهور الذي هو أن سعة الولاية وضيقها يتبع
الدليل. فإن كان النص ثبتت سعة ولاية الحاكم في الإسلام، وإن لم يكن لنا غير دليل
الحسبة وجب إجراء دليل الحسبة على كل مورد يريد الفقيه إعمال ولاية فيها.
لكن الموارد المشار إليها لا تعني أن دائرة الولاية ضيقة جداً بل هي واسعة[12]
لكنها ليست بنفس سعة الولاية الثابتة بالنصوص.[13]
ودائرة الولاية بناء على الإقتصار على القدر المتيقن تشمل كل ما يتعلق بإدارة شؤون
الناس العامة مما يحتاج فيه إلى الولي، وهي: (ما يرجع إلى النظام العام الذي يتوقف
عليه توازن الحياة للمسلمين وغيرهم بما يحفظ مصالحهم السياسية والإقتصادية
والإجتماعية والأمنية ونحوها، ويقوم به نظام حياتهم كمجتمع).[14]
ويجري على هذا القدر المتيقن جميع أحكام الولاية التي سيأتي بيانها.
الفصل الثالث: معنى أن الأحكام الحكومية أحكام أولية
ذكرنا أن من لوازم القول بالولاية العامة المطلقة للفقيه كون الأحكام الحكومية
الصادرة عن الحاكم أحكاماً أولية لها التقدم على سائر الأحكام الإسلامية. وقد صرح
بهذا الرأي الإمام الخميني (رحمه الله). ولم يعرف عن غيره هذا التصريح بهذه المرتبة
من الولاية للفقيه.
وقد يفهم من ذلك التصريح أن أحكام الفقيه وهو إنسان تزاحم أحكام الله تعالى
وتعارضها. ولكن ليس هذا هو المراد قطعاً، وإليك التوضيح المطلوب.
تفسير آية الله السيد كاظم الحائري:
لقد حاول السيد الحائري في كتاب المرجعية والقيادة[15]، تفسير رأي الإمام الخميني
حول هذه القضية. ونحن نذكره بشكل مختصر:
(بناء على نظرية الإمام (رحمه الله) لا تنحصر دائرة حكم الولي بالأحكام الثانوية
والمباحات بل يتعداها، ويتقدم حتى على الأحكام الإلزامية الأولية)، وتوضيحه:
لا إشكال في أن للولي الذي تمت ولايته شرعاً حق التدخل بالمباحات كأن يلزم الأمة
بترك مباح أو بفعله وفق ما يراه من مصلحة، وذلك كتحديد الأسعار. وهو وإن كان ينافي
قاعدة (الناس مسلطون على أموالهم)، وحرمة التصرف في أموال الناس، لكن الذي يحصل هنا
أن الولي يقيد سلطة الناس على أموالهم في مجال ولايته. فإذا حدد الأسعار لم يعد
جائزاً للبائع تجاوزها وإن كان هذا في ذاته مباحاً له، لولا النهي الحكومي الصادر
من الولي. وبعد هذا النهي يحق للولي إجبار البائع على الإلتزام بالسعر، لأنه إلزام
بما وجب على البائع لا بما هو مباح له.
وأما حكم الولي في دائرة المحرمات، فمعناه أن الوالي يعمل بتشخيصه فيما لو تزاحم
واجب مع محرم، فيقدم الأهم على المهم، كما هي القاعدة في باب التزاحم.[16]
وتارة يقع التزاحم في الموارد الفردية وأخرى في الموارد الإجتماعية.
وفي الموارد الفردية يكون القرار تابعاً لتشخيص المكلف نفسه لما هو الأهم، مع
ملاحظة الرأي الفقهي الذي يعتمده إجتهاداً أو تقليداً. وأما في الموارد الإجتماعية
فالذي يحق له تشخيص التزاحم وتشخيص الأهم لتقديمه على المهم وترتيب الأوليات هو
الولي الفقيه وحده دون غيره.
فليس مقصود الإمام الخميني من قوله: (إن حكم الفقيه مقدم حتى على الأحكام الأولية)
أنه مقدم كيفما كان، فله إسقاط الصلاة أو الصوم أو الحج عن الناس كيفما كان، بل له
حق تشخيص التزاحم بين الأحكام الأولية في القضايا الإجتماعية عند وقوعها ثم تشخيص
الأوليات للعمل وفقها). إنتهى ما أردنا نقله.
وقد أجاد حفظه المولى فيما أفاد ونزيده توضيحاً:
مرادنا من تقدم حكم الفقيه على الأحكام الأولية أن هناك حكماً شرعياً أولياً شرعه
الله تعالى فوق هذه الأحكام الشرعية. وهذا الحكم الشرعي يتعلق بصلاحيات الولي، وينص
على أن الحاكم المعصوم (عليه السلام), عليه أن يقوم بدوره وإن أدى إلى رفع بعض
الأحكام الشرعية الأخرى، لكن هذا الرفع يكون من خلال رفع الموضوع.[17]
ومرجع هذا في الواقع إلى القول بأن الأصل في الشريعة وفي الأحكام الإسلامية هو حفظ
مصالح الأمة وعزتها وتجنب وقوعها في المفاسد، والحكومة الإسلامية دورها تحقيق هذه
الأهداف في ضمن تحقيقها للأحكام الإسلامية وتنفيذها. وهذا يعني أن كل حكم شرعي من
أحكام الإسلام قد أخذ في موضوعه أن لا يكون على خلاف مصالح المجتمع التي يشخصها
الحاكم المعصوم، وأن لا تترتب عليه مفاسد حسب تشخيص المعصوم.
فإذا كان الحاكم الشرعي يقول لا يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه، فإن مقتضى
حكومة الإمام المعصوم (عليه السلام) هو جواز التصرف في مال الغير، عندما يتوقف على
ذلك مصلحة عامة مهمة بحسب نظر الحاكم كتطوير المجتمع، وإن لم تنطبق عليه أحد
العناوين الثلاثة. وفي هذه الصورة لا يملك صاحب المال أن لا يأذن.
فإذا كانت هذه هي صلاحية المعصوم فهي للفقيه أيضاً بحسب أدلة الولاية، سواء كان
الدليل هو النصوص أو دليل الحسبة لما ذكرناه سابقاً من أن المستفاد من الأدلة من هو
الحاكم، وأن الصلاحيات يمكن معرفتها من أدلة أخرى.
الفصل الرابع: مناقشة في الصلاحيات
قد ذكر بعض من كتب في نظام الحكم في الإسلام عدة إشكالات حول صلاحيات الولي. وقد
أشرنا إلى بعضها فيما تقدم، ولنا وقفة مع بعضها الآخر فيما يأتي. وهنا سنذكر له
قسماً من هذه المناقشات:
المناقشة الأولى:
إنّ الولاية العامة للفقيه عند من يقول بها لا تتقيّد بقيد. وقد ارتكبت أخطاء كثيرة
وتعديات كثيرة من بعض الممارسين للسلطة الإدارية وغيرها ممن يدعون أنهم فقهاء أو
يُدّعى لهم ذلك، نتيجة للإلتباس في الحيثيات ومقتضياتها والغفلة أو التغافل عن ذلك،
نسأل الله العافية. وهذه المسألة من جملة المسائل التي تواجه نظرية الولاية العامة
للفقيه من حيث صلاحيتها لبناء نظام متكامل منسجم مع نفسه ومع مكوناته.[18]
أقول:
يظهر من كلامه أن نظرية الولاية العامة للفقيه لا تستطيع أن تبني نظاماً متكاملاً.
ويظهر من كلامه هنا أن من أسباب ذلك لزوم تسلط المدعين، ويظهر من كلام آخر ذكره قبل
هذا الكلام أن من أسبابه لزوم ثبوت الولاية العامة لكل فقيه مما يترتب عليه هرج
ومرج، وهذا على الأقل ما فهمته من كلامه.
ولكن ما ذكره لا منشأ له.
أما لزوم تسلط المدعين فهذا لا ينشأ من النظرية بل من انحراف الغير وتسلطه بغير حق
أو انحراف المجتمع إن اختار من ليس أهلا للمنصب.
وكم عانينا من هذه المشكلة في لبنان في أزمنة سابقة ولا زلنا، وربما كلفنا هذا بعض
الدم في بعض الأحيان، ونحن أيضاً نسأل الله تعالى العافية منهم. ونظرية ولاية
الفقيه لا تسمح بتسلط أمثال هؤلاء، لأننا ذكرنا سابقاً أنه لابد من اختيار الأفضل
خاصة من حيث الكفاءة والقيادة، مع تركيز شديد على صفة العدالة بمرتبة سامية منها،
كما ذكرنا أن الذي يختار حشد من أهل الخبرة العلماء العدول وليس أي شخص كان.
أما الهرج والمرج فهو إنما يلزم الهرج والمرج لو كان لدينا في الدائرة الواحدة أكثر
من ولي فعلي، وقد ذكرنا في سياق أدلة ولاية الفقيه أنها لا تعطي ولاية فعلية لكل
فقيه في الدائرة الإجتماعية الواحدة، سواء كنا من القائلين باتحاد الولاية أم
بتعددها.
ولست أدري كيف تتألف مقاطع الكتاب عند هذا الكاتب، فهو تارة يدعي أن أدلة ولاية
الفقيه لو كانت تامة فهي لا إطلاق لها. وتارة يدعي الإطلاق ويريد أن يرتب إشكالاً
على النظرية.
فهو أنكر الإطلاق في مسألة الصلاحيات وسعة دائرة الولاية، ولكنه اعتبر أن لازم
نظرية ولاية الفقيه الإطلاق لكل فقيه فيلزم الهرج والمرج. مع أن ما ذكره قرينة
عقلية لبية حاضرة توجب تقييد الإطلاق الثاني على فرض وجوده. فما افترض فيه الإطلاق
يلتزم صاحب النظرية بالتقييد فيه، وما افترض فيه التقييد يقول صاحب النظرية
بالإطلاق فيها لعدم القرينة الموجبة له، حتى أن المقيّد لم يذكر موجبات تامة له.
المناقشة الثانية:
قال الكاتب المذكور في مقام تحديد صلاحيات الحكومة في عصر الغيبة:
قد يقال: إن مقتضى دليل مشروعية تكوين الدولة ونصب الحكومة الإسلامية على مبنى
الولاية العامة للفقيه هو الإطلاق، لأن هذا الدليل يجعل الفقيه نائباً للإمام
المعصوم (عليه السلام) في كل ما للإمام المعصوم ولاية عليه، وحيث أن الإمام المعصوم
ولي مطلق لا يحد ولايته حد فكذلك الفقيه نائبه العام.
والجواب على هذه الدعوى: إنّ المباني الفقهية المعروفة عند فقهاء الشيعة الإمامية
في العصر الحاضر لمشروعية تكوين الدولة.. ثلاثة:
1ـ ولاية الفقيه العامة بدعوى ثبوتها بالدليل اللفظي.
2ـ ولاية الفقيه بدعوى ثبوتها باللابدية العقلية بدليل وجوب حفظ النظام.
3ـ دليل ولاية الأمة على نفسها.[19]
ثم يقول: أما على المبنى الثالث فإن الأمة تشرع لنفسها بواسطة الفقهاء وأهل الخبرة
والإختصاص في كل مجال في حدود حاجاتها التنظيمية في مناطق الفراغ التشريعي ومنها
الشأن الإداري.. (والأمة) هنا محكومة بالأصل الأولي ولابد من الإقتصار في الخروج
عنه فيها على القدر المتيقن مما يحتاجه المجتمع في تماسكه وازدهاره ونموه، وكل ما
يشك في الحاجة إليه فهو محكوم بمقتضى الأصول الأولية بعدم المشروعية.
أما على المبنى الثاني: فلأن دليل ولاية الفقيه... لبي في مورده، وهو إقامة السلطة
السياسية، ويجب الإقتصار على القدر المتيقن منه في مورده. والسلطة الإدارية أمر
زائد على مورد الدليل، فالإقتصار فيها على القدر المتيقن يكون أولى.
أما على المبنى الثالث.. فغاية ما يدل عليه... ولاية الفقيه العامة في الحكم
السياسي، وأما الولاية العامة مطلقاً في كل شيء بحيث ترفع اليد عن الأصول الأولية
فدلالة الدليل عليها أول الكلام. وهي غير مسلمة حتى بنحو الدلالة الإلتزامية.
ودليل ولاية الفقيه يدل على ولايته في حدود الأدلة والتكاليف الشرعية، وهو ليس
دليلاً مشرعاً في مقابل الأدلة الشرعية.
على أنه يلزم من القول بولاية الفقيه غير المعصوم المطلقة الشاملة لكل شخص ولكل
نشاط بشري، عدم بقاء أي مورد للأصل الأولي بعدم ولاية أحد على أحد في المسائل
السلطوية السياسية والإدارية. حيث أن أمر الأمة الإسلامية والمسلم الفرد لا يخلو من
وجود النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام المعصوم الظاهر (عليه السلام) أو
الفقيه، فإذا كانت ولاية الفقيه مطلقة شاملة لكل شخص ولكل نشاط بشري، فلا يبقى في
أي زمان مورد لهذا الأصل الأولي السلطوي السياسي والإداري إلا بالنسبة إلى آحاد
الناس بعضهم مع بعض.
ومحل الإبتلاء بالنسبة إلى عامة الناس ليس تسلط أحد على أحد في المجال السياسي
والإداري، وإنما في شؤون الحياة الأخرى من أنشطة وعلاقات، وهذه ليست في أهمية خطورة
التسلط السياسي على حرية عموم الناس ومصالحهم ومصيرهم.[20]
مناقشة ما تقدم:
قبل أن أناقش ما قاله أجد نفسي مضطراً إلى الوقوف ملياً أمام هذه الصورة المشوهة
والمنفرة التي يريد الكاتب تقديمها عن نظرية ولاية الفقيه، فمن أين أتى بأن النظرية
العامة تعني السلطة الشاملة لكل شخص ولكل نشاط بشري مهما كان نوعه. فإن هذا الكاتب
لم يعترف بهذه السلطة للإمام المعصوم (عليه السلام).[21]
كما أتوقف عند اعتباره أن القول بالولاية العامة من التسلط السياسي على حرية عموم
الناس. وظاهر كلامه، ولا أظنه تنبه إليه، يدل على أن هذه مشكلة في الإمامة المعصومة
ذاتها، لأن معنى ذلك أن هذا التسلط السياسي كان موجوداً على مدى قرون طويلة، وسيوجد
عندما يظهر الإمام (عليه السلام) فهل يحق لأحد أن يعترض على ظهور الإمام هرباً من
هذا التسلط؟
وعلى كل حال فإن كلامه ذو ثغرات من وجوه:
أحدها: أن الولاية المطلقة للفقيه لا تعني الولاية على كل شخص وكل نشاط بشري إلا في
حدود الحكم والإدارة الراجعة إلى صلاحيات الحكومة الإسلامية.
وإن الولاية العامة للفقيه لا تعني على المستوى الإجرائي أكثر مما نشهده في
المجتمعات المتطورة منها، والتي لا يشعر أحد بوجود تسلط مرفوض فيها. بل إن الطريقة
التي طبقت فيها نظرية ولاية الفقيه وترجمت عملياً، قد ترجمت بأروع صور أنظمة الحكم.
والباب لا يزال مفتوحاً أمام أي تطوير، لأن الحكم في الإسلام ليس له شكل نهائي
محدد، فلا توجد هناك إلا ضوابط تجب رعايتها لا أكثر.
الثاني: من قال بأن الولاية العامة للفقيه تعني الخروج عن حدود الأدلة والتكاليف
الشرعية ومن قال بأنه دليل مشرع في مقابل الأدلة الشرعية. وإنما الكلام هو فيما دلت
عليه الأدلة الشرعية لا أكثر. بل هو نفسه يعترف أن هناك حالات لابد من أن نسمح فيها
للحكومات برفع بعض الأحكام الشرعية، ولو لضرورة نظم الأمر أو لتحقيق ما يحتاجه
المجتمع في تماسكه وازدهاره ونموه. فهل يتصور أن ذلك يتحقق بدون أن نتصرف في
الأحكام الأولية والتي منها على الأقل حق الملكية الشخصية وسلطة الناس على أموالهم.
الثالث: من قال بأن الأصل الأولي في المجال السلطوي السياسي والإداري (ويقصد منه
أصالة سلطة الإنسان على الطبيعة وأصالة عدم سلطة لأحد على أحد) يجب أن يكون له
تطبيق وهل عدم انطباقه أصلاً يضر بأصليته ما دام الخروج عنه كان لدليل.
فهذا أشبه بالقول بأن الأصل في الأحكام عند الجهل بها هو البراءة، وبالتالي لا يجوز
أن يصل إلى مرحلة نعلم فيها بجميع الأحكام، لأن هذا الأصل يصبح غير مطبق عملياً.
وهو قول باطل جزماً.
فالأجدر أن يناقش هل خرجنا عن الأصل بدليل أم لا. وليس الخروج الكلي الدائم عن
الأصل إشكالاً في حد ذاته.
الرابع: والأغرب من ذلك دعواه أن السلطة الإدارية خارجة عن مضمون الروايات التي
يستدل بها على ولاية الفقيه. والحال أنه قد وصف السلطة الإدارية: بأنها ممارسة لا
تنفك عن الأمر والنهي الإداريين، والتضييق والتوسعة الإداريين والتصرف الإداري مما
تقتضيه المصلحة العامة المتجددة والحادثة للمجتمع السياسي في غير الأمور الواردة في
الشريعة.
فلو أصدرت الدولة تعميماً يمنع من صنع الخمر وبيعه فهذا من التعميمات الإدارية لكنه
خارج عن محل الكلام عنده، ولكن إذا ألزمت الإدارة مزارعي العنب بأن يجففوا منه
مقداراً معيناً أو ألزمتهم بأن يصدروا أو لا يصدروا العنب فهذان أمر ونهي إداريان
يدخلان في موضوع بحثه.. ويدخل في ذلك الأوامر والنواهي التي تنظم حياة الإنسان في
المجتمعات السكانية من قبيل المدن والقرى والمزارع، والإجراءات التي تتخذها الإدارة
بالنسبة للطبيعة ذات الملكية العامة، وما يسمى عادة المباحات الأصلية من قبيل
الأراضي والمياه الجوفية والسطحية والغابات والمناجم والحياة البرية والفضاء.[22]
وإذا كان هذا هو وصف السلطة الإدارية فلست أدري كيف أخرجها عن مضمون أدلة ولاية
الفقيه، ولا على أي شيء اعتمد عندما خصصها بالشؤون السياسية. اللهم إلا أن يكون
المقصود أن السلطة الإدارية ليست للإمام في الإمامة المعصومة ولا أظنه يلتزم بذلك.
أو يكون مراده أن السلطة الإدارية في الشؤون الإدارية المستجدة لم تكن ملحوظة في
أدلة ولاية الفقيه.وهذا مردود لأن هذه الأدلة كغيرها من الأدلة الشرعية لا ينحصر
مجالها بخصوص ما كان متعارفاً عليه في أيام صدورها ما دام استجد عنوان يشملها أيام
صدورها. فمثل قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ لا ينحصر تطبيقه في خصوص العقود التي كان
متعارفاً عليها في زمن نزول الآية المباركة. وحيث أن السلطة الإدارية كانت للمعصوم
فهي أيضاً للفقيه. وقد ذكرنا أكثر من مرة أن أدلة ولاية الفقيه مطلقة من حيث
الصلاحيات، وأنها لو لم تكن مطلقة فهناك عدة طرق لاستكشاف صلاحيات الحاكم في
الإسلام، والتي منها السلطة الإدارية.
ويكفي دليلاً على ذلك قول الكاتب نفسه أن السلطة الإدارية لا تستغني عنها أي حكومة،
فإذا كانت ضرورية لأي حكومة فتكون من الموارد المتيقن شمول الدليل لها لا الخارجة
عنه.
الخامس: لا ينبغي أن نخاف أن نخوّف الناس من السلطة الشرعية، بل يجب على المؤمنين
أن يوطنوا أنفسهم على تقييد حريتهم حيث قيدها الله تعالى، أو حيث قام الدليل العقلي
على تقييدها. علماً أن التقييد الذي تتطلبه ولاية الفقيه لابد منه على كل حال، وفي
كل مجال اعترفنا فيه بالولاية لأحد ولو بولاية الأمة على نفسها، لأن هذه الولاية
ستقيد حرية الآخرين في الشؤون العامة وسيمارس هذا التقييد صاحب السلطة الإدارية.
فهل إذا كانت السلطة الإدارية والسياسية مفوضة من الناس تكون هناك حرية, أما إذا
كانت ثابتة بحكم الشرع والعقل تصير مشكلة نسجلها.
فالتسلط السياسي والإداري ليس هو المحذور ما دام الدليل قد تم عليه.
السادس: ليس في نظرية ولاية الفقيه إلغاء لدور الأمة وتقييداً لحريتها زائداً عن
المتعارف المقبول. وتطبيق النظرية يرتبط حسنه بالشخص المتولي لحكومة وقدراته
وكفاءته. ولذا عندما ننظر إلى الإمام الخميني (رحمه الله) أعظم رجل في هذا العصر بل
من أعظمهم وأندرهم على مر العصور وقد تسلم مقاليد الحكم، نجده قد أعطى للأمة أقصى
دور يمكن إعطاؤه بما يحفظ الأسس والمبادئ. ولا أظن أنه أعطي مثل هذا الدور لأمة لا
في نظرية الخلافة ولا في النظريات الحديثة حول الحكم ولا بعض أصحاب نظرية ولاية
الأمة على نفسها.
ولكن الذي يظهر أن قوماً من الناس يقبلون بكل الصلاحيات لغير الفقيه، ويزعجهم أن
تكون للفقيه وإن أشرك غيره فيها.
الفصل الخامس: سراية الولاية إلى ولاة الوالي
هل تنحصر الطاعة في باب الولاية بخصوص الفقيه أم تتعداها إلى غيره فلو عين شخصاً
والياً في منطقة هل تسري إليه هذه الولاية، بحيث يصبح واجب الطاعة مثل الفقيه أم
لا.
قد ذكرنا فيما سبق أن من صلاحيات الولي تعيين الولاية في المناطق أو بعض الشؤون.
وبناء على نظرية ولاية الفقيه تسري الولاية حينئذ من الفقيه إلى كل شخص يوليه أمر
منطقة ما أو شأناً ما، وهذا من لوازم الولاية. ومعنى ذلك أنه لا يجوز لكل من تشمله
ولاية ذلك الشخص المعين من قبل الولي أن يخالف أمره في دائرة صلاحياته. لأن هذا
الولي هو أيضاً من النواب غير المباشرين للإمام المعصوم (عليه السلام) والفقيه هو
النائب المباشر له.
كما أن من مقتضيات الدليل العقلي ثبوت حق لمن يعينهم الولي، لأن العقل مدرك أن
الشخص الواحد غير المعصوم لن يتمكن من القيام بمهامه بدون أن يلجأ إلى معاونين
وولاة يفوضهم بعض الصلاحيات، وأن هذا التشكيل الإداري والحكومي من لوازم تشكل
الحكومة وقيامها بمهامها.
تنبيهات:
لكن لما كان هذا المنصب من المناصب الخطيرة التي قد تزل فيه أقدام، سواء من الولاة
أو من الرعية، فالولاة قد يبتلون ولا يكونوا أهلا له، وقد يفسد حالهم بعد استلامهم،
والرعية قد لا يرضى بعض أفردها بطاعة ولي الأمر أو ولي ولي الأمر، كان لا بد من
تنبيه الطرفين على جملة مسائل يرقى بعضها إلى مرتبة الوجوب، منها ما يخص الوالي
وولاته ومنها ما يخص الرعية:
1ـ على الوالي وولاته أن يختاروا للمواقع المقصودة أهل الكفاءة، ومن تتوفر فيهم
صفات العدالة والأمانة والعلم، فلا يولي الناس محاباة لهم حتى لا يسيء أحدهم
استخدام السلطة، وحتى لا يورط الناس بجهله فيما لا يريده الله تعالى. ولن يكون
الوالي الذي عين من لا كفاءة له بمعزل عن ملامة الله تعالى، وسيكون شريكاً في
آثامهم إن لم يكن قد بذل الجهد الكافي في تعيينهم، ولم يكن مقصراً في ما أتى به.
وقد دلت على هذا المعنى مجموعة أخبار منها:
ما في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) للأشتر: (ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم
اختباراً ولا تولهم محاباة وأثرة فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة)[23].
وفي رواية عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (ليس للملوك أن يفرطوا في ثلاث: في حفظ
الثغور وتفقد المظالم واختيار الصالحين لأعمالهم)[24].
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنا والله لا نولي على هذا الأمر أحداً سأله
ولا أحداً حرص عليه)[25].
وفي شرح ابن ابي الحديد لنهج البلاغة رواية نقلها عن الواقدي في كتابه (الشورى) عن
ابن عباس، أن علياً (عليه السلام) قال لعثمان من جملة كلام بينهما: (والله لو ظلم
عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركاً بينه وبينك)[26].
ومن الواضح أنه ليس المقصود المشاركة في الإثم كيفما كان، بل إن كان هناك تقصير من
قبل الوالي في شأن هذا الذي ارتكب إثماً.
2ـ وعليه أن يطهّر بطانته من ذوي المقاصد السيئة:
ففي عهد الأشتر: (إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة
فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال عنهم).
(وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس فإن في الناس عيوباً
الوالي أحق من سترها فلا تكشف عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك..).
4ـ وعلى الوالي وولاته تقديم أهل الورع والعلم والإيمان والتعاون معهم قدر الإمكان،
لا أن يجعلوا بينهم حاجباً، وعليهم أن لا يدعوا لسوء الظن بهم مجالاً ولا لسوء
الفهم طريقاً.
وفي العهد: (وأكثر مدارس العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك
وإقامة ما استقام به الناس قبلك).
وفيه أيضاً: (ثم ألصق بذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق
الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة السخاء والسماحة).
5ـ وعليهم الإهتمام بالأمة بأفضل ما يمكن مع رعاية العدل والحق.
ففي عهد الأشتر: (وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها
لرضى الرعية فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى
العامة... وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن
صغوك لهم وميلك إليهم).
وهذا يقتضي إزالة ما يمكن من القيود وإشراكهم ما أمكن في الحكم عبر مؤسسات شعبية
تساهم في بناء الدولة وإدارتها.
وفي العهد: (فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء
منهم فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله)..
(فإن شكوا ثقلاً و علة أو انقطاع شرب أو بالة أو احالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها
عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم
فإنه ذخر يعودون به عليك في عمرة بلادك وتزيين ولايتك).
6ـ كما ويتعين على الولي أن يعطي الصلاحيات التي تناسب مع قدرات الشخص.
ففي العهد: (واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأساً منهم لا يقهرها كبيرها ولا يتشتت
عليه كثيرها).
7ـ ويتعين أن تكون هناك صلة وصل بين الفقيه الوالي والناس، يشكون فيه من الولاة إن
كانت لديهم شكوى. أو أن ينشر العيون على ولاته حتى يتبين للفقيه مدى صلاحية الشخص
الذي أعطاه إياه. وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يراقب حركة ولاته، وينبههم
حين يطلع على سوء تصرف منهم ويعزلهم إن اطلع على خيانة منهم. فإن الشخص ربما كان في
بدايته حسن السيرة والإيمان لكن قد تفسده السلطة.
وفي عهد الأشتر: (ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم فإن
تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية. وتحفظ من
الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه أخبار عيونك اكتفيت بذلك
شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله ثم نصبته بمقام الذلة
ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة).
8ـ يتعين على الولاة أن يحسنوا الإدارة، وأن يراعوا جميع القواعد الشرعية في
التعامل مع إخوانهم المؤمنين، فلا تجذبهم الرئاسة إلى الإستعلاء عليهم والتكبر
والغرور.
وفي عهد الأشتر: (ولا تقولن إني مؤمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة لدين
وتقرب من الغير وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك
الله فوقك وقدرته منك ما لا تقدر عليه من نفسك)..
وفي العهد أيضاً: (وإياك ومسامات الله في عظمته والتشبه به في جبروته فإن الله يذل
كل جبار ويهين كل مختال).
وفيه أيضاً: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم
سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق
يفرط منهم الزلل وتعرض لهم الملل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فاعطهم من عفوك
وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك
فوقك والله فوق من ولاك).
9ـ كما لا يحق له التعدي عن صلاحياته بل عليه التقيد بها. فليس له أن يأمر في مورد
ليس من صلاحياته. ويحق للفرد أن لا يطيعه إن كان المورد خارجاً عن صلاحيات الآمر بل
لا يجوز أن يطيعه في هذا المورد إن كان في الأمر خطأ.
10 ـ وينبغي على الولاة أن يدركوا أن أي تصرف في الناس وأموالهم يكون خيانة إن لم
يراع الدقة الشرعية فيها.
11ـ وعلى الذين يعينهم الولي أن يلتفتوا إلى الأموال الشرعية التي توضع تحت تصرفهم،
وليتذكروا دائماً شمعة بيت المال التي كان يطفؤها أمير المؤمنين (عليه السلام)
عندما تكون إضاءتها لمنفعة شخصية بحتة لا علاقة لها بالعمل.
فليتفت الأخوة إلى هذه الأمانة فلا يهدروا الأموال ولا يكون همهم في ترف مادي، فلا
يزينوا لأنفسهم أن ذلك من مصالح العمل، بل عليهم رعاية الإحتياط قدر الإمكان في هذه
الأمانة التي وضعت بين أيديهم.
وللأسف فإن كثيراً من الناس إن وضعوا أيديهم على أموال شرعية يصرفونها على تحسينات
وزيادات شكلية لا علاقة لها بالعمل، وفي الناس من هم أحوج إليها منهم ومن مصارفهم
التي لا طائل وراءها.
وفي عهد الأشتر: (وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن
سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن
نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة
ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً
وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على
الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر).
وفي كتاب لأمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مصقلة بن هيبرة الشيباني وهو عامله على
أردشير خرة: (بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك وعصيت إمامك. إنك تقسم فيء
المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم وأريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك من أعراب قومك.
فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لئن كان ذلك حقاً لتجدن لك عليّ هواناً ولتخفن عندي
ميزاناً فلا تستهن بحق ربك ولا تصلح دنياك بمحق دينك فتكون من الأخسرين أعمالاً.
ألا وإن حق من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء يردون عندي عليه
ويصدرون عنه).
12ـ وعلى الرعية الإطاعة وبذل النصح وتقديم المشورة. والتنبه إلى الحسد حتى لا يأخذ
ببعض أفرادها مأخذه فيمنعهم عن الطاعة ويؤدي بهم إلى الإفساد. والى أن لا يأخذ
ببعضهم مشاكل صغيرة يرونها أو أذى بسيط أو كبير يلاقونه من بعض الناس أو حتى من بعض
الولاة ويؤدي بهم ذلك إلى تضعيف مقام الولاية والحكومة الإسلامية، فإن هذه الولاية
شعبة من شعب ولاية آل طه، ونحن ممتحنون في هذا العصر على هذه الولاية.
13ـ وعلى العلماء من الرعية الإلتزام بولاية الفقيه، وأن لا يدخلوا في جهل بعد علم،
وليفترضوا في أسوأ الأحوال أن الأمور هي أمور الشيعة عليهم حفظها والسهر عليها، لا
أن يسيئوا إليها بحجة التكليف الشرعي أو بأي حجة أخرى. ولو فرضنا أنهم يرون أنفسهم
أكفأ من غيرهم فليسيروا بسيرة أميرهم أمير المؤمنين (عليه السلام), لأسالمن ما سلمت
أمور المسلمين، وليحذروا أن تكون الفتن على يديهم. فإن كانوا لا يرون ولاية الفقيه
حقاً فلينظروا إلى ما فيه صلاح الشيعة والأمة لا ما فيه صلاحهم الشخصي. ولا صلاح
لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) خاصة وللمسلمين عامة إلا بإتباع ولاية الفقيه.
14ـ وعلى الراعي والرعية أن يعرفوا بأجمعهم أن على جميعهم مسؤولية صيانة الإنجازات.
ولا يكون ذلك إلا بالتكاتف والتعاضد والتراحم قدر الإمكان، فلسنا في عصر نعيش فيه
وحدنا، ولا وقت للخلافات فيما بيننا، فعدونا واحد وصراعنا واحد وإمامنا واحد.
الفصل السادس: نصوص في حقوق الولي على الأمة وحقوق الأمة على الولي
1ـ لما بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) معاذ بن جبل إلى اليمن وصّاه وقال له:
( يا معاذ علمهم كتاب الله وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة وأنزل الناس منازلهم
خيرهم وشرهم وأنفذ فيهم أمر الله ولا تحاش في أمره ولا ماله أحداً فإنها ليست
بولايتك ولا مالك. وأد إليهم الأمانة في كل قليل وكثير. وعليك بالرفق والعفو في غير
ترك الحق، يقول الجاهل قد تركت في حق الله. واعتذر إلى أهل عملك من كل أمر خشيت أن
يقع إليك منه عيب حتى يعذروك، وأمت أمر الجاهلية إلا ما سنه الإسلام. وأظهر أمر
الإسلام كله صغيره وكبيره، وليكن أكثر همك الصلاة فإنها رأس الإسلام بعد الإقرار
بالدين، وذكر الناس بالله واليوم الآخر واتبع الموعظة فإنه أقوى لهم على العمل بما
يحب الله، ثم بث فيهم المعلمين واعبد الله الذي إليه ترجع ولا تخف في الله لومة
لائم.
وأوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وترك الخيانة ولين
الكلام وبذل السلام وحفظ الجار ورحمة اليتيم وحسن العمل وقصر الأمل وحب الآخرة
والجزع من الحساب ولزوم الإيمان والفقه في القرآن وكظم الغيظ وخفض الجناح. وإياك أن
تشتم مسلماً أو تطيع آثما أو تكذب إماماً صادقاً أو تصدق كاذباً، واذكر ربك عند كل
شجر وحجر وأحدث لكل ذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية.
يا معاذ لولا أنني أرى ألا نلتقي إلى يوم القيامة لقصرت في الوصية، ولكنني أرى أن
لا نلتقي أبداً. ثم اعلم يا معاذ إن أحبكم إلى من يلقاني على مثل الحال التي فارقني
عليها)[27].
2ـ في نهج البلاغة، قال عبد الله بن عباس: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام)
بذي قار وهو يخصف نعله فقال لي: (ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها. فقال (عليه
السلام): والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً)[28].
3ـ وفيه أيضاً: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (أيها الناس إن لي عليكم حقاً ولكم
علي حق فأما حقكم على فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كي لا تجهلوا
وتأديبكم كيما تعلموا وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب
والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم)[29].
4ـ في كتاب المحكم والمتشابه نقلاً عن تفسير النعماني عن أمير المؤمنين (عليه
السلام): (لابد للأمة من إمام يقوم بأمرهم فيأمرهم وينهاهم ويقيم فيهم الحدود
ويجاهد العدو ويقسم الغنائم ويفرض الفرائض ويعرفهم أبواب ما فيه صلاحهم ويحذرهم ما
فيه مضارهم إذ كان الأمر والنهي أحد أسباب بقاء الخلق وإلا لسقطت الرغبة والرهبة...
ولفسد التدبير وكان ذلك سبباً لهلاك العباد فتمام أمر البقاء والحياة في الطعام
والشراب والمساكن والملابس والمناكح من النساء والحلال والحرام والأمر والنهي إذ
كان سبحانه لم يخلقهم بحيث يستغنون عن جميع ذلك وجدّنا أول المخلوقين وهو آدم (عليه
السلام) لم يتم له البقاء والحياة إلا بالأمر والنهي)[30].
5ـ رسالة الإمام الصادق (عليه السلام) إلى والي الأهواز.
روى الشهيد الثاني في رسالة الغيبة بإسناده عن الشيخ الطوسي بإسناده عن عبد الله بن
سليمان النوفلي أن عبد الله النجاشي أرسل إلى الإمام الصادق (عليه السلام) يطلب
فيها أن يكتب له ما يراه له للعمل به. قال عبد الله بن سليمان النوفلي، وكان عند
الإمام الصادق (عليه السلام)، فأجابه أبو عبد الله (عليه السلام):
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾.. وزعمت أنك بليت بولاية الأهواز فسرني ذلك وساءني.. فأما
سروري بولايتك فقلت عسى أن يغيث الله بك ملهوفاً خائفاً من آل محمد (صلى الله عليه
وآله) ويعز بك ذليلهم ويكسو بك عاريهم ويقوي بك ضعيفهم ويطفئ بك نار المخالفين عنهم
وأما الذي ساءني من ذلك فإن أدنى ما أخاف عليك أن تعثر بولي لنا فلا تشم حظيرة
القدس فإني مخلص لك جميع ما سألت عنه إن أنت عملت به ولم تجاوزه رجوت أن تسلم إن
شاء الله.
أخبرني، يا عبد الله، أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن رسول الله
(صلى الله عليه وآله) أنه قال: من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه الله
لبه.
واعلم أني سأشير عليك برأي إن أنت عملت به تخلصت مما أنت متخوفه.
واعلم أن خلاصك مما بك، من حقن الدماء وكف الأذى من أولياء الله والرفق بالرعية
والتأني، وحسن المعاشرة مع لين في غير ضعف وشدة في غير عنف.
وارتق فتق رعيتك بأن توقفهم على ما وافق الحق والعدل إن شاء الله وإياك والسعاة
وأهل النمائم فلا يلتزقن بك أحد منهم ولا يراك الله يوماً وليلة وأنت تقبل منهم
صرفاً ولا عدلاً فيسخط الله عليك ويهتك سترك...
فأما من تأنس به وتستريح إليه وتلجأ أمورك إليه فذلك الرجل الممتحن المستبصر الأمين
الموافق لك على دينك.
وميز أعوانك وجرب الفريقين فإن رأيت هناك رشداً فشأنك وإياه..
وإياك أن تعطي درهماً أو تخلع ثوباً أو تحمل على دابة في غير ذات الله لشاعر أو
مضحك أو ممتزح إلا أعطيت مثله في ذات الله ولتكن جوائزك وعطاياك وخلعك للقواد
والرسل والأجناد وأصحاب الرسائل وأصحاب الشرط والأخماس.
وما أردت أن تصرفه في وجوه البر والنجاح والفطرة والصدقة والحج والمشرب والكسوة
التي تصلي فيها وتصل بها الهدية التي تهديها إلى الله عزوجل والى رسوله من أطيب
كسبك.
يا عبد الله إجهد أن لا تكنز ذهباً ولا فضة فتكون من أهل هذه الآية:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ
اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[31].
ولا تستصغرن (... ولا) من فضل طعام تصرفه في بطون خالية تسكن بها غضب الرب تبارك
وتعالى. واعلم أني سمعت أبي يحدث عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه سمع
النبي (صلى الله عليه وآله) يقول لأصحابه يوماً: ما آمن بالله واليوم الآخر من بات
شعباناً وجاره جائع فقلنا: هلكنا يا رسول الله! فقال: من فضل طعامكم ومن فضل رزقكم
وخلقكم وخرقكم تطفئون بها غضب الرب...
يا عبد الله إياك أن تخيف مؤمناً فإن أبي محمد بن علي حدثني عن أبيه عن جده علي بن
أبي طالب (عليه السلام) أنه كان يقول: (من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه الله
يوم لا ظل إلا ظله..) وعنهم (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله): من أغاث
لهفاناً من المؤمنين أغاثه الله يوم لا ظل إلا ظله... فلم يزل عبد الله يعمل بهذا
الكتاب أيام حياته[32].
________________________
[1] نظام الحكم والإدارة في الإسلام. الشيخ محمد مهدي شمس الدين. ص 418.
[2] وقد خالف المشهور كلٌ من صاحب الجواهر والسيد الخوئي وآخرين والأول يقول بولاية
الفقيه المطلقة والثاني قال بها في هذا المورد وأمثاله وذهب إلى أنه يجب على الأمة
أن تطيعه في ذلك وفي تنظيم الصفوف وتقدير الموقف السياسي الذي يسمح بإعلان الجهاد.
وأما الإمام الخميني فلم يُفتِ في كون هذا المورد من صلاحيات غير المعصوم لكنه في
كتاب البيع مال إلى رأي صاحب الجواهر.
والجهاد الإبتدائي يهدف لنشر الإسلام ولو اقتضى ذلك القتال ضمن شروط محددة سلفاً
والتي منها الدعوة إلى الإسلام بالأسلوب الذي يوافق الإسلام، فإذا أخذت الدعوة
مجالها وتيقنا أن الآخرين ينكرونها لا لأنهم لم يقتنعوا بها بل لأنهم لا يريدون
الإقتناع بها بعد أن قامت الحجة التامة عليهم، ففي هذه الحال شرع الإسلام الجهاد
الإبتدائي في مقابل الجهاد الدفاعي. والرأي المشهور يرتكز بحسب التحليل ـ والله
أعلم ـ على أن القادر على إتمام الحجة البالغة التي تهيئ الظرف لإعلان الجهاد هو
الإمام المعصوم (عج الله فرجه). كما يرتكز على أن الإسلام أراد أن يخفف بعض الأعباء
عن المجتمع الإسلامي في عصر الغيبة خصوصاً مع ما نراه في هذه العصور من صعوبة أو
استحالة تطبيق هذا الأمر.
[3] المقصود هنا استنكار الأئمة (عليهم السلام). وهذا الذي قلناه يرتكز على مبدأ
عقائدي أصولي في الفكر الإسلامي الشيعي والذي ينص على أن شرعية أي عمل لابد من
استكشافها بطرق مخصوصة سنذكرها فيما بعد وكنا قد أشرنا فيما سبق إلى بعضها، وينص
هذا المبدأ على أن أي فعل صدر من المسلمين أو من غيرهم يكون غير شرعي إذا لاقى
استنكار المعصومين (عليهم السلام)، كما أنه تثبت شرعيته إذا لاقى رضاهم وتأييدهم.و
لذا تعتبر السيرة العقلائية وطريقة العقلاء مدركاً شرعياً إن تأيدت برضا المعصومين
(عليهم السلام) عنها أو لم تستنكر مع القدرة على الإستنكار فلو كان هناك مانع يمنع
منه لا يكون السكوت في هذه الحال دليلاً شرعياً على الرضا. وربما يقال في هذا
المجال إنه لا يمكن الأخذ بما اعتمده الخلفاء بقرينة عدم الردع لأن الردع قائم
بالردع عن أصل استلام السلطة من قبل هؤلاء واستنكارها ولذا لا يعود هناك داع للنظر
في التفاصيل ولا يكون السكوت عن التفاصيل دليل رضا ما دام أصل التصدي لم يكن
مقبولاً فيكون السكوت عن التصدي لعدم تأثير الردع أو تقية.فلا مجال لاستكشاف الرضا.
[4] وسائل الشيعة ج18 الباب 32 من أبواب مقدمات الحدود الحديث1.
[5] المصدر السابق الحديث 3.
[6] المصدر السابق الباب 6 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث 1.
[7] نهج البلاغة ج1 ص 91 بشرح الشيخ محمد عبده. وص 82 بشرح الشيخ صبحي الصالح.
[8] وهذا الإمضاء هو الذي أخرج الحكومة عن كونها حكومة طاغوت ولذلك كان إصرار
الفقهاء على أن تكون ولاية الفقيه مادة أساسية من مواد الدستور وقد ظهر هذا الإصرار
من السيد الگلبايگاني في حديث مع صحيفة جمهوري إسلامي 30/3/1358 هجري شمسي يقول
فيه: (إن لم يدون القانون الأساسي وفق القوانين الشرعية بشكل كامل ولم توضح مسألة
استناد الحكومة إلى نظام الإمامة وولاية الفقيه فستكون الحكومة حكومة طاغوت ظالمة).
[9] نقلنا كلامه (رحمه الله) مع بعض الإضافات منا. والرسالة مؤرخة بتاريخ
16/10/1366هجري شمسي.
[10] سورة الحج، الآية: 41.
[11] منهم السيد محمد آل بحر العلوم في بلغة الفقيه ج3، ص 232 و 233.
[12] وقد ذكر الشيخ جواد التبريزي في بعض أجوبة الإستفتاءات أن ولاية الفقيه بناء
على دليل العقل في موارد الحسبة ذات دائرة واسعة (راجع ج1 من صراط النجاة ص 10).
ولو راجعت كلامه في الجزء الثالث من كتابه إرشاد الطالب في شرح المكاسب ص 38 وما
بعدها لوجدت أنه يقول بولاية الفقيه في دائرة واسعة رغم أنه لم يقبل بدلالة الأدلة
اللفظية على الولاية، كما ذكر في كتابه أن من موارد الحسبة التي تكون ولايتها
للفقيه تهيئة الأمن للمؤمنين من كيد الأشرار والكفار وتشكيل القوى المسلحة لتحقيق
ذلك وللدفاع عن الثغور. ومنها ما إذا توقف تأمين نظام البلاد على تحصيل المال
كالزكاة فإنه يجب إيصالها إليه مع احتياجه إليها ومطالبته بها بل لو توقف ذلك على
التبرع بالمال وطالب بالتبرع يصبح واجباً على المسلمين. ومنها الثروات العامة
كالمعادن في الأراضي المباحة والغابات ونحوها فإن هذه كلها ملك للحكومة الإسلامية.
[13] حتى أن ذلك الكاتب الذي ذكر أن مقتضى الأدلة اللفظية والعقلية المستدل بها على
ولاية الفقيه تضييق دائرة الصلاحيات بالقدر المتيقن، قال في موضع آخر في تحديد هذا
القدر المتيقن بأنه عبارة عن المالية العامة للدولة وقضايا الدفاع ضد الغزو الخارجي
والحرب والسلم وقضايا الأمن الداخلي والقضاء والأوامر والنواهي والإجراءات التي
تصدرها وتتخذها الهيئات والأشخاص المنصوبون لتولي مهمات الإدارة والتنظيم والأمور
التي تقع في مقدمات واجبات حفظ الأنفس والأعراض والأموال ومشروعية تكوين الإدارة من
قبل الحكومة وشرعية ممارسة السلطة الإدارية ووجوب امتثال أوامرها ونواهيها
وإجراءاتها من قبل الموظفين وكل الأمور التي يتوقف عليها انتظام حياة الجماعة
والمجتمع بحيث يعم أثرها إذا وجدت ويعم ضرر فقدانها. لكنه يعتبر أن هذه الأمور يجب
تحقيقها ضمن الحد الأدنى. راجع كتاب نظام الحكم والإدارة للشيخ محمد مهدي شمس الدين
ابتداء من ص 437.
[14] فقه الشريعة ج1 ص 17 للسيد محمد حسين فضل الله.
[15] راجع ص 165 من الكتاب المذكور. إصدار مكتب السيد كاظم الحائري.
[16] التزاحم اصطلاح أصولي فقهي يقصد منه أنه في بعض الأحيان يأتينا تكليفان في آن
واحد مع عدم القدرة على امتثالهما سواء كانا واجبين مختلفين أو واجبين من نوع واحد
أو واجباً ومحرماً.
والتزاحم بين واجبين من نوعين مختلفين مثل أن يكون لدينا تكليف بالصلاة له إطلاق
يشمل حال ما لو رأيت غريقاً يغرق محتاجاً إلى مساعدة وكان يمكنك أن تنقذه، لكن لو
فعلت فسيؤدي ذلك إلى ترك الصلاة، لأننا نفرض أن الوقت قد ضاق عليك ففي هذه الحال لا
تستطيع أن تصلي وتنقذ الغريق بل عليك أن تختار أحدهما، وهنا يقال بتزاحم واجبين
فيقدم الأهم على المهم، وهو إنقاذ الغريق أو يقال بوجوب الصلاة ولو أثناء الإنقاذ
وتكون الصلاة تسبيحاً وتحميداً لا غير.
والتزاحم بين واجبين من نوع واحد كما لو كان هناك غريقان لا يمكنك إنقاذهما معاً
واشتغالك بإنقاذ أحدهم يفقدك الآخر، فهنا يكون قد تزاحم واجبان من نوع واحد والعقل
يقول بلزوم إنقاذ الأهم.
والتزاحم بين واجب ومحرم كما لو كان هناك عدو يريد قتلك فيجب عليك أن تدافع عن نفسك
لكن دفاعك عن نفسك، يستلزم أن تصيب بريئاً بجرح، وهذا محرم. فهنا عليك أن تنقذ نفسك
لأنها أهم.
ومرجع تقديم الأهم إلى أن كل تكليف لا يمكن أن يكون له إطلاق يشمل حالة وجود تكليف
أهم منه، لأن لازم هذا الإطلاق تضييع ذلك الأهم، وهذا هو حكم العقل في باب التزاحم
على ما قرره علماء أصول الفقه. ومعنى ذلك أن إنقاذك للغريق الأول يكون واجباً إن لم
يكن إنقاذ الثاني أهم، وأن الصلاة تكون واجبة عليك إن لم يكن هناك ما هو أهم ومع
وجود الأهم لا تجب الصلاة وعليك إنقاذ الغريق ثم تقضي الصلاة.
فوجود الأهم رفع ما هو موضوع التكليف الأقل أهمية بمعنى أن الموضوع الذي ثبت له
الوجوب هو الفعل غير المزاحم بالأهم فإن زاحمه ما هو أهم منه فليس هو الفعل الذي
ثبت له الحكم. ولذا تكون مخالفة الأقل أهمية ليس من باب مخالفة التكليف بل من باب
أنه لم يعد مع وجود الأهم تكليف بالأقل أهمية حتى نكون مخالفين له، وبالتالي لا نقع
في معصية مخالفة التكاليف لو اشتغلنا بالأهم.
[17] وهذا المعنى موجود في الشريعة في غير باب ولاية الفقيه. فمثلاً في الشريعة حكم
يتعلق بالملكية الفردية وأنها محترمة فلا يجوز لغير المالك التصرف في ملك الغير لكن
إذا أدّت الملكية الفردية إلى ضرر بآخر يسقط احترامها إن رفض صاحب الملكية رفع
الضرر، ويجوز حينئذ التصرف في ملك الغير بما يرفع الضرر وإن لم يرض صاحب ذلك المال
عملاً بقاعدة لا ضرر ولا ضرار. وفي بعض الأحيان يكون هناك حكم شرعي ملزم لكن قد
يرتفع الإلزام إن كان في الإلتزام به حرج على المكلف.
[18] نظام الحكم والإدارة في الإسلام للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص 458.
[19] لم أعرف ما هو وجه إقحام هذه النظرية وتعريفها على أنها من المباني الفقهية
المعروفة عند فقهاء الشيعة الإمامية والحال أنه لا أظن بوجود شخص آخر غيره من مفكري
الشيعة. حتى أنك ستلاحظ أنه يعترف في كتابه إن قرأته أن الصلاحيات التي جعلها هو
للأمة قد جعلها العلماء الفقهاء ولكنه يعلق عليها أحياناً بالقول: (وإن كان كلام
الفقهاء يوهم ذلك). وأحياناً أخرى يقول: (وإن كانت عبارته وردت في سياق بحثه عن
ولاية الفقيه...). وسيأتي نقل بعض العبارات وتقدم بعضها.
ثم إننا عند نقل آراء العلماء سننقل كلاماً للسيد البروجردي فيه نقل الإتفاق على
أنه لو كان هناك شرعية للحكم في عصر الغيبة فهي للفقيه لا غير.
[20] راجع نظام الحكم والإدارة في الإسلام للشيخ محمد مهدي شمس الدين. ص 447 وما
بعدها. وقوله: (وهذه ليست في أهمية..) يظهر أن فيها خطأ مطبعياً وربما كانت كلمة
(ليست) زائدة، وإلا فلا معنى لذكر الجملة إلا في مقام الدفاع عن نظرية ولاية الفقيه
وليس هذا هو سياق الكلام.
[21] راجع ما ذكره في هامش كتابه ص: 432.
[22] نظام الحكم والإدارة في الإسلام للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص 429 و430. والذي
يجدر قوله أن ليس في الإسلام اصطلاح سلطة إدارية بل كل السلطات الراجعة إلى الحكم
هي من سلطات الحاكم سواء سميناها سياسية أو إدارية أو إجتماعية أو غيرها وهذا ليس
تعدداً في التسميات بقدر ما هو تحديد موارد السلطة الثابتة للحكومة أو للحاكم في
الإسلام.
[23] نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده ج3 ص 82 وشرح الشيخ صبحي الصالح ص 477.
[24] ميزان الحكمة المجلد العاشر ص 738. تحت عنوان أهم ما يجب على الوالي في
ولايته.
[25] ميزان الحكمة ص 741 المجلد العاشر نقلاً عن صحيح مسلم الجزء الثالث ص 1456.
[26] شرح ابن أبي الحديد ج9، ص 10.
[27] بحار الأنوار ج77 ص 128 الطبعة الإيرانية.
[28] نهج البلاغة شرح ابن أبي الحديد ج2 ص 185. وشرح الشيخ صبحي الصالح ص 76 خ 33.
وشرح الشيخ محمد عبده ج1 ص 80.
[29] نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده ج1 ص 84. وشرح الشيخ صبحي الصالح ص 79.
[30] بحار الأنوار ج93 ص 39 الطبعة الإيرانية.
[31] سورة التوبة، الآية: 34.
[32] وسائل الشيعة ج12 باب 49من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.