الباب الرابع: ولاية الأمة على نفسها، وفيه تمهيد وعشرة فصول
ـ الفصل الأول: دليل البيعة.
ـ الفصل الثاني: سيرة الرسول.
ـ الفصل الثالث: دليل الشورى.
ـ الفصل الرابع: السيرة العقلائية.
ـ الفصل الخامس: قاعدة السلطنة.
ـ الفصل السادس: نظرية العقد.
ـ الفصل السابع: خلافة الإنسان.
ـ الفصل الثامن: ولاية عدول المؤمين.
ـ الفصل التاسع: الخطاب في القرآن للأمة.
ـ الفصل العاشر: ملاحظات عامة حول النظرية.
تمهيد: حول النظرية ومنشئها:
ولهذه النظرية تاريخ قديم في الفكر الإسلامي، وكان أنصارها في السابق من أهل المذهب
السني بينما لم يكن لها أنصار من أهل المذهب الشيعي. فمن حين توفي رسول الله ((صلى
الله عليه وآله)) ظهر نقاش غريب، ما كان ينبغي أن يكون، حول أن الرسول (صلى الله
عليه وآله) هل أوصى بولي وخليفة يقوم مقامه في الحكم ويستمر بعده في قيادة الأمة
وهدايتها وصون شريعتها، كما تقول بذلك نظرية النص[1] على الإمامة التي تبناها
المذهب الشيعي أم أنه أهمل هذا الأمر متكلاً على الأمة بدعوى أنها بلغت المستوى
الذي يؤهلها لإدارة شؤونها واختيار من يقودها من غير حاجة إلى تنصيص من رب
العالمين، كما تقول بذلك نظرية أهل السنة عموماً)[2].
وفي الآونة الأخيرة أعني خلال العقدين الأخيرين بدأت تظهر شخصيات من المذهب الشيعي
تنادي بهذه النظرية في خصوص عصر الغيبة الكبرى[3]، والى أن نظرية النص مختصة
بالإمامة فإذا غاب الإمام وكان لا بد من حكم كما تقدم في الباب الأول فالولاية
حينئذ من حقوق الأمة وليست حقاً لأحد عليها، فهي التي تفوض من تشاء بتولي الأمر.
وربما تطرّف بعضهم فمنع من مشروعية إقامة حكومة إسلامية في عصر الغيبة. وربما كان
هناك الأقل تطرفاً حيث قال:
(إنّ الشيعة الإمامية في عصر غيبة الإمام المعصوم (عليه السلام) لا يطرحون المشروع
السياسي للإمامة المعصومة وهم لا يطرحونه منذ إبتداء الغيبة الكبرى وحتى الآن لأن
الإمام المعصوم غائب ومنتظر، إنه الإمام الفعلي (إمام الزمان) ولكنه لا يباشر
السلطة الفعلية وهي معطلة في غيبته فالمشروع السياسي للإمامة المعصومة مشروع
مستقبلي مرهون بإرادة الله تعالى. ولذا لابد أن يكون المشروع السياسي الإسلامي عند
الشيعة منسجماً مع حقيقة كون مشروع الإمامة المعصومة مشروع المستقبل ومنسجماً مع
أصول الإسلام وقواعده على نهج أئمة أهل البيت (عليهم السلام)).
ثم يقول: والمشروع السياسي الإسلامي من وجهة نظر الشيعة الإمامية في العصر الحاضر
له صيغتان:
1ـ صيغة الولاية العامة للفقيه مع عدم الإلتزام بأي دور للأمة.
2ـ صيغة ولاية الأمة على نفسها مع دور محدود للفقهاء.
ثم يذكر أن أدلة ولاية الفقيه منها ما هو لفظي ومنها ما هو عقلي، وأن مصدر الشرعية
في هذه النظرية فيما لو كان الدليل عليها النص هو الله تعالى باعتبار أن ولاية
الإمام المعصوم العامة، التي خولته نصب نائب عام له في عصر الغيبة، هي من الله
تعالى بمقتضى دلالة آية ﴿أولي الأمر منكم﴾. بينما لو كان الدليل عليها العقل فإن
مصدر الشرعية هو حكم العقل الذي يستكشف منه حكم الشرع.
وبعد ذلك يقول: (وأما صيغة ولاية الأمة على نفسها فإن دليل شرعيتها هو الآيات
والروايات الدالة على هذه الولاية من الكتاب والسنة.
ومصدر الشرعية المباشر هو الله سبحانه وتعالى، حيث أن المدعى هو أن الله تعالى قد
جعل للأمة الولاية على نفسها في حال عدم حضور المعصوم نبياً أو إماماً مع الإلتزام
باستمرار مرجعية الإمامة المعصومة على مستوى التشريع من خلال عملية الإجتهاد التي
يمارسها الفقيه على النهج الذي وضعه الأئمة المعصومون وفصله الفقهاء والأصوليون
وعلماء الحديث)[4].
ولا أريد أن أعلق كثيراً على ما نقلناه لكنني لم أجد معنى لإقحام كلمة (مع عدم
الإلتزام بأي دور للأمة). لأنه إن كان المراد أنه لا دور لها أصلاً في النظام
الإسلامي القائم على نظرية ولاية الفقيه فهذا لا تدل عليه الصيغة المذكورة، وإن كان
المراد أنه لا دور لها في تعيين الولي فقد تقدم أن لها دوراً في ذلك، وإن كان
المراد أنه لا دور لها في مواصفات الولي وشروطه وفي إعطاء الشرعية فهذا مما ينبغي
الإلتزام به على كل حال مهما كانت نظرية الحكم عندنا كما سنبين.
كما أننا نتحفظ حول ما أعلنه في بداية كلامه من أن الشيعة لا يطرحون المشروع
السياسي للإمامة المعصومة. وليس منشأ التحفظ هو المدلول المباشر لهذه العبارة بل ما
يوحي به كلامه من كون المشروع الذي يحمله الشيعة منفصلاً عن المشروع السياسي
للإمامة المعصومة، وهو ما صرح به في موضع آخر على ما سنذكره في بحث وحدة الولاية
وتعددها.
ونحن إن كنا نؤمن بأننا غير قادرين في عصر الغيبة على تحقيق المشروع السياسي
للإمامة المعصومة، ونؤمن بأن ما نطرحه من نظريات إنما هي حلول مؤقتة حتى يظهر
الإمام (عليه السلام) ملاحظين حقيقة أن مشروع الإمامة المعصومة مرهون بظهور الحجة
(عليه السلام) وهو أمر مستقبلي، ولذا لن نستغني عن الحجة (عليه السلام) في أي زمان
من الأزمنة وسنرفض أي مقولة تجعلنا نستغني عنه (عليه السلام)، كما لو قيل مثلاً أنه
يجب أن يكون الفقيه معصوماً أو مسدداً من الله تعالى في كل حركاته. لكننا مع ذلك لا
نوافق على أن مشروع الشيعة منفصل عن ذلك المشروع الأم بل هو مشروع منبثق عنه يتحرك
في إطاره ويدور في فلكه فكيف يكون منفصلاً.
والمظنون أن نظرية ولاية الأمة على نفسها إنطلقت لدى بعض هؤلاء من خلفية فكرية
خاطئة وتأثرت بأفكار مستوردة إلتقاطية، لأنك تشعر وأنت تسمع لكلامهم أنهم قد حسموا
الأمر سلفاً ولم يستحسنوا ولاية الفقيه لسبب ما فرفضوها قبل النظر في الأدلة. وإنما
نظروا في أدلة ولاية الفقيه إنطلاقاً من هذه الخلفية، حتى أنهم رفضوا الدليل العقلي
المتسالم عليه لدى جميع العلماء على ما تقدم وسيأتي أيضاً.[5]
وعلى كل حال فالخلاف خلافان: أحدهما خلاف بين السنة والشيعة حول النص وعدمه. والآخر
خلاف بين الشيعة أنفسهم فيما يتعلق بعصر الغيبة.
نحن وإن لم نكن في صدد المناقشة في الخلاف الأول فهذا مما انعقد له بحث طويل في علم
الكلام[6]، لكننا ربما اضطررنا لمناقشة بعض من ذلك. إلا أن التركيز سيكون حول
الخلاف الثاني الذي أثير متأثراً كما أشرنا إليه، وصار أصحابه يفتشون عن دليل
لرأيهم (بالسراج والفتيلة) كما يقال.
التوجيه النظري لنظرية ولاية الأمة على نفسها:
ثم إن من طرح هذه النظرية طرحها بدعوى عدم وجود نص يدل على ولاية الفقيه وأن دليلها
يمنع من إجراء دليل الحسبة، أو أن دليل الحسبة لا يجري أساساً لإثبات ولاية الفقيه.
وربما يرتكز عدم جريانه عندهم على المقدمة الرابعة من مقدمات دليل الحسبة، فيقولون:
إنّ الأمر لا يدور بين احتمالين بل هناك احتمال آخر وهو أن تكون الولاية للأمة
وشرعية الولاية بيدها ولها اختيار من يمثلها وينفذ إرادتها، وأن تشرع لنفسها نظامها
الخاص باعتبار أن الأمر أمرها. وما لم يتم نفي هذا الإحتمال لن يتم دليل الحسبة.
وإذا أخذ هذا الإحتمال بعين الإعتبار اختلفت النتيجة. لأن ولاية الفقيه وإن كانت
قدراً متيقناً عند دوران الأمر بين الإحتمالين الذين أشير إليهما في دليل الحسبة،
لكن عند صيرورة الإحتمالات ثلاثة تخرج عن كونها قدراً متيقناً ويصير الأمر دائراً
بين متباينين. وحينئذ كما أن ولاية الأمة على نفسها تحتاج إلى دليل فكذلك ولاية
الفقيه على الأمة، وليس من قدر متيقن بينهما فإن لم يمكن ترجيح أحدهما وجب الجمع
بين الأمرين.
وربما يقولون إن هناك دليلاً يرجح ولاية الأمة على نفسها، ومع جريانه يمتنع جريان
دليل الحسبة.
وهذا الباب منعقد لبيان الوجوه التي يمكن أن يستند إليها للترجيح المذكور. وسنناقش
هذه الوجوه كل وجه في فصل خاص به، مع رعاية الإختصار حيث أمكن. فإن بعض الوجوه قد
ألف فيها الكتب، وربما تحتاج إلى مثلها ليكون الرد تاماً.
وسنختم هذا الباب بفصل نناقش فيه النظرية عموماً، ونبين جريان دليل الحسبة لإثبات
حق السلطة للفقيه حتى مع وجود الإحتمال الثالث.
الفصل الأول: البيعة
تمهيد:
اعتنى بنظرية البيعة بعض الذين كتبوا في ولاية الفقيه وأرادوا إثبات قيمتها، وذهبوا
إلى أنها من طرق إنشاء الولاية وعقدها. وربما بالغ بعض من كتب في هذا الموضع وجعل
البيعة مما تتوقف عليه ولاية ولي الأمر وإن كان معصوماً. وقد حاول البعض جعل قضية
البيعة من أدلة ولاية الأمة على نفسها.
معنى البيعة:
نقل عن أبن الأثير في نهايته: (وفي الحديث أنه قال: ألا تبايعوني على الإسلام. هو
عبارة عن المعاقدة عليه والمعاهدة، كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه
خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره)[7].
قال ابن خلدون في مقدمته: (فصل في معنى البيعة: اعلم أن البيعة هي العهد على
الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين
ولا ينازعه في شيء من ذلك ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره.
وكانوا إذا بايعوا الأمير عقدوا عهده وجعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد فأشبه ذلك
فعل البائع والمشتري فسمي بيعة مصدر باع، وصارت البيعة مصافحة بالأيدي. هذا مدلولها
في عرف اللغة ومعهود الشرع وهو المراد في الحديث في بيعة النبي (صلى الله عليه
وآله) ليلة العقبة وعند الشجرة وحيثما ورد هذا اللفظ)[8].
وقال العلامة الطباطبائي: (البيعة نوع من الميثاق ببذل الطاعة. والكلمة مأخوذة من
البيع بمعناه المعروف، فقد كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا إنجاز البيع أعطى البائع
يده للمشتري، فكأنهم كانوا يمثلون بذلك نقل الملك بنقل التصرفات التي يتحقق معظمها
باليد إلى المشتري بالتصفيق، وبذلك سمي التصفيق عند بذل الطاعة بيعة ومبايعة وحقيقة
معناه إعطاء المبايع يده للسلطان مثلاً ليعمل به ما يشاء)[9].
فلنرى إلى أي حد تصلح البيعة لإنشاء ولاية في الشريعة الإسلامية. وهل حقاً كان رسول
الله (صلى الله عليه وآله) محتاجاً لها لحكمه وولايته.
أدلة القول بالبيعة:
الدليل الأول:
الإستدلال بسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام). وملخصه
وفق ما استدل به صاحب دراسات في ولاية الفقيه: (أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله)
وإن كان ولياً من قبل الله تعالى حتى وإن لم تبايعه الأمة ولم تسلم له بذلك وكذلك
إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده (عليهم السلام)، حسب النظرية الإسلامية
الشيعية في مسألة الحكم والخلافة. ولكن لما ارتكز في أذهان الناس على حسب عادتهم
وسيرتهم ثبوت الرئاسة بتفويض الأمة وبيعتهم، وكانت البيعة أوثق الوسائل لإنشائها
وتنجيزها في عرفهم طالبهم النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك لتحكيم ولايته خارجاً.
فإن تمسك الناس بما عقدوه بأنفسهم والتزامهم بوفائه واحتجاجهم به أكثر وأوثق
بمراتب.
وعلى هذا فإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وإن تحققت عندنا بتعيين من الله تعالى
أو من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكن لما كان إنشاؤها وجعلها من قبل الأمة
بالبيعة مما يوجب تأكدها في النفوس واستسلام الناس لها خارجاً وإمكان الإحتجاج بها
أخذ له رسول الله (صلى الله عليه وآله) البيعة رغم التعيين. وفي سورة الفتح أطلق
على البيعة عهد الله، حيث قال: ﴿ومن أوفى بما عاهد عليه الله﴾[10].
ويكمل هذا البعض كلامه ليستخلص أن البيعة مما تتحقق بها الولاية إجمالاً. ولو لم
يكن لها أثر في تثبيت الإمامة وتحقيقها فلم طلبها رسول الله (صلى الله عليه وآله)
لنفسه ولأمير المؤمنين (عليه السلام)، ولم كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يصر
عليها في بعض الموارد، ولم يبايع صاحب الأمر (عليه السلام) بعد ظهوره بالسيف
والقدرة.
ثم يضيف بأن القول بأن البيعة لتأكيد النصب يرجع إلى ما تقدم أيضاً. إذ لو لم يكن
يترتب عليها تحقيق الإمامة لم تكن مؤكدة، فإن الشيء الأجنبي عن الشيء لا يؤكده.
وإنما يطلق المؤكد على السبب الوارد على سبب آخر يشاركه في التأثير). إنتهى كلام
هذا البعض[11].
وهذا الكلام وإن ساقه على تقدير عدم النص على ولاية الفقيه لكن خطورته أنه انطلق من
موارد وجود النص أي النبوة والإمامة فاعتبر البيعة من الأسباب الشرعية الحقيقية
لتأكيد ولاية الرسول والأئمة (عليهم السلام). وأن ولايتهم محتاجة لها وإن لتأكيد
منصبهم.
مناقشة الإستدلال:
أولاً: لم يثبت كون البيعة سبباً شرعياً لإثبات ولاية شخص ما سواء كان هذا الشخص
معصوماً أم لا. ومجرد أن البعض يعتبر البيعة مؤكدة للولاية لا يكفي لاستنتاج أن
البيعة سبب لها، لأن لفظ البيعة وإن ورد في الكتاب الكريم وسنة المعصومين (عليهم
السلام) لكن هذا التعبير ـ أعني كونها مؤكدة ـ لم يرد فيهما حتى نحقق في كيفية حصول
التأكد ونرتب النتائج.
ثانياً: إن البيعة على التفسيرات المتقدمة تتوقف قيمتها على إثبات أن من حق الأمة
أن تولي على نفسها من تشاء، فلو ثبت شرعاً أن الأمة لا تملك مثل هذا الحق لانتفت
البيعة بالمعنى المتقدم، ولم يصح جعلها واسطة ثبوتية في ثبوت ولاية الولي.
ثالثاً: البيعة حسبما نفهمه من موارد استعمالاتها في الكتاب الكريم والسنة، وخاصة
إذا لوحظت بالنسبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أو الأئمة المعصومين (عليهم
السلام)، هي فعل يتصف بصفة الوجوب ويكون محلها متأخراً عن ثبوت حق الطاعة للشخص
المراد عقد البيعة له. لا أنه قبل البيعة لا يكون له حق طاعة وولاية ثم بالبيعة
يصير صاحب هذا الحق.
وبعبارة أخرى هي واجبة وجوباً شرعياً، وليست عقداً أو موضوعاً لحكم معاملاتي يترتب
عليه أثر وضعي. وإذا كانت البيعة كذلك فلا تكون طريقاً لتعيين الولي ولا لتأكيد هذا
التعيين، بل لابد من طريق آخر له وهو بالنسبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)
نبوته وبالنسبة للأئمة (عليهم السلام) إمامتهم الثابتة بالنصوص والأدلة المذكورة في
علم العقيدة. وبعد معرفة الولي يأتي حكم تكليفي على جميع المكلفين بوجوب مبايعة هذا
الولي. فليست البيعة في هذه الحال أمراً مباحاً للمكلف يستطيع أن يفعله أو لا
يفعله.
وعلى هذا يجب ـ لو أردنا أن نربط بين البيعة والحكم ـ تفسير البيعة بتفسير آخر غير
التفسير المتقدم، بأن نقول إن معنى البيعة هو إعلان التسليم لأمر الولي وليس إنشاء
ولاية. وهذا الذي ذكرناه يوافق ما نقلناه عن العلامة الطباطبائي في تفسير البيعة.
وبناء عليه يمكن القول أن البيعة بذاتها غير واجبة من حيث الشكل بل الواجب هو أن
يضع الإنسان نفسه في تصرف الولي، فإن فعل ذلك كفى ذلك في تحقيق البيعة ولا تحتاج
إلى إنشاء جديد. وإن كان هناك إصرار على ضرورة الإنشاء نقول يكفي الإنشاء الفعلي
كما يكفي الإنشاء اللفظي. ولكن لا يترتب أثر على هذا الإنشاء، لأن من أطاع الولي
كان مثاباً ولا عقاب عليه سواء بايع أم لم يبايع، وإن لم يطع استحق العقاب سواء
بايع أو لم يبايع.
رابعاً: أما ما ورد في الأسئلة التي يراد من خلالها إستنتاج أن البيعة سبب مستقل
لإثبات الولاية، فيمكن الإجابة عنها بدون أن ينحصر الجواب بما أراد المستدل
إستخلاصه:
أما لماذا طلبها الرسول (صلى الله عليه وآله) لنفسه فربما لأنه كان في بداية الدعوة
للإسلام، وكان على القوم أن يعرفوا ما هو الذي ينتظرهم وهم في بداية الطريق، فكان
يريد أن يعرف من الذي سيلتزم معه ومن لن يلتزم. ولم يكن يهدف من البيعة إثبات
ولايته عليهم حتى يستفاد من فعل الرسول (صلى الله عليه وآله) أن البيعة من مثبتات
الولاية.
أما لماذا طلبها النبي (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) فأمره
واضح، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) أراد من البيعة أن تكون وسيلة لترسيخ فكرة
تعيين الإمام (عليه السلام) ولياً، فإن اقتران إعلان الولاية بالبيعة يجعل الحادثة
ملتصقة في الأذهان أكثر. وليس في هذا ما يدل على أنها وسيلة شرعية لإثبات الولاية
لا تأسيساً ولا تأكيداً. ولو كان لها أثر على مستوى التأكيد فهو بمعنى آخر يأتي غير
المعنى الذي ذكره المستدل.
أما إصرار الإمام علي (عليه السلام) عليها فهذا لا أدري من أين أتى به، وإنما أصر
القوم على إعطائه البيعة لا أنه أصر على طلبها.
خامساً: لماذا لا نعتبر البيعة مؤكدة لإلتزام الناس بالولاية وليست مؤكدة للولاية.
والفرق بينهما أننا إن اعتبرنا البيعة مؤكدة لإلتزام الناس تكون البيعة سبباً لهذا
الإلتزام، ويكون الناس قد ألزموا أنفسهم بما ألزمهم به الله تعالى وهذا تأكيد له.
أما لو اعتبرناها مؤكدة للولاية لوجب أن نعتبر سببية بينها وبين إثبات الولاية،
ويصح حينئذ ما ذكره المستدل، مع الغض عن المناقشات السابقة. وليس في الأدلة ما يدل
على أن البيعة تكون سبباً بالنحو الثاني بل الظاهر أنها لو كانت سبباً فهي سبب
بالنحو الأول، وربما كان هذا أحد أوجه طلب الرسول البيعة لنفسه ولأمير المؤمنين
(عليه السلام).
ويكون طلبها لأن المتعارف عليه في تلك الأزمنة إعتماد البيعة لإعلان التزام الناس
بالطاعة. وإنشاء هذا الإلتزام أو تأكيده لا ربط له بثبوت الولاية أو تأكيدها. فلو
فرضنا أن الإمام المعصوم (عليه السلام) سيطلبها سيكون معنى ذلك أنه (عليه السلام)
سيطلب إلتزام الناس بولايته، إذ من لن يلتزم سيحاربه الإمام (عليه السلام) وليس
معنى ذلك أنه يطلب تثبيت ولايته فهذا مما لا ينبغي أن يقول به طالب علم فضلاً عن
عالم.
الدليل الثاني: الروايات الواردة في البيعة:
وقد يستدل على مشروعية البيعة بالإضافة إلى ما تقدم بجملة من الروايات الواردة في
نهج البلاغة وغيره:
منها: قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لما أردوا بيعته بعد قتل عثمان: (دعوني
والتمسوا غيري واعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب
العاتب وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم وأنا لكم
وزيراً خير لكم مني أميراً)[12].
استظهر البعض من هذا الكلام أن الأمر أمر المسلمين وأن ولايته بأيديهم.
رد الإستدلال:
أولاً: لو كانت البيعة مظهراً لولاية الأمة على نفسها لكانت شروطها هي النافذة،
بينما الإمام (عليه السلام) يصرح بأنه سيسير بطريقة لن يهتم بعدها باعتراضاتهم.
ثانياً: لو افترضنا أنه (عليه السلام) قال هذا الكلام نقول: إن الأمة عندما أقبلت
على الإمام (عليه السلام) لم تقبل عليه بصفته الأساسية وهي الإمامة المجعولة من قبل
الله تعالى. بل أقبلوا عليه وفي نفوس بعضهم أن لهم المنة عليه أن اختاروه لهذا
المقام، وفي ظنهم أنه (عليه السلام) متلهف له مستعجل إليه.
والإمام (عليه السلام) في تلك المرحلة من الزمن لم يكن يكثر من المطالبة بحقه
الشرعي الذي هو حق الله على الأمة، عملاً بمقالته التي أطلقها (لأسالمن ما سلمت
أمور المسلمين)، وصار يماشي القوم في ما تبانوا عليه من أن الأمر أمرهم يختارون من
يرونه مناسباً لتولي الحكم فيهم. والذي قاله الإمام (عليه السلام) في هذه الرواية
ناشئ من هذه الخلفية، وليس من خلفية أنه عليه السالم مقتنع بأن الأمر أمرهم فإن هذا
معناه أنه غير محق في مطالبته السابقة، وكيف يمكن أن يقدم الإمام (عليه السلام) مثل
هذا الإقرار.
فلولا النصوص اليقينية والأدلة القطعية الدالة على أحقية الإمام (عليه السلام)
بالخلافة من غيره لكن بالإمكان أن نستفيد من هذه الأخبار وأمثالها الواردة في نهج
البلاغة ما أراد المستدل أن يثبته. ولكن تلك النصوص القطعية تشكل قرينة على أن
الأمر ليس كذلك. وتمام البحث في تلك النصوص والأدلة في علم الكلام.
ومما يدلك على أن الإمام (عليه السلام) كان يلزم الناس بما ألزموا به أنفسهم وكان
يماشيهم، وأنه لم يكن أبداً في صدد إمضاء وإعطاء شرعية للبيعة قوله (عليه السلام)
في نهج البلاغة:
(أما والله لقد تقمصها فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى.. فسدلت
دونها ثوبا وطويت عنها كشحاً وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية
عمياء.. فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا، أرى
تراثي نهبا حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده.. فيا عجبا بينا هو
يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشد ما تشطرا ضرعيها.. فمُني الناس لعمر
الله بخبط وشماس وتلون واعتراض فصبرت على طول المدة وشدة المحنة حتى إذا مضى لسبيله
جعلها في جماعة زعم أني أحدهم فيا لله وللشورى متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم
حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر لكني أسفت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا)[13].
وما قال الإمام (عليه السلام) هذا الكلام إلا للإشارة إلى أن حق الله تعالى على
الأمة هدر وضيّع، وليس تحسراً على حق شخصي أو مطمع في سلطة.
منها: ما في نهج البلاغة أيضاً من قوله (عليه السلام) في كتاب له لمعاوية:
(إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه فلم يكن
للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار فإن اجتمعوا
على رجل وسمّوه إماما كان ذلك لله رضا فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى
ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى.. إلى
أن يقول: واعلم انك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا المشورة)[14].
جواب الإستدلال:
إنّ هذا الكلام، لو فرضنا وروده عنه (عليه السلام)، إنما أورده الإمام (عليه
السلام) في كتاب له إلى معاوية يحتج له بها على انعقاد خلافته، وأنه لا يجوز
لمعاوية النكوص عنها والخروج عن طاعة الإمام (عليه السلام). ومن الواضح أن معاوية
لا يؤمن بالنص فلا سبيل للإحتجاج عليه إلا بما يؤمن به أو بما لا يمكنه الفرار منه،
ولذا بدأ الإمام (عليه السلام) بقوله: (وإنما بايعني الذين بايعوا..) الذي يعني أنه
ليس لك عذر في التخلف عن حكمي كما ألزمت نفسك بمن سبقني.
ولو لاحظنا نهاية ما أوردناه من كلامه (عليه السلام) لاتضح المقصود بشكل أفضل.
فالإمام عليه السالم يستدل على مقصوده من ردع معاوية عن التخلف وعن التمرد. فيخاطبه
بأن الذي بايعني هم من لهم حق الشورى في نظرك، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار،
وهؤلاء قد بايعوا. أما أنت فلست من الأنصار ولا من المهاجرين، لأنك كنت أسيراً يوم
فتح مكة ولا هجرة بعد الفتح فليس لك إلا أن تطيع.
فليس الإمام (عليه السلام) في مقام تأسيس قاعدة شرعية يعمل بها في تعيين الحكام،
لأننا نعلم بالقطع واليقين أن ليست هذه هي قناعة الإمام (عليه السلام) كما ورد في
نهج البلاغة نفسه. ولأن فيه إلغاء للنص على ولاية الإمام (عليه السلام)، ولا يمكن
أن يصدر عنه (عليه السلام) ما يلغي تلك النصوص القطعية ولو بالقطع الإجمالي.
ومنها: ما رواه الصدوق في عيون أخبار الإمام الرضا (عليه السلام) عن الرضا (عليه
السلام) بإسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (من جاءكم يريد أن يفرق
الجماعة ويغصب الأمة أمرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه)[15].
فقد استظهر البعض من إضافة الأمر إلى الأمة كون اختيارها بيدها.
رد الإستدلال:
أولاً: أن الرسول (صلى الله عليه وآله) يتحدث عمن يغصب الإمام علي (عليه السلام)
حقه في الخلافة لأنه أمرهم (عليهم السلام). والتعبير بأمر الأمة لا يتنافى معه،
لأنه أمرها أيضاً وحقها على الإمام (عليه السلام)، وبالتالي لا يجوز لأحد أن يغصبه.
والغصب يتحقق عندما يتصرف في حق الأمة من دون إذن صاحب الحق أي الله تعالى. وأين
هذا من كون أمر الأمة بيدها بمعنى أن اختيارها بيدها في مقابل نظرية النص، إذ لو صح
هذا المعنى فلازمه أنه حتى ولاية الإمام (عليه السلام) تتوقف على أن تختار الأمة
ذلك ولا يقول به المستدل ولا يجوز أن يقول به أحد.
أما قوله (صلى الله عليه وآله): (ويتولى من غير مشورة) فيكون المقصود منه، بناء على
ما ذكرناه وبناء على نظرية النص في الإمامة، هو عدم جواز أن يتولى أحد أي قسم من
بلاد المسلمين بدون تولية من الإمام، فإن من يفعل ذلك يكون في صدد فصل هذا القسم عن
الأمة وإحداث الفرقة في المسلمين. فمعنى يتولى من غير مشورة أنه يتولى من غير أن
يشير عليه بذلك ولي الأمر العام.
ومنها: ما ورد في كتاب الإمام الحسين (عليه السلام) لأهل الكوفة عندما أرسل مسلماً:
(وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل فإن كتب إليّ أنه قد
اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم
فإني أقدم إليكم وشيكا)[16].
وقد رأى البعض في هذا الكتاب دلالة على انعقاد الولاية بالبيعة.
رد الإستدلال:
إنّ الإمام لم يربط بين الإمامة وبين اجتماع الرأي عليه بل ربط بين الإجتماع وقدومه
عليهم، لأنه إذا اجتمع الرأي يكون التكليف منجزاً في حق الإمام (عليه السلام) وإذا
رفضت الناس طاعة الإمام يصبح قيامه بالمهام أمراً غير مقدور، لا أن ولايته تكون
ساقطة أو ناقصة.
وهناك روايات أخرى ذكرت في هذا المجال نقتصر على ما نقلناه، ففي ما ذكرناه من جواب
كفاية على كل حال إن شاء الله المتعال.
بقي الكلام في الآيات الواردة في البيعة ولنا عود إليها في الفصل التالي.
خلاصة:
لا نستطيع أن نعتبر البيعة وسيلة لإنشاء ولاية للحاكم لا على سبيل التأسيس ولا على
سبيل التأكيد. ولو أريد بالبيعة الإنتخاب بالمعنى المتقدم فلا مانع لدينا من
الإلتزام بها في غير النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام). لكن
الإنتخاب بالمعنى المتقدم لا ينسجم مع تعريفهم للبيعة إذ لا يتوقف على الإنتخاب لا
صلاحية الفقيه الجامع للشروط ولا فعلية ولايته بناء على ما قويناه من اشتراط أن
يكون الولي هو الأفضل من بين جميع من توفرت فيهم الصفات.
الفصل الثاني: سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله)
ثم إني قد وجدت لدى بعضهم كلاماً غريباً عجيباً لم أتمكن من حمل صاحبه على أي محمل
حسن، ولا أن أطمئن إلى سلامة الخلفية التي انطلق منها صاحب الكتاب، ويجعلك ترجح
بأنه لا يريد إلا الإفتراء على الإسلام باسم الإسلام حتى إنه يعتبر من يخالفه
بالرأي إرهابياً...
لقد ذكر هذا الرجل في كتابه كلاماً طويلاً أذكر تلخيصاً له:
يعتبر صاحب الكتاب أن الدولة عقد اتفاقي وليست أمراً إلهياً، مستدلاً على ذلك ببيعة
العقبة الكبرى التي قرأها بطريقة أن فريقين أحدهما رسول الله (صلى الله عليه وآله)
ومن معه والآخر الأنصار تفاوضا على إجراء عقد بينهما، هذا يقدم الطاعة والنصرة لذاك
وهذا يقدم بديلاً عنه. ليستنتج من ذلك جملة نتائج:
منها: رفض كون الدولة أمراً إلهياً وتشريعاً دينياً. ومن هنا اعترض على قول الشيعة
بإمامة الأئمة الإثني عشر باعتبارها إرادة إلهية.
ومنها: أنه لا اندماج بين العقيدة الإسلامية والدولة الإسلامية، بدليل وجود مسلمين
مع عقائدهم في دولة غير إسلامية ووجود غير مسلمين في دولة إسلامية. وهذا يعني
استقلال العقيدة الإسلامية وانفصالها عن دولة المسلمين، وأن الدولة هي الدولة سواء
كانت إسلامية أم غير اسلامية.
ثم يكشر هذا الكاتب عن أنيابه حين يقول: (بأن الرسول أبقى كل ملك أو أمير أو وال في
مملكته وولايته وأمارته، وأن العلاقة بين الرسول وهؤلاء لم تكن علاقة مركزية، بل
كان أولئك مستقلين في إدارة شؤون بلادهم غير ملزمين بالرجوع إليه (صلى الله عليه
وآله) ولا بالإنقياد لأوامره، لأنه لم يكن يترتب على الدخول في الإسلام الإندماج
العضوي في الدولة الإسلامية أي يثرب. وأن علاقة الرسول (صلى الله عليه وآله) بمسلمي
تلك البلاد كانت مختلفة عن علاقته بالقبائل التي كانت تأتي باختيارها إلى رسول الله
(صلى الله عليه وآله) للإلتحاق بدولته وتفويضه صفة القيادة وتنظيم أمور مجتمعها.
وأن من لم يقدم هذا التفويض غير ملزم بالإنقياد لرسول الله (صلى الله عليه وآله)
وإطاعة أوامره).
فليس في الإسلام، عند هذا الشخص، سوى أحكام تجب رعايتها على المسؤولين في الدولة،
وأما من هو الحاكم فهذا ما لم يتدخل فيه الإسلام، حتى الرسول ليس له حق الطاعة إن
لم يعط هذا الحق من قبل الناس.[17]
ولقد يحلو لبعض الخلق إذا ما أراد أن يبدي نظرية غريبة أن يبدأ بتطبيقها على رسول
الله (صلى الله عليه وآله) فيتجرأ على الله والإسلام والرسل من حيث يشعر أو لا
يشعر، وينقاد لتبرير نظريته إلى النيل من شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله)
وعظمتها في الإسلام والمسلمين وأحياناً يكون هذا هو المقصود.
مناقشة الكلام السابق:
وعلى كل حال فإن كل ما ذكره ذلك الكاتب مطعون فيه مخالف للقرآن الكريم:
1ـ أما حديثه عن العقد والتفويض فسنؤجل الكلام فيه إلى فصل لاحق.
2ـ أما حديثه عن بيعة العقبة فهو خطير، لأنه ينطوي على مقولة أن الإلزام الإلهي
بالإسلام يتوقف على البيعة فيكون أمراً اختيارياً للناس. لأن ما جرت عليه البيعة
يوم العقبة هي بيعة الدخول في الإسلام. فكان الأحرى أن يستدل بهذه البيعة على تلازم
الإسلام مع بناء الدولة.
ثم كيف استنتج أن بيعة العقبة تدل على عدم كون الدولة أمراً إلهياً، أم أن الكاتب
يرى قبل أن يقرأ ويبحث أن الناس يحق لها أن لا تبايع الرسول حتى وإن دخلت في
الإسلام. وهل أن الله تعالى لم يأمر نبيه بتشكيل الدولة وقيادتها وهل تنافي بيعة
العقبة أن يرد نص إلهي يلزم الناس ببيعة الأئمة (عليهم السلام).
أما قوله أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يترك كل أمير على أمارته وكل ملك على
مملكته وكل وال على ولايته، فلست أدري كيف استنتج الكاتب من ذلك انفصام العلاقة
السياسية مع الرسول (صلى الله عليه وآله)، أم أن الكاتب يرى أن إبقاء الرسول لهم
على مواقعهم ليس تعيينا من قبله لهم في ذلك الموقع. ثم كيف يفسر وحدة الأمة
الإسلامية في زمن الخلفاء وتعيين الولاة، ولم لم يظهر عبقري كهذا الكاتب ليحتج على
الخلفاء بأن يدعوهم وشأنهم في إدارة بلادهم.
وأما قوله بانفصام العقيدة الإسلامية عن الدولة الإسلامية، فلم يذكر لذلك ما يصلح
أن يكون دليلاً. وإنما قال بأنه يمكن التفكيك بينهما من خلال وجود عقيدة إسلامية
بغير دولة إسلامية، وشمول الدولة الإسلامية لغير المعتقدين بالإسلام. لكنه لم يبين
إمكانية وجود دولة إسلامية لا تنطلق من عقيدة إسلامية. ثم ما هو معيار تسمية دولة
بأنها إسلامية فإن كان المراد تطبيق أحكام الإسلام فيها فإن الأحكام تنطلق من
العقيدة. وإن كان المراد شيئاً آخر فليبينه.
ثم إن هذا الكاتب ذكر في كتابه أن الدستور الذي عمل به رسول الله (صلى الله عليه
وآله) في المدينة كان دستوراً تعاقدياً وليس دستوراً إلهياً.
وهذا غريب فهل قرأ في التاريخ أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان قد أجرى إستفتاء
حول الدستور والنظام الذي يحكم المسلمين في واقعهم الداخلي وفي علاقاتهم السياسية.
فلست أدري من أين وصف الدستور الذي سماه بصحيفة المدينة بأنه تعاقدي. والحال أنه لو
كان له جهة تعاقدية فهو في ما يرتبط بالعلاقات مع اليهود ولابد أن يكونوا طرفاً في
تقرير ما ينظم العلاقة بينهم وبين المسلمين.
كما أن عقد الصلح الذي أجراه الرسول (صلى الله عليه وآله) مع المشركين يوم الحديبية
كان له صفة تعاقدية، لأن الطرف الثاني كان المشركين. ومع ذلك يحاول هذا الشخص أن
يستدل بصلح الحديبية على أن الدولة الإسلامية في المدينة شأن تعاقدي بين الرسول
والمسلمين. علما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستشر المسلمين في عقد الصلح
بل إن بعضهم ممن يعرفهم الكاتب قد اعترض على الصلح، وقد أنزل الله تعالى في الصلح
قرآناً يدل على أن ما فعله الرسول كان إلهياً. وكل أفعاله (صلى الله عليه وآله)
كذلك بنص القرآن﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
و﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى
وَالْبَصِيرُ﴾[18].
والكلام كثير نقتصر منه على هذا المقدار لأن كتابنا لم ينعقد لمناقشة أمثال هذه
الأفكار لكن لم يوافقني عقلي على أن أغض النظر عنها.
نظرة في الآيات التي تحدثت عن البيعة.
لقد تحدث القرآن عن البيعة في مواضع كثيرة وكلها تشير إلى المعنى الذي ذكرناه لا ما
ذكروه.
فمن هذه الآيات: قوله تعالى في ما أنزله يوم الحديبية: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ
الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي
قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا
قَرِيبًا﴾[19].
ومنها: قوله تعالى في نفس المناسبة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا
يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا
يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ
فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[20].
ومنها: قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ
أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ
وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[21].
إنّ الذي نفهمه من هذه الآيات أن مورد البيعة الدخول في الإسلام أو الجهاد ونحوه من
الموارد التي تتطلب توطين النفس البلاء. ولا تدل الآيات على أن البيعة هي التي تسبب
الإلزام في رقبة المبايع، وإلا فما معنى أن تبايع النساء على ترك الشرك وترك
المنكرات والمحرمات. فهل إن الإلزام بترك الشرك يتوقف على البيعة أم أن الإلزام
بترك السرقة يتوقف عليها.
ثم إن الله تعالى اعتبر أن بيعة الرسول هي بيعة لله تعالى، فهل يحق لأحد أن يقول إن
ولاية الله تعالى نشأت من بيعة الناس بحيث لولاها لكان الناس أحراراً في أن يطيعوا
الله أو لا يطيعوه. وهل يحق لأحد أن يقول إن ولاية الله تعالى تأكدت بهذه البيعة.
ثم أين أصبح قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنفُسِهِمْ﴾[22]وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا
قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ
أَمْرِهِمْ﴾[23]. والتعبير بـ (قضى) يدل على أن الموضوع ليس موضوعاً تشريعياً بل
موضوعاً حكومياً. فهل هاتان الآيتان وأمثالهما مختصة بمؤمني المدينة لا تعم
المؤمنين المنتشرين في الأقطار.
وأين أصبح قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾[24].
فلو اختلفنا في من هم أولي الأمر، فلا مجال للإختلاف في وجوب طاعة الرسول طاعة
مطلقة من دون توقف على رضانا. وعلى الأقل هذا ما نصت عليه الآية المباركة إن لم يكن
العقل كافياً للحكم بذلك. وهي لم تحدد الطاعة الواجبة بمورد دون مورد بل هي شاملة
لجميع الموارد، ومع ذلك كيف يحلو لبعض الخلق أن يدعي أن طاعة الرسول لا تجب إلا على
من بايع.
والخلاصة:
إننا لا نفهم من آيات البيعة إلا ما جاء في آية أخرى تحدثت عن بيع وشراء بين الله
تعالى وعباده المؤمنين: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ
وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ
بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[25].
الفصل الثالث: نظرية الشورى
وقد يطرح بحث الشورى كدليل على ولاية الأمة على نفسها، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لم
يكن هناك وجه للشورى في تعيين الولي واختيار النظام.
لكن لو تأملنا في كل الأدلة التي قد تذكر للشورى، فلن نصل إلا إلى النتيجة القائلة:
(يستحسن للولي أن يستشير). وإن كان قد تجب الإستشارة على الولي غير المعصوم. لكن
هذا الوجوب لم يأت من هذه الآيات كما سيأتي.
أدلة الشورى: قد يستدل للشورى بآيتين من القرآن وهما:
الآية الأولى:
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا
غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ
إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾[26].
والإستدلال بهذه الآية على لزوم الشورى يتوقف على أن يكون قوله تعالى ﴿وشاورهم﴾
للوجوب.
ولنا حول هذا الإستدلال ثلاثة مناقشات:
المناقشة الأولى:
إنّ الآية لا دخل لها بما ذهب إليه صاحب النظرية. ولا ربط لها بقضية أن الوالي
يكتسب ولايته من الناس، ولا بقضية أن طبيعة النظام وشكل الحكام مأخوذ من الناس. وهي
في أقصى الأحوال تدل على لزوم الإستشارة على الوالي، ولا ملازمة بين الأمرين. لأن
كون الحكم عن شورى أو كون النظام عن شورى أو كون الولاية نتيجة الشورى، يعني أنه لا
يحق لأحد أن يتولى من غير رضا الأمة ولا أن يتفرد بالقرار، وأن يكون القرار لمجموع
أعضاء الشورى أو للأكثرية منهم. ولكن الآية أمرت فقط بأن يستشير الرسول (صلى الله
عليه وآله) ولم تشترط في القرار أن يصدر عن هذه الشورى.
المناقشة الثانية:
أن في الآية قرينتين لحمل الأمر المذكور على الإستحباب:
القرينة الأولى: سياق الآية.
فإن سياق الآية يفيدنا أن الحديث عن صفات كمالية في رسول الله (صلى الله عليه
وآله)، وليس عن أمور يجب عليه مراعاتها. فهو (صلى الله عليه وآله) الشخص الرحيم
بالعباد اللين القلب ولولا ذلك لانفضوا من حوله. وهذه الصفات الحميدة في رسول الله
(صلى الله عليه وآله) من طبيعتها أن يتفرع عنها فعل العفو عنهم والإستغفار لهم
ومشاورهم. فهذه المشاورة من لوازم اللين والرحمة التي في قلب رسول الله (صلى الله
عليه وآله)، ولذا طلبها تعالى منه (صلى الله عليه وآله). فحال هذا الخطاب كقولك
لشخص وجدته قد تنازع مع غيره فقلت له: إنك أعقل منه وأكبر منه فانصرف عنه أو فاعطه
ما يريد. فهل يفهم أحد من هذا الكلام الوجوب، أو أن ذلك الغير صار صاحب حق.
القرينة الثانية: كون الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله).
فإن توجيه الخطاب في الآية الكريمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) يدل على أن
الأمر بالمشاورة ليس للوجوب. لأنه اتفقت كلمة المسلمين على أنه (صلى الله عليه
وآله) لا ينطق إلا بالحق، وأنه معصوم وعصمته تغنيه عن الإستشارة وتمكنه من إعطاء
الموقف المطلوب بدون استشارة. فيصير الأمر بالمشاورة لا لحاجة الرسول (صلى الله
عليه وآله) إليها بل إرفاقاً بالمسلمين وإشعاراً لهم بالمشاركة فيما يقرره رسول
الله (صلى الله عليه وآله).
المناقشة الثالثة:
إنّ في الآية قرينة على أن ليس المقصود من الآية إلزامية الشورى على مستوى النتيجة.
وهي قوله تعالى في خطابه لرسول الله (صلى الله عليه وآله): (فإذا عزمت فتوكل على
الله) وهذا يعني أن القرار في نهاية الأمر وقراره، وأنه وإن كان ملزماً بالإستشارة
لكنه غير ملزم بالعمل بها وبما يشيره المشيرون سواء اتفقوا أو اختلفوا. ويكون
الداعي لوجوب الإستشارة، لو سلمنا دلالة الآية عليه، هو الإرفاق المذكور.
ويشبه هذا ما في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال لعبد الله بن
العباس وقد أشار عليه في شيء لم يوافق رأيه، أي رأي الإمام (عليه السلام). ويبدو أن
عبد الله قد أصابته حزازة من جراء ذلك فقال له (عليه السلام): (عليك أن تشير علي
فإذا خالفتك فأطعني).[27]
ونحن لا مشكلة لدينا في إلزام الولي غير المعصوم بالشورى، كما سيأتي، بمعنى أن
يستشير ذوي العقل والرأي والإختصاص. كما أنه لا مشكلة لدينا في كون الشورى في عصر
الغيبة وسيلة من وسائل تعيين الولي والتي قد تترجم في المصطلحات العصرية بكلمة
الإنتخاب، لكن ليس الدليل عليه هو هذه الآية كما أن الإنتخاب بالمعنى الذي ذكرناه
سابقاً لا ربط له بولاية الأمة على نفسها ولا بإعطاء شرعية للوالي.
الآية الثانية:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ
وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنفِقُونَ﴾[28].
وهذه الآية أقوى دلالة للقول بالشورى بعدما وصفت أمر المسلمين بأنه شورى بينهم. فهي
تصلح مبدئياً للإستدلال بها على كون الحكومة في الإسلام مرتبطة بالشورى بين
المسلمين، وأنه لابد من هذه الشورى على مستوى تعيين الحاكم وتحديد طبيعة النظام
السياسي والصلاحيات وكل ما يرتبط بأمور المسلمين. وكل ذلك هو تعبير آخر عن ولاية
الأمة على نفسها.
مناقشة الإستدلال:
أولاً: إما أن يكون الحديث في الآية عن خصوص مجتمع المسلمين في عصر رسول الله (صلى
الله عليه وآله)، أو مجتمعهم في كل العصور. وعلى كل تقدير يجب أن يكون عصره (صلى
الله عليه وآله) مشمولاً للآية لأنها مورد نزولها. ونحن نعلم بالقطع واليقين أن أمر
المسلمين لم يكن كذلك في عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لا على مستوى حكومة
الرسول وولايته، ولا على مستوى إدارته وحكمه واختياره الشكل المناسب للحكم، بل كان
رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحاكم بأمر من الله تعالى كما تقدم. ولم تكن
طريقته في الحكم إجراء استفتاء من المسلمين على شكل الحكم أو غير ذلك مما يتعلق
بأمور الحكم، بل كانوا ينقادون لأوامر الرسول (صلى الله عليه وآله) حتى وإن كانت
مخالفة لآرائهم كلهم أو لأكثريتهم. لأن هذا ما تعنيه للمسلمين جميعاً ولاية الرسول
(صلى الله عليه وآله)، ولقسم من المسلمين ولاية الأئمة (عليهم السلام) الآتية من
قبل الله تعالى لا من قبل الناس. فلو كانت الآية دالة على ولاية الأمة على نفسها
وأن الرسول مجرد رجل من المسلمين، لكان هذا يعني إبطال ولايته (صلى الله عليه وآله)
ولا يقول به أحد.
فحتى يتم الإستدلال بالآية بالنحو المذكور يجب فرض أن مضمون الآية لا يشمل مجتمع
الرسول وهذا غير ممكن. لأن الآية التي تنزل في مورد لابد على الأقل أن تشمل موردها.
وعليه فيجب تفسير الآية بما يلائم إنطباق الآية على ذلك المجتمع، والذي يرومه
المستدل مخالف له.
والتفسير الصحيح أن يقال:
إنّ الآية تحمل دعوة إجمالية لعموم المسلمين تدعوهم إلى التعاضد والتكاتف كمجتمع
متجانس يستشير بعضهم بعضاً في أمورهم الشخصية، وأن هذا هو شأنهم الذي ينبغي أن
يكونوا عليه. وهذه دعوة في سياق دعوتهم إلى صفات حميدة أخرى، وهي دعوة لم يلحظ فيها
الشؤون العامة للمسلمين. ولو فرضنا ملاحظة هذه الشؤون، فهي لا تشمل أمر الولاية
والحكومة وشؤونها وما يتعلق بها.
ولو فرضنا أن لها إطلاقاً يشمل الحكم وشؤونه فهي تشمله ضمن هذا السياق التوجيهي،
وليس ضمن سياق إلزامي يعبر عن نظرية كما أرادها المستدل.
شورى القيادة.
وليعلم أننا وإن لم نوافق على الإستدلال بالآية على مسألة الشورى، لكن يمكن أن نقبل
بالشورى على مستوى القيادة كخيار من الخيارات بناء على نظرية ولاية الفقيه، وإن
كانت الآيات لا تدل على هذه الشورى. لأن دليل ولاية الفقيه يسمح بالقبول بهذا
الخيار وإن لم يفرضه.
ولكن يظهر من بعض العلماء إنكار شورى القيادة حتى على مستوى أن تكون أحد الخيارات
واستدل لذلك بأدلة.
دليل لنفي شورى القيادة:
ما في الغرر والدرر عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (الشركة في الملك تؤدي إلى
الإضطراب)[29].
دلت هذه الرواية على أن الشراكة ومنها الشورى تؤدي إلى خلل في السلطة وفي حياة
الناس والى الهرج والمرج. وهذا كناية عن وجوب إلغاء فكرة الشراكة ومنها شورى
القيادة. وهذا المضمون هو في الحقيقة إرشادي موافق لطبائع الأمور وتقرير لواقع قائم
يدركه العقلاء ويصوبونه، ولذا ليس من المهم هنا أن تكون هذه الرواية من حيث السند
معتبرة.
مناقشة هذا الدليل:
نحن نوافق على أن المضمون إرشادي إلى أن من شأن الشراكة في السلطة الإضطراب. ولكن
هذا الإرشاد ينحصر مورده بما إذا كان كل شريك يجب أن يكون موافقاً على ما سيصدر من
جميع الشركاء، ويملك حق نقض أي حكم يصدر لا يوافق عليه، فهذا هو معنى الشراكة. أما
أن تكون هناك شورى قيادة يصدر رأيها عن الأكثرية وأن المخالف عليه الإلتزام بهذا
الحكم فهذا خارج عن مضمون الرواية المذكورة. فلا تكون الرواية دليلاً على عدم صحة
الشورى إن لم تكن بنحو الشراكة الموجبة لضرورة موافقة الجميع.
لكن لا ريب في أن الشورى في القيادة ليست هي الأرجح من غيرها على المستوى العملي،
وإن كانت أرجح على المستوى النظري.
ونكتفي بهذا المقدار من البحث حول مسألة الشورى. وسنتحدث فيما بعد عن وجوب
الاستشارة على ولي أمر المسلمين إن لم يكن معصوماً، كما سنذكر روايات حول الاستشارة
وأهميتها في الإسلام.
الفصل الرابع: السيرة العقلائية
وقد يستدل على ولاية الأمة على نفسها بأنها هي الأصل في الحكم والشؤون العامة
المرتبطة بالأمة، وعلى هذا سار العقلاء.
فالعقلاء يعتمدون على بعضهم البعض في تسيير شؤون حياتهم الإجتماعية وتأمين
احتياجاتهم الشخصية والعامة، ويفوّضون غيرهم ليقوم بالعمل الذي لا يتمكنون منه. ومن
هذه الأمور أمر الحكومة التي يحتاج إليها المجتمع، والتي يتوقف تحقيقها على مقدمات
كثيرة وقوى متعاضدة.
فالمجتمعات العقلائية ترى نفسها صاحبة الحق في التفويض فتفوض من تشاء ممن تراه
أهلاً لذلك. والإنتخاب في حياة العقلاء وسيلة إعطاء هذا الحق، ويكون الحاكم أو
الرئيس ممثلاً عنهم يدير أمور الحكم والبلاد بالنيابة عنهم.
والجواب:
نحن نسلم بأن المجتمعات العقلائية قد بنت على أن ولاية الأمر في مجتمعاتها حق من
حقوق المجتمع ككل. لكن هذا لا يكفي للإستدلال بالسيرة على هذه النظرية ثم الترجيح
بها لرفض فكرة ولاية الفقيه والبناء على ولاية الأمة على نفسها.
وذلك لأنه يشترط في التمسك بالسيرة العقلائية لاستكشاف حكم شرعي منها أمران:
أحدهما: كون المورد الذي انعقدت عليه السيرة منطبقاً على المورد الذي نتحدث عنه.
والثاني: إحراز رضا الشريعة بهذا السلوك العقلائي من خلال ممثليها، أعني بهم
المعصومين كالنبي (صلى الله عليه وآله), وآله (عليهم السلام). ومنشأ هذا الإشتراط
أن مجرد سلوك العقلاء لطريقة ما في حياتهم لا يعني بالضرورة أنه حق ينبغي سلوكه، إذ
ربما كان ناشئاً عن قصورهم. والمجتمع العقلائي ليس مجتمعاً كاملاً يأبى عن أي نقص،
ورب نقص يصيب المجتمع كله، وليس ذلك إلا لأن الكامل هو الله تعالى. وقد كان هذا
النقص أحد دوافع التشريع الديني وإرسال الرسل وجعل الأوصياء.
ومن هنا تعرف لماذا لا يوافق علماؤنا على النظرية التي تقول: إنه إذا سلك العقلاء
مسلكاً يستكشف منه بمجرده رضا الشريعة به، بدعوى أن ممثليها هم أعقل العقلاء
وبالتالي يكون هذا مسلكهم أيضاً.
فإنّ اعترافنا بأن ممثليها يمثلون قمة العقلانية يوجب احتمال أن يكون هناك فرق
بينهم وبين غيرهم. وتفصيل الكلام في علم الأصول.
وبناء عليه لابد من إثبات أن هذا السلوك غير ناقص، ولا يكون ذلك إلا بأن يثبت رضا
الشريعة عن هذا المسلك. وفي هذه الحال يجوز لنا البناء عليه حتى لو كان ناقصاً في
الواقع، لأن رضا الشريعة يشكل عذراً لنا في الإتباع.
وحينئذٍ نقول: إن كلا الأمرين غير محرزين.
أما الأول: فلأن مورد سيرة العقلاء هو المجتمعات التي لم تجعل الدين حاكماً عليها،
أو لم ترض بحكومة إلهية تحكمها، فهي سيرة بنيت على إنكار الدين أو على عدم وجوده.
ومن غير المعلوم أن هذه هي سيرتهم لو كان هناك دين يحكمهم، بل من غير المعلوم أن
طريقتهم تلك ناشئة عن عقلائيتهم، أو عن حكم عقلهم الذي يدعوهم إلى البحث عن الدين
الصحيح والطريق القويم الذي يريده الله تعالى لهم. بل هم في الواقع في سيرتهم التي
يعملون عليها قد خالفوا حكم العقل الموجود لدى كل عاقل، ولذا نستطيع وبكل جرأة أن
نقول إن هذه السيرة ليست سيرة عقلاء أي لم تنشأ من الناحية العقلائية التي لديهم.
أما الثاني: فلأننا أحرزنا عدم الرضا من النقل والعقل، حتى غدا هذا من مرتكزات
المسلمين على مر العصور، لولا بعض الشذوذ الذي أصاب بعض أفرادها لعوامل كثيرة ليس
هنا محل ذكرها.
أما من النقل فلأن الله تعالى قد أنزل قرآنا وشرع تشريعاً وأرسل رسولاً له حق
الطاعة على جميع العباد، ولا تتوقف طاعته على أن تعطيه الأمة هذا الحق، غايته أن
علم الناس بهذا الحق فرع الإيمان بنبوته والدين الإسلامي. وكذلك الحال بالنسبة
للأئمة المعصومين (عليهم السلام) بناء على النظرية الإسلامية الشيعية. وهذا بنفسه
إعلان على أن الأمة لا تملك هذا الحق وإلا لطولبت بإعلان الرضا وقد تقدم منا أن
البيعة لا علاقة لها بذلك.
وأما العقل فلأنه يدرك منذ البداية أن الأصل في أن الأمة ليس لها الولاية على
نفسها، كما أن الأصل في الفرد أنه ليس ولي أمر نفسه، وأن هذا ليس من الحقوق الذاتية
بل من الحقوق الإعتبارية التي لو أعطيت إياه فإنما تعطاه من الله تعالى كما تقدم،
وسيأتي مزيد كلام حول هذه النقطة في هذا الباب، وسنبين كيف أن العقل يأبى عن فكرة
ولاية الأمة على نفسها.
وقد تنبه بعض أصحاب نظرية ولاية الأمة على نفسها إلى هذا الأمر، وأكد أن هذه
النظرية محتاجة إلى دليل شرعي مباشر لإثباتها. لأن الأصل أن حق الطاعة لله تعالى.
وأن ليس للإنسان مثل هذا الحق لا على نفسه ولا على غيره إلا بمقدار ما يعطيه الله
تعالى إياه.
الفصل الخامس: قاعدة السلطنة
وقد استدل بعضهم على مبدأ ولاية الأمة على نفسها بقاعدة السلطنة، وأن الناس مسلطون
على أموالهم ومعاملاتهم وهذا حق يحكم به العقل والعقلاء، وقد أمضاه الشرع الحنيف
وأسس عليه أحكاماً كثيرة مثل الحديث الذي تقدم في سياق مناقشات أدلة ولاية الفقيه:
(لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا عن طيب نفس).
كما أن الناس مسلطون على أنفسهم وذواتهم في حكم العقل والعقلاء، ولو لم يكن الإنسان
مسلطاً على نفسه لن يكون مسلطاً على ماله.
والله تعالى خلق الإنسان مسلطاً على ذاته حراً مختاراً فليس لأحد أن يحدد حرية
الناس أو يتصرف في مقدراتهم بغير إذنهم.
ونتيجة ذلك أن الحكم من شؤونهم وحقوقهم ليس لأحد أن يأخذه بغير رضاهم ويكون غصباً
وظلماً، فالذي يملك حق الحكم هو من فوضوه عملاً بهذه القاعدة.
والجواب:
أولاً: أننا نسلم بأن الناس مسلطون على أموالهم ولكن لا نسلم بأنهم مسلطون على ذلك
بشكل مطلق بل هم مسلطون عليها بمقدار تسليط الله تعالى لهم ولذا جاءت التشريعات
المقيدة لحرية التصرف في الأموال.
كما أن الناس ليسوا مسلطين على أبدانهم ونفوسهم إلا بمقدار ما سلطهم الله تعالى
عليها فلا يجوز لهم الإنتحار مثلاً.
فالسلطنة عنوان منتزع مما أعطاهم الله تعالى إياه وليس من مجرد انتساب الفعل إلى
الذات. وفي هذه الحال يحق لنا أن نسأل هل إن الله تعالى سلطهم على أنفسهم بالمقدار
الذي يجعل الولاية حقاً من حقوقهم أم لا؟ الذي نعرفه أن ذلك لم يثبت. والمستدل بدأ
بالإستدلال بانياً على أن الله تعالى قد خلق الإنسان حراً مسلطاً على نفسه، والحال
أن هذا خلاف الأدلة المتوافرة لدينا من العقل والنقل.
فإن قيل سلطهم بدليل السيرة العقلائية قلنا قد ناقشناها قبل قليل.
ثانياً: ثم لو سلمنا تمامية قاعدة السلطنة لكنها إنما تتم بالنسبة لسلطة الشخص على
نفسه، ولا نستطيع من خلالها إثبات سلطة للشخص على غيره. ومعنى ولاية الأمة على
نفسها أن المجموع ولي المجموع وهذا يعني أن كل واحد شريك الآخرين في الولاية على
أنفسهم حتى تتحقق تلك الولاية.
ثالثاً: لازم التمسك بقاعدة السلطنة لإثبات ولاية الأمة على نفسها سلب سلطنة بعض
الأفراد على أنفسهم. فلو فرضنا عدم توافق الأمة على ولي وعلى نظام حكم، فلابد أن
يعمل بالأكثرية. وهذا يعني أن الأقلية، والتي قد تكون من حيث العدد كبيرة، قد سلبت
سلطنتها وأجبرت على الإنقياد لسلطنة الآخرين. وهذا يعني أننا سلبنا السلطنة من حيث
أردنا إثباتها.
وربما يحلو للبعض أن يقول إنه لابد من ذلك لضرورة حفظ النظام.
فنقول له هذا دليل آخر غير دليل قاعدة السلطنة، بل على هذا تكون ضرورة حفظ النظام
مخالفة لقاعدة السلطنة. وكيف يستدل بالقاعدة على أمر نحن نعلم بأنها لن تجري فيه.
فإن كان ولابد من العمل بمقتضيات حفظ النظام وجب أن نفتش على دليل آخر غير قاعدة
السلطنة.
الفصل السادس: نظرية العقد
وقد يستدل على أن الولاية حق الأمة وشأنها من خلال كونها أمراً تعاقدياً. وقد يستدل
على ذلك بآيات وروايات.
فمن الآيات قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ
بِالْعُقُودِ﴾[30]
ومن الروايات ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (المسلمون عند شروطهم
إلا كل شرط خالف كتاب الله عزوجل فلا يجوز)[31].
والولاية والحكومة من الأمور التي تقبل التفويض والإنشاء العقدي، كما يشهد لذلك
سيرة العقلاء. وقد كان هذا أمراً رائجاً في مختلف العصور والقرون. فيكون هذا
الإنشاء من جملة العقود التي تشملها الآية والرواية.
أما الآية فلأنها ناظرة إلى العقود المتعارفة بينهم، فيكون كل عقد عقلائي صحيحاً
يجب الوفاء به إلا ما دل الدليل على بطلانه. ولا دليل على بطلان عقد الحكم لأن
الفرض أنه لا نص يخالفه.
أما الرواية فشمولها لهذا العقد ولكل عقد مبني على شمول الشرط للقرار الإبتدائي
وعدم اختصاصه بما يكون ضمن شيء آخر. وعلى هذا المبنى تكون الرواية دليلاً على
المطلوب.
وبناء على نظرية العقد هذه، تكون العلاقة بين الأمة والحاكم علاقة الموكل بالوكيل
أو البائع والمشتري أو المؤجر والمستأجر، أو معاملة خاصة مستجدة تتحقق من خلال عقد
يجريه الطرفان فيما بينهما يكون ملزماً للطرفين للأمة بطاعته وللولي المعين بالعمل
وفق ما اشترطت عليه الأمة.
والجواب:
أولاً: إن نظرية العقد لا تثبت أن الأمة هي الولي على نفسها، بل تثبت أنها لو كانت
ولي نفسها يحق لها أن تنشئ هذه الولاية لحاكم محدد. فما لم يثبت أن لها حقاً سابقاً
على العقد لم يصح هذا الإنشاء، بل يكون من العقود الفضولية كما لو باع البائع ما لا
يملكه. فالإستدلال بالآية والرواية على ثبوت الولاية للأمة على نفسها مصادرة على
المطلوب، لأنه إن ثبت لها هذا الحق مسبقاً لم نحتج لإثباته للإستدلال بالآية، وإن
لم يثبت ذلك فلن يثبت أن موردنا من موارد العقد الذي تشمله الآية والرواية.
ثانياً: ولو كان الغرض من الإستدلال بالآية والرواية هو إثبات مشروعية الإنتخاب بعد
فرض ثبوت ولاية الأمة على نفسها، مع ذلك نقول إنه لا يصلح الإستدلال بالآية
والرواية على ذلك للأسباب التالية:
أحدها: أن الرواية لا تشمل العقود على ما هو المشهور بين العلماء، لأن معنى الشرط
ليس هو مطلق الإلتزام ليكون شاملاً للعقود بل هو ما يكون الإلتزام بشيء في ضمن
الإلتزام بشيء آخر.
الثاني: لا يصح أيضاً التمسك بعموم أوفوا بالعقود، لأن المراد بالعقود في الآية
العقود المتعارف عليها بين العقلاء في معاملاتهم التجارية ونحوها، وليس منها
الإنتخاب أو الولاية. ولذا نجد تكلفاً في انطباق عنوان العقد عرفاً على هذا النحو
من المعاملات، كما يتجلى ذلك من استهجان العرف إطلاق لفظ العقد عليه.
الثالث: إن الأمة إما أن تتفق فيما بينها على حاكم ونظام حكم أو لا تتفق.
لا كلام لنا لو اتفقت إلا أننا نقول أنه مستحيل عادة.
وعلى التقدير الثاني: يكون الأخذ برأي الأمة بأجمعها أمراً غير ممكن مع فرض
الإختلاف، فيتعين الأخذ برأي الأكثرية. ولازم ذلك أن الأقلية لا عقد لها مع الحاكم
الذي انتخبته الأكثرية لكي تلزم بالعمل بأوامره ونظامه. وإنما يلزم بالعقد طرفاه
والأقلية ليست طرفاً فيه.
وقد يبرر لزوم عملها بذلك بأن هناك عقداً آخر بين أفراد الأمة يتفقون بشأنه فيما
بينهم، يحددون فيه طريقة التعاطي مع الإختلاف. فقد يشترطان فيما بينهم أن يكون
الحاكم المنتخب والنظام المراد العمل به قد أيده الثلثان أو أكثر، وقد يكتفيان
بالكثرة البسيطة، وهذا العقد يلزم الأقلية بتلك النتيجة.
ولكن هذا الجواب غير كاف في مجتمعات لم تنشأ فيها هذه العقود كمجتمعاتنا الإسلامية
على ما يشهد به الوجدان. وإنما يصح ذلك الفرض، لو صح، في مجتمعات أخرى.
ثم ماذا لو لم يقبل البعض بأي عقد من هذه العقود وعلق كل النتائج على أن يكون
الإنتخاب موافقاً لرأيه، فمن ذا الذي يلزمه بإجراء مثل هذا العقد، ومن ذا الذي
يجبره على الإلتزام بالنتائج إن لم يرد أن يلتزم بها. إن نظرية العقد لا تصلح
لإلزام من كان هذا حاله.
الرابع: إن الآية والرواية لا تدلان إلا على وجوب تنفيذ العقود، ولا تدلان على من
يملك حق إجبار المتخلف على العقد. فلابد أن يفرض قبل تطبيق الآية أن هناك سلطة
معطاة لشخص أو فئة يكون لها حق إجبار المخالف على التنفيذ. ولا تدل الآية على أن
هذا الحق هو لطرفي العقد أو لأحدهما.
ولذا اختار بعض الفقهاء أن الآية لا تدل على أكثر من لزوم العمل بالشرط والوفاء
بالعقد بحيث لو لم يعمل بالشرط يثبت للطرف الآخر خيار الفسخ وليس له إجبار الممتنع
على التنفيذ. ولو جاز الإجبار فلابد من مراجعة الولي الشرعي. فإثبات وجود سلطة
لطرفي العقد تتمتع بصلاحية الإجبار واستخدام القوة الإجرائية لتنفيذ العقود لا يتم
من هذه الآية وتلك الرواية.
الفصل السابع: خلافة الإنسان
وهذه الفكرة يرددها كثير من الناس لإثبات أهلية الأمة للولاية مستفيدين لذلك من بعض
الآيات الكريمة الدالة على أن الله تعالى جعل الإنسان خليفته في الأرض. وهذا يعني
أن الحكومة من شؤون الأمة وحقوقها، بيدها التعيين والتفويض. ولنذكر بعض الآيات:
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ في الأَرْضِ﴾[32].
وقال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ
وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ﴾[33].
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾[34].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ
خَلِيفَةً﴾[35].
وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم
بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾[36].
فيقال: المستفاد من هذه الآيات أن للإنسان جميع التصرفات التكوينية في الأرض
وإعمارها وقيادة المجتمعات البشرية فيها، لأن هذا هو معنى خلافة الإنسان عن الله
تعالى.
وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
أحدها: ما ذكره الشيخ المنتظري في كتابه دراسات حول ولاية الفقيه. قال:
لأحد أن يمنع كون المقصود بالخلائف والخلفاء الخلافة عن الله تعالى. ولعل المراد
بها خلافة جيل عن جيل ونسل عن نسل، نظير قوله تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء﴾[37] وقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن
بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ﴾[38]. وأما قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ
فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فيحتمل أن يراد به آدم النبي (عليه السلام) ولا يسري إلى
ولده. وليس في اعتراض الملائكة بقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا
وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾[39] دلالة على إرادة نوع آدم، إذ لعل اعتراضهم بذلك كان من
جهة إطلاعهم على آدم النبي (عليه السلام)، وأنه بالطبع يولد له نسل يوجد فيهم
الفساد وسفك الدماء[40] إنتهى.
أقول: لا وجه لمنع كون المراد جعله خليفة في الأرض هو الإنسان، إلا أن يتوهم أن
المراد بالخلافة الحكم وسنبين فيما بعد أن ليس هذا هو المراد من آية ﴿إني جاعل..﴾.
ثانياً: ما ذكره السيد الحائري في كتاب المرجعية والقيادة. قال:
إنّ الذي جعل خليفة في الآية هو النوع الإنساني ككل لا كل فرد فرد، وإلا لكان كل
واحد منا إماماً وهذا غير مقصود من الآية. فالبشرية كلها خليفة الله على الأرض
استخلفهم لكي ينفذوا إرادته عليها، وكل واحد منهم يعمل بوظيفته، فالأمير له دور
والجندي له دور والعامل له دور وهكذا. وهذا هو معنى تطبيق خلافة الله على الأرض.
ومن أبرز مهام الخلافة في الأرض الإمرة والولاية، فالبشرية كبشرية تحقق على وجه
الأرض الإمرة والولاية، أما كيف يتحقق ذلك فهذا مسكوت عنه في الآية الكريمة. لأنها
وإن أعطت الخلافة للبشرية كلها لكنها لم تقل كيف تترجم عملياً هذه الخلافة.
نعم لو فسرنا الخلافة في الآية المباركة بحق الإدلاء بالرأي والإسهام في الإمرة يتم
الإستدلال بها على الإنتخاب، لكنه مجرد احتمال والذي تقدم أرجح منه[41].
أقول: لقد أجاد سماحته فيما أفاد أولاً، لكن ما قاله أخيراً لا يسلم من الإشكال.
لأن ظاهره أن الآية تشمل الخلافة بمعنى الولاية والحال أنه ليس الأمر كذلك بل لا
دخل للآية في ذلك.
كما أن احتمال أن يكون المراد من ﴿خليفة﴾ حق إبداء الرأي أمر غريب، إذ ما هي العلقة
بين لفظ خليفة وبين حق الرأي حتى يبديه كإحتمال.
ثالثها: والأولى في الجواب أن يقال:
إنّ الآيات المتقدمة صريحة في أن هناك أنحاء مختلفة من الخلافة:
1ـ خلافة قوم عن قوم. كما في بعض الآيات التي عبرت بخلائف.
2ـ خلافة البشرية على الأرض، بمعنى أن البشرية أريد منها تحقيق أهداف الله تعالى في
الأرض، من دون لحاظ مستخلف عليه غير الأرض، وهو ما تفيده آية سورة البقرة التي
تحدثت عن آدم (عليه السلام)، ولا ربط لهذه الآية بطبيعة العلاقة الإجتماعية التي
تحكم الأفراد فيما بينهم كمجتمع يحتاج إلى تنظيم أموره.
3ـ الخلافة الخاصة بمعنى الولاية التوأم مع النبوة والإمامة كآية: ﴿يا داوود﴾.
ولسان هذه الآية قرينة على أن آية﴿إني جاعل﴾ مختلفة المعنى في مسألة الخلافة عن آية
﴿يا داوود﴾، حيث أن الخلافة المعطاة لداوود هي خلافة الحكم، وسياق هذه الآية يبين
أن هذا الجعل مما خصه الله تعالى بداوود، ففرع عليه أن عليه دوراً هو الحكم بالعدل،
وهذا يعني أن هذه الخلافة الخاصة لا تكون إلا بجعل خاص من قبل الله تعالى.
ولذا فلو أردنا تفسير آية ﴿إني جاعل﴾ بالخلافة بمعنى الولاية لم يصح التعميم
للبشرية ولا للنوع الإنساني ويجب حصرها بالمعصومين كالأنبياء والأوصياء. وحيث أن
ظاهر الآية كون الحديث عن الإنسان حتى يثبت خلافه، فالمقصود هو نحو خلافة عامة
مرتبطة بالبشر وبالهدف المطلوب من البشرية تحقيقه. وبهذا المعنى يكون الإنسان كفرد
خليفة والإنسان كمجتمع خليفة ولا دخل لذلك بباب الحكم والسلطة.
وهذا المعنى يتحقق في الفرد بوصوله إلى مقام العبودية، ويتحقق في المجتمع بتحقيق
المجتمع العابد الصالح. وعند تحقق الهدف الثاني يتحقق قوله تعالى:﴿وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا
عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[42]. وقوله تعالى:﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى
الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
الْوَارِثِينَ﴾[43]. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾[44].
كلام العلاّمة الطباطبائي:
وهذا المعنى الذي ذكرناه لآية ﴿إني جاعل﴾ موافق لما ذكره العلاّمة الطباطبائي في
تفسير الميزان. قال في تفسير الآية ما ملخصه:
(فهم الملائكة من هذا المخلوق الأرضي أنه مركب من صفات من شأنها الفساد وسفك
الدماء، وأن الخلافة المرادة لا تتحقق بذلك. وهذه الخلافة المقصود هي أن يحكي
الخليفة مستخلفه بتسبيحه بحمده وتقديسه له بوجوده. والطبيعة الأرضية المادية لا
تدعه يفعل ذلك بل تجره إلى الفساد والشر. ولذا تساءلوا بعد أن رأوا أن الغاية ألصق
بهم: لم لا يكونوا هم الخلفاء وما فائدة جعل هذه الخلافة الأرضية. فرد الله سبحانه
عليهم بقولهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء
كُلَّهَا﴾[45]. فلم ينف عن خليفة الأرض الفساد وسفك الدماء، ولا كذب الملائكة في
دعواهم التسبيح والتقديس، بل أبدى لهم أن هناك سراً ليس في وسعهم تحمله ويتحمله هذا
المخلوق الأرضي).[46] إنتهى.
والنتيجة أنه لا ربط بين آيات الخلافة الواردة في القرآن بعالم الحكم وما كان له
علاقة بها فهو مرتبط بجعل خاص كما اختص بداوود وغيره من الأنبياء (عليهم السلام).
الفصل الثامن: ولاية عدول المؤمنين
قد يستدل بعض أصحاب نظرية ولاية الأمة على نفسها بما دل على ولاية عدول المؤمنين.
ويتجه هذا الإستدلال إلى القول بأن هذه الولاية ليست في طول ولاية الفقيه بل هي في
عرضه أي حتى مع وجود الفقيه الكفوء.
ولا بأس بنقل خلاصة ما قاله بعضهم في هذا المجال وإن طال بنا المقال بعض الشيء:
إنّ ممارسة السلطة الإدارية في المجتمع السياسي يحتاج إلى دليل على شرعيتها، لأن
الأصل الأولي العقلي والنقلي في قضية السلطة على البشر هو أن لا ولاية لأحد على
أحد. والولاية الوحيدة الثابتة بحكم العقل والنقل هي ولاية الله تعالى تكويناً
وتشريعاً. وقد ثبت بالدليل القاطع تقييد هذا الأصل الأولي بالنبي (صلى الله عليه
وآله) والإمام المعصوم (عليه السلام). والدليل المخرج عن الأصل الأولي في قضية
السلطة أمور:
الأول: الدليل على مشروعية تكوين الدولة ونصب الحكومة التي تتولى السلطة السياسية
(الولاية على الأنفس والأموال) في المجتمع السياسي. وهذا الدليل يتضمن جملة من
الدلالات الإلتزامية البينة، إذ من اللوازم الضرورية لتكوين الدولة ممارسة جملة من
السلطات ذات الصلة الحيوية بشؤون المجتمع السياسي الحياتية العامة كالطرق والصحة
والتعليم والبيئة وغير ذلك. فحفظاً لدليل مشروعية إقامة الدولة عن اللغوية يتعين
القول بأن ممارسة السلطة الإدارية على الإنسان وعلى الطبيعة في المجتمع مشروعة.
الثاني: دليل مقدمة الواجب[47]وهو دليل عقلي يدل على وجوب إنشاء الإدارة ووجوب
إعمال السلطة الإدارية، أمراً ونهياً وتقييداً في أمور كثيرة تقع في مقدمات واجبات
حفظ الأنفس والأعراض والأموال، كما هو الحال في كل المقدمات. وحكم العقل لا يقبل
التخصيص. فيجب الإلتزام بمفاده هنا كسائر الواجبات الشرعية التي يلتزم فيها بوجوب
مقدماتها.
الثالث: وجوب حفظ النظام العام لحياة المجتمع، وهذا من التكاليف الشرعية القطعية
والواجبات الكفائية. وحفظ النظام ليس إلا عبارة عن إدارة شؤون المجتمع على نحو يجعل
حاجاته المادية والمعنوية ميسرة بقدر الإمكان، وتنظيم علاقاته الداخلية ويدفع عنه
خطر الفوضى. وقد درج الفقهاء على ذكر كل ما يتوقف عليه انتظام الحياة العامة في
المجتمع بما يتناسب مع محيط كل منهم بحسب عصره، وصرحوا بوجوب القيام بالأعمال التي
يقتضيها حفظ النظام في أي شأن من شؤون الحياة العامة في المجتمع. وأكثر هذه الأمور
التي يتوقف حفظ النظام عليها لا تتوقف على إذن أحد لأنها تكاليف شرعية موجهة إلى
الأمة والى أفرادها المؤهلين، وإذا كان بعض هذه الأمور يتوقف القيام به على إذن
الفقيه الجامع للشرائط فقد صرح الفقهاء في موارد فقهية متعددة أنه في حالة فقد
الفقيه، أو تعذر الوصول إليه أو عدم خبرته بثبوت الولاية للمؤهلين من عدول
المؤمنين.
إنّ هذا الدليل يدل على مشروعية تكوين الإدارة من قبل الحكومة وعلى شرعية ممارسة
السلطة الإدارية.
الرابع: وجوب القيام بالأمور الحسبية وهي أحد مظاهر ولاية الأمة على نفسها، وللفقيه
ولاية في بعض مواردها. وهي كل معروف علم من الشريعة إرادة وجوده في الخارج من غير
موجد معين.
والمراد بالمعروف هنا ليس ما يراد به في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل
المراد به غالباً الأمور التي يتوقف عليها انتظام حياة المجتمع، بحيث يعم أثرها إذا
وجدت ويعم ضرر فقدانها، ولم يتوجه التكليف بها إلى شخص معين أو جماعة معينة، وإنما
كلف بها كل قادر عليها مؤهل لها من الأمة. ولو فقد القادرون والمؤهلون لوجب إعدادهم
وتأهيلهم من باب الحسبة، ومن باب وجوب حفظ النظام.
وهذه الولاية للمجتمع على نفسه في أمور الحسبة ثابتة في معظم مواردها للمجتمع في
أصل الشرع بالإستقلال في موازاة وعرض سائر الولايات، وليست متفرعة عن ولاية الفقيه،
وإن كان كلام الفقهاء عنها يوهم ذلك، ولكن بالتأمل في مورد كلامهم يرتفع التوهم.
حيث إنهم يبحثون فيها في موارد حكم الصغير والمجنون والغائب والميت الذين لا ولي
لهم، وللفقيه ولاية في الجملة في هذه الموارد فيوهم كلامهم أن ولاية عدول المؤمنين
على الأمور الحسبية متفرعة عن ولاية الفقيه، وإلا ففي الموارد الأخرى العامة تثبت
ولاية الحسبة لكل القادرين والمؤهلين من عدول المؤمنين، ومع فقدهم أو عدم كفايتهم
للقادرين والمؤهلين من الفساق.
وقد أشار السيد المحقق بحر العلوم إلى كون ولاية الحسبة من الولايات المستقلة
الأصلية الثابتة للأمة[48]، وإن وردت عبارته في سياق بحثه عن ولاية الفقيه على
الصغير من باب الحسبة فلاحظ فيها فقد الفقيه.
قال (يقصد بحر العلوم): (وليعلم أن تصرف العدول مع فقد من هو مقدم عليهم في المرتبة
ليس على وجه النيابة عن الحاكم فضلاً عن كونه على وجه النصب من الإمام (عليه
السلام) بل هو محض امتثال للتكيف به وجوباً أو استحباباً)[49].
وهذه الأدلة تقيّد الأصل الأولي في شأن سلطة الإنسان القاضي بعدم مشروعية ولاية أحد
على أحد، كما أنها تقيّد أصل الإباحة الثابت للإنسان فلا يبقى إطلاق يبيح للإنسان
جميع التصرفات في الطبيعة لكل أحد)[50].
أقول: إن الكاتب وإن لم يكن بصدد ذكر أدلة على نظرية ولاية الأمة على نفسها، لكنه
أظهر ما يوحي بأدلتها، ولذا كان لابد من بعض التعليق عليه. والحقيقة إن كل هذه
الأدلة الأربعة هي أدلة على ولاية الفقيه أو تتلاءم معها. وبعضها في أقسى الأحوال
من أدلة ولاية عدول المؤمنين، وهذا غير كونها أدلة على ولاية الأمة على نفسها،
وجعلها كذلك مصادرة. كما أن ما ذكره من اعتبار ولاية عدول المؤمنين مستقلة عن ولاية
الفقيه أو ولاية المعصوم أمر غير صحيح.
فهنا كلامان:
الكلام الأول: أنها أدلة لولاية الفقيه.
أما الدليل الأول فهو يرتكز على ضرورة أو مشروعية تكوين الدولة، وهذا يعني أن
الصلاحيات التي يتطلبها هذا الدليل سواء على المستوى السياسي أم على المستوى
الإداري هي صلاحيات الحاكم في الإسلام أو صلاحيات الحكومة. فإذا ثبت لدينا بدليل
شرعي لفظي أو عقلي أن الحاكم هو الفقيه ثبتت له تلك الصلاحيات قهراً. وهذا الدليل
يتلاءم معه كمال الملائمة بل من متمماته أيضاً. وهذا الكلام بعينه يجري بالنسبة
للدليل الثاني.
ويوحي كلامه بأن هذه الصلاحيات هي صلاحيات الأمة، بل صرح به في الدليل الثالث وقال،
من غير دليل يدل عليه: إن الواجبات الكفائية الثابتة بملاك حفظ النظام هي تكاليف
شرعية مباشرة متوجهة إلى الأمة.
ولست أدري من أين أتى بهذه الدعوى والمفروض أن دليل وجوب حفظ النظام ومشروعية تكوين
الدولة شيء، وكون السلطة فيها بيد الأمة أو المؤمنين شيئاً آخر. فإنه لا شأن لهذه
الأدلة بتحديد من هو المطالب بتلك الواجبات أو صاحب الصلاحيات: هل هم عموم المكلفين
أم الحكومة والحاكم أم وفق ترتيب محدد؟ وقد صرح الفقهاء بأجمعهم بأن كل مورد من هذه
الموارد التي ثبت وجوبها بدليل حفظ النظام ونحوه إن احتمل توقفه على إذن الفقيه لم
يجز لأحد أن يتصدى له.
وهذا الإحتمال وارد في كل واجب كفائي يتعلق بحقوق الغير سواء كان الغير فرداً أو
كان المجتمع أو كان من حقوق الله تعالى المحكومة بأصالة عدم جواز تحصيلها إلا لمن
علم الإذن له. فقوله: (وأكثر هذه الأمور التي يتوقف حفظ النظام عليها لا تتوقف على
إذن أحد)، إن أراد به الأمور التي تتعلق بتصرف الشخص فيما يتعلق به فهذا يمكن
القبول به في الجملة، وإن أراد ما يتعلق بحق الغير لم يصح الجزم بأنها لا تتوقف على
إذن أحد. وكل ما يرتبط بالحكومة هو في الواقع مما يحتمل توقفه على إذن الفقيه حتى
لو غضضنا النظر عن أدلة ولاية الفقيه. وبالتالي يكون بناؤه على أن هذه تكاليف للأمة
بناء غير مبرهن عليه ولا تستلزمه الأدلة المذكورة. بل لا يكفي للبناء عليه القول
بأن ولاية الفقيه لم تثبت بالنص ما لم نقطع بعدم التوقف على الإذن، ولا يمكن لأحد
أن يدعي ذلك إلا مغامر بالشريعة ومصالح الأمة.
فدليل حفظ النظام أكثر ملائمة مع دليل ولاية الفقيه في كل ما يهم شؤون المجتمع.
طبعاً نحن لا نقول إن حفظ النظام يثبت ذلك بمباشرة بل هو محتاج إلى تتميم كما بينا
سابقاً وكما سنشير إليه بعد قليل.
أما الدليل الرابع فهو أيضاً من أدلة ولاية الفقيه لعين ما ذكرناه آنفاً. وتعريفه
للحسبة المأخوذ عن بلغة الفقيه للمحقق السيد آل بحر العلوم لا تعرض له لمن هو
المطالب بتحقيقها. ولذا قسم العلماء الحسبة على قسمين: قسم علم من الشريعة أو من
غيرها من هو المطالب بذلك سواء كان شخصاً بعينه أم كان عموم المكلفين، وهذا يحتاج
إلى دليل خاص عليه من إطلاق ونحوه. وقسم لم يعلم وحينئذ تارة نحتمل إشتراطه بإذن
شخص خاص أو عام، وتارة لا نحتمل. فإن لم نحتمل فالنتيجة أنه يجوز لكل أحد القيام
به، لكن إن احتملنا فلابد من تحصيل الإذن المحتمل. فدعواه أن الحسبة من مظاهر ولاية
الأمة على نفسها لم يظهر له وجه. كما أن دعواه أن الحسبة يكلف بها كل قادر عليها هي
دعوى باطلة قطعاً بإجماع العلماء كما سيأتي.
ثم لو سلمنا أن الحسبة يكلف بها كل مؤهل، فمن هو المؤهل وصاحب الحق وهل هو حق مطلق
أم يتوقف على الإذن ومع هذا الشك اتفقت كلمات العلماء والعقول على أنه لابد من
تحصيل الإذن المحتمل، بعد أن كان الأصل ينفي هذا الحق ما لم يقم الدليل المثبت له.
فأين ولاية الأمة على نفسها في موارد الحسبة.
والغريب تحميل السيد آل بحر العلوم ما لا يريد، فالسيد ذكر تلك الجملة في نهاية
مبحث ولاية العدول المؤمنين، مع غض النظر عن مسألة الصغير. كما أنه صرح في بداية
المطلب بأن موارد ولاية المؤمنين التي يبحث عنها هي من الموارد التي ثبتت فيها
ولاية الفقيه، وأن البحث عنها إنما هو مع فرض عدم الوصول للفقيه. وكلامه هذا لم
يخصص بشيء ليوجه ويحمّل كلاماً يوافق رأي الناقل. إنّ هذا النحو من التوجيهات
لكلمات العلماء يدل على غربة صاحب القول عن آرائهم. وعلى غربة رأيه فيتشبث
بالإشارات البعيدة غير المأنوسة في كلمات العلماء.
وعلى كل حال فإننا نأخذ من هذا الكاتب إعترافه بأن الأدلة الأربعة قيّدت الأصل
الأولي وهو أصالة أن لا ولاية لأحد على أحد، وقيدت حق الإنسان بالتصرف بالطبيعة كما
يشاء، ولكن نتيجة تلك الأدلة هي كون التصدي لها من شؤون الفقيه لا الأمة.
ثم لو سلمنا أن دليل الحسبة يعطي ولاية أو حق التصرف للعدول حتى مع وجود الفقيه،
لكن هذا أجنبي عن ولاية الأمة على نفسها. لأن ولاية الأمة تقتضي أن يتوقف ثبوت حق
للفقيه أو العدول على أن تعطي الأمة هذا الحق وإلا فلا معنى لتلك الولاية وهذا
يحتاج إلى دليل مستقل غير موجود. إلا أن يكون مقصوده من ولاية الأمة على نفسها
ولاية العدول على الأمة. ولعمري إن كان للعدول ولاية فللفقيه بطريق أولى، وإن كان
حق الحكم للعدول فللفقيه أولى. وإذا كان أولى فلم نحاول التهرب من حكمه.
الكلام الثاني:
مختصر مقالة العلماء في أن ولاية عدول المؤمنين إنما تثبت مع فقد الفقيه.
قال الشيخ الأنصاري في المكاسب[51]: اعلم أن ما كان من قبيل ما ذكرناه فيه ولاية
الفقيه وهو ما كان تصرفاً مطلوب الوجود للشارع، إذا كان الفقيه متعذر الوصول إليه
فالظاهر جواز توليه لآحاد المؤمنين، لأن المفروض كونه مطلوباً للشارع غير مضاف إلى
شخص واعتبار نظارة الفقيه فيه ساقط بفرض التعذر.. نعم لو احتمل كون مطلوبيته مختصة
بالفقيه أو الإمام صح الرجوع إلى أصالة عدم المشروعية.. ومجرد أن هذه الأمور من
المعروف لا ينافي اشتراطها بوجود الإمام أو نائبه، كما في قطع الدعاوى وإقامة
الحدود، وكما في التجارة بمال الصغير الذي له أب وجد.. نعم لو فرض المعروف على وجه
يستقل العقل بحسنه مطلقاً كحفظ اليتيم من الهلاك الذي يعلم رجحانه على مفسدة التصرف
في مال الغير بغير إذنه، صح المباشرة بمقدار يندفع به الضرورة أو فرض على وجه يفهم
من دليله جواز تصديه لكل أحد.. كتجهيز الميت، وإلا فمجرد كون التصرف معروفاً لا
ينهض في تقييد ما دل على عدم ولاية أحد على مال أحد أو نفسه. ولهذا لا يلزم العقد
الفضولي على المعقود له بمجرد كونه معروفاً ومصلحة، ولا يفهم من أدلة المعروف ولاية
للفضولي على المعقود عليه، لأن المعروف هو التصرف في المال أو النفس على الوجه
المأذون فيه من المالك أو العقل أو الشارع من غير جهة نفس أدلة المعروف.
وبالجملة تصرف غير الحاكم يحتاج إلى نص عقلي أو عموم شرعي أو خصوص في مورد جزئي.
ثم إن الشيخ الأنصاري نقل كلاماً للشهيد الأول في قواعده واستحسنه. قال:
قال الشهيد في القواعد: يجوز للآحاد مع تعذر الحكام تولية آحاد المؤمنين التصرفات
الحكمية (ذات المصلحة) على الأصح، كدفع ضرورة اليتيم لعموم﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى
الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾[52]، وقوله (عليه السلام): (والله تعالى في عون العبد ما كان
العبد في عون أخيه)[53]. وقوله (عليه السلام): (كل معروف صدقة)[54]. وهل يجوز أخذ
الزكوات والأخماس من الممتنع وتفريقها في أربابها وكذا بقية وظائف الحكام غير ما
يتعلق بالدعاوى فيه وجهان. إنتهى.
وصريح الشهيد (رحمه الله) أنه قد وقع الخلاف في جواز تصدي آحاد المؤمنين لتلك
الأمور، وأن محل الخلاف فرض عدم وجود أو تعذر الوصول للفقيه. وهذا يعني أنه لا يوجد
قول بالجواز مع وجود الفقيه في غير الموارد التي أشار الشيخ إليها إجمالاً، والتي
علم بالدليل جواز تصدي غير الفقيه لها كتجهيز الميت ونحو ذلك.
وقال المحقق النائيني: (وبالجملة الأمور التي يعلم من الشرع مطلوبيتها في جميع
الأزمان ولم يؤخذ في دليلها صدورها من شخص خاص، فمع وجود الفقيه فهو المتعين للقيام
بها، إما لثبوت ولايته عليها بالأدلة العامة أو لكونه المتيقن من بين المسلمين أو
لئلا يلزم الهرج والمرج. فيعتبر قيام الفقيه به مباشرة أو إذنه أو استنابته ومع
تعذره يقوم به سائر المسلمين، ولما كان العدول أولى بالحفظ والإصلاح فمع وجوده هو
المتعين.. وإلا فمطلق الثقة.. فكون هذه الأمور مطلوبة لا ينافي اعتبار قيام شخص خاص
بها على الترتيب، كما لا ينافي مطلوبيتها لزوم تعطيلها إذا قلنا باعتبار قيام خصوص
الفقيه بها عند فقده. نعم لو كانت مطلوبة على كل تقدير ولو مع فقد الفقيه فلابد من
القيام بها على الترتيب المذكور)[55].
النتيجة:
ولو راجعت كلام العلماء طرا لوجدت أن المتفق عليه بينهم تقسيم الموارد التي يجوز
للعدول التصرف فيها إلى قسمين. قسم معه إطلاق يدل عليه، أو أحرزنا جوازه لكل أحد من
دون احتمال توقفه على إذن أحد. وقسم لا إطلاق فيه أو لا تعرض له لمن له حق التصرف
أو لم نحرز ذلك الجواز. وفي هذا القسم الأول يجوز للعدول التصرف، بل ربما يجوز لغير
العدول التصرف من دون توقف على فقد العدل كمسألة تجهيز الميت. وفي القسم الثاني لم
أجد من جوز للعدول التصرف مع وجود الفقيه الكفوء، فراجع ما ذكروه في مباحث الولاية.
وليس لنا أن ننفي احتمال التوقف على الإذن بشكل عشوائي أو اعتماداً على إستحسانات،
ونحو ذلك مما لا قيمة له لا في الشرع الحنيف ولا في نظر العقل.
وليس غرضنا مما نقلناه الآن أن نحتج على غيرنا بأقوال العلماء، بل غرضنا أن نرفع
لبساً ربما يكون قد سببه ذلك الكاتب بأن مبدأ ولاية الأمة على نفسها كان معروفاً
قبله، وأن عدم توقف تصرف العدول في الموارد الحسبية على إذن الفقيه إلا ما قل منها
هو أمر معروف بين العلماء، والحال أن كلا الأمرين غير صحيحين.
الفصل التاسع: الخطاب القرآني بالحكم موجه للأمة
قد يقال إن الآيات والروايات المتضمنة للتكاليف الإجتماعية التي لوحظ فيها مصالح
المجتمع الإسلامي بما هو مجتمع، وخوطب بها الأمة مع توقف تنفيذها على القدرة وبسط
اليد، تدل على أن المجتمع المخاطب بها مطالب أيضاً بالتنفيذ. وهذه سلطة معطاة له من
قبل الله تعالى.
والمجتمع بما أنه مجتمع وإن لم يكن له بالنظر الفلسفي يعبر عن وجود واقعي غير وجود
الأفراد، ولكنه يتمتع بواقعية عرفية عقلائية، وله في قبال الفرد وجود وعدم وحياة
وموت ورقي وانحطاط وحقوق وواجبات. والشريعة الإسلامية كما أوجبت على الفرد واجبات
عبادية وغيرها، فكذلك وضعت على عاتق المجتمع واجبات وتكاليف خوطبت بها الأمة
الإسلامية.
قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلاَ تَعْتَدُواْ﴾[56].
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ
الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[57].
وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا
مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾[58].
إلى غير ذلك من التكاليف التي خوطب بها المجتمع مما روعي فيها مصالحه.
وحيث إن تنفيذها يتطلب وجود جماعة متفرغة لذلك، وجهاز حكم يتولى ذلك، يصبح من
المتعين على المجتمع الإسلامي تشكيل دولة قادرة يفوض إليها مهام القيام بهذه
التكاليف. إذ لا يعقل أن يتوجه تكليف إلى المجتمع ولا يكون على عاتقه تهيئة مقدماته
ومنها تفويض الغير.
وميزة هذا الدليل عما سبقه أنه يدل بالمباشرة على أن تنفيذ الأحكام وإجرائها في
الحياة الإجتماعية العامة فرض على الأمة، وهذا يدل بالملازمة على أنها ذات ولاية
على هذه الأمور بما يتطلبه من تشكيل دولة وحكومة.
والجواب من وجوه:
أولاً: أن هذه الآيات قد نزلت في عهد رسول الله ولم تنزل بعده، وهذا يعني أن كل ما
يستفاد منها يجب أن ينطبق على عصر الرسول بسبب الخطاب المباشر الموجود فيها. فلو تم
ما ذكره المستدل لوجب أن نقول إن هذه الآيات أوجبت ولاية الأمة على نفسها حتى في
عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) وهذا لا يمكننا القبول به على ما بيناه في فصلي
البيعة وسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله).
وربما يعترض علينا:
بأن الآية مطلقة تشمل بإطلاقها ظرفين زمنيين: الأول ظرف رسول الله (صلى الله عليه
وآله) والأئمة (عليهم السلام)، والثاني ظرف الغيبة. وبسبب الدليل الدال على التقييد
يخرج الظرف الأول عن موردها ويبقى الباقي، أي زمن الغيبة تحت هذا الإطلاق.
ولكنه اعتراض مردود:
لأن هذا التقييد ونحوه لا يمكن الأخذ به هنا، لأن الخطاب بـ (وأعدوا) و (اجلدوا) و
(فاقطعوا) في آية السرقة و (قاتلوا) ونحوها، هي في الأساس خطابات تكليفية فعلية قد
انتزع منها ذلك المعنى الوضعي، وهو ولاية الأمة على نفسها، فلابد حتى يصح تقييد
مدلولها الوضعي من تقييد مدلولها التكليفي أولاً. والحال أنه لا يقبل التقييد، إذ
لا معنى لأن يقال هذا الخطاب التكليفي مختص بزمن الغيبة، لأن لازمه أن الناس في زمن
الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) غير مطالبين بإقامة الحد على
الزاني والزانية، ولا بإقامته على السارق والسارقة، ولا بالإعداد العسكري ولا بقتال
المشركين المعتدين، ولا بأي تكليف من تلك التكاليف التي جاءت بشكل خطاب للأمة. وهذا
المعنى غير معقول، بل القدر المتيقن من زمن ثبوت هذه التكاليف هو زمن الرسول (صلى
الله عليه وآله)، وبالإطلاق أو بغيره من الطرق يشمل الأزمنة الأخرى.
ثانياً: إن هذا الخطاب في مضمونه تكليفي، والذي يدعيه المستدل الملازمة بينه وبين
المدلول الوضعي وهو ولاية الأمة على نفسها، والحال أنه لا ملازمة بينهما لا عقلية
ولا عرفية.
أما العقلية فلأن شرطها على الأقل إنحصار تنفيذ الخطاب بولاية الأمة على نفسها
والعقل لا يرى هذا الإنحصار.
أما العرفية فلأنها فرع أن تكون الآية في مقام بيان جميع الشروط المطلوبة في
التنفيذ، وهذا لم يثبت بل الظاهر خلافه. ولذا من الطبيعي أن يأتي السؤال بعد تلك
الآيات: كيف؟ وجواب هذا السؤال ليس من الآيات بل من أدلة أخرى.
ثالثاً: لو كان هذا من لوازمها فهو ليس من لوازم الإطلاق، بل من لوازم الإهمال.
وبعبارة أخرى إنما نستنتج من الآية أن آلية التنفيذ بيد الناس لو أهمل الإسلام هذه
النقطة، وحينئذ يأتي العقل ويقول لا يعقل أن نؤمر بشيء يحتاج إلى آلية بدون
تحديدها، فإذا أهمل لنا بيان الآلية فلابد أن تكون الآلية بيد الناس. وهنا نسأل هل
يعقل للشرع الحنيف والمشرع الحكيم أن يترك ويهمل هذا الأمر وهو أهم من الأمر
بالجلد؟ بالطبع لا. فسكوت الآية عن هذا الموضوع ليس إهمالاً كلياً بقدر ما هو إهمال
في بيان هذا الأمر في خصوص هذا الكلام، لأنه سيق لبيان ما يستحق الزاني والزانية
وأمثالهما، لا بيان شروط التنفيذ. وربما كان توجيه الخطاب للأمة بغرض زرع الهمة
فيها لتنفيذ هذه العقوبات.
رابعاً: لقد ثبت لدينا بالنصوص والأدلة أن هذه الأمور التي وردت في الخطابات
القرآنية هي من صلاحيات الحاكم الشرعي المعبر عنه بالإمام، وليس من شؤون الأمة،
فيسقط الإستدلال بهذه الآيات على ولاية الأمة على نفسها. غاية الأمر أننا نحتاج إلى
طريقة لمعرفة من هو الحاكم الشرعي في الإسلام بعد غياب الإمام (عليه السلام)، ولا
شأن لهذه الآيات بهذا الأمر.
والنتيجة.
إنّ كل الآيات التي ذكرناها وما شاكلها لا تدل إلا على الحاجة إلى مجتمع فيه حكومة
تنفذ ذلك، أما كون هذه الحكومة تجسيداً لولاية الأمة على نفسها، فهذا لا تدل عليه
الآيات، بل لابد من النظر في العقل والنقل.
فإن كان هناك طريق عمل به، وإن لم يكن أي على تقدير الإهمال الكلي في الشريعة فهذا
أيضاً لا يستلزم ولاية الأمة على نفسها ونفي ولاية أحد عليها كالفقيه كما سنبين
فيما بعد.
تتميم:
قد يستدل على ولاية الأمة على نفسها بإطلاقات أخرى:
مثل قوله تعالى:﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ
وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ
وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[59].
وقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[60]. ونحوهما من الآيات.
ولكنه إستدلال ضعيف. وذلك لأن هذه الآيات لا تدل على أن الأمة قد أعطيت الولاية على
نفسها من قبل الله تعالى.
وقد يستدل على ذلك بمثل قوله تعالى:﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾[61]وقوله تعالى:﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾[62]. وبما
تقدم من قوله (صلى الله عليه وآله): (عونك الضعيف من أفضل الصدقة)[63].
وقد ذكرنا بعض المناقشة لهذا الإستدلال في سياق بحث أدلة ولاية الفقيه، وقلنا أن
هذا النحو من المضامين لا يصلح لتقييد أدلة ولاية الفقيه.
وهنا نقول إنه لا يصلح لإثبات وجود ولاية أو وجود تكليف شرعي عام فيما لو اقتضى
التصرف في ما يتعلق بالغير، إذ الأصل في هذه الحال عدم الجواز ما لم يرد دليل عليه.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون الغير شخصاً أو مجتمعاً، وقد تقدم أيضاً بعض الكلام في
ذلك فيما نقلناه عن الشيخ الأنصاري في مسألة عدول المؤمنين.
وعلى كل حال فقد اتفقت كلمة العلماء على أن هذه المضامين لا تفيد في مقام الولاية.
الفصل العاشر: ملاحظات عامة حول نظرية ولاية الأمة على نفسه
ولدينا على هذه النظرية من أساسها ملاحظات:
الملاحظة الأولى: أننا قد بينا أن الأدلة اللفظية تامة الدلالة على ثبوت الولاية
للفقيه. وهذا ينفي تلك النظرية بكل وجوهها واستدلالاتها باعتراف من قال بتلك
النظرية من الشيعة الإمامية.
الملاحظة الثانية: أن ولاية الأمة على نفسها لن يتحقق لها مصداق إلا في صورة توافق
الأمة على رأي واحد سواء بالنسبة للحاكم أو بالنسبة لشكل الحكم وتفاصيله. فلو
اختلفت وأردنا تحكيم الأكثرية على الأقلية، فهذا ليس من ولاية الأمة على نفسها بل
من ولاية الأكثرية على نفسها وعلى الأقلية المخالفة، التي قد تكون من حيث العدد
كبيرة.
الملاحظة الثالثة: ولو فسرت ولاية الأمة على نفسها بولاية الأكثرية، فهذا تقييد
لسلطة الأمة بإجبار قسم منها على العمل برأي الأكثرية.
ولو سلمنا أنها تشمل ولاية الأكثرية على الأقلية فما هي صيغة التفويض، وهل يحق
للأكثرية أن تفوض من تشاء مهما كانت صفته، أم أن هناك مواصفات خاصة يجب على الأمة
مراعاتها فيمن تفوض، ومن هو الذي يفرض هذه المواصفات على الأمة ما دامت لها الولاية
على نفسها.
فإن فرض المواصفات عليها مرجعه إلى تقييد هذه الولاية، وإن كان الفرض ناشئاً من
التشريع الإسلامي.
ثم ما هي الشروط التي يمكن للأمة أن تشرطها على الوالي فهل لها أن تشترط ما تشاء من
دون رعاية لأحكام الإسلام، أم لابد أن تشترط ما يريده الإسلام من الحاكم؟ وما
الدليل على أن الأمة ملزمة بهذا الإشتراط بناء على تلك النظرية، ليس هذا تقييداً
آخر لولاية الأمة على نفسها.
ثم ما هي الصلاحيات التي يمكن للأمة أن تعطيها للحاكم، وما هي الصلاحيات التي يمكن
أن تنفيها عنه؟ فإن كان ذلك بما يوافق الشريعة فهذا تقييد آخر لولايتها على نفسها،
وإن كان بما يخالفها فهذا غير ممكن، وإلا فكيف كانت الأمة الإسلامية.
ثم ما هي الآلية القانونية التي يمكن أن تعتمدها الأكثرية في عزل الحاكم؟ فهل يحق
لها أن تعزله ساعة تشاء وإن كان من أخلص المخلصين لله تعالى والإسلام، أم لا
تستطيع. فإن كانت تستطيع فهذا تضييع لهدف الإسلام من الحكومة، وإن كانت لا تستطيع
فمن الذي يضمن إلزام الأمة بذلك وعلى فرض الإلزام فهذا تقييد آخر لولايتها على
نفسها.
إن كل هذه التقييدات تفقد نظرية ولاية الأمة على نفسها معناها، إذ تصبح مجرد طريقة
لتعيين الوالي الموصوف بمواصفات محددة لا دخل للأمة في تحديدها، ولا في تحديد
الواجبات والدور المطلوب من الحكومة والحاكم، ولا بشؤون الحكم والحكومة. فلا موقع
حينئذ لجعلها نظرية في قبال نظرية ولاية الفقيه.
ولذا وجدنا بعض من كتب في ولاية الفقيه يخصص ولاية الأمة على نفسها بخصوص حق
الإنتخاب وبيان مشروعيته، بحيث يتلاءم ذلك مع ولاية الفقيه.
الملاحظة الرابعة: أنه إن كان الغرض من إثبات ولاية الأمة على نفسها نفي ولاية
الفقيه، وأنه يحق للأمة أن تختار من تشاء من دون ضوابط وشروط، فهذا لا يمكن لوجود
النصوص الكثيرة المبينة لشروط الوالي والبالغة حد التواتر، ليس فقط في دائرة نصوص
الإمامية بل في الدائرة العامة للمسلمين. ونحن لا نستطيع أن نلغيها، بل لا يجوز ذلك
لا بالعقل ولا بالنقل، إلا أن ندعي أنها مختصة بالإمامة المعصومة، وهذا أيضاً لا
وجه له لأنه تخصيص من غير مخصص.
وهذه النصوص تدل على جملة شروط ومواصفات في الولي يجب أن تتوفر فيه حتى يجوز له أن
يتولى أو حتى يجوز للأمة أن توليه. ولذا لو انتخب من كان يحرز من نفسه عدم توفر
الشروط لم يجز له أن يقبل وأن يتصدى لذلك المقام، وإن انتخبته الأمة بأجمعها.
الملاحظة الخامسة: إنّ كان الغرض من نظرية ولاية الأمة على نفسها ليس نفي مبدأ أن
يكون الفقيه حاكماً، بل تقييد صلاحياته وأن ما يُدّعى كونه من صلاحيات الفقيه هو من
صلاحيات الأمة، وتقييد دائرة حكم الفقيه بالمجتمع الذي عيّنه فلا تكون له ولاية في
المجتمعات الأخرى، بل يحق لأي فقيه آخر أن يتولى حكم مجتمعه بتفويض شعبه له فتتعدد
الجمهوريات الإسلامية وتعدد الولاة، فهذا أيضاً غير لازم بمجرد ولاية الأمة على
نفسها، فإن كلا الغرضين لا يترتبان على القول بولاية الأمة على نفسها كما سنبين في
الفصول المتعلقة، ببحث وحدة الولاية وتعددها.
الملاحظة السادسة: لو فرضنا أن النصوص لا تدل على لزوم أن تختار الأمة فقيهاً
للولاية والحكومة، فهذا لا يعني أنها تصير مطلقة العنان من حيث هذا الشرط بل تبقى
ملزمة به بدليل الحسبة. لأن دليل الحسبة كما يستعمله المكلف والفقيه فكذلك تستعمله
الأمة، ولا دخل لدليل الحسبة بطريقة اختيار صاحب الوصف بل دخله بتحديد الوصف
المطلوب في الولي. فإذا لم يقم للأمة دليل يجعلها مطلقة السراح، واحتمل أن تكون
ملزمة باختيار الفقيه، فإن دليل الحسبة يلزمها باختياره. والذي يقوم بهذه العملية
هم الفقهاء بالنيابة عن الأمة لأن المفروض أن استنتاج ولاية الأمة على نفسها كان
بطريقة فقهية إجتهادية، فيجب أن نحدد مدى هذه الولاية بطريقة فقهية إجتهادية أيضاً.
الملاحظة السابعة: إن نظرية ولاية الأمة على نفسها هي نظرية الإنقلابات المتكثرة
واللاإستقرار الإجتماعي، والتخلي عن الدين كشرع يحكمنا في كل صغيرة وكبيرة. فإننا
إذا بنينا على ولاية الأمة على نفسها بدون ضوابط وكان هذا حقها الحصري، تأتي مجموعة
أسئلة لتثير مخاوف تجعل مصالح الأمة في معرض التسيب والزوال. فإنه لو لم يكن للفقيه
ولاية يتمكن من خلالها من إلزام الأمة بسلوك الطريق الصحيح، ونقصد الإلزام الشرعي،
فهذا يعرض الأمة للفساد ولتسلط المنحرفين عليها ويفسح المجال لظهور حكومات لا علاقة
لها بالإسلام. وفي هذا تضييع للهدف المنشود من وراء تشكيل حكومة ترعى شؤون المسلمين
في عصر الغيبة إلى أن يظهر الإمام الحجة (عج).
ثم ما أسهل أن تسيطر قلة قليلة على الأكثرية من خلال الإعلام ونمط تثقيفي تربوي
معين وقدرة مالية، فبدل أن تكون الولاية للأمة على نفسها، وهو الشعار البراق، نكون
قد أعطينا الولاية لتلك الفئة القليلة على الأمة. ولذا ترى كل الضغط المنحرف متجه
نحو إلغاء فكرة ولاية الفقيه من نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، والذي يتمظهر
بمظاهر متعددة والتي منها المطالبة بإلغاء كل ما يشكل ضمانة للأمة من عدم الوقوع في
الإنحراف، كإلغاء مجلس صيانة الدستور والتخفيف من شروط الدخول في مجلس الخبراء ونحو
ذلك لكي يسهل لهم فيما بعد الوصول بحكام غير فقهاء بل وغير عدول يتحكمون بالأمة
ومصيرها. إنّ نظرية ولاية الفقيه تحمل في نفسها أقصى الضمانات الممكنة في عصر
الغيبة.
أما نظرية ولاية الأمة على نفسها فلا تتضمن أي ضمانة. إنّ نظرية تحمل في طياتها مثل
هذه المخاطر لا يمكن أن يقبل بها الإسلام. وهذه المخاوف لن تتحقق لو ألزمنا الأمة
بضرورة انتخاب الفقيه الجامع للشرائط، وبضرورة الإنصياع لإرشاداته ولزوم طاعته
شرعاً.
إنّ احتمال ولاية الأمة على نفسها كنظرية في مقابل ولاية الفقيه يحمل في طياته
مظاهر خلل كبيرة تمنع من الركون إليه في باب الولاية والحكومة، وبالتالي يجب إسقاطه
عن الإعتبار. اللهم إلا إذا أنكرنا ضرورة الحكومة الإسلامية وقلنا بشرعية أي حكومة
ناشئة من الشعب في عصر الغيبة، وإن لن تكن تحكم وفق الشريعة. وهذا القول يمثل قمة
السقوط، ولا يمكن لمسلم أن يلتزم به إلا إذا كان مسلماً بالإسم دون الجوهر وليس
نقاشنا معه.
الملاحظة الثامنة: ربما لو طرح هذه النظرية من لم يؤمن بنظرية النص في مسألة
الإمامة لكنا قد فهمنا مقصوده، لكنه لن يكون مفهوماً أن يطرحها من يؤمن بنظرية النص
التي هي نظرية ضرورة النص. وذلك لأن من مكونات هذه النظرية عدم أهلية الأمة بأي وضع
من الأوضاع لإيكال أمر الولاية إليها بالنحو الذي يوحي به أصحاب النظرية، كما أنها
ليست أهلاً لإيكال أمر الشريعة وحفظها لها.
إنّ دعوى ولاية الأمة على نفسها لا يتحقق إلا في الأمة المعصومة المأمونة من أي
انحراف أو خلل. فإن كان المدّعى هو ذلك يأتي سؤالان:
الأول: ماذا نفعل قبل أن تبلغ الأمة هذه المرحلة لو افترضنا إمكانية ذلك؟.
الثاني: هل يمكن للأمة أن تبلغ هذه المرحلة وهذا المستوى الذي تصبح فيه الأمة
معصومة؟ فإن كان الجواب بالإيجاب، فهو دعوى إمكانية الإستغناء عن المعصوم. فهل
يدّعي هذه الدعوى أحد من الشيعة الإمامية.
الملاحظة التاسعة: إنّ نظرية ولاية الأمة على نفسها أشبه بنظرية أن الله تعالى أوكل
أمر الإنسان إلى نفسه. وهذا لا يكون إلا عقوبة للإنسان من قبل الله تعالى، فإن كان
الأمر كذلك فهذه النظرية لا تستحق أن يُتبجح بها. علماً أننا نعتقد أن الأمة وإن
عوقبت بحرمانها من إمام زمانها، لكن لا نعتقد أن العقوبة بلغت هذا الحد. ففي هذا
تيئيس للأمة أن تلقى إمامها وهي الممتحنة في غيبته امتحاناً يرتبط بظهوره عجله الله
تعالى.
نتيجة ما تقدم:
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسلم العقل بإمكانية ولاية الأمة على نفسها بالعنوان
العريض. وغاية ما يستطيع أن يوافق عليه أن تكون الأمة هي المعنية باختيار الولي في
عصر الغيبة بمعنى أنها هي التي تختار الحاكم وفق الشروط الإسلامية والتشريع
الإسلامي والصلاحيات الإسلامية والأهداف الإسلامية.
_____________________
[1] نظرية النص لا ينحصر دورها في إثبات الحكومة السياسية للإمام المعصوم (عليه
السلام) بل تتعداها لإثبات دور الهداية وحفظ الشريعة وما يناسب ذلك. ولذا لم يبطل
دورهم (عليهم السلام) بعدم قدرتهم على الحكومة.
[2] ولكن هذه النظرية لم تتبلور في الصدر الأول بل كان هناك تخبط حول الموضوع فبررت
بيعة أبي بكر بأن الرسول لم يجد حاجة للتنصيص بينما وجد أبو بكر الحاجة إلى التنصيص
على عمر. وسار عمر بسيرة أخرى غير ما ادعاه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وغير
ما فعله ابو بكر فجعلها شورى في ستة يعلم مسبقاً أنها ستختصر في ثلاثة فكانوا إثنان
مقابل واحد. ولعله كان مريداً من أول الأمر جعلها في عثمان لكنه كان يدرك أن الخيار
غير سليم فأشرك غيره في مسؤولية هذا القرار.
[3] بل نسب إلى بعضهم إنكار ربط النص بالقيادة والحكومة وأن الأمة لها الخيار حتى
بالنسبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فضلاً عن الأئمة (عليهم السلام). راجع ما
حكاه سماحة الحجة السيد كاظم الحائري في كتاب المرجعية والقيادة.
[4] نظام الحكم والإدارة في الإسلام للشيخ محمد مهدي شمس الدين ص 410.
[5] أليس غريباً أن يظهر من بعض وعاظ السلاطين من يزعم أن أنظمة الحكم في البلاد
الإسلامية شرعية وهي التي لا تحكم بالإسلام ولا بأنظمته والتي استسلمت في أغلبها
للنظم الغربية وسلطتهم والتي لا تقدم لشعوبها إلا القهر والظلم، أليس غريباً أن تجد
بعض من هم على أبواب السلاطين ينكرون أن ليس في الإسلام ما يسمى مشروع الدولة
الإسلامية في عصر الغيبة وربما قالوا أيضاً: إن إقامة الدولة الإسلامية في عصر
الغيبة غير جايز شرعاً قبيح عقلاً حتى لمن يقدر على ذلك. وقد تغطى بعباءة هذا الشخص
قوم حاربوا المؤمنين وكانت التهمة الموجهة إليهم أنهم يرغبون بإقامة حكم إسلامي. ثم
نجد هذا الشخص ينصب نفسه والياً وحامياً للشريعة ولفكر أهل البيت (عليهم السلام).
[6] من شاء كتاباً مختصراً يناقش هذا الموضوع ويثبت أطروحة النص فليراجع كتيب السيد
الشهيد الصدر وكتيب العلامة الطباطبائي وما كتبه الشهيد مطهري حول الولاية.
[7] نهاية ابن الأثير ج1، ص 174. نقلاً عن دراسات في ولاية الفقيه ج1، ص 524.
[8] مقدمة ابن خلدون الفصل 29 من الفصل الثالث من الكتاب الأول. نقلاً عن دراسات في
ولاية الفقيه، ج 1، ص 524.
[9] تفسير الميزان ج18 ص 274. طباعة الأعلمي بيروت. ولم ينقل صاحب (دراسات في ولاية
الفقيه) الجملة الأولى للعلامة أي كونها ميثاقاً لبذل الطاعة لأنها على ما يبدو
تنافي غرضه.
[10] سورة الفتح، الآية: 10.
[11] راجع الجزء الأول من دراسات في ولاية الفقيه للشيخ المنتظري ص 525 وما بعدها.
[12] نهج البلاغة ج1، ص 181 شرح الشيخ محمد عبده.
[13] الخطبة الشقشقية من نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده ج1 ص 34 وشرح الشيخ صبحي
الصالح ص 49.
[14] نهج البلاغة ج3 ص 7 شرح الشيخ محمد عبده وشرح الشيخ صبحي الصالح ص 366 الكتاب
السادس.
[15] عيون أخبار الرضا عليه السلام للشيخ الصدوق الجزء الثاني الباب 31 الحديث 254ص
62.
[16] إرشاد المفيد ص 204 مؤسسة الأعلمي بيروت.
[17] راجع مقالة عثمان عبد عثمان في كتابه عن الدولة الإسلامية بين النظام الوطني
الديمقراطي القائم على توزيع السلطات والصحوة الإرهابية الداعية لنظام الخلافة
العالمية الإستبدادي. ص 31 وما بعدها طباعة دار ومكتبة الهلال. ثم إن هذه النظرية
أخذت مأخذها من بعض المحسوبين على الشيعة الإمامية فنادى برفض فكرة الدولة
الإسلامية في أي مكان في العالم، وهذا هو الذي دعانا لمناقشة هذه النظرية.
[18] سورة النجم، الآية: 3، 4. وسورة الأنعام، الآية: 50، وغيرهما من الآيات
الكثيرة.
[19] سورة الفتح، الآية: 18.
[20] سورة الفتح، الآية: 10.
[21] سورة الممتحنة، الآية: 12.
[22] سورة الأحزاب، الآية: 6.
[23] سورة الأحزاب، الآية: 36.
[24] سورة النساء، الآية: 59.
[25] سورة التوبة، الآية: 111.
[26] سورة آل عمران، الآية: 159.
[27] نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده ج4 ص 76 وشرح الشيخ صبحي الصالح ص 531.
[28] سورة الشورى، الآية: 37 و38.
[29] نقلاً عن دراسات في ولاية الفقيه ج1 ص 410.
[30] سورة المائدة الآية رقم 1.
[31] الوسائل ج12 الباب 6 من أبواب الخيار ح2.
[32] سورة فاطر، الآية: 39.
[33] سورة النمل، الآية: 62.
[34] سورة النور، الآية: 55.
[35] سورة البقرة، الآية: 30.
[36] سورة ص، الآية: 26.
[37] سورة الأنعام، الآية: 133.
[38] سورة الأعراف، الآية: 169.
[39] سورة البقرة، الآية: 30.
[40] دراسات في ولاية الفقيه للشيخ المنتظري ج1 ص 502.
[41] المرجعية والقيادة للسيد كاظم الحائري صادر عن مكتبه. ص 55.
[42] سورة الأنبياء، الآية: 105.
[43] سورة القصص، الآية: 5.
[44] سورة النور، الآية: 55.
[45] سورة البقرة، الآية: 30 ، 31.
[46] تفسير الميزان للعلاّمة الطباطبائي ج1 ص 115 طباعة الأعلمي بيروت.
[47] قد ذكر هنا صاحب هذا الكلام اصطلاح المقدمات المفوتة وفسرها بأنها التي إن لم
تفعل يفوت الواجب بفواتها وأنها تفترق عن مقدمة الواجب من وجوه ثم قال: ويطلب تفصيل
الكلام عن ذلك في محله من علم الأصول. والذي أراه أنه عرّف المقدمات المفوتة بنفس
تعريف مقدمة الواجب فليراجع علم الأصول.
[48] هذه النسبة للسيد آل بحر العلوم غير صحيحة فهو لم يشر في أي مورد من الموارد
إلى وجود ولاية ثابتة للأمة. بل هو من القائلين بولاية الفقيه كما سيأتي نقل كلامه
مع غيره من العلماء في الخاتمة.
[49] ولا يكاد ينقضي تعجبي من هذا الكاتب وهو يؤول ويؤول كلمات العلماء لكي يجد له
ناصراً. حتى أن عبارة السيد آل بحر العلوم تكاد تكون صريحة في أن تصرف العدول إنما
يصح مع فقد من هو مقدم عليهم في المرتبة ومقصوده الحكام فراجع كلامه، فجعلها ثابتة
بدون هذا الفقدان لمجرد أنه قال كلمة (ليس على وجه النيابة) أو (ليس على وجه النصب
مضاد لمراد السيد. مع أنه في المتن قال إن السيد لاحظ مسألة الصغير التي اعترف
الكاتب بأن الولاية عليه للفقيه وإنما تثبت لغير الفقيه مع فقد الفقيه. فإن كان
السيد قد لاحظ ذلك فهذا يعني أن السيد يريد أن يثبت ولاية للعدول في الصغير حتى مع
وجود الفقيه بناء على ما استنتجه هذا الكاتب. ولست أدري ما هي المنافاة بين أن يكون
تكليف العدول بالتصدي للأمور الحسبية إنما هو على تقدير فقد الفقيه وبين كونه
تكليفاً شرعياً غير نيابي.
[50] نظام الحكم والإدارة في الإسلام ص 437 وما بعدها.
[51] المكاسب للشيخ الأنصاري، ص 155 من الطبعة الحجرية.
[52] سورة المائدة، الآية: 2.
[53] رأيت حديثاً يشبهه نقله الحر العاملي عن الكافي بسند عن أبي عبد الله عليه
السلام قال فيه: (والله في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه).و سائل الشيعة
ج11 الباب 29 من أبواب فعل المعروف ح2.
[54] وسائل الشيعة ج11 الباب الأول من أبواب فعل المعروف ح2 وج6 الباب 41 من أبواب
الصدقة من كتاب الزكاة ح1.
[55] منية الطالب في حاشية المكاسب تقرير الشيخ موسى النجفي الخوانساري ج1 ص 329
حجرية.
[56] سورة البقرة، الآية: 190.
[57] سورة الانفال، الآية: 60.
[58] سورة النور، الآية: 2.
[59] سورة الحج، الآية: 41.
[60] سورة آل عمران، الآية: 110.
[61] سورة البقرة، الآية: 195.
[62] سورة التوبة، الآية: 91.
[63] وسائل الشيعة للحر العاملي ج11 الباب 59 من أبواب جهاد العدو ح2.