الباب الثالث: كيف يعين الولي وفيه تمهيد وفصلان
ـ الفصل الأول: نظرية التصدي
ـ الفصل الثاني: نظرية الإنتخاب
تمهيد:
ما تقدم كان عبارة عن جملة من البحوث التقليدية المعتادة من مباحث ولاية الفقيه.
ومن الآن وصاعداً سنواجه مسائل ذات سمتين:
أحدهما: أنها مسائل لم يكثر الحديث عنها في الفقه المرتبطة بمسألة ولاية الفقيه.
ثانيهما: أنها مسائل نالت إهتمام الباحثين من غير الفقهاء بشكل كبير.
ولذا يصبح التركيز عليها أمراً ملحاً أكثر من التركيز على الأدلة.
وسنحاول قدر الإمكان الإجابة عن تساؤلات المتسائلين لعل الله تعالى يوفقنا لذلك.
ومن هذه الأسئلة ما يتعلق بكيفية معرفة هذا الولي وتعيينه، فإن الأدلة المتقدمة
إنما دلتنا على العنوان لا الشخص فلابد من طريقة لتشخيص الولي الفعلي. فهل كل فقيه
توفرت فيه الشروط الأساسية التي تقدم بيانها يكون ولياً بالفعل أم ماذا؟ وما هو دور
الناس في اختيار الولي.
ومحل هذا السؤال ما لو تعدد الفقهاء الكفوؤن. لأنه لو لم يكن لدينا غير فقيه واحد
توفرت فيه الشرائط المعتبرة ينتفي السؤال، ولن يبقى حينئذ خيار لا أمام الناس ولا
أمام هذا الفقيه. بينما سيكون هذا السؤال مطروحاً بقوة إذا تعدد الفقهاء الكفوؤن مع
فرض أنه لا نص على التسمية إلا في المعصوم الغائب (عجل الله فرجه).
وعليه فالسؤال على حاله، وحينئذ نستحضر صورتين يمكن استخلاصهما مما تقدم:
الصورة الأولى:
أن نكون من القائلين بضرورة أن يكون الولي هو الأفضل من الجميع من حيث مجموع
الصفات،مع الترجيح بالصفات الأهم عندما يكون أحدهم أفضل في صفة والآخر أفضل في صفة
أخرى.
والجواب في هذه الصورة واضح، وهو أن الولاية لخصوص الأفضل من بين الموجودين أو
المتصدين لا لجميع الفقهاء. وعادة يكون الأفضل شخصاً واحداً. وهذا الواحد يكون هو
الولي الواقعي سواء عرفناه أم لم نعرفه، غايته أن علينا العمل على معرفته، ويكون
دور الناس البحث عنه وبذل أكثر جهد ممكن للوصول إليه.
الصورة الثانية:
أن نكون من القائلين بعدم اشتراط ذلك أو نكون من القائلين بالشرط المذكور، لكن صادف
أن مجموعة من الفقهاء متساوية في الصفات والشروط المعتبرة في الولي بحيث لم يكن
أحدهم أفضل من غيره، أو كان لكن لم يكن بالإمكان معرفته لتقاربهم من حيث الصفات أو
لأي سبب آخر.
وفي هذه الصورة إفتراضان:
1ـ الإفتراض الأول:
أن نفترض إجتماع هذه المجموعة وإتفاقها أو إمكانية الإتفاق فيما بينهم على طريقة
واحدة في إدارة شؤون الأمة وقيادتها، وفي هذه الحال لا يترتب على تعدد الفقهاء أي
مشكلة. وليس هناك مانع شرعي أو عقلي من أن يتولى الحكم مجلس فقهاء عدول كفوئين
جامعيين للشرائط. وهذا الحل وإن كان يشكل أفضل الحلول لكن الشأن في إمكانية تحقيقه.
ولا أعتقد أننا قد نختلف في تعذر أو تعسر تحقيق هذا الأمر، ولذا لن يكون هذا الحل
عملياً واقعياً رغم أفضليته.
2ـ الإفتراض الثاني:
أن نفترض الإختلاف فيما بينهم كما هو المتوقع.
وفي هذا الفرض يفرض السؤال المتقدم نفسه فهل كل فقيه يكون ولياً أم لابد من اختيار
واحد وعلى التقدير الثاني فما هي المرجحات التي يجب ملاحظتها في تمييزه عن غيره
ليكون هو الولي دون غيره، وهل يمكن أن يكون رأي الناس واختيارهم من المرجحات؟
ومن البديهي أنه لا يمكن القبول بكون جميع الفقهاء ولاة فعليين للأمة بأن يكون كل
منهم ولياً مستقلاً عن الآخر، لما تقدم من لوازم فاسدة مترتبة على هذا الأمر من
ضياع الأمة واختلال النظام والهرج والمرج وفقدان الحياة الإجتماعية، وبالتالي ضياع
الأهداف المرجوة من وجود حكومة آمنا بضرورة وجودها على ما تقدم. ولذا سنكون مضطرين
جميعاً بما فينا هؤلاء الفقهاء إلى إيجاد حل تتركز على أساسه الولاية، والخروج من
حالة التعدد التي تستدعي الإختلافات وضياع الأمة إلى حالة يحصل فيها التوحد والنظم
بما تستقيم معه الأمور وتتحقق الأهداف.
حل المشكلة:
ولن تحل المشكلة إلا من خلال سبيل عقلائي وشرعي يمكن من خلال سلوكه التوصل إلى حل
يتناسب مع المبادئ والأهداف. وهنا قد تطرح نظريتين في سبيل حل هذه المشكلة نستعرضها
ضمن الفصلين التاليين:
الفصل الأول: نظرية التصدي
إنّ أول ما يتبادر إلى الأذهان عادة عند طرح السؤال السابق هو أن الحل يرتكز على أن
تكون الأولوية في الولاية والحكم لمن يسبق غيره في التصدي للحكم. وأن مجرد تصدي
الفقيه لولاية الأمر وشؤون الأمة كافة في صيرورته ولي الأمر الشرعي الفعلي فلا يجوز
لغيره مزاحمته في هذا الدور.
وقد اشتهر هذا القول بين الناس حتى كاد أن يتوهم البعض أن هذا القول من المسلمات
الشرعية التي لا ينبغي التشكيك فيها أو مناقشتها.
مناقشة النظرية:
ولكننا بعد التأمل فيها وفي الأدلة الشرعية لم نجد ما يصلح أن يكون دليلاً على هذا
القول. وكل الذي نعرفه أن النصوص دلت على أن مقام الولاية والحكومة مختص بالفقهاء
العدول الكفوئين. أما أن التصدي يكفي لصيرورته ولي أمر بالفعل بحيث يكون تصديه
مانعاً من تصد الآخرين فهذا ما لم تدل عليه الأدلة. ومجرد وجود نص أعطى الولاية
للمتصف بالأوصاف التي أثبتناها سابقاً لا يكفي لإثبات هذه النظرية.
لأن النصوص إن أعطت ولاية فعلية للفقهاء كلهم فهذا يعني أن الجميع ولاة فعليين،
وهذا باطل بالوجدان العقلائي وبحكم العقل الفطري السليم على ما تقدم مراراً. ووضوح
هذا البطلان إلى درجة البداهة يشكل قرينة حالية متصلة على أن النصوص ليست في مقام
بيان الوالي بالفعل، وأنها فقط في مقام بيان شأنية الولاية وأن الوالي هو من
العلماء ورواة الحديث والفقهاء. أما أي فقيه هو الولي بالفعل فلا بد من ملاحظة أمور
أخرى لذلك، ولو بالإستعانة بالروايات أو المرتكزات الشرعية أو العقلائية الممضاة من
قبل المعصومين (عليهم السلام).
متى ينفع التصدي:
نعم إن تصدى الفقيه وسلّم له الآخرون بقيادته وتوفرت فيه الشروط ولم يتصد غيره لهذا
العمل، فإن هذا الفقيه يكون هو الولي الفعلي. لكن فعلية ولايته لم تنشأ من محض
التصدي بل من مجموعة العوامل المذكورة.
وهذا التصدي بهذه المواصفات يمكن فرضه في حالات محددة ويصعب فرضه في جميع الحالات.
فلو كانت المجتمعات الإسلامية محكومة بحكومات غير إسلامية ولم تكن هناك دولة
إسلامية يمكنها أن تتولى شؤونهم وأمورهم، ففي هذه الحال يجب على العلماء أن يتصدوا
للقيام بذلك الدور داخل مجتمعاتهم، والسعي لإقامة الدولة الإسلامية التي تصون
حقوقهم ومصالحهم. ويكون التصدي حينئذ واجباً كفائياً، فإن تصدى مجموعة منهم وجب
عليهم التواصل فيما بينهم والتشاور حتى تحقيق الهدف، وإن كان فيهم من هو أكفأ وأفضل
في جميع الصفات وجب على الباقين أن يعينوه لا أن يزاحموه. وإن لم يتصد العلماء ولو
لقناعتهم بعدم إمكان الوصول إلى نتيجة لكن رأى أحدهم الكفوء نفسه قادراً على ذلك،
وجب عليه عيناً أن يتصدى ويجب على الباقين الإنقياد له ومساعدته وإطاعته.
وعلى هذا الأساس انطلق الإمام الخميني (رحمه الله). فقد رأى أن أحداً لم يتصد لهذا
الهدف المهم فشعر بالوجوب العيني يحيط به، وكان مستعداً للتنازل عن هذا التصدي[1]لو
تصدى من يراه أكفأ منه، لكن لم يتصد غيره.
بل لم يوجد الأكفأ منه كما أثبتت الأيام ذلك، ولست أدري إن كان سيوجد.
متى لا ينفع التصدي ولماذا:
لكن القاعدة تقول أن التصدي لوحده لا يكفي خاصة في حال وجود الدولة الإسلامية
لمجموعة الأسباب التالية:
1ـ لا دليل على كفاية التصدي كما بينا.
2ـ لو كان التصدي كافياً فسيكثر الولاة في الأمة، خاصة وأن حب الرئاسة هو آخر ما
ينزع من قلوب الصلحاء، فكيف من قلوب غيرهم. فربما يتصدى من لا أهلية له تحقيقاً
لمطامع شخصية، مما يفتح مجتمعنا أمام نزاعات جانبية لا يرضى عنها الله تعالى ورسوله
وإمامنا الغائب (عجل الله فرجه).
3ـ إنّ التصدي من قبيل فرض الذات على الأمة، وكفاية التصدي لوحده ترتكز على أن يحرز
الشخص بنفسه كفاءة نفسه فيتصدى، علماً أنه لم يكن إخبار الشخص عن نفسه وتزكيته لها
يوماً وسيلة شرعية للإعتماد عليه والتسليم له.
ولهذه الأسباب وغيرها نستنتج أنه لا بد من إضافة قيد أو قيود على التصدي ليكون
مؤثراً، وهي جملة الشروط المتقدمة في الوالي وأن تحرز الأمة توفر الصفات فيه. ولولا
ذلك لم يكن هناك سبيل لنلزم الناس بطاعة من تصدى، حتى وإن كان في الواقع أكفأ من
غيره ما داموا لا يعرفونه. فإن تنجز كل حكم يتوقف على أن يحرز المكلف تحقق موضوعه.
التصدي في باب القضاء
وقد يحلو للبعض أن يشبه حال الولاية بحال القضاء أو حال الولاية على الأيتام ونحو
ذلك، فكما يكون التصدي كافياً في تلك الأبواب فليكن كافياً في الولاية على الحكم.
ولذا ذكر العلماء أنه لو تصدى قاض توفرت فيه شروط القضاء للحكم في مسألة، لم يجز
لغيره أن يتصدى لهذا الحكم ولا أن ينقضه.
لكن هذا إشتباه وتلك المقامات مختلفة عن مقام الولاية، فالأول مقام حكام بين
متخاصمين لا يتعداه إلى غيرهما أو مقام ولاية على فرد، بينما مقام الولاية مقام حكم
على الأمة. والتصدي لمنصب القضاء أو للولاية على اليتيم ونحو ذلك لا يحتاج إلى أكثر
من أن يحرز المتخاصمين أو الفرد توفر الصفات فيه، بينما منصب الولاية يحتاج إلى أن
تحرز الأمة توفر الصفات فيه وهذا فارق مهم.
علماً أنه في باب القضاء وغيره من المقامات أيضاً لو لم يقتنع الطرفان بتوفر الصفات
في القاضي المتصدي لم يجب عليهم الترافع عنده بل لا يجوز أحياناً، كما لا يجوز جعله
ولياً على الأيتام والقصر ونحو ذلك. ولا يستطيع هذا القاضي أو الفقيه أن يجبرهم على
الترافع عنده أو القبول بولايته ولا أن يمنع غيره من التصدي.
نتيجة البحث
وعلى ضوء ما ذكرنا يتضح أن من قال بالتصدي من علمائنا لابد أن يكون مراده تصدي
الفقيه بعد اعتراف الناس له بتوفر الصفات فيه، لأن مجرد هذا الإعتراف بدون التصدي
لا يكفي أيضاً. والتصدي لوحده لا يصلح وسيلة للتمييز بين الولي الفعلي وغيره ما لم
نحدد الأطر الشرعية والعقلائية لسبل معرفة صلاحية الشخص لهذا التصدي، وما لم تحدد
الآلية التي يكون التصدي مبرراً لمنع غيره من التصدي. نعم لا يحسن مع توفر الشروط
في المتصدي السابق أن يتصدى شخص آخر بعده لأن هذا هو شأن الفقهاء العدول.
رأي للسيد القائد المعظم آية الله العظمى السيد الخامنئي:
وقد أشار السيد القائد (مد ظله) إلى أن مجرد التصدي لا يكفي عندما أجاب عن بعض
الأسئلة بقوله:
(يجب على كل مكلف وإن كان فقيهاً أن يطيع الأوامر الحكومتية لولي أمر المسلمين ولا
يجوز لأحد أن يخالف من يتصدى لأمور الولاية بدعوى كونه أجدر. هذا إذا كان المتصدي
لأمر الولاية فعلاً قد أخذ بأزمتها من الطريق القانوني المعهود لذلك وأما في غير
هذه الصورة فالأمر يختلف)[2].
ومراده من الطريق القانوني المعهود طريق انتخابه من مجلس الخبراء.
ومما تقدم يتبين أننا لا نزال أمام سؤالين يحتاجان للجواب وهما:
1ـ كيف يحرز الناس توفر الصفات في الشخص المطروح للولاية.
2ـ ماذا نفعل لو تبين وجود عدة فقهاء تتوفر فيهم المواصفات المطلوبة.
وهذا يعني أنه لازال السؤال الأساسي قائماً: كيف يعين الولي.
الفصل الثاني: نظرية الإنتخاب
تذكير:
ذكرنا فيما سبق أن لدينا اتجاهين حول اشتراط أن يكون الولي الأفضل، وسيؤثر هذان
الإتجاهان على وجهة الإنتخاب.
فعلى تقدير اشتراط الأفضلية الأول يكون الولي مشخصاً في الواقع وتكون وجهة الإنتخاب
البحث عنه ومعرفته، الأمر الذي سيفرض آلية خاصة بالإنتخاب تسمح باستكشاف هذا الأفضل
وتسد الباب عن انتخاب غيره.
وعلى التقدير الآخر لا يكون هناك تعين في الواقع لمن هو الولي الفعلي بل يكون جميع
الفقهاء الذين تتوفر فيهم الشروط متساوين في هذا الحق، وتكون وجهة الإنتخاب إختيار
أحدهم بعد أن لم يمكن أن يكونوا بأجمعهم ولاة فعليين كما بينا سابقاً، وإن كان
المستحسن هو اختيار الأفضل.
والإنتخاب على التقدير الأول لا دخل له لا في شأنية الولي للولاية ولا في فعلية
ولايته، لأن كل هذا قد تحدد في الشرع والعقل للأفضل، والإنتخاب مجرد إعلان عن
معرفته. ومعنى ذلك أننا لو كنا مخطئين في التشخيص يكون من اخترناه ليس الولي
الواقعي وإن كنا معذورين في خطئنا، إن لم يكن لدينا تهاون في البحث عنه. لذا يكون
البحث عن الأفضل واختياره وانتخابه واجباً وليس أمراً اختيارياً.
وعلى التقدير الثاني فلا دخل للإنتخاب أيضاً في أهلية ولاية من اخترنا لأن أهليته
سابقة على الإنتخاب ثابتة بالنصوص أو غيرها من الأدلة المتقدمة لكن سيكون له دخل في
فعلية ولاية الولي، وحسم التعدد لصالح الوحدة وترجيح المنتخب على غيره.
والكلام هو نفسه في دور الإنتخاب لو كنا من القائلين باشتراط الأفضل، لكن تساوى
مجموعة من الفقهاء في الفضل أو لم نعرف من هو الأفضل من بينهم.
وتأتي نظرية الإنتخاب على التقدير الثاني كحل عقلائي ومرجح معقول بدون أن يتنافى مع
المسلمات الشرعية، بعد أن تبين معنا أن التصدي بمجرده لا يكفي.
شرعية الإنتخاب:
ربما تبدو نظرية الإنتخاب غريبة بعض الشيء عن مفاهيمنا الإسلامية وعما اعتدنا عليه
خصوصاً وأنها نظرية لم تطرح سابقاً. ولعل أول تطبيق لها في مجتمعاتنا الإسلامية على
مستوى تعيين الولي العام كان في هذه العصر، إذ لم نشهد في حالات سابقة في مجتمعاتنا
الإسلامية تطبيقاً لهذه النظرية، وإن كان ربما وقع الإنتخاب في عصر الرسول (صلى
الله عليه وآله) عندما طلب من الأنصار اختيار إثني عشر نقيباً[3].
وعلى كل حال فقد عرفنا من خلال البحوث المتقدمة الشروط المعتبرة في الشخص حتى يصير
ولياً للأمر في الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة. وهذه الشروط لابد أن يطلع عليها
الناس، وأن يحرزوا توفرها في الشخص المفترض أنه سيكون الولي حتى يكونوا ملزمين
شرعاً باختياره.
وهذا يعني أنه يفترض في الشخص المذكور أن يكون معروفاً بين الناس أو على الأقل بين
أهل الخبرة وأن يشتهر عندهم توفر الشروط فيه.
وقد أشرنا فيما سبق إلى وجود مقاييس حسية أو حدسية قريبة من الحس تسمح لنا بالتعرف
على هذا الشخص، عدا الأعلمية الفقهية لو اعتبرناها في الولي.
وهذا الذي قلناه يقتضي أنه لا يكفي أن يكون الشخص المطروح للولاية غائباً عن علم
الناس وخبرائهم، كما لا يكفي أن يكون معروفاً عند القلة القليلة منهم، بل لابد من
أن تعترف (معظم الأمة به وقبولها لقيادته وذلك إما من خلال معرفتها التامة به أو من
خلال شهادة كثيرين من أهل الخبرة المرضي عنهم من قبل الأمة بكفاءته وأهليته أو من
خلال تعينه من بين الفقهاء بذلك)[4].
والسبب في ذلك أن حق الولاية ثبت حسب الأدلة المتقدمة للعنوان ولم تسم هذه الأدلة
اسم شخص محدد للولاية في عصر الغيبة، ولا أنها حددت لنا سبيلاً معيناً للتشخيص
لنعمل به. ولذا علينا أن نختار طريقة تشخيص تكون حجة على عامة الناس، ولا تقوم
الحجة على عامة الناس إلا بأن يكون الشخص مشهوراً معروفاً بالصفات بينهم عامة وبشكل
خاص بين أهل الخبرة منهم.
وليس هذا الحكم حكماً فردياً حتى يقاس الأمر على كل فرد على حدة فيفرد نفسه بولي
خاص به، بل هو حكم للمجتمع الإسلامي المطالب كمجتمع بالتشخيص. وحيث أنه لم يذكر لنا
في الروايات كيف يكون تشخيص المجتمع فمعنى ذلك اللجوء إلى الطريقة العقلائية.
التشخيص بين المرجعية والولاية:
والمأنوس في أذهان متبعي الشريعة من طرق التشخيص ما هو المتداول في تحديد المرجعية،
ولذا ربما يظن البعض أنه يمكن اعتماد هذه الطرق نفسها في تحديد الولي، أو على الأقل
يتساءل المرء لماذا لا تعتمد الطرق المتبعة في إثبات المرجعية طرقاً لإثبات
الولاية؟.
لكن لو دققنا بعض الشيء سنجد أن هذه الطرق هي التي ستقودنا إلى الإنتخاب.
والتشخيص في المرجعية أمر ميسور باعتبار أن التعاطي مع موضوع المرجعية كان دائماً،
ولسبب غير صحي، ينطلق من الهم الفردي للشخص المكلف. ولم ينظر إليها على أنها شأن
إجتماعي، ولذا لم يكن من المضر أن يفتش كل فرد عن طريقة لإحراز الصفات، بأن يختار
شاهدين من أهل الخبرة يشهدان بصلاحية الفقيه المقصود للمرجعية دون أن يتأثر بتصدي
شخص آخر للمرجعية. وهذا في الواقع نحو من أنحاء الإنتخاب، غاية الأمر أنه يكفي
الإنتخاب من قبل إثنين من أهل الخبرة.
ولكن الأمر مختلف في موضوع ولاية الفقيه فهي ليست شأناً فردياً بل هي شأن إجتماعي
وبالتبع تصير شأناً فردياً، والمطالب بالتشخيص في المرجعية هو الفرد بينما المطالب
بالتشخيص في الولاية هو المجتمع.
طرق التشخيص ثلاثة:
ونحن نعرف طرق التشخيص المتبعة في المرجعية وقد ذكرت في الكتب الفقهية وهي الطرق
الثلاثة المعروفة: شهادة أهل الخبرة، والشياع المفيد للعلم، والمعرفة الشخصية
بالشخص المتصدي للمرجعية. وهذه الطرق الثلاثة وإن أمكن اعتمادها في باب المرجعية،
لكن لا يمكن تبينها كلها في باب الولاية.
الطريق الأول: البينة المؤلفة من قول شاهدين من أهل الخبرة.
وهذا الطريق لا يمكن إعتماده هنا للأسباب التالية:
الأول: لأن البينة ذات بعد فردي لا إجتماعي فلا تشكل أساساً لمعرفة إجتماعية، إذ
الذي يطلع عليها هو الفرد وهذا لا يفيد بالنسبة للأمة. وعلينا البحث عن سبيل معرفة
يحقق معرفة جماعية لا فردية.
والبينة تكون مفيدة للشخص لو كان الولي ينتخب من الناس مباشرة كما هو أحد سبيلي
الإنتخاب، لكن هذا غير أن تكون البينة هي الحاسمة للأمة في اختيار الولي وتعينه.
الثاني: لأنه سيفسح المجال لأن يكون جميع الفقهاء ولاة فعليين، إذ ما من فقيه متصد
أو يريد التصدي إلا وسيجد من يشهد له بأهليته لذلك، بل ربما يأتي أناس يدعون أنهم
أهل خبرة كما يحصل أحياناً في مجال التقليد، فتضيع الأمور على الناس وتتشابك وربما
نتنازع فيما بيننا وفي هذا تضييع لهدف تشكيل الحكومة الإسلامية.
الثالث: إذا بنينا على اشتراط الأفضلية في الولي وجب أن يكون مفاد البينات إثبات
الأفضلية لمن قامت عليه البينة، وفي هذه الحال ستظهر حالات التعارض في شهادات أهل
الخبرة، لأن البينة التي تشهد على أفضلية فلان تنفي أفضلية غيره فيقع التعارض
والتنافي بين البينات وتسقط تلك الشهادات عن الإعتبار. ولا يمكن في أمر الولاية
التغاضي عن حالات التعارض هذه، وإن كانت الناس أحياناً في باب التقليد تتغاضى رغم
علمها بذلك فتقلد من ترتاح إليه غير عابئة أحياناً بالمسؤولية الشرعية الملقاة على
عاتقها في اختيار المرجع.
نعم لن يكون هناك تعارض لو كان البحث عن الكفوء دون الإعتناء بالأكفأ، إذ قيام بينة
على كفاءة شخص لا تنافيها بينة أخرى على كفاءة آخر، ولذا قد تقوم بينة واحدة على
كفاءة شخصين في آن واحد.
ومن مجموع ما سبق نستنتج أننا لا نستطيع في الشأن الإجتماعي العام أن نطلق الكلام
ونقول راجعوا أي شاهدي خبرة. ولذا لو فرضنا أن الله تعالى وفق هذه الأمة لتصحيح
مسار المرجعية وتصحيح شروطها على ما سيأتي تفصيله وجعلها من الشؤون الإجتماعية
العامة، فإننا لن نقبل في تلك الحال بالبينة طريقاً لتحديد المرجع.
الطريق الثاني: المعرفة الشخصية.
وهذا الطريق ينفع صاحب المعرفة فقط دون غيره. ويستحيل عادة أن يملك جميع أفراد
الأمة الخبرة الشخصية الكافية لمعرفة أهلية الشخص للولاية. نعم يمكن أن يكون صاحب
المعرفة من أهل الخبرة، إن كان قادراً على المقارنة بين الفقهاء.
الطريق الثالث: الشياع المفيد للعلم أو الإطمئنان.
وهو الطريق الوحيد المتبقي الذي يمكن إعتماده هنا، وهو أن يكون هناك شياع يفيد
العلم أو الإطمئنان[5]. فإن أمكن تحصيله فبه وإلاّ فلا سبيل للحل إلا باختيار الطرق
العقلائية من اعتماد الأكثرية.
لكن الذي يسهل الأمر هو إمكان تحصيل شياع مفيد للعلم أو الإطمئنان من خلال تشكيل
مجلس حاشد من أهل الخبرة العدول، وبالتالي يمكن من خلال إيكال الأمر إلى هؤلاء
تحصيل العلم أو الإطمئنان بكفاءة الشخص المعين للولاية، أو بأفضليته إن كنا نبحث عن
الأفضل.
ومع تحصيل العلم أو الإطمئنان من قول أهل الخبرة بالأفضلية لا يضر حينئذ أي قول
معارض، لأن قول هذا المعارض هو في أحسن الحالات لن يفيد أكثر من الإحتمال الضعيف
الذي لا يعتني به عقلائياً. وذلك لأنه:
إن حصل لنا العلم بالأفضلية ينتفي أي احتمال مخالف له لأن هذه هي طبيعة العلم.
وإن حصل لنا الإطمئنان بذلك ففي هذه الحال سيكون هناك احتمال موافق لقول المعارض،
ولكن مع الإطمئنان يكون الإحتمال المخالف إحتمالاً ضعيفاً لدرجة لا يعتد بها لأن
هذا معنى الإطمئنان. ويمكن للأكثرية المهمة في مجلس حاشد من أهل الخبرة أن تفيدنا
الإطمئنان إن لم تفد العلم.
لا يكفي الإطمئنان كيفما كان:
ولا يكفي للمنتخب أن يعتمد على مجرد الإطمئنان بتوفر الصفات في الشخص المقصود من
دون ملاحظة منشئه، بل لابد وأن يكون مستنداً إلى سبب عقلائي حتى يكون حجة عقلائية
وبالتالي شرعية. والسبب في ذلك أن حجية الإطمئنان ليست ذاتية بل تستند إلى السيرة
العقلائية الممضاة من قبل الشرع الممثل بأهل العصمة (عليهم السلام) ولم توجد سيرة
على الإعتناء في مقام الإحتجاج بالإطمئنان الناشيء من أسباب غير عقلائية.
معنى الشياع:
ومما ذكرنا يتبين أن الشياع[6] ليس مجرد شهرة بين الناس بل هو عبارة عن إخبارات
كثيرة من كثير من أهل الخبرة. فلا يكفي الشياع بين الناس ما لم يكن ناشئاً عن شياع
بين أهل العلم والخبرة [7]، وإلا فيمكن للدعاية أن تساهم في تحقيق هذا الشياع
بعيداً عن الأسس الصحيحة. كما لا قيمة لشياع أو شهرة تنشأ من قول شخص أو شخصين،
وهذا في الحقيقة خارج عن حقيقة الشياع مندرج في البينة أو قول الشخص الواحد لكنه
قول شائع.
نتيجة البحث:
فتحصل أنه لا سبيل إلا بالشياع، وأن أفضل طريقة له[8]هي تشكيل مجلس يضم حشداً من
أهل العلم والخبرة يشخصون من خلال مشاورات بينهم واستشارة الآخرين من هو الولي،
ويكون الإنتخاب منهم وليس انتخاباً مباشراً من الناس.
وهذا ما اتبعته الجمهورية الإسلامية المباركة أيام الإمام الخميني (رحمه الله) الذي
عمل على تأسيس هذا المجلس، وإن كانت ولاية هذا الإمام المبارك لم تنشأ من هذا
المجلس، بل لم تكن محتاجة إليه لأن الأمة بأجمعها علماء ومتعلمين كانت قد اعترفت له
بذلك، فاستغنى عن أي طريقة لتثبيته في المقام الذي تصدى له[9]. وقد كان (رحمه الله)
خير من تصدى لهذا العمل ولم يتصد غيره فاستغنى عن النقاش الفكري والفقهي أن ماذا لو
تصدى غيره، بل لو تصدى غيره لبان ضعف هذا الغير.
وقد كان من نعم الله تعالى علينا في هذا الزمن أن أكرمنا بنور ولايته الذي هو شعاع
من نور ولاية الحجة الغائب (عجل الله فرجه) فله الحمد تعالى على ما أنعم وأكرم. وقد
كان يحلم بهذا مئات الآلاف من العلماء والملايين من المسلمين عبر التاريخ، حلماً
كانت تنام عليه العيون بعد أرق وترق له القلوب مع كل شفق في كل عصر وزمان. وكانت
مشيئة الله تعالى أن نعيش فيه واقعاً محسوساً فالشكر لك يا رب على هذا الفضل
الجزيل.
تساؤلات:
التساؤل الأول:
إنّ وجود الشياع باتجاه أهلية أحد الفقهاء إنما ينفي أي بينة تعارض هذه الأهلية،
لكن لا ينفي وجود شياع آخر باتجاه أهلية فقيه آخر. إذ لا مانع أن يكون هناك أكثر من
فقيه قادر على تولي هذا المنصب وقيادة الأمة.
الجواب:
أولاً: أن الأكفأ لا يكون عادة إلا واحداً فلو اعتبرنا في الولي أن يكون الأكفأ
والأقدر على قيادة الأمة وإدارة شؤونها، وهو الأرجح على ما بينا، ففي هذه الحال لا
يمكن وجود شياعين على شخصين لأن العلم أو الإطمئنان بأفضلية واحد منهما يعني العلم
أو الإطمئنان بعدم أفضلية الآخر.
نعم يمكن فرض وجود بينة معارضة وقد تقدم أنه لا يعتنى بالمعارض في مقابل العلم
والإطمئنان.
لكن يجب التنبه إلى أن الحكم بالأفضلية أصعب بكثير من الحكم بالأهلية، لأن معرفة
الأهلية لا تتطلب أكثر من معرفة الشخص ولا تتوقف على شيء آخر، بينما معرفة الأفضل
تحتاج إلى معرفة بجميع من يحتمل كونهم الأفضل، مما يحتاج إلى بذل جهد في تحديد
دائرة المحتملات أولاً ثم بذل جهد آخر لمعرفة الأفضل منهم. ولا يصح الحكم لشخص أنه
الأفضل من دون تلك المعرفة التامة قدر المستطاع، إلا أن يكون هناك عذر عقلي أو شرعي
يسوغ ذلك.
ثانياً: لو لم نعتبر الأكفئية شرطاً في الولي أو اعتبرناها شرطاً لكن كان الفقيهان
متساويين في الكفاءة والقدرة فربما يكون الكلام المذكور صحيحاً.
وفي هذه الحال يجب أن تحسم هذه النقطة من خلال إما تعاون الفقيهين مع بعضهما، أو من
خلال ترك أحدهما هذا الأمر للآخر، أو من خلال من يرجحه أهل الخبرة ولو اعتماداً على
الأفضلية في المواصفات الأساسية.
فهي وإن لم تكن شرطاً، حسب الفرض، لكن هذا لا يعني عدم صحة الترجيح بها لأنه أولى
من أي مرجح آخر يمكن أن ينظر إليه العقلاء، بعد فرض الضرورة الداعية للترجيح.
وإن كان فرض الكلام إعتبار الأفضلية في العلم والكفاءة في الولي لكن لم نتمكن من
معرفته لسبب من الأسباب، فيمكن أن يعمد أهل الخبرة إلى اختيار الأفضل في بعض
المواصفات التي هي في الأساس ليست من شروط الأهلية أو ليست من المرجحات الأساسية،
كأن يعتمدوا على ترجيح الأورع أو الأقدر على تولي شؤون الدولة الإسلامية لخصوصيات
فيها وفيه ونحو ذلك. والترجيح بهذه الطرق أولى من أن نكل الأمر إلى حالة عشوائية،
أو حالة لا تملك في ذاتها صلاحية الترجيح أصلاً. وليس هذا ظلم لغير المنتخب لأنه
لابد من التعيين اقتضته مصالح الأمة والنظام الإجتماعي العام ومصلحة الحكومة ونحو
ذلك.
التساؤل الثاني:
وقد يتساءل: لماذا حصرت الإنتخاب بانتخاب أهل الخبرة ولماذا لا يكون الإنتخاب
مباشراً من الناس لتعيين الولي.
والجواب:
نحن لم نحصر ذلك إبتداءً وإنما جعلنا هذه الطريقة أفضل، وإلا فمن حيث المبدأ هناك
وسيلتان يمكن إعتمادهما في الإنتخاب بشكل يتلاءم مع الشريعة:
الوسيلة الأولى: ما أشرنا إليه سابقاً من أن يقوم بانتخاب الولي مجلس خبراء. وهذا
لا يعني إلغاء لدور الأمة بل يبقى لها دور في انتخاب مجلس يضم خبراء عدول قادرين
على اختيار الولي الجامع للشرائط، توكلهم في ذلك. فالأمة في هذا الإنتخاب شريكة في
انتخاب الولي، لكنه انتخاب غير مباشر من قبلها وانتخاب مباشر من قبل مجلس الخبراء.
والذي يفرض هذا الدور للأمة كونها مطالبة بإحراز توفر صفة الخبرة والعدالة في
الأشخاص الذين يريدون أن يقوموا بعملية الإختيار وتعيين الولي. فمعنى انتخاب الناس
لمجلس الخبراء الإعلان عن إحراز توفر الخبرة فيهم، واعتراف من الناس بذلك وقبولهم
برجوعهم إليهم في تعيين الولي ووثوقهم بهم في استكشافه، لأنه لابد من الرجوع إلى
أهل الخبرة كما تقدم.
وحتى لا نقع في محذور إمكانية أن ينتخب الناس من لا خبرة لديهم، فقد يتأثرون
بالدعاية وقد يغفلون أو يركنون لأمور لا دخل لها في المطلوب، يمكن اعتماد الطريقة
المتبعة في الجمهورية الإسلامية المباركة للتخلص من هذا المحذور. وهي أن يكون هناك
مجلس يضم أشخاصاً قد تسالم الجميع على عدالتهم وعلمهم ومعرفتهم وحرصهم على الإسلام
والمجتمع الإسلامي، وهؤلاء ينظرون في الأشخاص المرشحين لمجلس الخبراء. فمن تثبت
أهليته يسمح له بالترشيح، ولم لم تثبت أهليته يرفض ترشيحه، وعليه فالناس تختار بين
من ثبتت أهليته. ولن يضر حينئذ الإختلاف بين الناس في الإختيار، بل إن آراءهم ستكون
مفيدة إذ ستعبر عن اعتراف الناس بما يقوله أهل الخبرة المنتخبون، ولكن لن نقع في
مشكلة الأكثرية والأقلية لأن المشرحين بأجمعهم من أهل الخبرة حسب الفرض.
الوسيلة الثانية: طريقة الإنتخاب المباشر من الناس للولي بشرط أن يكون هناك مجلس من
أشخاص قد تسالم الجميع على عدالتهم وعلمهم وخبرتهم وحرصهم على الإسلام والمسلمين
تكون وظيفتهم تأييد ترشيح الشخص لمنصب الوالي.
أفضلية الطريقة الأولى:
ومن ملاحظة الطريقتين يمكن استخلاص كون الطريقة الأولى أنسب، بل هي المتعينة إن
اشتراطنا في الولي أن يكون الأعلم والأكفأ، إذ لن يكفي في هذه الحال وجود مجلس ينظر
في طلبات المرشحين، لأن تأييد الطلب إن كان على أساس الأفضل فهذا غير ممكن لأن
الأفضل لا يكون عادة إلا واحداً بالتالي عليهم إختيار شخص واحد، وهذا عود للطريقة
الأولى مع فارق أن هذا المجلس معين وذاك منتخب والمجلس المنتخب أولى بالرعاية.
وإن كان على أساس الذي له أهلية والناس تختار من بينهم فهذا يعني احتمال تضييع
الأفضل والفرض أنه يجب علينا اختياره. ولذا لا سبيل للأمة في الفرض المذكور إلا بأن
توكل الأمر إلى مجلس خبراء يرشدها إلى الأفضل من بين جميع العلماء المتصدين أو
الذين يقبلون بالتصدي. واحتمال عدم الوصول إلى الأفضل وإن كان يبقى وارداً، لكنه
بنسبة أقل بكثير مما لو أوكلنا الأمر إلى الأمة مباشرة.
بل يمكن ترجيح هذه الطريقة على الأخرى حتى وإن لم نشترط الأفضلية في الولي، لأن
الناس لا تملك عادة المرجحات السليمة، وقد تتأثر بالدعاية، ولا ريب أن اختيار
الأفضل وإن لم يكن واجباً، في الفرض المذكور، لكن لا يعني هذا أنه غير مستحسن، ولأن
القرب من هذا المستحسن لا يكون بالإنتخاب المباشر كان الإنتخاب غير المباشر هو
الأولى.
أضف إلى ذلك أننا لن نستغني على كل حال عن أهل خبرة يشخصون كفاءة الشخص للولاية،
لأن الطريقة الأخرى التي تعتمد الإنتخاب المباشر تفترض أن هناك مجلساً يقبل طلبات
الترشيح وهذا من عمل أهل الخبرة.
الإنتخاب لا يتنافى مع مبدأ ولاية الفقيه:
يظهر من بعض من بحث في ولاية الفقيه إظهار الإنتخاب وكأنه يتنافى مع كون مبدأ ولاية
الفقيه منصوصاً عليه، ولم نجد ما يبرر ذلك. لأن الدليل يحدد الشروط المعتبرة في
الولي، والإنتخاب تعبير عن إحراز ثبوت الصفات ووسيلة لتشخيص الولي ولا تنافي
بينهما.
وربما كان مراد هذا البعض من الإنتخاب المنافي للنص الإنتخاب الذي ينشىء ولاية لا
المعنى الذي ذكرناه، وحينئذ يكون هذا القائل محقاً فيما قال، لما تقدم من أن
الإنتخاب ليس هو الذي أعطى الشرعية والحق للفقيه بالولاية بل الذي أعطاه ذلك هو
الجعل الشرعي كما تقدم. وما عدا ذلك فهو مرفوض جملة وتفصيلاً بلا إشكال، مهما حاول
المعاندون والمشوشون التسويق لذلك.
_____________________
[1] وبينما كنت أعد هذا الكتاب للطبع سمعت خطبة لسماحة القائد الإمام السيد
الخامنئي حول الإمام الخميني ألقاها يوم الجمعة في الذكرى العاشرة لوفاة الإمام
الخميني (رحمه الله). وقد جاء في هذه الخطبة أن الإمام (رحمه الله) عرض على بعض
المراجع في الستينات أن يتصدر حركة الثورة وهو مستعد لأن يكون وراءه لكن ذلك المرجع
رفض فوجد الإمام (رحمه الله) نفسه وقد تعين التكليف، إنتهى. وهذه هي مدرسة الإمام
الخميني (رحمه الله) الذي لم يكن يسعى لمنصب ولا لجاه ولم يكن همه غير إعلاء كلمة
الله تعالى دون شرط ودون رعاية لأي اعتبارات دنيوية قد تميت البعض وتحرمهم من
الإلتزام بالتكليف الشرعي وتورطهم في معصية مخالفته بحجة أنه لم يراع وضعهم
الإجتماعي ووجاهتهم في الدين والدنيا. وتلك هي مدرسة الإمام الخميني (رحمه الله)
التي تخرج منها القائد المعظم السيد الخامنئي الذي جاءته المرجعية من غير سؤالها
ولا طلبها ومع ذلك عمل في البداية على رفضها وهو يعلم أن البعض قد يسيء استخدام هذا
الرفض لكنه لم يعتن بذلك تاركاً الأمر لله تعالى.
[2] أجوبة الإستفتاءات للسيد القائد المعظم الإمام الخامنئي ج1 ص 24 الطبعة الثالثة
طباعة الدار الإسلامية.
[3] سيرة ابن هشام ج2 ص 85 طباعة دار القلم بيروت.
[4] السيد محمد حسين فضل الله، فقه الشريعة ج1 ص 19 طبعة دار الملاك سنة 1999.
[5] الإطمئنان يدخل تحت عنوان الظن لكن الظنون متفاوتة فيما بينها فهناك الظن القوي
وهناك الظن الضعيف. وقوة الظن ذات مراتب ويشتد الظن ويقوي إلى أن يبلغ مرحلة يشابه
فيها العلم أي تارة يكون في قبال الظن احتمال يلتفت إليه العقلاء ويراعونه في
حياتهم وحساباتهم وأخرى يكون الإحتمال ضعيفاً لدرجة أن العقلاء يتعاملون معه معاملة
العدم ولا يراعون وجوده. فمن علم أن هناك أسداً في بلدته التي يسكن فيها يستطيع
عقلائياً أن لا يخرج من بيته وإن ظن أنه غير موجود في الشارع الذي يسكنه، لكن
احتمال وجوده يبقى قائماً ويكون احتمالاً معتداً به عند العقلاء. بينما لو علم أن
هناك أسداً هارباً في بلدٍ كإيران مثلاً فإنها لضخامة مساحة البلد يكون احتمال
وجوده في شارعك ضعيفاً لدرجة أنك لا تعتني به ولو اعتنيت به وبقيت حبيس الدار لقبح
العقلاء هذا الإعتناء واعتبروه وسوسة أو هلوسة. وهذا ما نسميه الإطمئنان بعدم وجوده
في الشارع.
[6] الشياع مثل التواتر وشروط الشياع هي شروط التواتر مع فارق: أن التواتر إخبار
حسي عن حدث وقع في عصور سابقة على عصرنا بينما الشياع هو إخبار حسي أو حدسي قريب من
الحس عن حدث حصل في عصرنا لم نطلع عليه مباشرة.
[7] وقد ذكر ذلك أيضاً الإمام الخوئي (رحمه الله) في بعض أجوبة استفتاءات وجهت
إليه. راجع صراط النجاة ج2 ص 10. ومثله ذكر شيخنا الشيخ جواد التبريزي في نفس
المصدر وفي الجزء الأول من كتاب صراط النجاة وأضاف (ولا اعتبار بغير هذا الشياع
أصلاً). وهذا ليس رأياً فتوائياً خاصاً بهما بل بيان لما يقصده العلماء في معنى
الشياع.
[8] وسنبين فيما بعد هذه الأفضلية بشكل أكثر وضوحاً.
[9] وقد أشار الإمام الخميني إلى هذا المعنى في أكثر من مناسبة. كقوله: (بناء على
الحق الشرعي وعلى أساس الرأي المعطى لي من الأكثرية الساحقة من شعب إيران فإني أعين
من أجل تحقيق الأهداف الإسلامية مجلس شورى باسم شورى الثورة الإسلامية..) (راجع
صحيفة نور ج ص 105) وكانت مهمة هذا المجلس تدوين القانون الأساسي، ولم يكن يوجد
بعدُ لا مجلس خبراء ولا غيره. وكقوله عند تعيين حكومة بازركان: (إننا واستناداً إلى
أراء عموم الناس التي ترون ورأيتم أنها معنا وقبلوا بتوكيلنا إن شئتم التعبير أو
بولايتنا لذا فإني أعين الدولة.. وإني كحاكم عليهم عينت تلك الحكومة بما لي من
الولاية من الشرع المقدس). (راجع صحيفة النور ج3 ص 224). وهناك غيرها من الأقوال
الدالة على ما ذكرنا.