الباب الثاني: صفات الولي وشروطه وفيه تمهيد وثمانية فصول
ـ الفصل الأول: الدليل الإجمالي على صفات الولي
ـ الفصل الثاني: أهمية النص في الفكر الإسلامي
ـ الفصل الثالث: الدليل التفصيلي من النص على اشتراط الفقاهة.
ـ الفصل الرابع: مناقشات فقهية عامة للفصل السابق.
ـ الفصل الخامس: الدليل التفصيلي من النص على الشروط الأخرى.
ـ الفصل السادس: الدليل التفصيلي من العقل.
ـ الفصل السابع: اشتراط الأفضل.
ـ الفصل الثامن: هل يحق للمرأة الولاية.
تمهيد
بعد ما اتضح أنه لابد من حكومة إسلامية ترعى شؤون المسلمين وتحفظ مصالحهم وتدافع
عنهم وعن أرضهم وحقوقهم وفق الإسلام، يتضح أيضاً أنه لابد من والٍ في هذه الحكومة
المباركة. فيأتي السؤال هل يحق لكل شخص أن يكون والياً على شؤون المسلمين أم أن
هناك شروطاً محددة لاحظها المشرع في هذا المنصب، وما هي هذه الشروط؟
بالتأكيد لا يمكن لأي مجتمع أن يقبل بأن يتولاه أي شخص مهما كانت صفاته، بل يشترط
مجموعة صفات منطلقة من مبادئ محددة يفترض قبول المجتمع بها. وحيث أن للإسلام مبادئ
وأهدافاً فلا بد أن يتحلى الوالي بمواصفات منسجمة معها وبالتالي يجب البحث عنها.
وهذه الصفات وإن كان قد يساعدنا العقل على الإقرار ببعضها أحياناً، لكننا في نهاية
الأمر نحتاج إلى أن نستنطق الإسلام لنرى مجموعة الصفات التي يعتبرها في الولي.
الأصل أن لا ولاية لأحد على أحد:
وقد يخطر ببال أحد أنه يحق لكل شخص أن يكون وليا ما دام من أبناء هذه الأمة.
وهذا الكلام ناشيء عن التساهل في قضية أساسية وهي تحديد الأصل الأولي في مسألة
الولاية. مع أنه لابد من تحديده أولاً حتى ندرك الحاجة إلى الدليل لإثبات ولاية من
ندعي الولاية له.
والأصل الأولي في ذلك هو أن لا ولاية لأحد على أحد بل الأصل أيضاً أن لا ولاية لأحد
على نفسه وماله. وحتى نثبت ولاية لأحد على نفسه وماله أو على غيره لابد من الدليل.
ومنشأ هذا الأصل أن صاحب السلطة الحقيقية والمالك الحقيقي للولاية على كل ما في
الوجود هو الله تعالى، وليس لأحد أي حق إلا ما أعطاه الله تعالى من حق. ومقتضى هذه
النظرية وهي نظرية عقلية ودينية تُطلب في علم العقيدة، أن المخلوق لا يملك من نفسه
شيئاً فضلاً عن أن يملك شيئاً من غيره. وفي كل مورد ندعي أن العبد ملك شيئاً علينا
أن نأتي بدليل على هذا التملك، ومع عدم وجوده فمعنى ذلك أنه لم يثبت له ذلك الحق.
وهكذا الحال في كل سلطنة، ولذا تكون النتيجة الطبيعية التي يقر بها العقل أن لا
سلطنة لأحد على الإطلاق إلا ما قام الدليل على أنه تعالى قد سلطة.
وقد ثبت بالدليل القطعي أن الله تعالى قد سلّط الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)
على الأمة ليحكم فيها: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾[1].
كما ثبت بالدليل القطعي أن الأئمة (عليهم السلام) قد أعطوا هذه السلطنة ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي
الأَمْرِ مِنكُمْ﴾[2]. ولهذا تفصيل مذكور في علم العقائد.
ولا ريب عندنا في أن الولاية هي في الأساس مشروطة بالعصمة تحتاج إلى إرشاد خاص من
قبل الله تعالى، لأننا لا نستطيع معرفة المعصومين من دون هدايته تعالى. ولذا كانت
مختصة برسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن بعده لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)
بدءاً بأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وانتهاء بالإمام الحجة المنتظر (عجل الله
فرجه). وكان من المفترض أن يتولوا هم ولاية الأمر في المجتمع الإسلامي على مر
العصور، لولا الإنحرافات الخطيرة التي أصابت الأمة الإسلامية والتي كان من
تفاعلاتها غياب الحجة (عجل الله فرجه).
وحيث أن الغيبة قد وقعت ولا يعلم إلا الله تعالى متى الفرج منها، كان لابد أن يتوجه
السؤال المهم حول كيفية إدارة شؤون الأمة في هذه المدة، بعدما ثبت أن مبدأ الحكومة
الإسلامية لم يزل بغيبة الإمام (عليه السلام)، وأن أحكام الإسلام لم تسقط عن
الاعتبار بسببها، فصرنا بحاجة إلى بدل إضطراري إلى أن يظهر المعصوم (عليه السلام)،
أي كان لابد من جعل ولي يقوم مقام الإمام (عليه السلام) قدر المستطاع رغم وجود
الفارق الكبير بين أن يتولى قيادة الأمة معصوم من كل خطأ وزلل وبين أن يتولاها غيره
مهما علا شأنه.
صحيح أن الولاية والحكومة لم تجعل في عصر الغيبة لشخص خاص مسمّى بالإسم مثلما حصل
في النبوة والإمامة، لكن يجب بحسب العقل والنص أن تبقيا بنحو آخر كما تقدم، فكان
لابد من النظر في الأدلة العقلية والنقلية لنرى مدى إمكانية استكشاف وتحديد
المواصفات المطلوبة لمقام الوالي والحاكم، وما هو المقدار الذي سمح لنا به بالخروج
عن الأصل المذكور؟.
وهذا ما عقدنا العزم على بيانه في هذا الباب. وسنبين خلال الفصول التالية ضرورة كون
الولاية في الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة للفقيه العدل الكفوء.
ونحن عندما نفتش عمّن هو الولي في عصر الغيبة، فإننا نبحث عن ولي تكون ولايته مرضية
عند صاحب الزمان (عليه السلام) لا كيفما كان، حتى نبقى في كنف ولاية الأصل فلا
ننساها. ولذا فإننا في نفس الوقت الذي نبحث فيه عن الولي نعتقد أن الحجة التامة لله
تعالى لا تكون إلا بالمعصوم، فلن تكون بأي حال من الأحوال ولاية غير المعصوم حلا
طبيعياً محققاً لجميع الأغراض وإلا لبطلت الإمامة.[3]
ولأننا نشعر بهذا النقص الناتج عن غياب الحجة (عليه السلام) والذي لن يعوّضه شيء،
نبقى نتطلع إلى اليوم الذي يظهر فيه هذا الإمام الغائب عن الأبصار (فداه المهج) بكل
شوق وطمع، وسنبقى على الموعد ننتظر بما يحمله الإنتظار من ألم ووجع.
الفصل الأول: الدليل الإجمالي[4]
إنّ الحكومة الإسلامية حكومة تعتمد على قانون محدد هو القانون الإلهي بهدف بسط
العدالة الإلهية بين الناس. وهذا يعني بكل بساطة ووضوح ضرورة أن يكون الوالي
متمكناً من صفتين مهمتين هما أساس الحكومة القانونية الإلهية ولا يعقل تحققها إلا
بهما:
إحداهما العلم بالقانون، وثانيتهما العدالة والكفاءة.
ونعني بالعدالة هنا الحرص على الإلتزام الشخصي والتام بجميع الأحكام الإسلامية
الإلزامية والقوانين الإلهية لا يحيد عنها قيد أنملة، سواء على المستوى الشخصي أم
في علاقاته مع الآخرين.
ونعني بالكفاءة القدرة على إدارة شؤون الأمة وقيادتها نحو المواقف السليمة. وبهذا
المعنى تكون الكفاءة مزيجاً من وعي بشؤون الساعة وشؤون السياسة وما يدور في الأمم،
وقدرة على فهم الأحداث وحكمة في تقييم الظرف والواقع وحدس صائب في اتخاذ الموقف
المناسب، وحلم يساعد على تقبل الملاحظات والنصائح، وغير ذلك مما سيتجلى في ما سيأتي
من بحوث إن شاء الله تعالى.
ومن البديهي أن الجاهل والظالم والفاسق وغير القادر على إدارة شؤون الأمة وقيادتها
واتخاذ القرارات المناسبة لا يعقل أن يرضى به الله تعالى والياً على المسلمين وعلى
مقدراتهم وأموالهم ونفوسهم وأعراضهم. وهذا أمر يدركه كل عاقل وكل مسلم، خاصة بعدما
علمنا شدة إهتمام المشرع الأقدس بهذه الأمور واحتياطه الشديد تجاهها.
أضف إلى ذلك أن هذا المقام لا يليق بغير العادل وإن كان موثوقاً، إذ كيف يمكن أن
نفترض رضى الله تعالى بمن يرتكب المحرمات ويترك الواجبات ويستهتر بها أو ببعضها
قيماً على شؤون المسلمين لمجرد أنه شخص أمين لا يكذب، بل كيف يكون أميناً على تطبيق
أحكام الإسلام في المجتمع بكل أبعادها ما لم يكن هو نفسه من الملتزمين بها، ومن
الحريصين عليها والزاهدين فيما عداها. إن هذا لا يتناسب أبدا مع قدسية مثل هذا
المنصب والدور المأمول منه.
وهذا في الواقع من أدلة اشتراط العدالة في المجتهد المرجع، علماً أن الأمر في
المرجعية أسهل لأن دور المرجع ليس إلا استنباط الأحكام الشرعية وإصدارها لمقلديه.
أما الولي فدوره أصعب وأهم وارتباطه بالناس أشد وتأثرهم به أقوى، فيكون اشتراط
العدالة في الولاية أولى من اشتراطها في المرجعية. والواقع أن الأمانة كلما عظمت
وجلّت احتاجت إلى ملكة نفسانية أقوى وأشد ويصبح المطلوب مرتبة من العدالة أعلى من
مرتبة العدالة المعتبرة في إمام الجماعة في الصلاة والشاهد في القضاء ونحو ذلك.
وكذلك اشتراط الكفاءة في إدارة الشؤون وقيادة الأمة فإن هذا الشرط مما يدركه العقل
ويعترف به جميع العقلاء، بل هو في الواقع من شروط صلاحية الشخص للولاية، وفاقد هذا
الشرط فاقد للأهلية فيكون سلب الولاية عنه من السالبة بانتفاء الموضوع. ولذا لو
فرضنا خلو النصوص عن هذا الشرط واقتصرت الأدلة على عنوان الفقيه العدل فإن هذا لا
يعني أن غير الكفوء يحق له أن يتولى شؤون الأمة، علماً أن الأدلة اللفظية دلت على
اشتراط الكفاءة في الولي مثلما دلت على اعتبار شرطي العدالة والفقاهة.
وقد كان من المسلمات بين المسلمين منذ الصدر الأول لزوم علم الإمام والخليفة
بالأحكام الإسلامية واشتراط عدالته[5] وكفاءته، بل المشهور بينهم هو لزوم كونه أفضل
من غيره في كل ذلك وإنما وقع الخلاف بينهم، بعدما أزيح النص عن محله، في الموضوع
وفي تشخيص من هو الذي تنطبق عليه المواصفات ليتولى هذا الأمر. وعلى الأقل كانت هذه
هي صورة النزاع مع أغلبهم عند النقاش العلمي والفقهي في الموضوع.
وعلى ضوء ما تقدم يظهر أن أمر الولاية في الحكومة الإسلامية في زمن الغيبة الكبرى
مرجعه إلى العالم بالقانون الإلهي العادل الكفوء.
وقد رأيتَ أننا قد تمكنا من الوصول إلى هذه النتيجة بكل بساطة بعيداً عن التعقيدات
الفقهية. وإن كان يحتاج إلى بعض التتميم على مستوى إشتراط كون الولي فقيهاً، لأن
الإنصاف يقتضي الإعتراف منا بأن هذا الدليل الإجمالي لا يكفي لإثبات شرطية الإجتهاد
فلا بد من تتميمه ببحث أكثر تفصيلا.
الفصل الثاني: أهمية النص[6] في الفكر الإسلامي
وأعتقد أن هذه المسألة مسألة مهمة في إكمال الطريق في بحث ولاية الفقيه على الأقل
بالنسبة للمثقفين الإسلاميين، من أجل أن نضع النقاط على الحروف في مجال النقاش
الفكري حول أي قضية من القضايا الإسلامية، وحول أي فكرة يراد من خلالها إبراز رأي
الإسلام حول الموضوع، حتى نتمكن من إيصال فكرتنا إليهم.
وقد اشتغل العلماء المسلمون على هذه المسألة كثيراً ليتوصلوا إلى الآلية التي
يرضاها الإسلام والعقل كطريقة لاستخراج مفاهيمه.
وقد قسم العلماء المعرفة إلى قسمين وبحثوا في قيمة كل منهما، وهما: المعرفة القطعية
اليقينية الناشئة عن أدلة يقينية، والمعرفة الظنية.
ولا ريب في أن المعرفة اليقينية من أسمى المعارف وأثبتها، وهي ركيزة كل المعارف بلا
فرق في ذلك بين المعرفة اليقينية البديهية والمعرفة اليقينية البرهانية. ولذا
إرتضاها كل العلماء مهما كان إختصاصهم، ولولاها لما قامت معرفة في الوجود.
تقسيم المعرفة الظنية:
أما المعرفة الظنية فقد قسموها إلى قسمين:
قسم لم يقم دليل معتبر يثبت قيمة له، وقسم ثبت بالدليل قيمته. ويوجد منشآن لهذا
التقسيم ديني وعقلي.
المنشأ الديني للتقسيم:
ونذكر لذلك نموذجين أحدهما من القرآن الكريم والآخر من الروايات:
أما من القرآن المجيد:
فقوله تعالى: ﴿آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ﴾[7] فنحن عندما
نريد أن نسند رأياً للإسلام والقرآن أي لله تعالى، فإننا نُسأل عن المسوغ لإسناد
هذا الرأي له والطريق الذي سلكناه لاستخراجه، فإن كان طريقاً مسموحاً به في الإسلام
والعقل يصح لنا أن نقول أن الله تعالى قد أذن لنا، وإلا فإن إسناد فكرة إلى الإسلام
من دون مسوّغ يكون من الإفتراء على الله.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ
يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾[8].
أما من الروايات:
فمنها: أن هشام بن سالم سأل الإمام الصادق (عليه السلام): ما حق الله على خلقه؟.
فأجاب (عليه السلام): (أن يقولوا ما يعلمون ويكفوا عما لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك
فقد أدوا إلى الله حقه)؟[9].
ومنها: ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (إياك
وخصلتين ففيهما هلك من هلك، إياك أن تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم)[10].
فقد دلت هذه الروايات وكثير مثلها على أن القيمة الأولى للعلم ولا قيمة لما عداه
إلا أن يرجع إلى العلم.
المنشأ العقلي للتقسيم:
فالعقل أيضاً يقر بأن الأصل في الظنون عدم الحجية، وأنا إذا ظننا بمسألة فإن هذا
الظن لا يتمتع في ذاته بصلاحية إثبات أنه ذو قيمة معرفية كافية للتأسيس عليه، لأنه
يشكل معرفة ناقصة ولذا كان محتاجاً لدليل آخر يدل على أن نقصه مغتفر في عالم
المعرفة. وبالتأكيد يجب أن يكون هذا الدليل الآخر إما قطعياً يقينياً، وإما دليلاً
ظنياً قد فرغنا عن اعتباره أي قام الدليل على أنه ذو قيمة كافية للتأسيس عليه).
وليس بالضرورة أن يكون كل ظن مغتفر النقصان بل قد يختلف الأمر بين ظن وظن باختلاف
أسبابه ومدى صلاحيتها لجبران النقص لديها.
وقد بحث علماؤنا مطولاً حول هذه الأمور في كتبهم المعروفة بكتب (أصول الفقه) كما
بحثها علماء المنطق والفلسفة في كتبهم، فمن أراد مزيداً من التفاصيل فليراجعها. وما
أردناه هو التنبيه على ضرورة تأسيس طرق معرفية تحظى برضى العقل ـ والعقل لا يرضى
بغير اليقيني ـ أو رضى الشرع حيث أن الفرض هو في كيفية استكشاف مرادات الشرع
المقدس.
سبل المعرفة:
وعلى كل حال فالعلماء المسلمون يرون أن السبل الأساسية لاستكشاف هذه المرادات تتلخص
بأربعة عناوين:
الأول، الكتاب الكريم: فكل ما ورد في القرآن الكريم يجب الإلتزام به.
الثاني، السنة النبوية: فقد جعل الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وآله) مبيناً
لأحكامه وموضحاً للمفاهيم الإسلامية. ونعني بالسنة كل ما قاله أو فعله رسول الله
(صلى الله عليه وآله) أو قرره (صلى الله عليه وآله). وقد يكون تقريراً لفعل فرد،
كما لو رأى أحداً فعل شيئاً ما فلم يردعه فهذا يدل على رضا الرسول (صلى الله عليه
وآله). وقد يكون تقريراً لفعل جماعي كما لو كان المجتمع يسلك سبيلاً أو يتبع منهجاً
فلم يردع الرسول (صلى الله عليه وآله) عنه، فهذا دليل على رضاه بهذا النهج. وقد
اتفق المسملون بأجمعهم على وجوب العمل بهذه السنة النبوية.
وأضاف الشيعة الإمامية إلى ذلك سنة المعصومين (عليهم السلام) كعلي أمير المؤمنين
وفاطمة والحسن والحسين إلى آخر الأئمة (عليهم السلام)، نتيجة للقول بالإمامة الذي
أثبته علماؤنا في كتبهم العقائدية فمن أراد المناقشة فيه فليراجع تلك الكتب.
الثالث، الإجماع: ونعني به أن تتفق آراء العلماء الفقهاء حول مسألة بحيث يستكشف
منها بطريق قطعي رأي المعصوم. فالقيمة المعرفية للإجماع في الإسلام وخاصة في الفكر
الشيعي تكمن في هذه الكاشفية وليست القيمة لمجرد الإتفاق. ولذا يعتقد علماؤنا أن
الإجماع ليس دليلاً منفصلاً عن السنة بل هو طريق لمعرفة السنة بتوسط كاشفيته
القطعية. ولذا فرّق علماؤنا بين الإجماع والمشهور فلم يلتزموا بالمشهور والتزموا
بالإجماع، كما أن الإتفاق بدون الكاشفية المذكورة لا يشمله اصطلاح الإجماع وإن كان
مندرجاً تحت معناه اللغوي.
الرابع، العقل: ونعني به كل دليل عقلي يدل بالقطع على حكم من الأحكام الشرعية من
دون أن يكون هناك أي تساهل في مقدماته ومحصلاته ومن دون الخلط بين الظن واليقين.
والغرض من ذكر هذه العناوين هو الوقوف عند موضوع النص لندرك أهميته في عملية
الإستنباط الفقهي والإستدلال الفكري لفهم ومعرفة أحكام الإسلام ومفاهيمه، حتى يلتفت
المثقفون المسلمون إلى ضرورة التقيد بها، وليتفهموا طريقة إستدلال الفقهاء.
مقارنة بين النص القرآني ونص المعصوم (عليه السلام):
وقد توضح مما سبق أن المراد بالنص هو القرآن الكريم والسنة أي سنة المعصومين (عليهم
السلام). ولكن النص القرآني يختلف عن النص الصادر عن المعصوم (عليه السلام) من جهة
ويتفق معه من جهة.
أما جهة الإفتراق:
فهي أن النص القرآني قد علم وثبت وجوده، بينما النص الصادر عن المعصوم قد تناقلته
الكتب ونقلته الرجال، ونحن لا ندري هل أن ما نقل صحيح أم لا. ومعنى أنه غير صحيح
أنه مدسوس أو أن راويه قد أخطأ في النقل واشتبه أو غير ذلك. ولذا احتجنا إلى تحديد
وسيلة تكون مرضية في الإسلام لإثبات أن النص قد صدر عن المعصوم (عليه السلام)، بحيث
لو أخطأت الوسيلة نكون معذورين عند ربنا جل وعلا. ولا نستطيع اعتماد طريقة لم يثبت
رضا الإسلام عنها، إلا أن يكون العقل موافقاً عليها بنحو القطع والجزم.
وهذا الجهد لسنا محتاجين له بالنسبة للقرآن الكريم لأنه محفوظ بين المسلمين منقول
بالتواتر لم يتعرض لأي تحريف أو تغيير، على ما بينه علماء المسلمين على اختلاف
مذاهبهم في كتب خصصت لعلوم القرآن.
طريقة إثبات الرواية:
والطريقة المتبعة عادة في إثبات ورود النص عن المعصوم تدور بين طريقين:
التواتر: فكل خبر تواتر نقله علينا اعتماده كنص صادر من المعصوم (عليه السلام).
والتواتر هو إخبار جماعة كثيرة يمتنع تواطؤهم وتوافقهم ولو صدفة على الكذب
والإشتباه. والتواتر يؤدي إلى القطع بصدور النص عن المعصوم (عليه السلام)، على شرط
أن يكون التواتر في جميع المراحل الزمنية لنقل الرواية.
الخبر الواحد: وهو الخبر الذي لم يتواتر نقله ولا يفيد إلا الظن عادة، وحيث أن الظن
ليس أساساً تاماً للمعرفة الصحيحة كان لابد من البحث عما يدل على أن هذا الظن يمكن
الإعتماد عليه رغم نقصانه على ما تقدم. وهو ما بحثه علماؤنا الأصوليون تحت عنوان
حجية الخبر، حيث ذهب جلهم إلى أن الخبر حجة وإن أفاد الظن، واستدلوا على ذلك
بالأدلة القطعية التي تثبت هذا الرأي لكن اشترطوا لذلك جملة شروط ناشئة من تلك
الأدلة التي جعلتها دخيلة في حجية الخبر، ربما اتفقوا في بعضها واختلفوا في بعضها
الآخر.
أما جهة الإشتراك:
فهي أنه بعد ثبوت النص لابد من طريقة لفهمه، وهذا ما نحتاجه سواء في فهم القرآن
الكريم أم في فهم نصوص المعصومين (عليهم السلام) وهذه الطريقة هي المعبر عنها في
كلمات العلماء بالظهورات المرتكزة على أصول وقواعد يعتمدها أهل المحاورة من أبناء
اللغة في فهم مراد المتكلم. وهذا يقتضي الإحاطة بالمعاني اللغوية للمفردات
وبالقرائن المحيطة بالكلام لفظية كانت تلك القرائن أم حالية، وبطبيعة الإستعمالات
العرفية في زمن النص ومدى تأثيره على المدلول.
فإذا كان للفظ معنى لغوياً أو معنى عرفياً ولم تقم قرينة على إرادة غيره فنحن
ملزمون بأخذ المعنى اللغوي أو العرفي من اللفظ عملا بأصالة الحقيقة عند دوران الأمر
بين العموم والتخصيص، أو عملا بأصالة الإطلاق عند دوران الأمر بين الإطلاق
والتقييد، أو عملاً بأصالة البيان إذا دار الأمر بين البيان والإبهام، ونحو ذلك من
القواعد التي يعتمدها العرف والعقلاء في إحتجاجهم على بعضهم البعض في فهم ما
يقولون.
العلاقة بين النصين:
كما أن علينا تحديد العلاقة بين النص القرآني ونص المعصوم (عليه السلام).
فهل هما نصان مختلفان من حيث المنشأ والمدلول أم أنهما نصان متكاملان لهما هدف واحد
ومنشأ واحد. والمسلمون يعتقدون أنهما متكاملان وبناءاً على هذا الإعتقاد يمكن تحديد
العلاقة، فلا يستطيع شخص أن يرفض نصاً ورد عن المعصوم بحجة أنه لم يرد مثله في
القرآن. كما أنه على أساس هذا الإعتقاد يصبح النص الوارد عن المعصوم (عليه السلام)
قابلاً لأن يكون مخصّصا أو مقيّداً لنص قرآني ومفسّراً لآياته ونحو ذلك[11]. نعم
اتفقت كلمة العلماء على أن النص الوارد عن المعصوم (عليه السلام) لا يمكن أن يلغي
نصاً قرآنياً كما لا يمكنه أن يكون ناسخاً له.
وعلى ضوء ما تقدم يرى العلماء المسلمون وكل مفكر مسلم منصف أن لا محيص لديه عن
الإلتزام بالنص إذا ثبت بالطريقة الصحيحة وتم فهمه بالطريقة الصحيحة. والنقاش مفتوح
في مدى صحة الفهم أو في مدى ثبوت النص غير القرآني إن اعتمدت الآلية الصحيحة في
النقاش، ولذا كان النقاش في كل ذلك محتاجاً لنحو من أنحاء الإختصاص.
الفصل الثالث: الدليل التفصيلي: النص شرط الفقاهة[12] وقد دلت على ذلك روايات كثيرة
نذكر منها:
الرواية الأولى:
ما رواه الشيخ الصدوق في الفقيه وعيون الأخبار ومعاني الأخبار والمجالس بأسانيد
متعددة تزيد عن الأربعة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (اللّهمّ ارحم خلفائي) قيل: يا رسول الله ومن
خلفاؤك؟ قال: (الذين يأتون من بعدي يروون عني حديثي وسنتي)[13]. وفي بعضها زاد في
آخره (فيعلمونها الناس من بعدي)[14].
كيفية الاستدلال بالرواية:
عند التأمل بالرواية نجد أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد وصف فئة محددة من الناس
بأنهم حلفاؤه، دل عليهم بقوله: هم الذين يأتون من بعده يروون حديثه وسنته. ومعنى أن
يكون الشخص خليفة من خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) واضح كما كان واضحاً في
صدر الإسلام. وقد كان إذا قيل خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفهم منه
بالتبادر أن المراد الخلافة في الحكومة والولاية، ما لم تحدد جهة معينة قصدت
بلحاظها الخلافة.
وهذا المعنى المتبادر هو القدر المتيقن من معنى الخلافة. فلو فرضنا أنه ليس في هذه
الرواية إطلاق يشمل كل جوانب الخلافة لم يكن هذا مضراً بالإستدلال.
وحيث فهمنا من الخلافة الولاية والحكومة نفهم أن هذا الوصف ثبت للعنوان وهم الرواة،
وسيأتي معنا أن الرواة الذين يستحقون مثل هذا الوصف هم خصوص الفقهاء وليس مطلق من
ينقل الروايات ويحكيها.
والنتيجة المستخلصة من هذا الحديث هي أن الفقهاء هم الولاة الخلفاء.
إعتراضات:
الإعتراض الأول: الخلافة ليست من جهة الحكومة والولاية.
ربما يدعى وجود قرائن في هذه الرواية على أن المراد بالخلافة الخلافة من حيث تبليغ
الأحكام كما هو أحد شؤون الرسول (صلى الله عليه وآله).
من جملة تلك القرائن قوله (صلى الله عليه وآله): (يروون عني حديثي وسنتي). ومن
الواضح أنه لا علاقة للرواية بالخلافة من حيث الحكومة والولاية.
ومنها: قوله (صلى الله عليه وآله) في آخر الحديث بحسب المنقول ببعض الطرق
(فيعلمونها الناس بعدي) أو (ثم يعلمونها الناس بعدي). وهذا التفريع تفريع على
الخلافة فيكونوا خلفاء من هذه الجهة وهي جهة التبليغ.
والجواب:
يمكن الرد بأن ليس ظاهر[15] الرواية كون الرواية والتبليغ هي جهة الخلافة، بل
ظاهرها أن المتصفين بصفة الخلفاء هم الموصوفون بكونهم رواة الحديث. فهنا قضية لها
موضوع ومحمول، والموضوع هو (راوي الحديث والسنة) والمحمول هو (خليفة)، فكأن رسول
الله (صلى الله عليه وآله) قال: الذي يروي عني حديثي وسنتي هو من خلفائي والخلافة
هنا مطلقة غير محددة.
فليس قوله (صلى الله عليه وآله): يروون عني، بياناً لجهة الخلافة كما زعم المعترض
فإن هذا خلاف ظاهر الحديث بل هو بيان لتوضيح الموضوع.
أما بالنسبة للقرينة الثانية فجوابها أيضاً هو أنه لا ظهور في الرواية في كون
التفريع تفريعاً على عنوان الخلافة حتى تحديد جهة الخلافة بها، بل هو عطف على كونهم
رواة لحديث الرسول (صلى الله عليه وآله) وسنته. وقيد يعلمونها قيد زائد وتوصيف جديد
لتحديد الموضوع للدلالة على أن هؤلاء الموصوفون بأنهم خلفاء ليسوا مجرد رواة بل لهم
علم يمكنهم من تعليم ما يحملون للناس وللمسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه
وآله)، وليس في هذا أي تقييد لجهة الخلافة.
الإعتراض الثاني: الخلفاء هم الأئمة (عليهم السلام).
وقد يعترض ويقال أن المراد من الخلفاء خصوص الأئمة (عليهم السلام)، لأنهم المعهود
وصفهم دون غيرهم (عليهم السلام) بأنهم خلفاؤه (عليهم السلام)، وكأن الرسول (صلى
الله عليه وآله) أراد أن يرشد إليهم. فتكون هذه الرواية من سلسلة الأحاديث التي
قالها الرسول (صلى الله عليه وآله) للدلالة عليهم ( (عليهم السلام)).
والجواب:
إنّ التعبير عن الأئمة (عليهم السلام) برواة الأحاديث والإشارة إليهم بهذه الإشارة
أمر مستغرب، بل ربما لا يكون مناسباً لشأنهم وهم خزان علمه تعالى ولهم صفات جميلة
إلى ما شاء الله، فلا يناسب الإيعاز إلى مقامهم (عليهم السلام) بعبارة (إنهم رواة
الأحاديث). بل لو كان المقصود من الخلفاء أشخاصهم المعلومين لقال (علي وأولاده
(عليهم السلام)) كما فعل الرسول (صلى الله عليه وآله) في مواطن عدة أو على الأقل
لأشار إليهم بوصف يخصهم أو بعنوان مبهم، لا بعنوان عام شامل لجميع العلماء يستطيع
أي شخص أن يتمسك بهذا الحديث ليحرف مقصود الرسول (صلى الله عليه وآله)، وفي هذا
تضييع للغرض لو كان مراد الرسول (صلى الله عليه وآله) بهذا الحديث التنصيص على
الإمامة.
الإعتراض الثالث: جهة الخلافة هي التبليغ[16]
أنه إن كان للعلماء الولاية والنيابة فذلك من قبل الإمام (عليه السلام) لأنهم خلفاء
الأئمة وليسوا خلفاء مباشرين لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأن الخلافة
المباشرة له (صلى الله عليه وآله) منحصرة بالأئمة (عليهم السلام)، فلو كان العلماء
كذلك أيضاً لزم والعياذ بالله أن يكونوا في نفس رتبة الأئمة (عليهم السلام).
صحيح أن خلفاء الأئمة (عليهم السلام) هم خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله) أيضاً،
لكن لا يمكن الإلتزام بهذه الخلافة ما لم يرد تعيين من قبل الإمام (عليه السلام)،
لأن ثبوت كون العلماء هم خلفاء الرسول فرع ثبوت كونهم خلفاء الأمة. وإنما يثبت هذا
بورود نص منهم يعين العلماء خلفاء لهم، ولو ثبت هذا لاستغنينا به عن الإستدلال بهذا
الحديث. فهذا الحديث لا يصلح للإستدلال على المطلوب بمعزل عن وجود ذلك الدليل.
وعليه فالرواية إن كانت تتحدث عن خلافة وافترضنا أنه لم يصح حملها على الأئمة
(عليهم السلام)، بناءاً على ما تقدم، وجب حملها على الخلافة في الشؤون الأخرى التي
يمكن للفقهاء أن يقوموا بمهامها مع وجودهم (عليهم السلام) والتي لا تتوقف على ورود
جعل من الأئمة (عليهم السلام) يدل على نصب الفقهاء ولاة بالنيابة عنهم. ولتكن هذه
الخلافة هي الخلافة في التبليغ والإرشاد.
والجواب:
ويمكن الرد على هذا الإعتراض من وجوه:
أولاً: بأنه لو تم هذا الإعتراض لزم أن نرفض كل الأدلة المتعلقة بالولاية للفقيه
حتى الواردة عن الأئمة (عليهم السلام)، لأننا لو فرضنا أنه وردت رواية عن الإمام
الصادق (عليه السلام) تدل على ثبوت الولاية للفقهاء ونصبه خليفة له ونائباً عنه
سيكون هذا الإعتراض قائماً. لأنه يمكن حينئذٍ أن يقال إن خليفة الإمام الصادق (عليه
السلام) هو الإمام الكاظم (عليه السلام) لا الفقهاء، فلو كانوا خلفاء الإمام الصادق
(عليه السلام) لزم أن يكونوا في رتبة الإمام الكاظم (عليه السلام) وهذا معلوم
العدم، فحتى يؤخذ بمؤدى كلام الإمام الصادق (عليه السلام) يجب أن نجد نصاً من
الإمام الكاظم (عليه السلام) على جعل الفقهاء خلفاء له حتى يصيروا خلفاء للإمام
الصادق (عليه السلام)، ثم ننقل الكلام إلى الإمام الكاظم (عليه السلام) وهكذا. فحتى
يتم الدليل على جعل العلماء خلفاء يلزم أن يكون المعيّن خصوص الإمام الثاني عشر
(عجل الله فرجه).
ونتيجة هذا الكلام هو رفض أي نص من غير الحجة الغائب عجل الله تعالى فرجه على جعل
الفقهاء خلفاء ولم يلتزم بذلك أحد من العلماء حتى المعترض، بل لا يمكن إلتزامه
بعدما وجدت النصوص من الأئمة (عليهم السلام) غير الحجة الغائب (عليه السلام) الدالة
على ذلك، والوقوع دليل يمنع الرفض المذكور.
وهذا في الواقع يشكل قرينة على أنه لا يلزم ما ذكر من الإشكال من جعل الرسول (صلى
الله عليه وآله) أو الإمام علي (عليه السلام) العلماء خلفاء.
فإن قيل إنما صح أن نفهم مما ورد عنهم (عليهم السلام) جعل خلفاء لهم من العلماء
لحاجة الشيعة إلى ذلك حيث لم يمكنهم الرجوع إلى الإمام مباشرة في كل وقت.
قلنا: فلم لا يكون هذا هو السبب أيضاً في جعل الرسول (صلى الله عليه وآله) خلفاء له
من العلماء ويكون (صلى الله عليه وآله) قد لاحظ أزمان الحاجة.
ثانياً: ومما يزيد الأمر وضوحاً أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد مارس ولايته
واستلم السلطة وعين الولاية الذين هم خلفاؤه في الأمصار فهل يعني هذا أن لهؤلاء
ولاية على الحسنين عليهما السلام.
ثالثاً: أن مجرد جعل الرسول (صلى الله عليه وآله) العلماء من خلفائه لا يعني أنهم
أصبحوا في رتبة الأئمة (عليهم السلام)، بل هذا يعني أنهم خلفاء له على نحو الإجمال
كما هو ظاهر الحديث. وحيث دل الدليل العقلي والنقلي على أن العلماء ليسوا الخلفاء
المباشرين للرسول (صلى الله عليه وآله)، يكون هذا الدليل مقيداً لحديث الخلفاء،
ويصير العلماء خلفاء للرسول (صلى الله عليه وآله) في الرتبة المتأخرة عن خلافة
المعصومين له (صلى الله عليه وآله).
فما ذكر في الإشكال هو في الواقع قرينة على التقييد المذكور، أما أن يجعل دليلاً
على إلغاء ظهور الحديث في جعل الفقهاء خلفاء له من جهة الولاية والحكومة فهذا غير
صحيح، بعد أن لم تكن المشكلة في أصل الجعل بل في إطلاقه فيقيد.
الإعتراض الرابع: الحديث ذكر الرواة لا الفقهاء.
وقد يعترض بأن الرواية ذكرت الرواة ولم تذكر الفقهاء، والرواة أعم من الفقهاء إذ
ليس كل راوٍ فقيهاً وبالتالي. فإن كان من شرطٍ في الخلافة يمكن استفادته من الرواية
فهو أن يكون راوياً, أما اشتراط أن يكون فقيهاً فلا يعرف هذا من الرواية. ويؤكد ذلك
ما ذكر في آخر الحديث وهو قوله (صلى الله عليه وآله): (فيعلمونها الناس من بعدي).
بل قد يدعى أن هذا قرينة أخرى على أن جهة الخلافة هي التبليغ لأنها المناسبة لحال
الرواة.
والجواب:
أولاً: إن الرواة الذين جعلهم أو أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله) عن كونهم خلفاءه
هم العلماء لأن مجرد الرواية عنه (صلى الله عليه وآله) لا توجب تلك المزية العظيمة
لدى الراوي بحيث يكون خليفة، سواء كانت جهة الخلافة هي الحكومة والولاية أم كانت
جهتها التبليغ، إذ على التقديرين يحتاج الراوي إلى قدرة خاصة ليكون والياً أو
مُبلغاً.
ثانياً: كما أن تلك الفقرة الزائدة دليل على ما نقول لأن المحدث والراوي ليس شغله
تعليم سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا إذا كان فقيهاً مثل الكليني
والصدوقين ونظرائهم (قدهم)، لأن التعليم يحتاج إلى أمرين على الأقل: إحراز أن ما
يرويه هو سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإحراز معناه النهائي الواقعي.
وكلا الإحرازين يحتاجان إلى تمحيص في السند من جهة وملاحظات جميع الروايات المرتبطة
بالموضوع ليتمكن من استخراج تمام المعنى. ومثل هذا الأمر لا يكفي فيه أن يكون الشخص
راوياً كائناً من كان بل لابد من قدرة تمكنه من تحصيل ما ذكرنا وليست إلا القدرة
الإجتهادية. ولذا ورد في الأخبار: (رب حامل فقه لا فقه له).
فمهما فسرنا جهة الخلافة فهي لا تتلاءم مع مطلق الرواة.
الرواية الثانية:
رواية علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول:
(إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها وأبواب
السماء التي كان يصعد فيها بأعماله وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء لأن المؤمنين
الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها)[17].
وفي هذه الرواية ثلاثة كلمات:
الكلمة الأولى حول السند.
فقد يعترض على الإستدلال بها بأنها رواية ضعيفة بسبب ضعف علي بن أبي حمزة البطائني
على ما هو المعروف بين علماء الرجال.
لكن يمكن الجواب بأنه لا مانع من العمل بهذه الرواية حتى وإن كان في سندها علي بن
أبي حمزة البطائني، إذ هناك ما يشبه الإطمئنان بأن هذه الروايات المنقولة عنه كانت
في زمان صلاحه، وعلي البطائني كان ثقة قبل إنحرافه.
ويرشد إلى ما ذكرنا ما ذكره الشيخ في العدة عن البطائني هذا أنه قد (عملت الطائفة
بأخباره)[18]. ونحن لا نوافق على النظرية القائلة أن إنحرافه يكشف عن أنه من أول
الأمر كان فاسداً.
ولو سلمنا ذلك، فهو لا يكشف عن أنه كان من أول الأمر كاذباً في نقله. ويرشدك إلى
ذلك رواية كثير من المشايخ الأجلاء وأصحاب الإجماع[19] عنه كابن أبي عمير وصفوان بن
يحيى والحسن بن محبوب واحمد بن محمد بن أبي نصر ويونس بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان
وأبي بصير وحماد بن عيسى والحسن بن علي الوشاء والحسين بن سعيد وعثمان بن عيسى
وغيرهم ما يقارب الخمسين رجلاً[20]، فالرواية معتبرة لمجموع هذه القرائن.
الكلمة الثانية حول المتن.
فقد رويت هذه الرواية في بعض المواضع مع خلوها من كلمة الفقهاء فيقع السؤال حينئذٍ،
هل الأصل في الروايتين وهما تحكيان حديثاً واحداً، الرواية التي ذكرت كلمة الفقهاء
أم الرواية التي خلت من هذه الكلمة، أي يدور الأمر بين أن تكون كلمة الفقهاء أصلية
وقد حذفت سهواً من إحدى الروايتين وبين أن تكون غير موجودة وقد زيدت سهواً. وكلا
الإحتمالين بحسب القواعد خلاف الظاهر وإثبات أحدهما مبدئياً محتاج إلى دليل.
ولكن مع ذلك يمكن أن يقال أن الأقوى عند دوران الأمر بين النقصان والزيادة كون
النقصان هو الأرجح لأن السهو وارد، ولا يتنافى مع وثاقة الراوي، بينما الزيادة تدل
عادة على التعمد وهو يتنافى مع وثاقة الراوي، فبحسب ظاهر حال الراوي يكون الرجحان
لإحتمال النقصان، وبالتالي يؤخذ بالرواية التي وردت فيها كلمة الفقهاء.
ويؤيد ذلك أيضاً مناسبات الحكم والموضوع فإن المضمون المذكور في الرواية لا يناسب
الحديث عن مطلق مؤمن بل عن الفقهاء، فهم الثلمة التي لا يسدها شيء وهم الذين
يناسبهم التعليل بأنهم حصون الإسلام، كما يظهر ذلك من مراجعة الروايات التي تحدثت
عن تأثير فقد العالم أو الفقيه كرواية (إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة
لا يسدها شيء)[21].
ومن هنا يمكن أن يقال أنه يحتمل أن يكون صدر الرواية (إذا مات المؤمن بكت..)، قد
أريد منه المؤمن الفقيه ولكن اللفظ حذف سهواً.
الكلمة الثالثة: الإستدلال بالرواية.
ويرتكز الإستدلال بهذه الرواية على تحديد معنى كون الفقهاء حصوناً للإسلام. فبعدما
علم بالضرورة، ومرت الإشارة إليه، من أن في الإسلام أنظمة وحكومة بجميع شؤونها لم
يبق شك في أن الفقيه لا يكون حصناً للإسلام كسور البلد له إلا بأن يكون حافظاً
لجميع الشؤون، من بسط العدالة وإجراء الحدود وسد الثغور وأخذ الخراجات والحقوق
المالية المعبر عنها في أيامنا هذه بالضرائب وصرفها في مصالح المسلمين ونصب الولاة
في الأصقاع، وإلا فصرف تبليغ الأحكام لا يكفي لتحصين الإسلام.
إعتراض على هذا الإستدلال
لكن يمكن الإعتراض على هذا الإستدلال بالفرق بين أن يكون الفقهاء حصوناً للمسلمين
وبين أن يكونوا حصوناً للإسلام. وحصن الإسلام يعني أن يدافع عن الإسلام في وجه
التحريفات والشبهات لتبقى أفكار الإسلام وأحكامه وعقائده سليمة عن أي دس أو تشويه،
وهذا لا يحتاج إلى ثبوت ولاية للفقهاء أيدهم الله تعالى.
والجواب:
وقد يجاب عن هذا الإعتراض بأن هذا الدور لا يمكن القيام به بشكل كامل وتحقيق الهدف
التام منه إلا في ظل حكومة إسلامية يكون الفقيه حاكمها.
الرواية الثالثة: موثقة السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
(الفقهاء أمناء الرسول ما لم يدخلوا في الدنيا). قيل: يا رسول الله ما دخولهم في
الدنيا قال: (إتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم).[22]
ورويت أيضاً عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بفارق (فاحذروهم على
أديانكم)[23]. وفارق غير مؤثر.
الإستدلال بالرواية:
والفقرة التي يتعلق بها الإستدلال هي قوله (صلى الله عليه وآله): (أمناء الرسل).
وقد وصفت هذه الرواية الفقهاء بأنهم أمناء لجميع الرسل بما فيهم رسول الله (صلى
الله عليه وآله)، لأنها لم تخصص الكلام برسول محدد فيكون هذا العنوان شاملاً لرسول
الله (صلى الله عليه وآله). وحيث أنه لم يتحدد مورد الأمانة بمورد خاص فهذا يعني
شمولها لجميع الشؤون المتعلقة برسالته وهدفه ودوره، وأوضح هذه الشؤون قيادة الأمة
وبسط العدالة الإجتماعية، وما لها من المقدمات والأسباب واللوازم، فأمين الرسول
(صلى الله عليه وآله) أمين في جميع شؤونه.
وليس شأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكر الأحكام فقط حتى يكون الفقيه أمينا
فيه فقط بل من شؤونه أيضاً إجراء الأحكام، ومقتضى الأمانة فيها أن يجريها الفقيه
على ما هي عليها في الشرع الإسلامي. وأين تكون الأمانة لو ضاع الهدف من الرسالات
والتي هي إجراء الأحكام وإقامة العدل بين الناس وهدايتهم إلى الحق.
ويشهد لذلك ما في رواية العلل التي تقدم ذكرها في الباب الأول حيث قال (عليه
السلام) في علل الإمامة:
(إن الخلق لما وقفوا على حد محدود.. إلى أن قال: ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيه
أمينا يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم.. إلى أن قال: فجعل عليهم قيماً
يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود).
فقد عبر هنا عن الذي يقوم مقام الرسول (صلى الله عليه وآله) بالأمين، فإذا ضم إلى
ذلك قوله (صلى الله عليه وآله): (الفقهاء أمناء الرسل) يعلم منه أنهم أمناء الرسل
لأجل ما ذكر في رواية العلل من إجراء الحدود والمنع عن التعدي والمنع من اندراس
الإسلام وتغير السنة والأحكام. فالفقهاء أمناء الرسل وحصون الإسلام لهذه الخصوصية
وغيرها وهو عبارة أخرى عن الولاية المطلقة.
اعتراض:
إن قوله (صلى الله عليه وآله): (فاحذروهم على أديانكم) قرينة على أن المراد من
الأمانة أمانة حمل الرسالة وتبليغها ولا دخل لذلك بالحكم والحكومة.
والجواب:
أن دين المرء يتعرض لخطر من جهتين:
الأولى: جهة التبليغ غير الصحيح فيضيع على المسلم المفهوم الحق.
الثانية: جهة السلطة التي قد تعرّض الإنسان لضغوطات تجعله يتخلى عن دينه.
والحذر كما يتحقق بلحاظ الحالة الأولى يتحقق بلحاظ الحالة الثانية ومع ذلك كيف يقال
إن قوله (صلى الله عليه وآله) فاحذروهم على دينكم أو أديانكم قرينة على خصوص الحذر
من الجهة الأولى.
وفي الحقيقة فإن الأمر بالحذر المذكور قرينة على التعميم، لأن الرواية جعلت مقابلة
بين الفقهاء الذين يتولون السلطة بأمانة وعدل من خلال كونهم أمناء الرسل، وبين
الفقهاء الذين يكونون على أبواب سلاطين الجور. وأشارت إلى أن الخطر الموجب للحذر
يأتي من الفئة الثانية، بينما الفئة الأولى ترفع الخطر من الجهتين اللتين أشرنا
إليهما.
الرواية الرابعة:
التوقيع المبارك المنسوب إلى صاحب الأمر روحي فداه (عجل الله فرجه) نقله الشيخ
الصدوق عن الشيخ الكليني عن محمد بن عصام الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد
بن عثمان أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي فورد التوقيع بخط
مولانا صاحب الزمان (عجل الله فرجه):
(.. أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك.. إلى أن قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا
فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله).[24]
حول السند:
وقد قيل الكثير حول سند هذا التوقيع، وشكك بعضهم في صحة الأخذ به بسبب جهلنا بشخصية
إسحاق بن يعقوب، حتى أن الكليني لم ينقل تلك الرواية في الكافي وهذا يشكل قرينة
أخرى على ضعف الرواية.
والجواب:
أنه يمكن أن يقال إن العلماء اهتموا بالتواقيع الصادرة عن الإمام الحجة (عجل الله
فرجه) واعتنوا بها عناية زائدة لأنهم يحتملون، وخاصة في زمن الغيبة الصغرى والأزمنة
المتصلة بها، أمانة أن لا يتم التلاعب بهذه القضية وقد كان ذلك ميسوراً لهم في ذلك
الوقت. فلو كان هذا التوقيع غير معلوم الصدور منهم لنفوه ولكان عليهم التصدي له بكل
وضوح حتى لا يؤخذ الشيعة بالغفلة ويضلهم الناس، والحال أننا نجد قبول العلماء من
الرواة وأئمة الحديث لهذا التوقيع ولم يعترض عليه أحد منهم مع قرب عهدهم بعصر
الغيبة الصغرى. خاصة وأن المقصود بالتوقيع ما يكون بخط الإمام (عليه السلام).
لماذا لم يرو الكليني التوقيع في كتاب الكافي؟
أما لماذا لم يروه الكليني في الكافي فربما لأنه اطلع عليه بعد تأليف الكافي ونشره،
أو لأنه كان يراعي التقية بمعنى أنه لم يرد إظهار معرفته بذلك في كتابه حتى لا تتم
ملاحقة أصحاب التواقيع ومن تصل إليهم، فلم يشر إليها في الكافي المراد منه
الإنتشار. ولعل هذا أحد الأسباب التي أدت إلى أن لا يُظهر الكليني في كتابه الكافي
علاقته بالسفراء وهو المعاصر لهم، إذ كان من الأمور الملفتة عدم وجود رواية للكليني
عن وكلاء الإمام الحجة (عجل الله فرجه)مع أنه من المستبعد أن لا يكون له معرفة بهم
(رض).
الإستدلال بالرواية:
وأما دلالتها ففي فقرتين:
إحداهما: قوله (عليه السلام): (أما الحوادث الواقعة..) الخ.
وتقريب الإستدلال بها أن الإمام (عليه السلام) أمر بالرجوع في نفس الحوادث
والمستجدات والوقائع الخارجية إلى رواة الحديث بكل ما تتطلبه تلك الحوادث من رجوع.
والحوادث تارة تحتاج إلى مرجعية لمعرفة حكمها الشرعي الكلي، وتارة تحتاج إلى مرجعية
تحدد الموقف الشرعي في الساحة العملية، وذلك في الوقائع المرتبطة بالشأن الإجتماعي
والسياسي[25]. وكلا الأمرين كانا من مختصات الإمام المعصوم (عليه السلام) لو كان
ظاهراً. والإمام (عليه السلام) أمر بالرجوع في كل ذلك إلى رواة الحديث.
فالسائل أراد بسؤاله عن الحوادث الواقعة الإستفسار عن تكليفه أو تكليف الأمة في تلك
الحوادث، لأن حاجتهم لم تنقطع بغيبة الإمام (عليه السلام) فكان لابد من الجواب عن
مثل هذا السؤال. والذي يظهر من الجواب أن الحوادث بكلا قسميها يكون المرجع فيها
الرواة وتقدم أن المراد بهم الفقهاء.
والفقرة الثانية: من ناحية التعليل بأنهم (حجتي عليكم وأنا حجة الله).
وتقريب الإستدلال بها بأن كون المعصوم حجة الله ليس معناه أنه مبين الأحكام فقط، بل
المراد بكونه وكون آبائه (عليهم السلام) حجج الله على العباد أن الله تعالى أمر
العباد بمتابعتهم في جميع شؤونهم، وأن لا عذر للناس في التخلف عنهم. فلو رجعوا إلى
غيرهم في الأمور الشرعية والأحكام الإلهية التي يحتاجونها، والتي من مواردها ما
يتعلق بتدبير أمور المسلمين وتمشية سياستهم وما يتعلق بالحكومة الإسلامية، لم يكن
لهم عذر في ذلك مع وجودهم (عليهم السلام). وهذا من بديهيات المذهب الشيعي صانه الله
تعالى ورعاه.
وعليه فيستفاد من قوله (عليهم السلام): (أنا حجة الله وهم حجتي عليكم) أن وأن ما هو
له (عليه السلام) من قبل الله تعالى فهو لهم من قبله (عليه السلام). فالفقهاء ولاة
لأن هذا المعنى من مصاديق الحجية هنا.
مناقشة الإستدلال: ربما كان المقصود في التوقيع وقائع محددة.
وقد اعترض بعض العلماء الأعلام على التمسك بالتوقيع بأنه لا دلالة فيه على ثبوت
الولاية للفقيه لسببين:
أحدهما: إحتمال أن تكون الألف واللام في كلمة (الحوادث) الواردة في التوقيع للعهد،
فيكون الكلام عن حوادث محددة التي لم نعرفها، لأن الذي وصلنا جواب الإمام (عليه
السلام) ولم يصل إلينا جوابه. وعليه يحتمل أن يكون الجواب إشارة إلى خصوص ما ذكره
في السؤال.
ثانيهما: الإحتمال القوي في أن يكون مقصود السائل السؤال عن حكم الحوادث الواقعة
المتجددة من الفروع الفقهية التي ليس لها دليل مباشر عليها في الأخبار. ومؤدّى هذا
الإحتمال لو تم أن تكون الرواية في صدد تحديد المرجعية الفقهية فقط.
والجواب:
أولاً: أما احتمال معهودية الحوادث فهو مجرد احتمال لا يضر بالظهور ما لم تقم قرينة
عليه. ولو افترضنا أن السؤال كان عن أمور محددة فهذا لا يكفي بمجرده لإلغاء الظهور
ما دام الإمام (عليه السلام) في جوابه أعطى عنواناً عاماً يسع ما في السؤال وغيره.
وثانياً: أما دعوى قوة أن يراد الإرجاع لمعرفة حكم الفروع، فهي دعوى لا دليل عليها
ولا على قوة احتمالها ما دامت الحاجة قائمة في الحالتين، أي لمعرفة الحكم الكلي
ومعرفة الحكم الجزئي بالنحو المشار إليه سابقاً. والرواية مطلقة تشملهما والتقييد
يحتاج إلى دليل ولا يكفي الإحتمال لإثباته.
الرواية الخامسة:
قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح وقد كان قاضياً: ( قد جلست مجلساً لا يجلسه
إلا نبي أو وصي نبي أو شقي)[26].
وتقريب الإستدلال:
أنه قد ثبت أنه يحق للفقيه العدل أن يجلس هذا المجلس أي مجلس القضاء، وهو ليس نبياً
ولا شقياً لأنه لم يتعدَّ بجلوسه على هذا المنصب بل سمح له شرعاً بذلك، فينبغي أن
يكون وصياً بناءاً على هذا الحديث.
والوصي له ما للموصي الذي هو النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام).
وهذا تعبير آخر عن ثبوت الولاية للفقهاء القضاة في دائرة أوسع من باب القضاء لتشمل
كل شؤون ولاية المسلمين.
مناقشة الإستدلال:
إننا وإن لم يمكنّا إنكار دلالة هذه الرواية على أنه لابد أن يكون الجالس في هذا
المجلس وصيا للنبي. لكن يبقى سؤال وجيه وهو: هل أن الجالس وصي في جميع الأمور أم في
خصوص القضاء؟ وهذا مسكوت عنه في الرواية ولا نستطيع استخراج جوابه منها، فهي من هذه
الجهة مجملة.
وعليه لا يصح أن يقال أن الوصي هنا له ما للموصي من جميع الجهات، لأن الوصاية أمر
اعتباري قد تتسع دائرتها وقد تضيق، ولا ظهور في الرواية في السعة التي تعني ولاية
الأمر والحكومة، لما ذكرناه من كون الرواية مهملة لهذا الجانب. فالرواية إذن لا تدل
على أكثر من الردع عن أن يتولى القضاء من لم يعهد له بذلك من قبل النبي وخلفائه
الحقيقيون.
الرواية السادسة:
ما عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي
للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي أو وصي نبي).[27]
والرواية تدل بوضوح على أن القضاء للإمام والرئيس العالم العادل.
ولما ثبت كون القضاء للفقيه ثبت أنه الرئيس والوصي، فإن الرواية حصرت مقام الحكومة
بهذه المواصفات وهو مقام للفقيه أيضاً فوجب أن تكون الصفات المذكورة منطبقة على
الفقيه.
وهذه الرواية من حيث السند معتبرة.
مناقشة الاستدلال:
قد يعترض على هذا الإستدلال أن الرواية ذكرت ثلاثة أوصاف كشروط لمقام الحكومة: هي
الإمامة والعلم بالقضاء والعدالة بين المسلمين. والفقيه وإن ثبت كونه عالماً
بالقضاء لكن لم نحرز بعد كونه إماماً. وليس في الرواية دلالة على أن كل من يكون
عالماً بالقضاء فهو إمام.
والجواب:
إن الرواية تتحدث عن حكومة القضاء وأنه لا يتولى ذلك إلا الإمام العالم، فإذا ثبت
تولي الفقيه لهذه الحكومة فهو إذن الإمام بمقتضى الحصر.
ومع ذلك في النفس شيء تجاه هذا الإستدلال إذ لعل المقصود أن الحكومة هي بالأصالة
للإمام العالم والفقيه ليس قاضياً بالأصالة بل هو كذلك بتعيين الإمام فربما لا
يشمله النص.
إضافة إلى ما ورد في الإعتراض من أنه من غير المعلوم إرادة خصوص حكومة القضاء بل
لعل المراد بها الحكومة بمعناها الأعم فيبطل الإستدلال.
الرواية السابعة:
مقبولة عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا
بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاء أيحل ذلك؟ قال:
(من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذ
سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به. قال
تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن
يَكْفُرُواْ بِهِ﴾[28]. قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى
حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم
حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا
كالراد على الله وهو على حد الشرك بالله)[29].
سند الرواية:
والرواية من المقبولات التي عمل الأصحاب بها فضعفها سنداً بعمر بن حنظلة منجبر
بإقبال العلماء عليها. علماً أنه لا بأس بعمر بن حنظلة في مجال نقل الرواية عنه،
كما تدل عليه شواهد كثيرة ليس هنا محل ذكرها.
كيفية الإستدلال بالرواية.
أن يقال: إنّ قول الراوي في المقبولة: (منازعة في دين أو ميراث) يشمل نوعين من
المنازعات:
الأول: المنازعات التي تقع بين الناس فيما يرجع فيه إلى القضاة، كأن يدعي شخص أن له
في ذمة فلان ديناً وينكر الطرف الآخر ذلك، وكأن يدعي شخص أنه وارث والورثة ينكرون،
ونحو ذلك من الإختلافات التي يكون حلها عند القاضي عادة.
الثاني: المنازعات التي يرجع فيها إلى الولاة والأمراء كالتنازع الحاصل بين الناس
لأجل عدم أداء دين أو أرث بعد العلم بثبوت الحق.
وهذا النحو من المنازعات لا يرجع فيها إلى القاضي لأن المفروض أن الحق معروف وأنه
ثابت ولو من خلال حكم القاضي، أي لو احتاجت المسألة إلى القاضي فالمفروض أن
المتنازعين راجعوه وحكم في قضيتهما، فيكون مرجع هذا النحو من المنازعات إلى الأمراء
بغرض تنفيذ الحكم، وهذا يحتاج إلى سلطة تنفيذية. ومثله ما لو قتل ظالم شخصاً من قوم
ووقع النزاع بين الفريقين فإنه لا مرجع لرفعه إلا الولاة.
وذكر الدين والميراث في الرواية إنما هو من باب المثال، والمقصود السؤال عن التكليف
في مطلق المنازعات، ولذا نجد السائل بيّن النوعين بقوله: (فتحاكما إلى السلطان أو
إلى القضاة). والتناسب بين السؤال والجواب يقتضي أن يكون الجواب الصادر من الإمام
(عليه السلام) يشمل كلا النوعين عندما قال: ( من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما
تحاكم إلى الطاغوت).
بل لولا القرائن لكان الظاهر من الجواب خصوص المنازعات المحتاجة إلى الولاة، لأنهم
المتعارف عليهم إطلاق الطاغوت عليهم إن كانوا غير عدول، خصوصاً مع استشهاد الإمام
(عليه السلام) بالآية الظاهرة في نفسها في الولاة الطغاة.
وحيث بنينا على التعميم لنوعي المنازعات يكون قول السائل بعد ذلك: (فكيف يصنعان)
استفساراً عن المرجع في البابين، ويكون قوله (عليه السلام): (فليرضوا به حكما)
تعييناً للحاكم في التنازع في البابين أيضاً، فليس لصاحب الحق الرجوع لا إلى ولاة
الجور ولا إلى قضاتهم.
فاتضح من جميع ذلك إنه يستفاد من قوله (عليه السلام): (فإني قد جعلته عليكم حاكماً)
إنه (عليه السلام) قد جعل الفقيه مرجعاً فيما يحتاجون فيه إلى القاضي ومرجعاً فيما
يحتاجون فيه إلى الوالي، فالفقيه حاكم في القسمين.
ويؤكد ذلك عدوله (عليه السلام) عن قوله (قاضياً) إلى قوله (حاكماً) ليتناسب ذلك مع
الأوامر التي يصدرها الحاكم الوالي، كما أنه يتناسب مع مقام القضاء لأن كلا
المقامين مقام للحاكم والأمر والنهي.
وربما زاد بعضهم لتقوية الإستدلال التمسك بكلمة عليكم التي تناسب مقام الولاية أكثر
مما تناسب مقام القضاء لأن المناسب لمقام القضاء، أن يقال بينكم لا عليكم.
إستشهاد برواية أبي خديجة:
وقد يستشهد لبيان أن هناك نحوين من القضاء، نحو يرجع فيه إلى القضاة وآخر يرجع فيه
إلى السلطان، بمشهورة أبي خديجة، وهي معتبرة من حيث السند، قال:
(بعثني أبو عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم إياكم إذا وقعت بينكم
خصومة أو تداري في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق إجعلوا
بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضياً وإياكم أن يخاصم
بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر).[30]
وجه الإستشهاد:
فإن الظاهر من أولها إلى قوله (عليه السلام) (قاضياً) أن الحديث عن المنازعات التي
يرجع فيها إلى القضاة، كما أن الظاهر من تحذيره بعد ذلك من الإرجاع إلى السلطان
الجائر وجعله مقابلاً للأول بقوله (عليه السلام) (وإياكم) هي المنازعات التي يرجع
فيها إلى السلطان لرفع التعدي لا لفصل الخصومة. فتكرار إياكم ليس للتأكيد بل لوجود
معنيين راجعين إلى النوعين المذكورين.
إعتراض على الإستدلال:
أولاً: إن أقصى ما تفيده المقبولة هو أنه في باب المنازعات التي يحتاج في رفعها إلى
قاض إلى قاض يجب الرجوع فيها إلى الفقيه، وكذا ما يحتاج فيه إلى السلطان أي إلى
سلطة تنفيذية يمكنها فرض الحكم على الطرف المعاند، إن للفقيه حق هذا الفرض لكن هذا
الحق هو من شؤون القضاء أيضاً وليس شأناً زائداً عنه فإن القاضي في الفقه الإسلامي
يملك حق إجبار المعاند على الإلتزام بالحكم، بل يمكن فرض هذا الحق لغير القاضي من
المؤمنين ولو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وثبوت ذلك الحق للفقيه لا
يثبت الولاية العامة المطروحة في المقام، أي لا يثبت ذلك أن الفقيه في الشرع
الإسلامي سلطان حتى تثبت الولاية له، بل هو له هذه السلطنة التي يتطلبها القضاء.
وكلامنا هو في ثبوت الولاية للفقيه حتى في غير مقام التنازع، وهذا يصعب إثباته من
المقبولة، فلا مانع في أن يكون الولي إنساناً ملتزماً بالأحكام الشرعية ينفذ أحكام
القضاة وإن لم يكن فقيهاً، غايته أن القضاء يحتاج إلى فقيه يكون صاحب سلطة في مجاله
هذا.
ثانياً: أما التعبير بـ (حاكماً عليكم) فقد مر مثله في رواية أبي خديجة في كلمة
القاضي أيضاً إذ جعله قاضياً عليهم. ولا ظهور لهذا التعبير بكونه حاكماً عليهم
بمعنى الولاية. ومجرد ذكر كلمة عليكم لا يفيد هذا الظهور لأن عليكم تفيد الإلزام
وأن للحاكم مقاماً اعتبارياً أعلى من مقام الطرفين في مقام التنازع، وهذا المعنى
متحقق في القاضي ولا ينحصر بالوالي. وبالتالي لا يصلح هذا التعبير للقرينية على أن
المراد بعليكم الإستعلاء على جهة الولاية لا القضاء.
ثالثاً: يمكن أن يقال أيضاً بأن ظاهر كلام الإمام (عليه السلام) الرجوع إلى الفقيه
لحسم النزاع فقط، وليس في الروايتين ما يدل على جعل سلطنة للفقيه، ولا على أن
الإمام (عليه السلام) في مقام طرح البديل عن السلطان الجائر بسلطان عادل[31]. ومجرد
النهي عن الرجوع إلى السلاطين والولاة لا يدل على أن إرجاع الناس للفقهاء يشمل هذا
الجانب، بل الظاهر أن الإمام (عليه السلام) اتكل على الوازع الديني لدى طرفي النزاع
وأن عليهم تكليف الإلتزام بما يحكم به القاضي المنصوب من قبلهم (عليهم السلام).
وهذا الإحتمال قوي ويزيده قوة تعقيب الإمام (عليه السلام) في المقبولة بالمنع من
الرد على القاضي الفقيه لأنه كالراد على الله تعالى وفي هذا مزيد تشديد على الوازع
الديني. وهذا الإحتمال لقوته يمنع ظهور الحديث في ما أراده المستدل.
تقوية الإستدلال:
وقد يقوى الإستدلال برواية عمر بن حنظلة بما يظهر من جملة من أعاظم العلماء من أن
الإمام (عليه السلام) قد أشار إلى كبرى عامة في مقام إرشاد الشيعة إلى الرجوع إلى
الفقهاء. فعندما قال الإمام (عليه السلام): (فإني قد جعلته حاكماً) لم يرد بذلك
تخصيص جعله حاكماً في باب القضاء، بل أراد بذلك الإشارة إلى جعل عام شامل لكل ما
يحتاج إلى حكم، أي إن قوله (عليه السلام) (فإني..) مطلق لم تحدد فيه جهة الحكومة
بجهة خاصة وكون مورد الرواية القضاء لا يصلح للتقييد. والمعنى أنه (عليه السلام)
أمر بالرجوع إلى الفقهاء في مقام القضاء لأنهم مجعولون حكاماً عامين على الناس، ومن
شؤون الحاكم العام القضاء أيضاً.
استفادة مهمة:
وسواء تم الإستدلال برواية عمر بن حنظلة أم لم يتم، فبإمكاننا أن نحصل منها على
استفادة مهمة تنفعنا في الأبواب اللاحقة. فقد أطلق الإمام (عليه السلام) كبرى لكل
من يحكم بحكمهم: (فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد
والراد علينا كالراد على الله وهو على حد الشرك بالله). وقد طبق الإمام (عليه
السلام) هذه القاعدة على مورد القضاء، لكن هذا لا يعني أن تطبيقها منحصر به بل يجري
في كل مورد كان الحكم بحكمهم.
وعليه نقول: فإذا ثبت بالأدلة أن الأئمة (عليهم السلام) قد جعلوا الفقهاء ولاة
للأمر نيابة عنهم، فهذا يعني أن الفقهاء في مقام الولاية يحكمون بحكمهم (عليهم
السلام). فإن معنى أن القاضي حكم بحكمهم أنه حكم طبق ما علمه من مذهب أهل البيت
(عليهم السلام) بعد نظره في حلالهم وحرامهم، وهذا المعنى متحقق في الوالي الفقيه
أيضاً فيكون الرد عليه رداً على أهل البيت (عليهم السلام) وهو على حد الشرك بالله
تعالى.
الرواية الثامنة:
صحيحة القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال:
(قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به
طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، وإنه يستغفر لطالب
العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر إلى أن قال: وإن العلماء ورثة
الأنبياء. إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذ منه
أخذ بحظ وافر)[32].
وقريب منها رواية أبي البختري مع زيادة قوله (صلى الله عليه وآله): (فانظروا علمكم
هذا عمن تأخذونه فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين
وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)[33].
تقريب الإستدلال:
فقد وصفت هذه الرواية الفقهاء بكونهم ورثة الأنبياء. ومن الأنبياء رسول الله (صلى
الله عليه وآله) وسائر المرسلين (عليهم السلام) الذين لهم الولاية العامة على
الخلق.
ومقتضى الوراثة إنتقال كل ما كان لهم (عليهم السلام) إلى الفقهاء إلاّ ما ثبت أنه
غير ممكن الإنتقال. ولا شبهة في أن الولاية بمعنى الحكومة أمر اعتباري قابل
للإنتقال عقلاً وشرعاً، وعلى ذلك جرت العقلاء في حكوماتها وبلادها بلا فرق بين أهل
الجور وأهل العدل. ولذا نجد مثل هذا التعبير في نهج البلاغة (أرى تراثي نهباً)[34].
فالولاية الشاملة لكونه (صلى الله عليه وآله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما يرجع
إلى الحكومة والإمارة من الأمور التي تنتقل إلى الفقهاء حسب هذا الحديث.
إعتراضات:
الإعراض الأول:
ربما يقال أن المراد بالعلماء في هذا الحديث الأئمة (عليهم السلام) كما ورد عنهم
(عليهم السلام) قولهم (نحن العلماء)[35]وبالتالي يكونون هم المقصودين بالوراثة لا
الفقهاء.
والجواب:
أولاً: إن الظاهر من لفظ العلماء هو الفقهاء غير الأئمة (عليهم السلام) ما لم تقم
القرينة على أن المراد بهم الأئمة (عليهم السلام). فلا يصح بمجرد أن نسمع أو نقرأ
في الروايات كلمة العلماء أن نحملها مباشرة على الأئمة (عليهم السلام)، فهذا خلاف
الإستعمال الشائع لغةً وعرفاً، كما أنه خلاف المتبادر من اللفظ. وعليه فحمل اللفظ
على أن المراد الأئمة (عليهم السلام) يحتاج إلى قرينة خاصة وهي غير موجودة.
صحيح أنه قد كثر استعمال هذا اللفظ في الأئمة (عليهم السلام)، لكنه في كل مورد
استعمل فيه كانت معه قرينة خاصة تدل على المراد، ولم يصل إلى حد يكون صدوره عنهم
(عليهم السلام) قرينة عامة على إرادة الأئمة (عليهم السلام). ولذا سيجد المتابع
للروايات الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) من دون حاجة لنصب قرينة خاصة على
إرادة غيرهم. فراجع ما ورد في العلماء والعالم والعلم.[36]
ثانياً: إن في الرواية قرينة على أن المراد بالعلماء هنا الفقهاء لا الأئمة لأن
المراد بالعلماء هم الذين أشير إليهم بقوله (صلى الله عليه وآله): (من سلك طريقاً
يطلب فيه علماً)، (فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر). وهذا يدل على أن الكلام إنما هو عن
هؤلاء الذين يسلكون طريق طلب العلم ويتلقونه. وهذا المعنى لا ينطبق على الأئمة
(عليهم السلام).
الإعتراض الثاني:
وقد يعترض باعتراض مهم على هذا الإستدلال بأن يقال: نحن نوافق على أن المراد
بالعلماء الفقهاء لكن الإستدلال بالرواية مبني أن يكون المراد بالوراثة الوراثة
الشاملة لوراثة الولاية والحكومة، والحال أن في الرواية قرينة على أن المراد
بالوراثة وراثة العلم فقط لا غير. وهذه القرينة هي:
قوله (صلى الله عليه وآله): (إنّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا
العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر) وهذا حصر للإرث بجانب العلم. وسند هذا الحصر لو
لاحظنا أيضاً رواية أبي البختري ( وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم).
وقد أجيب عنه:
بأن الحصر في رواية أبي البختري حصر إضافي وليس حقيقياً، أي هو حصر بالإضافة إلى
الإرث المادي، وليس المقصود نفي كل وراثة وإثبات خصوص الإرث العلمي[37]. ولا يتنافى
الحصر الإضافي مع وراثة الولاية والحكومة، ولو كان الحصر حقيقياً لكان لازمه نفي
وراثة المعصومين (عليهم السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يلتزم به أحد
منا.
مناقشة الجواب:
لكن في النفس شيء حول هذا الاستدلال فـ:
أولاً: إن الرواية صريحة في تخصيص الإرث بالعلم. ومجرد أن العبارة الواردة في بداية
الحديث أعني قوله (صلى الله عليه وآله) (العلماء ورثة الأنبياء) هي عبارة مطلقة لا
يكفي للإستدلال ما دام قد لحق هذه العبارة القرينة المتصلة الدالة على تقييد جهة
الإرث بجانب العلم مع استعمال الألفاظ الدالة على الحصر كلفظ (إنما) في رواية أبي
البختري.
ولو فرضنا أن رواية أبي البختري غير معتبرة سنداً بحيث لا يكون متنها الدال على
الحصر حجة، فإن مجرد نفي الحصر لا يكفي لتتميم الإستدلال لأن الرواية لم تثبت إلا
وراثة العلم، فيصير إثبات ما عداه من الأمور التي يمكن أن تورث محتاجة إلى دليل.
وإنما يكفي نفي الحصر لتتميم الإستدلال إن كان بنفي الحصر يثبت لدينا إطلاق للوراثة
يشمل جانب الولاية، وليس في الرواية مثل هذا الإطلاق حتى لو نفينا الحصر.
ثانياً: حمل الرواية على الحصر الإضافي يحتاج إلى قرينة، ولم يذكر في جواب
الإستدلال ما يصلح أن يكون قرينة عليه. ومجرد قيام الدليل من الخارج على أن الأئمة
(عليهم السلام) قد ورثوا شيئاً آخر غير العلم لا يشكل قرينة على أن الحصر في
الرواية إضافي لنأخذ من الرواية عموم الإرث ليستفاد الولاية للعلماء.
وبعبارة أخرى الإشكال بأن لازم الحصر الحقيقي هو نفي وراثة الأئمة لرسول الله (صلى
الله عليه وآله) لو تم فلن يقتضي أكثر من رفع اليد عن هذا بالدليل الذي دل من غير
هذا الخبر فيبقى الباقي تحت الحصر. وهذا الخروج لا يصيّر الحصر إضافياً بالنسبة لما
بقي، بل يبقى حقيقياً مع الإستثناء الذي قام الدليل عليه.
ثالثاً: على أنه يمكن أن يقال إن الرواية إنما حصرت الإرث بلحاظ العلماء، والمفروض
أن هذا العنوان لا يشمل الأئمة (عليهم السلام) على ما بين في الإستدلال، فيكون
الأئمة غير مشمولين لهذا الحصر وبالتالي فلا ينقض على القول باختصاص الوراثة بالعلم
بأن الأئمة (عليهم السلام) يرثون أيضاً.
الإستدلال بهذه الرواية على نفي ولاية الفقيه:
لكن هل هذا يعني أن الرواية تصلح رداً على من قال بثبوت الولاية للفقيه، بإعتبار أن
الرواية غاية ما دلت عليه هو ثبوت وراثة العلم للعلماء ولم تثبت وراثة أخرى لهم.
الجواب هو بالنفي لأن الرواية إما أنها غير دالة على ثبوت الولاية للفقهاء، وهذا لا
ينافي وجود دليل يدل عليها لعدم التنافي بين سكوت دليل ودلالة آخر.
وإما أنها دالة بالحصر على نفي الولاية، وهذا أيضاً لا يصلح للتمسك به بعد قيام
الأدلة الأخرى على ثبوت الولاية للفقهاء، فتكون تلك الأدلة اللفظية مقيدة لهذه
الرواية أو تكون قرينة على أن الحصر إضافي حتى بالنسبة للعلماء، فالرسول (صلى الله
عليه وآله) جعل الأئمة (عليهم السلام) خلفاء له وهم (عليهم السلام) والرسول جعلوا
الفقهاء خلفاء لهم.
روايات أخرى مؤيدة:
وهي روايات ضعيفة السند لكن يمكن الإستئناس بها في بحثنا هذا، فإن إظهار كثرة
الروايات الواردة في الموضوع ربما يساهم في تحصيل العلم أو الإطمئنان بالقضية.
الرواية الأولى:
الرواية المروية في الفقه الرضوي أنه قال: (منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة
الأنبياء من بني إسرائيل)[38].
وقد كان موسى على نبينا وآله و (عليه السلام) وكثير من الأنبياء ممن لهم الولاية
على بني إسرائيل، فإذا كانت منزلة الفقيه في وقت الأئمة (عليهم السلام) بالنسبة
للأمة الإسلامية كمنزلة الأنبياء من بني إسرائيل بمن فيهم موسى (عليه السلام)، فهذا
يعني ثبوت الولاية للفقيه حيث أطلقت المنزلة ولم تقيد بحد محدود.
والإشكال في هذه الرواية من جهتين:
من جهة السند: إذ لم يثبت كون الكتاب المسمى بالفقه الرضوي يرجع للإمام الرضا (عليه
السلام) حتى نتعامل معه على هذا الأساس كما هو مدعى جماعة، بل لم يثبت كونه رواية
عن المعصوم (عليه السلام) إذ في عباراته ما يدل على أنه من تأليفات بعض العلماء
ضمّنه بعض الروايات. وليس هنا محل التفصيل في هذا الموضوع.
من جهة الدلالة: إذ لازم كون العلماء بمنزلة نبي الله موسى (عليه السلام) من جميع
الجهات أن يصيروا أرفع من الأنبياء الآخرين، والحال أن الرواية ماثلت بين العلماء
وبين جميع أنبياء بني إسرائيل وليس فقط مع النبي موسى (عليه السلام). وهذا يستدعي
أن يكون التشابه في القدر المشترك بين الأنبياء وليست الولاية والحكومة قدراً
مشتركاً بينهم.
الرواية الثانية:
ما عن عبد الواحد الآمدي في الغرر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال:
(العلماء حكام على الناس)[39].
والدلالة في هذه الرواية تامة لكن سندها غير تام. لكن رويت هذه الرواية بشكل مختلف
تبطل معه الدلالة أيضاً، ففي نسخة أخرى (العلماء حكماء على الناس) وقد استظهر جمع
من العلماء كون النسخة الصحيحة هي (حكام).
الرواية الثالثة:
رواية تحف العقول عن سيد الشهداء (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام)
وفيها: (مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله
وحرامه)[40].
وجهة الضعف في هذه الرواية سندها لأنها مرسلة [41].
وأما متنها فإنه تام الدلالة على ما نريد. فإن التأمل في الرواية من أولها إلى
آخرها يظهر أن وجهة الكلام لا تختص بعصر دون عصر وبمصر دون مصر، بل هو كلام صادر
لضرب قانون كلي للعلماء قاطبة في كل عصر ومصر لحثهم على القيام بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر مقابل الظلمة، وتعييرهم على تركهما طمعاً في الظلمة أو خوفاً
منهم.
فقد وجه الإمام (عليه السلام) كلامه إلى أمة المسلمين بأن المهابة التي في قلوب
الأعداء منكم ( إنما هي بما يرجى عندكم من القيام بحق الله وإن كنتم عن أكثر حقه
تقصرون فاستخففتم بحق الأئمة (عليهم السلام)) إلى أن قال (عليه السلام): (وقد ترون
عهود الله منقوضة فلا تفزعون وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون وذمة رسول الله مخفورة..
وبالإدهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون، كل ذلك مما أمر الله به من النهي والتناهي
وأنتم عنه غافلون. وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم
تشعرون. ذلك بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله
وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلا بتفرقكم عن الحق)[42]. إلى
آخر هذا الخطاب المتوجه لجميع المسلمين على مر العصور.
والذي نلاحظه من الرواية أن الإمام (عليه السلام) لم يقل والأئمة (عليهم السلام) هم
الحكام بل سمى (العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه)، وليس ذلك إلا لتعميم
الحكم بالنسبة لجميع العلماء مع السكوت عن الشروط الأخرى المعتبرة فيهم.
إعتراض:
إن العالم بالله له مقام فوق مقام الفقهاء وهو مقام الأئمة (عليهم السلام).
الجواب:
أولاً: ليس المراد بالعالم معنى فلسفياً أو عرفانياً بل معنى عرفي ينطبق على
الفقهاء، كما نلاحظ ذلك في استشهاد الإمام (عليه السلام) بقوله تعالى: ﴿لولا ينهاهم
الربانيون والأحبار﴾[43] والرباني عبارة أخرى عن العالم بالله.
ثانياً: لو سلمنا أن وصف العالم بالله أرقى من وصف الفقيه، فأقصى ما يترتب عليه أن
يشترط في الفقيه صفة أخرى هي كونه عالماً بالله. وليس كلامنا فعلاً في الشروط
المعتبرة في الفقيه حتى يكون ولياً، بل كلامنا في مبدأ ثبوت الولاية للفقيه نيابة
عن المعصومين (عليهم السلام).
فلولا مشكلة السند لكانت هذه الرواية من الأدلة المهمة على ثبوت الولاية.
الرواية الرابعة:
ما في نهج البلاغة: (أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة
بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم
لألقيت حبلها على غاربها)[44].
وقد جعل الإمام (عليه السلام) هذه الأمور من المسؤوليات الملقاة على عاتق العلماء
ولا يكون ذلك إلا ببسط يد العلماء.
والحقيقية أن المنصف لن يعدم أن يجد روايات تدل بالمباشرة أو بالملازمة على كون
العلماء هم أهل الأمانة التي أراد الله تعالى وأولياؤه من العلماء أن يتحملوها.
الرواية الخامسة:
ما روي عن البني (صلى الله عليه وآله) في كتب العامة والخاصة على ما قيل من أنه
قال: (السلطان ولي من لا ولي له)[45].
رد الإستدلال:
لكن يشكل على الإستدلال بهذه الرواية بأنها لم تبين من هو السلطان وهل هو المعصوم
فقط أم يشمل الفقيه. فهي فقط تقول أن السلطان له هذه الصلاحية لكنها لا تقول من هو
السلطان، فلابد من أن يثبت من دليل آخر كون الفقيه سلطاناً حتى نثبت له الحكم
الوارد في هذا الحديث، وهو كونه ولي من لا ولي له. أما إثبات الولاية بهذه الرواية
فهو أشبه بالمصادرة على المطلوب[46].
وحيث أن الأدلة المتقدمة والآتية (أعني دليل العقل) دلت على ثبوت الولاية للفقيه
تصير هذه الرواية مفيدة لنا لإثبات بعض صلاحيات الفقيه.
نتيجة البحث:
فتحصل من جميع ما مر أنه توجد روايات معتبرة دالة على ثبوت الولاية للفقهاء من قبل
المعصومين (عليهم السلام) في جميع ما ثبت لهم الولاية فيه من جهة كونهم الولاة على
الأمة. وحتى نخرج عن هذه القاعدة في مورد ما ونسلب عن الفقيه صلاحية الولاية في هذا
المورد يجب أن يدل دليل على اختصاص المورد بالإمام المعصوم (عليه السلام).
الفصل الرابع: مناقشات عامة على الإستدلال بالروايات[47]
المناقشة الأولى:
قد تقدمت الإشارة في بعض الإشكالات الخاصة إلى أن لازم القول بالولاية للفقهاء كون
ولاية الفقهاء في عروض ولاية الأئمة (عليهم السلام) وهذا ممنوع. وقد يستفاد من هذا
المنع رفض القول بولاية الفقيه ورفض دلالة الروايات عليها.
ولكننا أجبنا عن ذلك فيما تقدم، وبينا أن لا ملازمة بين الأمرين.
المناقشة الثانية:
قد يقال بأن أبا عبد الله (عليه السلام) إذا نصب للإمارة أو القضاء شخصاً أو
أشخاصاً في أيام إمامته كان أمد هذا النصب إلى زمان إمامته وينتهي بوفاته (عليه
السلام)، فيبطل النصب السابق بوفاة الإمام وينعزل الولاة والقضاة.
والحال أنكم تستدلون بنصب الإمام الصادق (عليه السلام) للفقهاء ولاة في عصرنا.
والجواب:
أولاً: أن هذا الكلام يستبطن ما يخالف العقيدة التي تقتضي أن الإمام إمام حياً
وميتاً وقائماً وقاعداً على ما ثبت في محله وهو علم العقائد.
ثانياً: لو غضضنا النظر عن ذلك، نقول: إن التعيين لمنصب كتعيين الولاة أو القضاة أو
نصب المتولي للوقف أو القيّم على السفهاء والصغار لا يبطل بموت الذي عين كما هو
عليه بناء العقلاء وسيرتهم. نعم ربما يحق للحاكم الجديد عزل أولئك الولاة لكن لا
يكفي موت السابق لينعزل من ولاهم في تلك المناصب، والمفروض أن مثل هذا العزل لم
يصدر من الأئمة اللاحقين (عليهم السلام).
ثالثاً: ولو غض النظر عن ذلك فإن التعيين لهذا المنصب لا يعقل أن يتصور فيه أن يقوم
الأئمة اللاحقون بعزل الفقهاء الذين نصبهم الإمام الصادق (عليه السلام) مثلاً، لأنه
يرجع:
إما إلى إهمال هذا الشأن إن كان عزلاً من غير بديل وهو غير معقول كما تقدم.
وإما إلى إرجاع الناس إلى ولاة الجور وقضاته إن كانوا هم البديل وهو معلوم الفساد.
وإما إلى نصب بديل عن الفقهاء من غيرهم، وهذا يعني ترجيح غير الفقيه على الفقهاء
وهو غير معقول، لما سيأتي من أن الفقه ليس منقصة ليرجّح فاقدها على المتصف بها. نعم
يعقل صدور تعيين لعنوان يشمل الفقهاء وغيرهم من العدول الكفوئين، إلا أن السؤال هو
هل صدر مثل هذا التعيين؟ وما تقدم من الأدلة يدل على خلافه وعلى إختصاص هذا المقام
بالفقهاء. فمن عنده نص يدل على التعميم بحيث لا يقبل التقييد بالفقهاء فليرشدنا
إليه.
رابعاً: لو افترضنا ضرورة وجود نص من الأئمة اللاحقين على تجديد التعيين فإننا
نتمسك بما تقدم من الرواية الواردة عن الإمام الحجة صاحب العصر والزمان (عجل الله
فرجه)، وفيها يرجع الناس فيما يحتاجون إليه إلى الفقهاء كما عرفت سابقاً.
المناقشة الثالثة:
إن الإمام (عليه السلام) وإن كان خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وولي الأمر
وله نصب الولاة والقضاة، لكن لم تكن يده مبسوطة بل كانت السيطرة لخلفاء الجور،
والفقهاء لن يتمكنوا من القيام بأمر الولاية فلا أثر لجعل منصب الولاية لهم وأما
تعيين القضاة فله أثر في الجملة ولذا أمكن تحققه.
وهذا الإعتراض يرجع إلى دعوى لغوية جعل الفقهاء ولاة، والمعصومون (عليهم السلام)
منزهون عن ذلك فلا يصح حمل الروايات عليه.
والجواب:
بوجود أثر، فإن جعل مرجعية سياسية للشيعة يوجب رجوعهم إليه في كثير من الأمور ولو
سراً. وعند التدبر نجد أن لهذا الجعل سراً اجتماعياً سياسياً عميقاً، وهو طرح
النظرية الإسلامية بالدعوة إلى حكومة عادلة إلهية وتهيئة بعض أسبابها وتجهيز
المسلمين بهذه النظرية.
كما أن طرح النظرية يستدعي الحث على السعي لذلك، فلا يصح حصر الثمرة في خصوص حياة
الأئمة (عليهم السلام) بل ينبغي النظر إلى الموضوع على امتداد الزمان بما فيه عصر
الغيبة، ويكفي في صحة هذا الجعل حينئذ ترقب الثمرة في هذا الزمان الممتد. خاصة وأن
الأئمة (عليهم السلام) لا يقصرون نظرهم فيما يقولون على عصورهم فقط، بل يلاحظون
العصور اللاحقة التي يحتاجون فيها إلى مثل هذه القواعد وهذه التأسيسات. وهذا مستكشف
من طبيعة شخصيتهم الربانية ومسؤولياتهم، ومما ورد عنهم (عليهم السلام) من حث الرواة
على ضبط الروايات للعصور اللاحقة حيث سيأتي زمان لا يأنس فيه المسلمون بغير
كتبهم.[48]
ثم ماذا تقول في تعيين الرسول (صلى الله عليه وآله) للأئمة الأطهار (عليهم السلام)
خلفاء له فهل هذا التعيين لغو لمجرد أنهم (عليهم السلام) لم يتمكنوا من استلام
السلطة. كلا بل إن في نصبهم وتعيينهم مصالح كثيرة، منها وجود أمة عظيمة تجسد
المشروع الإلهي الذي شاء الله تعالى أن يكتمل في عصر ظهور الحجة (عليه السلام)، بعد
أن قام كل إمام بدوره الرباني. وكان على الناس أن تعمل لتحقيق هذا المشروع وتنفيذ
إرادة الله تعالى ورغبة الرسول (صلى الله عليه وآله). ولا يؤثر في ذلك التعيين
الضروري أن الناس قصّرت وانحرفت.
وهكذا الحال في جعل الأئمة (عليهم السلام) الفقهاء ولاة. فيكون تعيينهم للحث على
العمل في سبيل ذلك، فإذا ما احتاج المسلمون إلى ولاة ونظرية يقدمونها يكون لديهم
الجواب، وليكون التكليف واضحاً لديهم أن عليهم السعي لتشكيل حكومة إسلامية مهما
كانت الظروف إن كانوا قادرين على ذلك.
فالأئمة (عليهم السلام) قد أسسوا بهذا الجعل أساساً قوياً للأمة وللمذهب، بحيث لو
نشر هذا الطرح والتأسيس في المجتمع الإسلامي ونشره الفقهاء والباحثون بين الناس
لأدّى ذلك إلى يقظة الأمة والتفاتها إليه، ولربما أدى ذلك إلى قيام شخص أو أشخاص
للعمل على تأسيس حكومة إسلامية تسعى لنشر العدالة وفق المفهوم الإسلامي ولقطع أيادي
الأجانب من بلاد المسلمين، كما وفقت لذلك الثورة الإسلامية الإيرانية المباركة في
ظل قيادة الإمام الخميني (رحمه الله) والمستمرة في ظل قيادة المعظم آية الله العظمى
السيد الخامنئي (مد ظله). وأملنا أن تبقى هذه الجمهورية مستمرة حتى يستلم رايتها
صاحب الأمر (عجل الله فرجه).
المناقشة الرابعة:
قد يتخيل وقوع المعارضة بين أدلة ولاية الفقيه وبين أمثال قوله (صلى الله عليه
وآله): (كل معروف صدقة)[49]. ونحو ذلك من الأخبار.
ومنشأ دعوى المعارضة أن ظاهر هذه الأخبار جواز أن يقوم كل مكلف بكل عمل يندرج تحت
عنوان المعروف والعون باعتبار أنه صدقة.
وحيث أن الموارد التي يراد إثبات الولاية للفقيه فيها هي من موارد المعروف
والإعانة، فهذا يعني جواز القيام به من كل مكلف. وهذا معارض لمقتضى أدلة الولاية
التي تحصر جواز القيام بذلك بالفقيه.
الجواب:
إنّ مثل تلك الروايات لا يراد بها مطلق المعروف مقابل المنكر حتى يدخل فيه جميع
الأفعال الراجحة الشاملة لموارد ولاية الفقيه التي هي بالأصل من صلاحيات الرسول
(صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام)، لأن لازم تلك التعميم الهرج والمرج.
إذ سيكون لكل شخص حق التدخل في شؤون الحكومة وفي أموال الناس إذا كان أصل التصرف
صلاحاً وذا نفع. ومن البديهي أنه لا يراد من تلك الروايات الحاثة على المعروف وعون
الضعيف ما يختل به القانون ونظام الأمة، بل المراد منها الحث على أفعال الخير مثل
البر والصلة بالنسبة إلى المسلمين. ودعوى المعارضة المذكورة كدعوى وجود معارضة بين
تلك الروايات مع أدلة الأحكام الإلزامية كقوله (عليه السلام): (لا يحل مال إلا من
وجه أحله الله) أو قوله (عليه السلام): (لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير
إذنه)[50]. فلو فرضنا أن في التصرف بمال الشخص معروفاً فهذا لا يبرر لنا التصرف
بغير إذنه، وهكذا الكلام في موارد ولاية الفقيه فإن أدلة الولاية منعت غير الفقهاء
من التصدي لها مع وجودهم.
وقد فصّل في الجواب عن هذا الإعتراض الشيخ الأنصاري في مكاسبه، والإمام الخميني في
كتاب البيع والحكومة الإسلامية، وعلماء آخرون ممن ذكروا هذه المناقشة، وسيكون لنا
عود إلى ما يشبه هذا الإعتراض في باب نظرية ولاية الأمة على نفسها.
المناقشة الخامسة:
ربما يناقش بعضهم بأن الدليل المتقدم لا يدل على أكثر من اشتراط العلم. لكن ما هو
الدليل على اعتبار كون العلم على وجه الإجتهاد ولم لا يكفي التقليد والأخبار
المذكورة سابقاً لم تثبت أكثر من اعتبار العلم.
الجواب:
أن إثبات دلالة الروايات على إشتراط الفقاهة في الولي أمر سهل. وذلك لأن الروايات
أخذت عنوان العلماء كما في عدد من الروايات، وعنوان رواة الحديث كما في رواية
الخلفاء عن الرسول (صلى الله عليه وآله) والتوقيع عن الحجة الغائب (عليه السلام)،
وعنوان (نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا) كما في المقبولة إن قبلنا دلالتها على
ولاية الفقيه، وعنوان الفقيه كما في حديث الحصون. ونحو ذلك من العناوين وكل هذه
العناوين مختصة بالفقهاء.
أما عنوان العلماء فواضح، إذ لا يشك أحد أن ليس المراد بهم المقلدون للغير في
الآراء. والعالم ليس مطلق من يعرف شيئاً بل هو من يعرف الشيء عن نظر وتحقيق، ولذا
نجد أن العرف لا يرى إنطباق عنوان العالم على المقلد. ولا يغشك بعض التساهل أحياناً
حيث يطلق العالم على بعض المقلدين، خاصة إذا تنبهنا إلى أن هذا التسامح لم يكن له
وجود في العصور السابقة المقارنة لعصر صدور هذه النصوص.
وكذا عنوان رواة الحديث لما عرفت فيما سبق من أن المقصود من رواة الحديث معنى لا
يتحقق فيمن يأخذ العلم من الفقهاء عن تقليد على ما عرفت توضيحه سابقاً. فعندما كان
الناس يطلبون من الأئمة (عليهم السلام) أن يرسلوا لهم من يعرفهم أحكام دينهم كانوا
يرسلون لهم رواة فقهاء. ولا يصدق هذا المعنى على الرواة العاديين وإن كان لهم حظاً
من العلم.
أما عنوان (نظر في حلالنا) فهو أوضح مما سبقه في عدم إنطباقه على غير الفقهاء، لأن
الفقيه هو المتابع لأخبار أهل البيت (عليهم السلام) وما روي في الحلال والحرام
فيحقّق ليعرف ما هو حلالهم وما هو حرامهم. أما المقلد فليس له هذا النظر بل لا يملك
القدرة عليه عادة إلا إذا اشتغل بالمقدمات التي يتطلبها هذا النظر كما هو معلوم.
وعليه فقوله (عليه السلام) فيما بعد (وعرف أحكامنا) ليس المراد منه مطلق المعرفة بل
خصوص المعرفة الناشئة عن هذا النظر، وليست إلا المعرفة الإجتهادية.
أما عنوان الفقيه فهو وإن كان في اللغة يتسع ليشمل المقلد باعتبار أن الفقيه مشتق
من الفقه الذي قد يفسر بالفهم، لكن لو فسرناه كما هو الأرجح بالفهم عن دقة فلن يكون
شاملاً لغير الفقهاء المجتهدين، خصوصاً إن لاحظنا كون كلمة فقيه من صيغ المبالغة،
لأن الفهم الناشئة عن تقليد لا يحتاج إلى تدقيق. أضف إلى ذلك أن هذا اللفظ أضحى
عنوانا للفقهاء المجتهدين الذين يملكون القدرة على استخراج الأحكام من أدلتها. وقد
كثر استعمال اللفظ المذكور في ذلك المعنى في عصور الأئمة (عليهم السلام) حتى أضحى
المتبادر منه في تلك العصور ما هو المتبادر منه في هذه العصور.
وعليه فلا إشكال من حيث الأدلة اللفظية في ثبوت الولاية للفقهاء.
الفصل الخامس: النص: الشروط الأخرى: العدالة والكفاءة وغيرهم
تمهيد:
لا يكفي أن يكون الشخص فقيهاً حتى يصير أهلاً للولاية، فالفقهاء كغيرهم من الناس
ربما تكون لهم قدرات في مجال دون مجال. والفقاهة لوحدها لا تجلب الشخصية القادرة
على إدارة شؤون البلاد وقيادة العباد بل لابد من توفر شروط أخرى وأهمها العدالة
والكفاءة.
وهنا مباحث:
الأول: في اشتراط العدالة وما يلائمها.
الثاني: في اشتراط الكفاءة.
الثالث: في شروط أخرى.
المبحث الأول: إشتراط العدالة وما يلائمها:
كالإسلام والإيمان وحمل هم الرسالة ونحو ذلك. وقد أشرنا إلى أن الدليل الإجمالي قد
دل على أنه لابد أن يكون المتولي لقيادة الأمة إنساناً مؤمناً مأموناً على الدين
قادراً على هداية الناس، معرضاً عن الدنيا لا هم له إلا الإسلام وخدمة المسلمين
ورعاية مصالحهم، محارباً لهواه في كل ذلك.
وقد دلت على هذا المعنى آيات من القرآن الكريم وروايات من السنة:
أما الآيات فكثيرة نذكر نماذج منها:
منها قوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
عَزِيزٌ40 الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ
وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ
وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[51].
ولا يمكن أن يقوم بكل ذلك إلا من حمل هم الإسلام.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا
وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾[52].
دلت هذه الآية على أن الذي يريد أن يحكم في المسلمين برأيه وهواه بعيداً عن أحكام
الله تعالى وتكاليفه ليس أهلا لأن يطيعه المسلمون، بل لا يجوز ذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
سَبِيلاً﴾[53].
دلت على أنه لا يجوز أن يكون ولي الأمة الإسلامية من القوم الكافرين مهما كان
إنتماؤهم العقائدي.
والإنتماء العقائدي مبدأ جوهري في الحكم الإسلامي لأن الإسلام يرتكز على نظرية
واقعية مفادها: (أن لا عدل إلا في ظل حكم إسلامي)، ولا يمكن أن يقيمه من لا يعتقد
به. نعم هذه الآية لا تدل على إشتراط العدالة وإنما تدل على إشتراط الإيمان، وهو
جزء من معنى العدالة وهو ما أردنا إستفادته من الآية الكريمة.
ومنها قوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن
دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ
إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى
اللّهِ الْمَصِيرُ﴾[54].
دلت الآية هذه على أنه لا يجوز لنا أن نتولى من يوالي الكفار على حساب المؤمنين،
لأن من يفعل ذلك يكون منهم، فكما أنه لا يجوز أن يكون الكفار ولاتنا فهؤلاء كذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ
اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن
قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ﴾[55].
دلت هذه الآية المباركة على أنه لا يجوز لنا أن نتولى من يتخذ ديننا لهواً ولعباً.
والآية وإن تحدثت عن الذين أوتوا الكتاب، لكن عدم جواز إتخاذهم أولياء إستند إلى
كونهم من الذين اتخذوا ديننا هزوا ولعبا، فلا يجوز لنا تولي من هذه صفته، وإن انتسب
إلى الإسلام أو الشيعة، كما يفعل بعض الضالة الجهلة.
وأما الروايات فكثيرة أيضاً نذكر جملة منها:
الرواية الأولى: رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال:
(اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبي
(كنبي) أو وصي نبي)[56].
ونحن وإن لم نقبل الإستدلال بها على ولاية الفقيه، لكنها تدل على شرطية العدالة في
الوالي. ذلك أنها وإن اشترطت أن يكون عادلاً في المسلمين، لكن هذا المعنى لا يتحقق
فيمن يهمل أمر الواجبات كلها أو بعضها ويستهتر بالمحرمات كلها أو بعضها، بل لا
يتحقق من غير الزهد في الدنيا المدبر عنها.
الرواية الثانية: ما في نهج البلاغة:
(ولكنني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولا وعباده
حولا والصالحين حربا والفاسقين حزباً)[57].
دلت على أنه لا يجوز أن يكون الولي فاجراً ولا سفيهاً. والسفيه في الحكم هو الذي لا
يملك وعي القيادة والإدارة وحكمتهما.
الرواية الثالثة: ما رواه الكليني بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لا تصلح الإمامة إلا لرجل فيه ثلاث خصال ورع
يحجزه عن معاصي الله وحلم يملك به غضبه وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم
كالوالد الرحيم (حتى يكون للرعية كالأب الرحيم)[58]).
الرواية الرابعة: ما في نهج البلاغة:
(أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما
أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على
غاربها)[59].
ومعنى هذه الروايات جلي، فقد دلت وخاصة الرواية الأخيرة على ضرورة أن يحمل الوالي
هم الإسلام وهم نصرة المستضعفين وأخذ حقهم من الظالمين.
الرواية الخامسة:
وفيه أيضاً: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في غير موطن: (لن تقدس أمة
لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع)[60].
وحيث أن الذي يتولى ذلك هو الحاكم وجب أن يقوم بذلك حسب ظاهر هذه الرواية.
ملاحظة:
لم نناقش في سند هذه الروايات لأن مضمونها مسلم به في شرعنا الحنيف.
المبحث الثاني: الكفاءة
أما الكفاءة فقد أشرنا سابقاً في الدليل الإجمالي إلى أن هذا الشرط هو في الحقيقة
شرط موضوعي لا يمكن فرض ولاية شخص بدونه، إلا إذا كنا نريد الإستهتار بشؤون الأمة
ومصالحها كما يحصل في كثير من البلدان التي لا تهتم بمصالح شعوبها، حيث قد يتولى
الأمر من لا أهلية له لذلك. ومع ذلك فقد وردت عدة نصوص تدل على اعتبار الكفاءة نذكر
منها عدة روايات:
منها: النص المتقدم في الفصل السابق الدال على اعتبار حسن الولاية في الولي.
ومنها: ما رواه الكليني (رحمه الله) في أصول الكافي عن الإمام الرضا (عليه السلام):
(والإمام عالم لا يجهل وراع لا ينكل.. نامي العلم كامل الحلم مطلع بالإمامة عالم
بالسياسة مفروض الطاعة قائم بأمر الله ناصح لعباد الله حافظ لدين الله)[61].
ومنها: قوله (عليه السلام) في نهج البلاغة: (أيها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر
أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه فإن شغب شاغب إستعتب فإن أبى قوتل)[62].
ومعنى أقواهم عليه أكفأهم لتولي الأمر وقيادة الأمة.
المبحث الثالث: شروط أخرى نشير إليها بشكل سريع
1ـ أن يراعي الولي في حياته الضعفاء:
ففي النهج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا
أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره)[63].
وهذا الشرط ليس مختصاً بالمعصوم بل بكل من تصدى من أئمة العدل لإمامة المسلمين
وقيادتهم والتعبير بالفرض يدل على الوجوب.
2ـ أن يكون حليماً بالرعية ناصحاً لها:
وقد تقدم النص الدال على ذلك.
3ـ حسن اختيار المستشارين:
ففي نهج البلاغة: (ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ولا
جباناً يضعفك عن الأمور ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور فإن البخل والجبن والحرص
غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله)[64].
4ـ اجتناب البخل والجبن والحرص:
كما تقدم في النص السابق، كما تقدم أن هذه شروط تجب رعايتها فيمن يستشيره الوالي،
فبالأولى أن تكون شروطاً في الوالي نفسه.
5ـ أن لا يصانع على حساب الحق:
ففي نهج البلاغة أيضاً (لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع ولا يضارع ولا
يتبع المطامع)[65].
وفي نهج البلاغة رواية جامعة لهذه الشروط والمواصفات:
(لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين
البخيل فتكون في أموالهم نهمته ولا الجاهل فيضلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه
ولا الخائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها
دون المقاطع ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة)[66]
وفي الحقيقة فإن أغلب هذه الصفات مرجعها إلى الكفاءة.
هذا كله في الأدلة اللفظية الدالة على ثبوت الولاية للفقيه العدل الكفوء.
الفصل السادس: الدليل التفصيلي: الشروط بحسب الدليل العقلي (الفقاهة خاصة)
تمهيد:
إنما خصصنا العنوان باشتراط الفقاهة لأن ما ذكرناه من دليل إجمالي على اشتراط
العدالة والكفاءة يعتبر دليلاً عقلياً لهما. وقد أشرنا هناك إلى أن الدليل الإجمالي
المذكور لا يكفي لإثبات شرطية الفقاهة، فكان لابد من دليل عقلي يدل بوضوح على
إشتراط الإجتهاد في الولي، ولذا خصصنا الكلام هنا به، علماً أن دليل الحسبة يمكن
تطبيقه بنفس الطريقة على شرط العدالة لو فرض عدم الدليل عليه.
دليلان من العقل:
ولنا دليلان من العقل على عدم لزوم طاعة غير الفقيه في هذا المنصب:
أحدهما: ما قد نسميه بأصالة عدم الحجية.
والآخر وهو الأهم: وهو المسمى في كلماتهم بدليل الحسبة[67]، الذي نعتقد أنه يصعب
إنكاره وأنه لم ينكره أحد من العلماء كما سنشير إلى ذلك فيما بعد.
الدليل الأول:
إن معنى ثبوت الولاية لشخص لزوم طاعته فيما يأمر وينهى. ولزوم الطاعة يستبطن
التقليد لأن صاحب الأمر والنهي لابد وأن يرتكز فيما يأمر وينهى على فتاوى فقهية.
وحينئذٍ نقول: إن كان الولي فقيهاً فهو المطلوب وإن كان غير فقيه فهذا يعني أنه
يقلّد غيره ولا يجوز تقليد المقلد ولا يكون تقليده مبرئ للذمة. وتقليده لفقيه آخر
ليس حجة علينا إلا مع قيام الدليل عليه والمفروض أنه لا دليل يسمح للمكلف بتقليد
مثله من غير الفقهاء، والأصل عدم الحجية.
وبذلك تسقط ركيزة أساسية من ركائز الولاية وهي براءة الذمة في العمل بالرأي الفقهي
للولي، بخلاف ما لو كان الولي فقيهاً لأن براءة الذمة ترتكز على كونه فقيهاً. وقد
تسالم الجميع على أن رأي الفقيه مبرئ للذمة بوجه عام، وإن كان لابد من شروط أخرى
بوجه تفصيلي قد يتفق العلماء حولها وقد يختلفون.
لكن هذا الدليل ليس بالقوة التي تمكننا من الإعتماد عليه.
الدليل الثاني:
دليل الحسبة[68]أو بتعبير أدق دليل العقل في موارد الحسبة:
ويتألف هذا الدليل من مجموعة مقدمات إن تمت أنتجت النتيجة المطلوبة.
مقدمات الدليل:
الأولى: أن الحكومة الإسلامية ضرورة حكم بها العقل والشرع كما تقدم في بداية البحث.
الثانية: أنه لابد من ولي لهذه الحكومة سواء كان شخصاً واحداً أو مجموعة أشخاص،
وهذا من لوازم المقدمة الأولى.
الثالثة: نفترض أن كل الروايات التي تقدمت غير دالة على ثبوت الولاية للفقيه، لكن
لا يوجد دليل ينفي الولاية عنه أن يثبتها للأعم من الفقيه وغير الفقيه.
الرابعة: ومقتضى المقدمة الثالثة أننا نشك في اشتراط الإجتهاد في الولي، وهذا يعني
أن المسألة أمام احتمالين لا ثالث لهما وهما: الإشتراط وعدم الإشتراط.
ورعاية الإحتمال الأول تقتضي أن يكون الولي فقيهاً زيادة على الشروط الأخرى التي
ثبت إعتبارها في الولي .و مقتضى رعاية الإحتمال الثاني أنه يمكن للفقيه وغير الفقيه
أن يكون ولياً، إن توفرت فيه باقي الشروط.
ولا مجال لإحتمال ثالث، أعني احتمال اشتراط أن يكون الولي غير فقيه وانحصار الولاية
بغير الفقيه، لأن غير الفقيه لن يتميز عن الفقيه بشيء يتطلبه منصب الولاية. وأي صفة
تفرض في غير الفقيه من الصفات اللازمة للولي يمكن فرضها في الفقيه أيضاً. ولا يعقل
أن يكون الفقه والإجتهاد منقصة تجعل غير الفقيه أرجح من الفقيه لمجرد أن هذا فقيه،
بل العكس هو الصحيح، لن العلم بالقانون من شؤون هذا المنصب، والفقه والإجتهاد منتهى
المأمول. فالميزة للفقيه ولذا احتمالنا الإشتراط وانحصار الولاية به.
وعند دوران الأمر بين الإحتمالين المشار إليهما يتدخل العقل لصالح الإحتمال الأول،
لأن الترديد بين الإحتمالين يستلزم الترديد بين تعين الولاية بالفقيه وبين التخيير
بينه وبين غير الفقيه ـ ودائماً مع فرض توفر الشروط الأخرى ـ والقاعدة عند العقل في
مثل هذه الأحوال هو الأخذ بالتعيين.
والسبب في ذلك أن هنا أصلاً عقلائياً وعقلياً وشرعياً وهو أن لا ولاية لأحد على أحد
كما تقدم. وهذه القاعدة لا يمكن استثناء أي مورد منها إلا بدليل تام. ولا دليل على
حق الولاية لغير الفقيه بل هو مجرد احتمال بينما صلاحية الفقيه للولاية أمر متيقن
على كل حال. وهذا يعني أن الفقيه مستثنى من ذلك الأصل على كل تقدير، وأما خروج غيره
من ذلك الأصل فمشكوك فيبقى داخلاً في المستثنى منه فلا تكون له ولاية على أحد.
وهكذا يتم المطلوب، لكن هذا الدليل لا يجزم بعدم صلاحية غير الفقيه للولاية ولا
يأبى عن وجود دليل يدل على ثبوت الولاية للأعم من الفقيه وغيره. والأصل المذكور هو
الذي يمنعنا من إعطاء حق الولاية لغير الفقيه، لأن احتمال أن يكون له هذا الحق وارد
بحسب الواقع لكنه غير كاف لنرفع اليد عن الأصل المشار إليه.
تنبيهان:
التنبيه الأول:
هذا الدليل لا يملك المكلف العادي إمكانية أن يتمسك به، لأن يتوقف على جملة مقدمات
لا يقدر غير الفقيه على نفيها كالمقدمة الثالثة على الأقل. كما أن الإستدلال
بالنصوص ليس إلا شأن المجتهد ونحن إنما ذكرنا ما يقوله المجتهدون في هذا المقام.
ولذا قلنا أن المكلف العادي ليس له سبيل للإلتزام بولاية الفقيه إلا من خلال
التقليد نعم أصل الولاية وضرورة حكومة إسلامية لا يحتاج إلى هذا العمق لإثباتها.
التنبيه الثاني:
وهذا الدليل يجري بالنسبة لكل أمر نحتمل اشتراطه في الولي ولم يقم لدينا نص أو دليل
يثبته أو ينفيه، لذا نستطيع استخدامه بالنسبة لشرط العدالة مثلاً لو لم يقم الدليل
اللفظي على الإشتراط. ولو افترضنا احتمال اشتراط أن يكون خبيراً بالإقتصاد ولم يقم
لدينا دليل على عدمه وجب إعتبار هذا الشرط عملاً بدليل الحسبة أيضاً. وأما لو لم
نحتمل ذلك واكتفينا لمقام الولاية ـ كما هو المتعارف عليه عند العقلاء ـ باستشارة
أهل الخبرة ولو عبر مجلس اقتصادي مختص، فلن يكون هذا المورد جريان دليل الحسبة.
وبعبارة أوضح إنما نقبل باستكمال الولي للمواصفات التي يفقدها بالإستشارة والرجوع
إلى أهل الخبرة، في غير المواصفات المعتبرة فيه وفي غير المواصفات المحتملة والتي
لم يقم الدليل على عدم اعتبارها. ولذا لا نستطيع الإستغناء عن شرطية الفقاهة في
الولي إكتفاء بأن يراجع الولي الفقهاء حتى وإن فرضنا عدم الدليل على اعتباره، لأن
احتماله يكفي لإثباته على ما تقدم ما دام لا دليل على نفيه حسب الفرض، وما دام
الأصل عدم الولاية على ما تقدم.
الفصل السابع: هل يشترط الأفضل
تمهيد:
بعدما أثبتنا الشروط العامة المعتبرة في من يحق له أن يتولى شؤون الأمة الإسلامية
يأتي السؤال المهم، وهو: هل يشترك في الولي أن يكون الأعلم والأكفأ والأعدل أي
الأفضل من حيث الصفات من جميع الموجودين أم لا يجب ذلك كله؟. فيكفي العدل الكفوء
الفقيه، وإن كان غيره أعدل أو أكفأ أو أفقه.
ومن الواضح أنه لو أمكن توفر الشخص الأفضل من جميع الجهات فهو الأولى من غيره، إلا
أن الكلام ليس فيما هو الأولى بل فيما هو المتعين بحسب الأدلة.
ومن المعلوم أنه لا يشترط في الولي أن يكون الأورع والأتقى كما لم يشترط ذلك في
المرجعية على ما أشتهر بين العلماء، لأنه إلزام من غير ملزم. فما دام الشخص عدلاً
في نفسه زاهداً في الدنيا لا يغريه لهوها ولعبها ومفاتنها، كان هذا كافياً في توليه
الأمر، وستحجزه هذه الصفات عن أي تهاون أو تقصير. ولن يؤثر في قيامه بمهامه أن يكون
غيره أكثر ورعاً.
وبهذا يتبين أن الكلام منحصر في الأفضلية في صفتين العلم والكفاءة. فإن ثبت من
الدليل ضرورة أن يكون الولي هو الأعلم والأكفأ لم يجز لغيره تولي شؤون الأمة، ويجب
على المسلمين في هذه الحال البحث عن هذا الأفضل. وإن لم يثبت ذلك بدليل جاز لمن
توفرت فيه الشروط أن يتولى شؤون الأمة وإن وجد الأفضل، كما يجوز للأمة حينئذ أن
تختار من تشاء ممن تتوفر فيه الشروط، ولا يجب عليها البحث عن الأفضل.
وبهذا يتضح أن دور الأمة سيختلف بين الحالتين كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى فيما
بعد.
معنى الأعلمية وأدلة اعتبارها:
معنى الأعلمية:
عرّفت الأعلمية في كتب الفقهاء بعدة تعاريف. قال السيد اليزدي في العروة الوثقى:
(الأعلم من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة وأكثر إطلاعاً لنظائرها وللأخبار
وأجود فهما للأخبار والحاصل أن يكون أجود استنباطاً)[69].
وقال السيد الحكيم في شرح العروة: (الظاهر أن المراد به الأعرف في تحصيل الوظيفة
الفعلية عقلية كانت أم شرعية فلابد أن يكون أعرف في أخذ كل فرع من أصله)[70].
وقال السيد الخوئي في شرح العروة (المراد بالأعلمية كون المجتهد أشد مهارة عن غيره
في تطبيق الكبريات على صغرياتها وأقوى استنباطاً وأمتن استنتاجاً للأحكام من
مبادئها وأدلتها)[71].
وقال الإمام القائد الخامنئي: (ملاك الأعلمية أن يكون أقدر من بقية المجتهدين على
معرفة حكم الله تعالى واستنباط التكاليف الإلهية من أدلتها).[72]
أدلة اعتبار الأعلمية:
قد يدعى أنه يشترط في الولي أن يكون هو الأعلم بالأحكام الشرعية أو أن لا يكون
مخالفاً للأعلم في آرائه الفقهية. ويستدل على ذلك بأدلة من العقل والسنة والسيرة
العقلائية، فهنا إذن ثلاثة أدلة.
الدليل الأول: العقل[73]
والغرض من ذكر الدليل العقلي تحديد الأصل، إنّ فرض عدم توفر دليل يدل على اعتبار
الأعلمية في التقليد أو عدمها.
وفي تقرير هذا الدليل يقال أن الأصل عند الشك في الحجية عدمها. وعند دوران الأمر
بين تقليد الأعلم وغيره يكون القدر المتيقن ممن يجوز تقليده هو الأعلم، وتكون فتوى
غير الأعلم عند الإختلاف مع الأعلم مشكوكة الحجية على المقلد والأصل عدمها. وهذا
معنى عدم جواز تقليد غير الأعلم.
والجواب:
إنّ الأصل المذكور لا يجري في هذا المقام، وليس الرجوع إلى الأعلم قدراً متيقناً.
والسبب أن التيقن ببراءة الذمة بتقليد الأعلم يكون عبر أحد طريقين:
أحدهما: أن نثبت أن الدليل الدال على الحجية شامل للأعلم على كل تقدير ولكن نشك في
شموله لغير الأعلم.
والثاني: أن نثبت أن العمل برأي الأعلم هو الموافق للإحتياط ويكون العمل برأي غير
الأعلم مخالف للإحتياط.
وكلا الطريقين غير ثابتين حسب فرض جريان الأصل.
أما الأول فلأن الفرض أن دليل الحجية لا يشمل الرأيين المتعارضين، وعند التساقط كيف
بقي رأي الأعلم تحت دليل الحجية. علماً أن دليل الحجية لا يسمح بترجيح قول على آخر.
أما الثاني فقول الأعلم إنما يكون هو الموافق للإحتياط لو دار الأمر بين خصوص
التعيين والتخيير، والحال أن هاهنا احتمالا ثالثاً هو الإحتياط بين القولين خصوصاً
وأن الحديث عن حالات الإختلاف بين الأعلم وغيره في الفتوى.
وبعبارة أخرى إما أن نرى إمكانية إلزام المكلف بالإحتياط أو لا نرى ذلك. فإن لم نرى
ذلك لم يجر لأصل أساساً لأنه في مقام تحديد ما يتحقق به الإحتياط. وإن كنا نرى
إمكانية ذلك، فالإحتمالات ثلاثة. والذي يحكم به العقل أن يلاحظ المكلف رأي العلماء
الفقهاء والإحتياط بينها، أما الأخذ برأي الأعلم الذي قد يكون الإباحة وترك رأي غير
الأعلم الذي قد يكون الحرمة، فهذا لا قطع فيه ببراءة ذمة المكلف، وكيف يكون رأي
الأعلم مطلقاً هو القدر المتيقن من براءة ذمة المكلف بالعمل به مع أنه قد يكون على
خلاف الإحتياط.
اللّهمّ إلا أن يقال أن العلماء هم بين قولين لا ثالث لهما، وهما التخيير مطلقاً أو
تقليد خصوص الأعلم، ولا قائل بوجوب الإحتياط ابتداءً. وهذا هو الذي أوجب حصر الأمر
بين الإحتمالين المذكورين، وإن كان المفروض إبتداء عرض الإحتمالات الثلاثة. على أن
الإنحصار في مسألة الولاية واضح لعدم صحة فرض الإحتياط حينئذٍ كما سيأتي وبعد
الإنحصار يكون المتيقن هو تقليد الأعلم دون غيره.
ولو قيل هذا قلنا نحن موافقون لكن العمل به فرع إمكانية معرفة الأعلم، فإذا لم يعرف
يكون تقليد الأعلم أمراً غير مقدور للمكلف، وحيث بني على أنه لا قائل بالإحتياط وجب
الحكم بالتخيير. فالجمع بين القول بالإحتياط على تقدير عدم العلم بالأعلم والقول
بدوران الأمر بين خصوص تقليد الأعلم وغيره، أمر مستغرب.
وسنبين في البحوث اللاحقة أن الأعلم لا يمكن معرفته عادة.
الدليل الثاني: الروايات
منها: ما في كتاب سليم بن قيس عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: (أفينبغي أن
يكون الخليفة على الأمة إلا أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه وقد قال الله:﴿أَفَمَن
يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن
يُهْدَى﴾[74].
ومنها: ما رواه البرقي في المحاسن بسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:
(من أم قوما وفيهم أعلم منه أو أفقه منه لم يزل أمرهم في سفال إلى يوم
القيامة)[75].
ومنها: ما في مجالس الشيخ الطوسي بسنده عن علي بن الحسين (عليه السلام) عن الحسن بن
علي (عليه السلام) في خطبته بحضور معاوية أنه قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله): ما ولت أمة أمرها رجلاً قط وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب
سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا)[76].
أي يرجعوا إلى الجاهلية حسب الظاهر.
ومنها: ما عن تفسير العماني بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيان صفات
الإمام أنه قال: (أن يكون أعلم الناس بحلال الله وحرامه وضروب أحكامه وأمره ونهيه
وجميع ما يحتاج إليه الناس فيحتاج إليه الناس ويستغني عنهم)[77].
ومنها: ما في الوسائل بسنده عن الفضيل بن يسار أنه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه
السلام) يقول: (من خرج يدعو الناس وفيهم من هو أعلم منه فهو ضال مبتدع ومن ادعى
الإمامة وليس بإمام فهو كافر)[78].
ومنها: ما رواه الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإختصاص أن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) قال: (إن الرياسة لا تصلح إلا لأهلها فمن دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو
أعلم منه لم ينظر الله إليه يوم القيامة)[79].
ومنها: ما في الوسائل بسنده عن العيص بن القاسم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه
قال: (وانظروا لأنفسكم فوالله إن الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي فإذا وجد رجلاً
هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي
كان فيها)[80].
إلى غير ذلك من الروايات الدالة على إعتبار الأعلمية في الإمام الحاكم. وبعضها وإن
كان ضعيفاً من حيث السند، لكن جملة منها معتبر السند.
معنى الأعلمية في هذه الأخبار:
الظاهر أن معنى الأعلمية في هذه الأخبار هي الأعلمية بالأحكام الشرعية الواقعية، لا
الأعلمية في مقام التفاضل المتعارف عليه بين المجتهدين الذين هم في أغلب معارفهم
الفقهية يعتمدون على سبل ظاهرية قد لا تكون موافقة للواقع، وإن كان مسموحاً بها
شرعاً.
ولذا لا يصح الإستدلال بهذه الروايات على اعتبار الأعلمية الفقهية المتعارف عليها
بين الفقهاء. بل تكون هذه الروايات من أدلة اشتراط العصمة في الإمام الحاكم لأنه لا
يمكن لغيره أن يعرف الحكم الواقعي في كل واقعة وشأن. ولاشك أن هذا هو الحكم الأولي
الذي بني عليه الإسلام.
وقد يقال: لو نظرنا إلى الأخبار المتقدمة لوجدنا أن هذا الكلام وإن صح بالنسبة
لبعضها لكنه لا يصح في جميعها كرواية البرقي مثلاً أو رواية المجالس أو رواية
الوسائل الأخيرة. لأن الأعلمية المذكورة فيها مطلقة تشمل الأعملية المتعارف عليها
بين الفقهاء.
والجواب:
إنّ الأعلمية المذكورة في هذه الروايات وأمثالها أيضاً يراد بها الأعلمية بحسب
الواقع لأنه المتبادر منها. والأعلمية بحسب الواقع لا تكون إلا بالعلم بالواقع كما
أراده الله تعالى. وأما الأعلمية المذكورة في كتب الفقه والتي على أساسها يميز بين
الفقهاء فهي أعلمية إصطلاحية ربما لا تندرج تحت المفهوم العرفي، بل قد لا يكون
اندراجه مأنوساً لدى العرف.
وبعبارة أخرى لو افترضنا أن اللغة تسمح باندراج الأعلمية المصطلح عليها بين الفقهاء
تحت لفظ الأعلمية فإن العرف اللغوي العام لا يستعمل اللفظ في هذا المعنى ولا يفهمه
ممن يستعمله. ولما كانت المفاهيم العرفية مقدمة على المعاني اللغوية فمعنى ذلك أن
اللفظ عند الإستعمال لن يكون ظاهراً في غير الأعلمية بحسب الواقع، لانصراف الذهن عن
غيرها عند سماع كلمة الأعلم. وحينئذٍ تكون الروايات في مقام الدعوة إلى الأئمة
المعصومين (عليهم السلام) في مقابل من تصدّى للخلافة في تلك العصور وهو فاقد للشرط
المذكور.
نعم هناك مرتبة من الأعلمية بحسب الواقع يمكن افتراضها في غير المعصومين وإن كانوا
هم (عليهم السلام) الأعلم على كل حال، وهي الأعلمية بالواقع المعاش التي تسمح
بتشخيص أدق للواقع القائم، وبالتالي بإعطاء حكم سليم. ولنا مزيد كلام حول هذه
النقطة.
الدليل الثالث: السيرة العقلائية:
قد ذهب جمع من علمائنا إلى اشتراط الأعلمية في مرجع التقليد مستدلين على ذلك بسيرة
العقلاء وتبانيهم على الرجوع إلى الأعلم إذا اختلف العلماء فيما بينهم. وهذا الأمر
ينطبق على الولي أيضاً باعتبار أنه يُعمل رأيه الفقهي عند إعطاء حكمه، فيكون رجوع
الناس إليه في هذا المورد نحواً من أنحاء التقليد ورجوع العالم إلى الجاهل.
ومنشأ هذه السيرة أن العقلاء يرتكزون في حياتهم على جملة مبادئ إجتماعية يسهلون بها
ترابطهم فيما بينهم، وييّسرون من خلالها حياتهم المدنية. ومن هذه المبادئ مبدأ رجوع
الجاهل إلى العالم. فإن الحياة لما كانت متشعبة من حيث الإحتياجات حتى بالنسبة
للفرد الواحد، وكان الوصول إليها يتطلب جملة معارف واختصاصات لا يتمكن المرء منها
بأجمعها، كان لابد من تنظيم لهذا المر فيتوجه المرء إلى الإختصاص الذي يقدر عليه
ويرجع إلى الآخرين المختصين في الشؤون الأخرى التي لم يتمكن منها، لكنه يبحث عن
الأعلم من بينهم ليرجع إليه.
ونحن نلحظ هذه السيرة في مثل علم الطب، فإذا احتاج المرء منهم إلى طبيب وكان المورد
من الموارد المهمة المحتاج فيها إلى طبيب خبير، فإنا نجده يلجأ إلى الأعلم إذا
اختلف الأطباء فيما بينهم في تشخيص الحالة وتشخيص العلاج. وإذا أخذ العقلاء أحياناً
بقول الطبيب غير الأعلم فذلك في الموارد التي يعتقدون فيها أن الخلاف غير موجود أو
أنه لا أثر كبير للإختلاف فيها بين الأطباء. وهذه السيرة العقلائية لا تنحصر بمورد
الطب بل تشمل كل الحالات العقلائية التي تكون من موارد رجوع الجاهل إلى العالم.
وهذه السيرة كانت كذلك من حين تشكل أول مجتمع بشري، وقد عاصرها الأنبياء (عليهم
السلام) حتى وصل إلى عصر الإسلام. وقد رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل
البيت (عليهم السلام) ولم يتعرضوا عليها مع أنه كان بإمكانهم الردع عنها لو كانوا
غير راضين عنها، وهذا يدل على إمضاء هذه السيرة وبالتالي فهي حجة. ومعنى ذلك أن
علينا في مقام تحديد عمن نأخذ العلم أن نعمل بهذه السيرة أي أن نختار الأعلم إذا
اختلف الفقهاء فيما بينهم.
مناقشة الإستدلال:
نحن لا ننكر وجود سيرة عقلائية بالنحو المشار إليه، كما لا ننكر أن هذه السيرة
ممضاة. ولكن الأمر الذي نتوقف عنده هو في كون المورد الفقهي الخاضع في معرفته
للإجتهاد من هذه الموارد التي انعقدت سيرة عقلائية على الرجوع فيها إلى الأفضل.
والسبب في ذلك أن تلك الموارد التي يرجع فيها العقلاء إلى الأعلم لها ضابطة على
أساسها يرجعون فيها إليه، تتألف من مقياس موضوعي واقعي متسالم عليه إما حسي أو حدسي
قريب من الحس ولو من خلال الإعتماد على الآثار الحسية، ومن آلية واضحة لدى الجميع
في تطبيق ذلك المقياس لتشخيص الأعلم. فالطبيب مثلاً يقال عنه أنه أعلم وفق أساس
متفق عليه ووفق آلية استكشاف متعارف عليها بينهم، كأن تكون هناك سلسلة تجارب قام
بها وبانت آثارها حتى عرف عنه أنه أعلم. وهكذا الحال في كل مورد رجع فيه العقلاء
إلى الأعلم فيها.
أما في باب الإجتهاد فإننا لا نملك مثل هذا المقياس الواقعي لا الحسي ولا الحدسي
الذي يجعلنا نملك القدرة على التمييز بين الأعلم وغيره. ولو فرضنا أننا نملكه فإنا
لا نملك الآلية الواضحة لتطبيقه، وفي مثل هذه الموارد لا يمكن معرفة الأعلم لو كان
هناك تعريف تام لمعنى الأعلم في باب الفقه.
وبعبارة أخرى تارة يكون الأعلم هو الأقرب إلى الواقع وأخرى يكون الأعلم بمعنى آخر.
والمعنى الأول هو المعنى الذي يعتمده العقلاء في سيرتهم عند رجوعهم إلى الأعلم.
والأعلمية في باب الفقه لا تعني الأقربية للواقع باعتراف جل العلماء لأنه لا سبيل
لإحراز تلك الأقربية. ورب عالم مخضرم يكون أبعد عن الواقع من مجتهد حديث العهد
بالإجتهاد في بعض الآراء أو أغلبها، ولذا يُرجعون الأعلمية إلى الأقوائية في مقام
الإستنباط والإستدلال. ومن غير المعلوم إنطباق المقياس العقلائي على هذه الأعلمية
لتكون من موارد إعتماد العقلاء عليها في ترجيحاتهم[81]، إن لم نجزم بأنه خارج عن
طريقة العقلاء لأنهم لا يركنون إلى مجهول في نظم أمورهم بل يقدمون قواعد وضوابط ذات
كاشفية عن الواقع. فلو تحدثوا عن الأعلمية في الطب فلابد أن يكون مقصودهم بها
الأقربية إلى الواقع لا مجرد الأعلم بالقواعد والأساليب. وأي نفع لهذه الأعلمية إن
لم يعرف الطبيب كيفية تطبيقها معرفة تقربه من الواقع في التشخيص والعلاج. وأين هذه
الأعلمية في باب الفقه التي تعني كما قلنا الأقدرية التي لا نستطيع مها الجزم
بالأقربية من الواقع. فالإنصاف أن هناك شكا قوياً في اندراج هذه الأعلمية في السيرة
العقلائية.
ومع الشك المذكور لا يصح الإستدلال بالسيرة العقلائية. لأن تمامية الإستدلال بها
ترتكز على أمرين: إحراز رضا الشرع بالسيرة، وإحراز إنطباق السيرة على الموارد،
والأول وإن كان محرزاً لكن الثاني غير محرز.
هل يمكن معرفة الأعلم:
ومن هنا يمكن الإطلالة على نقطة حساسة هي هل يمكن معرفة الأعلم أم لا.
وقد اختار جملة من العلماء الأعلام كالمقدس السيد النجفي المرعشي (رحمه الله) أنه
لا سبيل لمعرفة الأعلم لما عرفت من أنها ليست من الأمور الحسية التي يمكن إدراجها
ببساطة، كما أنه ليس من مقياس حدسي واضح متسالم عليه عند الجميع يحدد لنا الآلية
الواضحة لمعرفة الأقدر ليكون المعيار لتمييز الأعلم عن غيره.
بل الذي نجده أن كل من يشهد بأعلمية شخص فإنه يرتكز على علمه هو ويجعله المقياس،
ولذا نجد أن الأمة لم تتفق يوماً على أعلم واحد إلا ما ندر. وأهل الخبرة الذين يوكل
إليهم تحديد هذه النقطة يختلفون فيما بينهم عادة في تحديد الأعلم، فعندما تروق
لبعضهم آراء فلان الفقهية ويجدها أمتن من آراء غيره سيراه أعلم، وعندما ينظر إلى
أدلته وطريقة استدلاله يعجب بها يراها أمتن من طريقة غيره سيحكم بأنه الأقدر على
الإستنباط، علماً أنه عندما وجدها أمتن كان قد اعتمد على رأيه الخاص في المتانة.
ولكن خبيراً آخر قد يجد تلك الأدلة سخيفة لا قيمة لها، ويتجه لأجل الحكم بالأعلمية
إلى شخص آخر[82]، وبالتالي فإننا سنبقى في حيرة من هذا الموضوع، لأن الكل اتفقت
كلمتهم على أنه إذا تعارضت البينات في تحديد الأعلم سقطت عن الإعتبار.
وحل هذه المشكلة وإن أمكن في باب التقليد، بأن يقال للمكلف إن قامت عندك البينة على
أعلمية شخص فلا يجب عليك البحث عما إذا كانت هناك بينة معارضة، أو بدعوته إلى
التخبير مع تعارض البينات، أو القول بالإحتياط بين أقوال العلماء الذين يحتمل وجود
الأعلم من بينهم. لكنه غير ممكن في باب الولاية، إذ لا معنى لأن يقال للمكلف أنك
مخير في أن تجعل من تشاء وليا عنك بكل ما يحمله هذا المعنى من هرج ومرج، كما لا
معنى لأن يقال له عليك بالإحتياط الذي قد يؤدي أحياناً إلى مخالفة أمر الولي، وهو
خلف حكمة جعل الولاية ومخالف لطبيعة عملها ودور الولي وطبيعة علاقة الفرد بالولي
والمجتمع، إلا أن يكون المقصود إلزام الولي بالعمل بأحوط الأقوال، وهذا غير ممكن
أيضاً لأن الولي فقيه والفقيه لا يلزم بالإحتياط في الموارد التي استنتج فيها نتيجة
فقيهة، وإن كان قد يلزم باستشارة الفقهاء خاصة إن كان رأيه مخالفاً للمشهور.
الأعلمية المعتبرة:
ولو أصر البعض على إشتراط الأعلمية في الولي فيجب أن لا نعممها لجميع أبواب الفقه
بل يجب تقييد موردها بخصوص الأبواب المحتاج إليها في باب الولاية، فإن الترجيح في
الولاية ينبغي أن يكون للأعلم في هذه الأبواب الفقهية الأخرى كباب الطهارة والصلاة
وسائر أبواب العبادات وبعض أبواب المعاملات كباب الرهن والبيع وغيرهما من الأبواب
التي ربما لا يكون لها دخل في عمل الولاية، والأحكام التي قد يأخذها الولي.
والأبواب التي يجب أن يكون الولي الأعلم بها هي الأبواب المتعلقة بالإقتصاد
والإدارة والسياسة والحرب والسلم ونحوها مما يحتاج إليها الولي في قيادة الأمة.
والأعلمية تقبل التفكيك بمعنى أنه قد يكون عالم أعلم من غيره في باب وآخر أعلم من
الأول في باب آخر.
الأعلمية في التشخيص
هذا كله بالنسبة للأعلمية الفقهية. أما الأعلمية بمعنى الأعرف بالواقع والأقدر على
تشخيصه وعلى إعطاء الموقف المناسب فهي مقبولة، بل تجب رعايتها لأنها القدر المتيقن
من شمول سيرة العقلاء لها، كما أنها تخضع لمقياس علمي محدد وتملك الآثار التي
تجعلنا نقر بها لشخص بشكل موضوعي.
الأعلمية والكفاءة:
ثم على القول بترجيح الأعلم، فإن هذا محصور فيما لو كان الفقيهان اللذان يراد
الترجيح بينهما كفوئين لقيادة الأمة. لو كان الأعلم من الجهة الفقهية فاقداً لكفاءة
القيادة والولاية، وكان غير الأعلم كفواً لذلك، فالترجيح هنا لهذا الكفوء لما عرفت
فيما سبق من أن الكفاءة شرط في أصل الأهلية للولاية والمرجح يأتي دوره بعد الفراغ
عن الأهلية. فالأعلمية مرجح بعد فرض كفاءة الشخصين.
شرط الأكفئية:
لو وجد فقيهان وكان أحدهما أكفأ من الآخر فالمتعين تقديم الأكفأ. ومعنى أن يكون
أحدهما من الآخر أن يكون أقدر على قيادة الأمة بما يتطلب ذلك من أعرفية بالواقع
وأفضلية في الإدارة وأقدرية على تحديد الموقف ونحو ذلك. وهي صفة ذات انعكاسات وآثار
عملية تميز بين الكفوء والأكفأ وإلا فلا معنى لهذه الأكفئية.
دليل ترجيح الأكفئية:
والذي يدل على ترجيح الأكفئية أمران:
أحدهما: ما علمناه من مجمل النصوص القرآنية والروائية من أن شأن الأمة الإسلامية من
الشؤون التي اهتم بها الإسلام، ولم يرض بالتساهل به بل يجب رعاية حقوق الأمة قدر
الإمكان. وهذا الأمر ينبغي عده من البديهيات الإسلامية، ولذا جرت السنة الإلهية على
اختيار الأفضل في كل عصر وزمان لمقام النبوة والإمامة. ورعاية هذا الحق حق الرعاية
لا يكون إلا باختيار الأفضل الأقدر على إيصال الأمة إلى حقوقها وتحقيق مصالحها
وتجنيبها الأخطاء والمفاسد، فلو تركناه إلى الأقل فضلا نكون قد عرضنا الأمة لضياع
بعض المصالح المرتبطة بها، أو لإيقاعها في بعض المفاسد. وهذا الإحتمال ينبغي رعايته
وسده نظراً لأهمية المحتمل، ويكفي حينئذ دليل الحسبة لبيان شرطية الأكفأ.
ثانيهما: سيرة العقلاء فإن العقلاء في حياتهم السياسية يختارون ويرجحون الأكفأ في
مقام تعيين الولي مع العلم الإجمالي بأن الأكفأ سيختلف في جملة من النتائج عن الأقل
كفاءة منه. والعقلاء يقبحون ويذمون من يختار الأقل مع وجود الأكفأ.
الترجيح للأكفئية حتى على القول باعتبار الأعلمية:
ومن الدليلين السابقين نستنتج أن الأكفئية أرجح من الأعلمية الفقهية حتى على تقدير
القول باعتبار الأعلمية في الولي. وهذا يعني أن الأعلمية إنما تكون مرجحة فيما لو
تساوى الفقهاء في الكفاءة، أما إذا كان أحدهم أكفأ من غيره فإن الولاية تنحصر به
وإن كان غيره أعلم منه في المجال الفقهي.
ومنشأ الإستنتاج المذكور أن الأعلمية عندهم لا تعني الأقربية للواقع كما بينا
سابقاً، فليس في الرجوع إلى غير الأعلم إحتمال ضياع مصالح على الأمة أو احتمال
وقوعها في المفاسد، لأن غير الأعلم قد يكون أقرب إلى الواقع من الأعلم. واحتمال
البعد عن الواقع تتساوى نسبته بالنسبة للأعلم ولغير الأعلم، لا أنه بالنسبة لغير
الأعلم أقوى من الأعلم. وهذا المعنى أيضاً متسالم عليه بينهم، وقد أشرنا سابقاً إلى
أنه يمكن أن يكون المجتهد المخضرم في الإستنباط أبعد من حيث الواقع عن مجتهد حديث
العهد بالإجتهاد والإستنباط.
وهذا غير الإختلاف في الكفاءة، فإننا لو اخترنا الأقل كفاءة فإن احتمال وقوع الأمة
في المفاسد، وضياع المصالح عنها أكبر مما لو اخترنا الأكفأ. وهذا الأمر يقر به
الوجدان العقلائي أيضاً. وهذا يعني ضرورة اختيار الأكفأ وتقديمه على الأعلم غير
الأكفأ رعاية لمصالح الأمة وعملاً بالسيرة العقلائية ودليل الحسبة.
الفصل الثامن: المرأة والحكم وفيه تمهيد وثلاثة بحوث
البحث الأول: أدلة عدم جواز تصدي المرأة للولاية.
البحث الثاني: حول أهلية المرأة للولاية.
البحث الثالث: نظرة في الروايات حول استشارة المرأة.
تمهيد
لقد كتب الكثيرون حول المرأة، وبحث المفكرون والعلماء حول إمكانية أن يكون للمرأة
حق الحكم، وأن تكون على رأس السلطة في المجتمعات عامة وفي الحكومة الإسلامية خاصة.
وصوّر البعض بأن حجب هذا الأمر على المرأة ظلم لها ومن مخلفات العصور المظلمة، وأن
على المجتمعات المتطورة أن ترفض هذه الفكرة.
والنقاش في هذه المسألة يجب أن يرتكز على أسس صحيحة وليس انطلاقاً من ردات فعل ربما
تخرجنا عن الطريقة الشرعية التي يجب إتباعها لمعرفة الأحكام الشرعية. وللأسف فإن
كثيراً من النقاشات حول هذا الموضوع تنطلق من ردات فعل أو تأثر بالدعاية والإعلام،
حتى أنك لو تفحصت كلمات المثقفين والمثقفات من مسلمينا ستجد تأثرهم باصطلاحات
الآخرين وأجواء الآخرين. ونحن وإن كنا لا نمانع في أن نأخذ من الغير لأن الحكمة
ضالة المؤمن لن يهدأ باله حتى يجدها باعتبارها ضالته وملكه الذي فقده، لكن ليس كل
ما يعرض علينا هو حكمة. فعلينا التنبه لما نأخذ حتى لا نقع في فخ الخروج من مبادئنا
من حيث لا نشعر، خاصة وأن بعض الآخرين لا يهمهم مما يطرح إلا أن نخرج عن
ديننا﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء﴾[83].
وقد أدى بنا الحال أن نجد في أبنائنا وبناتنا الملتزمين بالإسلام، في الظاهر على
الأقل، من ينادي بإعادة النظر في الأحكام الشرعية المتعلقة بالنساء وفي فهم النصوص
وإلغاء وصف القدسية عنها، مع أنها نصوص قرآنية أو نصوص رويت عن النبي (صلى الله
عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، أو ينادون باعتبارها نصوصاً لمرحلة زمنية مضت
لا تنطبق على عصرنا، دون أن يظهر أي دليل يدل على ذلك، اللّهمّ إلا أهواء وحساسيات
وعقد تمكنت من بعض إخواننا وأخواتنا وباتوا يرددون مثلاً إصطلاح الأسلحة الذكورية
على فقهائنا وهو إصطلاح مستهجن في فكرنا، لما يعبر مضمونه عن حالة رفض منطلقة من
عقدة وليس من موضوعية في البحث.
والذي يلفت أن الإسلام يتعرض في هذه الأيام لهجمات على مختلف الصعد ومن مختلف
الجهات الصديقة والعدوة الداخلية والخارجية. والذي يؤسف له أن تجد في مثقفينا من
يعزف على أوتار الثقافة الغربية والمتثقفة المتغربين، بدل أن يعملوا على مواجهة
الخطة الجهنمية التي يعمل عليها الأعداء بعد أن فشلوا في ضرب هذه الأمة وإركاعها
على المستوى السياسي والعسكري.
وعلى كل حال فإن إدعاء المظلومية فيه الكثير من المبالغة، لأننا عندما ندعي مظلومية
شخص حُرم شيء، يجب أولاً أن نثبت أنه يملك هذا الحق حتى يكون سلبه ظلماً، وإلا
فمجرد أن يعتبر الشخص لنفسه حقاً لا يوجب ذلك أن يصبح الآخرون ملزمين برعايته. وهذا
يستدعي البحث المعمق حول منشأ الحقوق، أي من أين يصبح المرء ذا حق وهل يكفي إعتباره
الشخصي أم إعتبار المجتمعات أم لا بد من إعتبار شرعي. وهذا السؤال قد تجاوزه الكثير
من الباحثين ولم يقفوا عنده وافترضوا سلفاً أن الشخص يمكنه أن يدعي لنفسه حقوقاً
يستطيع المطالبة بها ولو من رب العالمين.
إننا كمسلمين نعتبر أن ثبوت حق لشخص فرع إعطاء الله تعالى هذا الحق له، فما لو يعط
هذا الحق لن يكون سلبه ظلماً بل يكون إدعاءه تزويراً للحقائق ومغالطة علينا أن لا
نقع فيها.
هذا مع أننا لو تأملنا الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة والتي تثير حفيظة غير
المسلمات أو غير الملتزمات بالإسلام سنجد مواردها محدودة، كمسألة الإرث والشهادة
والطلاق وطاعة الزوج والقيادة وضرب الزوجة في بعض الحالات.
وأما مسألة الإرث والشهادة فقد ورد فيهما نص قرآني لا مجال للتلاعب به. وأما مسألة
طاعة المرأة لزوجها وحدود هذه الطاعة فهي في المبدأ لا يمكن تغييرها، لكن بعض
التفاصيل خاضعة لإجتهاد الفقهاء.
وأما مسألة ضرب الزوجة وجوازه فهو من حيث المبدأ مخصوص بحالات محددة لكنه منصوص
عليه في القرآن الكريم، فلا مجال أيضاً للتلاعب بهذا النص ولا لتحويره أو تحريفه أو
أن يفتري أحد على العلماء ويقول إنهم في طور إعادة النظر في هذه الآية أو غيرها.
وقد كان بالإمكان فهم صراخ غير الملتزمين بالإسلام، لكن مالا يمكن فهمه ما قد يثيره
بعض الملتزمين والملتزمات بالإسلام من طنة ورنة. ومن سمات الشخصية الإسلامية
الإذعان بما علم أنه من الشريعة دون الإهتمام بما يقوله الآخرون.
ثم إن كثيراً من الحالات التي قد تنسب للإسلام نجد أن جهل الناس بتشريعاته هي وراء
ما يبتلون به، بل إن بعض المثقفين لا يكلفون أنفسهم عناء البحث العلمي من أبوابه،
ويكتفون بما يخطر على بالهم ويظنون أنهم قد بلغوا رأس الجبل.
فمسألة الطلاق مثلاً لها حل في الإسلام بمعنى أن بإمكان المرأة أن تشرط لنفسها أو
لأحد أقاربها أو لمن تثق به حق الطلاق بالوكالة عن الزوج. وليست مشكلة الإسلام أن
المرأة قد لا تجد من يقبل بهذا الشرط.
ولو افترضنا أن المرأة لم تتمكن من تحصيل هذا الشرط وصادف أنها اكتشفت بعد الدخول
في الحياة الزوجية حاجتها للطلاق وكان الزوج يأبى عن ذلك، ففي هذه الحال جعل
الإسلام للفقيه الولي حق التدخل وإعطائها الطلاق إن توفرت المبررات الكافية لذلك
شرعاً.
أما أن يقال يجب أن يكون بيد المرأة حق الطلاق إبتداءً كحق مستقل سواء اشترط في
العقد أم لم يشترط، فهذا مما لن نجد مسلما يقبل به لا لأن لدينا عقدة من هذه
المسألة بل لأن هذا ما قاله الإسلام الذي صاغ نظريته وفق رؤيته للكون والحياة
والأسرة وطبائع الناس والعلاقات بينهما. ونحن إنما نتبع دين الله تعالى.
وأما مسألة طاعة المرأة للزوج فتشوبها أحياناً في التطبيق العملي تجاوزات ترجع إلى
أخلاق الأفراد وجهلهم من النساء والرجال لا إلى الأحكام الشرعية، ولذا ركز الإسلام
على ضرورة أن تعرف الفتاة من تختار وعلى دعوة الأهالي إلى عدم القبول بأي شخص كان،
وضرورة التنبه إلى بعض المواصفات الأساسية في الشخصية المراد للمرأة أن تشاركها
الحياة فلا تظلم معه[84]. فبعض المشاكل التي يعانيها بعض الناس لا تنشأ من طبيعة
الأحكام بل تنشأ من الناس أنفسهم، وليس الحل هو في الهروب من تحمل المسؤولية
وإلقائها على التشريع.
والإسلام كما هو معروف ليس خاضعاً في تشريعاته للحالات الفردية، بل هو صاحب نظرية
متكاملة عن الحياة بما ينسجم مع الأهداف المرسومة إستناداً إلى العقيدة عامة
والتوحيد خاصة. ومن مكونات تلك النظرية مجموعة قيم لو عمل بها المسلمون لانتفت
المشاكل في جوانب متعددة من الحياة، وخاصة في الإرث والطلاق والعلاقة الزوجية
ونحوها من المسائل.
ومن ركائزها الحياة الأسرية المستقرة التي تتطلب رأساً واحداً مما تستوجب مجموعة
تشريعات، والله هو الأعلم بحقائق الأمور وما فيه صلاح الناس.
وعلى كل حال فقد كتب الكثير من علمائنا حول هذه الأمور ووضحوها وأزالوا عنها كل لبس
وبينوا وجه الحكمة في بعض التشريعات، لو كنا نقرأ. والواجب علينا كمسلمين أن نربي
أنفسنا على الإلتزام أولاً بما أمر الله تعالى، وإن لم نفهم الحكمة في التشريع. ثم
نبحث في مرتبة ثانية للفهم، لا أن نربط الإلتزام بالفهم.
والذي نريد قوله أننا لا نستطيع أن نوافق على أمر لمجرد أن البعض يعتبر عدم
الموافقة عليه من مخلفات العصور القديمة. فهذا مجرد كلام وأوهام لا يصلح أن يكون
دليلاً ولا أن يؤثر فينا عندما نريد أن نستكشف ما يقوله الشرع. وهذا هو دينا فليعجب
به من يعجب ولتدعوه الأمارة بالسوء للإنكار من تبع هواه.
إننا كمسلمين علماء ومتعلمين مؤتمنون وملزمون شرعاً برعاية الطريقة الصحيحة في فهم
الإسلام حتى لا ننسب إلى الإسلام ما ليس فيه، فنكون ممن يدخل البدع في دين
الإسلام﴿آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ﴾[85].
لكننا في الوقت نفسه نعترف أننا لا نستطيع الموافقة على أمر لمجرد أن العلماء قالوا
به سابقاً، فهذا من إقفال باب العلم. ومن خصوصيات مذهبنا فتحه، لذا علينا التأمل في
الأدلة والنصوص لنرى مدى صلاحيتها للإجابة عن هذا السؤال: هل يحق للمرأة تولي منصب
الولاية؟
فإن تبين بالدليل جواز تولي المرأة لهذا المنصب فعلينا أن نعلنه بصراحة دون خوف أو
وجل. وإن تبين عدم الجواز فعلينا أيضاً أن لا نستحي من شريعتنا وهي الشريعة
الكاملة.
البحث الأول: أدلة عدم جواز تولي المرأة للقيادة
وعلى ضوء ذلك نقول: لو تأملنا في ما ورد لدينا من نصوص وفيما قاله علماؤنا، يظهر
أنه لا يوجد دليل شرعي قوي يمكن الإحتجاج به في مقام المحاورة يمنع بشكل جازم
المرأة من تولي هذا الموقع، دون أن يعني هذا أنه لا يوجد دليل أصلا. ولتفسير هذا
الكلام علينا النظر أولا فيما ذكروه من أدلة على النفي مقتصرين على أهم ما ذكر في
هذا المجال.
الدليل الأول: الإجماع[86]
وهو وإن كان من الأدلة القوية، لكنه من الأدلة الأشبه بالوجدانية والتي لا تخضع
عادة لحسابات برهانية دقيقة تنطلق من مقدمات واضحة يمكن إقناع المحاور بها.
والمستدل بالإجماع يعتمد على أن العلماء أجمعوا على أن المرأة لا تملك حق القيام
بهذا الدور، وعلى أن هذا الإجماع يكشف عن قول المعصوم (عليه السلام) فيكون حجة.
ولكن للمحاور أن يناقش في مدى كاشفية هذا الإتفاق عن قول المعصوم ورأي الشريعة، إذ
ربما كانت هناك خلفيات أخرى وراء هذا الإتفاق أو ربما كانت هناك أدلة ضعيفة كانت
مستنداً لبعض المجتمعين في تبني هذا الرأي، كبعض الروايات الآتي ذكرها أو غيرها من
الأدلة، وبالتالي تسقط قيمة هذا الرأي لدى من اقتنع بأن الأدلة ضعيفة. وهذا يعني
أنه قد يجد البعض منفذاً للهروب من هذا الإجماع ومن حجية هذا الإتفاق، بل نكاد
نطمئن إلى أن هذا الإتفاق غير كاف لإثبات الحكم لأن هذا النحو من الإجماع مدركي فلا
يكون حجة في ذاته ولا يصلح للكاشفية.
الدليل الثاني: مجموعة روايات:
رويت بصيغ متعددة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعضها، وعن الأئمة (عليهم
السلام) في بعضها الآخر، والذي مضمونه أن المرأة لا تولّى. ويمكن تقسيم هذه
الروايات إلى قسمين:
القسم الأول: ما ورد في خصوص باب القضاء:
كالمروي عن الإمام الباقر (عليه السلام): (لا تولى المرأة القضاء)[87]. والمروي عن
رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كتاب فقيه من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق: (أن
المرأة لا تُولى القضاء)[88].
القسم الثاني: ما كان مطلقاً غير مقيد بالقضاء:
منها: النبوي المنقول بصيغ متعددة: (لا يفلح قوم وليتهم امرأة)[89]. (لن يفلح قوم
ولوا أمرهم إمرأة)[90]. (لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى إمرأة)[91]. (لا يقدس الله
أمة قادتهم امرأة)[92]. (إذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياءكم بخلاؤكم وأموركم إلى
نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها)[93].
ومنها: ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): (ليس على النساء أذان ولا إقامة ولا
جمعة ولا جماعة ولا عيادة المريض ولا إتباع الجنائز.. ولا تولى المرأة القضاء ولا
تولى الإمارة ولا تستشار ولا تذبح إلا من اضطرار..)[94].
ولكن ليس هناك طريق معتبر لأي من هذه الروايات فلا قيمة لهذا الدليل على مستوى
الحجية. وإذا قال أحدهم[95]بأن السند منجبر بعمل المشهور سنجد في المقابل من ينكر
ذلك.
ومنها: مشهورة أبي خديجة التي ذكرناها سابقاً: (إجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا
وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضياً). وهذه الرواية معتبرة دلت على إنحصار الرجوع
إلى الرجل إذ لو كان الرجوع إلى المرأة جائزاً لكان قيد الرجل لغوا، خاصة وأن
الإمام (عليه السلام) كان في مقام إعطاء ضابطة لمن يرجع إليه، وفي الضابطة تذكر
جميع القيود المعتبرة وتترك الأمور التي لا دخل لها. وهذه الرواية وإن كانت خاصة
بالقضاء، لكن إذا لم يجز لها القضاء لم تجز لها الولاية بشكل أولى، لأن كل من جازت
له الولاية جاز له القضاء دون العكس.
والجواب:
لم يظهر لنا أن قيد الرجل في هذه الرواية لدخالته في الولاية بل يحتمل إحتمالاً
قوياً أن يكون هذا القيد باعتبار أن المتعارف عليه في ذلك الزمن تصدي الرجل لهذه
الأمور. فهو قيد ذكر بلحاظ الحالة الواقعية لا بلحاظ الشروط الشرعية. وهذا وإن لم
يكن يمكن الجزم به لكنه محتمل بشكل يمنع من ظهور الرواية في الإشتراط.
الدليل الثالث:
وهو الإستدلال بآية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ﴾[96].
لكن الظاهر أن الآية مختصة بالحياة الزوجية ولا تشمل الحياة الإجتماعية فلا منافاة
بين هذه الآية وبين ثبوت الولاية لها، غايته أنها في الحياة الزوجية يجب أن تكون
مطيعة للرجل فيما هو حق للرجل في أن يأمرها به. كما أن ثبوت حق الطاعة للوالد على
ولده لا يمنع الولد من أن يكون ولياً على الأمة بما فيها أبوه.
وليعلم أننا لم نوافق على الإستدلال بالآية من جهة أنه لا صراحة فيها بالمنع عن
تولي المرأة الولاية أو القضاء، لكن هذا لا يعني أنه لا يحتمل أن يكون هو مراد
الآية، لكن لا يكفي الإحتمال لإثبات الفكرة.
هذا هو كل الكلام حول أدلة ذكر العلماء أنها تدل على عدم جواز تولي المرأة. وقد
أهملنا ذكر أدلة أخرى لأنها أضعف من هذه التي ذكرناها.
لا يكفي عدم الدليل على المنع
قد ذكرنا سابقاً في مباحث أدلة ولاية الفقيه أن ثبوت الولاية لشخص يحتاج إلى دليل.
ويترتب على ذلك أنه لا يكفي عدم الدليل على النفي لنثبت أنه يجوز للمرأة تولي
المرأة القضاء والإمارة، لأن الإثبات أيضاً محتاج إلى دليل.
لذا يجب البحث عما إذا كان في الأدلة ما يثبت ولو بالإطلاق أن المرأة يمكن أن تتولى
القضاء أو الحكومة، أو لا وجود لمثل هذا الدليل أو لرواية ظاهرة في ثبوت الولاية
لعنوان يشمل الرجل والمرأة. ولو ثبت مثل هذا الدليل تصبح المرأة كالرجل طرفاً من
أطراف المقارنة عند البحث عن الأفضل، فإن كانت هي الأفضل من حيث الصفات المعتبرة في
الولي كانت الولاية لها، وإن كان غيرها الأفضل فالولاية له.
وهذا الذي قلناه يبيّن أن ثبوت الولاية للمرأة في المجتمع الإسلامي يحتاج إلى أن
يمر بمرحلتين إثباتية وتطبيقية.
أما الأولى فهي أن يوجد دليل يجعلها كالرجل في أهلية التصدي للولاية. والثانية أن
نحرز أنها الأفضل من الجميع في الصفات. والمرحلة الأولى هي التي تعنينا في هذا
البحث.
لا دليل على جواز تصدي المرأة.
المعروف بين العلماء أنه لا وجود لمثل هذا الإطلاق لا في باب القضاء ولا في باب
الولاية.
أما الروايات الواردة في باب القضاء فقد تحدثت عن الرجل وقد تقدم ذكر بعضها كمشهورة
أبي خديجة المعتبرة. ونحن وإن لم نقبل الإستدلال بها على اشتراط القضاء بالرجل لكن
هذا لأجل عدم الدلالة. وهذا لا يعني أن الرواية دالة على عدم الإشتراط. فلو قال لي
أكرم العالم العادل فهذا لا يعني عدم وجوب إكرام العالم غير العادل. لكن وجوب إكرام
العالم غير العادل محتاج إلى دليل.
وأما الروايات الواردة في أدلة ولاية الفقيه فهي وإن لم تقيد الأمر بالرجل، لكن
كثرة الروايات التي تقدم ذكر بعضها الدال على عدم جواز تولي المرأة القضاء والولاية
تجعل الإطلاق بعيداً.
فإننا وإن لن نقبل بالإستدلال بهذه الأخبار، لكن هذا لا يعني أن نمر عليها مرور
الكرام، أو أن نغفل عن وجودها بعدما كانت كثيرة أوجدت إرتكازاً في أذهان المسلمين
عموماً والفقهاء خصوصاً يمنع من انعقاد إطلاق في تلك الروايات، مما يدعو إلى العثور
على رواية واضحة وصريحة في الدلالة على حق المرأة بتولي القضاء أو الولاية حتى
يمكننا تبني هذا الرأي.
ونتيجة ما تقدم أننا نصير في شك في أنه هل يجوز للمرأة أن تتولى القضاء والولاية في
الحكومة الإسلامية أم لا. ومع هذا الشك تكون النتيجة القهرية أنه لا يحق لها هذا
المنصب، لأن الأصل أنه لا ولاية لأحد على أحد ما لم يقم الدليل على ثبوتها. وحيث أن
ثبوتها للمرأة مشكوك فيه يبقى حكمها تحت الأصل.
وقد يود بعضنا أن يجد إطلاقاً يدل على ثبوت هذا المنصب للمرأة، لكننا لم نجده. ولا
نستطيع أن ندعي وجوده لمجرد أننا نحب ذلك، أو لمجرد التظاهر بأن الإسلام دين يساوي
بين الرجل والمرأة أو بأنه يواكب العصر وغير ذلك من العناوين البراقة التي لا تبرئ
الذمم في حضرة الباري تعالى.
وقد أشرنا سابقاً إلى أن أغلب فقهائنا نفوا ولاية المرأة إعتماداً على هذا الدليل
الذي هو عدم الدليل على ثبوت هذا الحق لها بضميمة الأصل المذكور. صحيح أنه لا ينفي
احتمال أن يكون لها هذا المنصب، لكن لا يستطيع الفقيه أن يفتي بذلك إتكالاً على
مجرد الإحتمال كما بينا.
مواقع أخرى:
هذا كله خاص بموقع القيادة أما المواقع الأخرى كعضوية الحكومة والمجالس التشريعية
فهذا من الصعب قيام الدليل على عدم جواز تصديها لذلك.
أما بالنسبة للمواقع الحكومية فهي وإن كانت مواقع تمثل سلطة ونحواً من أنحاء
الولاية لكنها سلطة مكتسبة من الولي الفقيه الذي لا دليل يمنعه من إعطائها مثل هذا
المنصب لو توفرت الشروط المطلوبة. والأدلة لو تمت فإنما تدل على عدم جواز أن تكون
المرأة صاحبة الولاية الأولى، لا ما دونها مما يرجع إلى ولاية الفقيه.
أما بالنسبة للمواقع الإستشارية كالمجلس النيابي وغيره فهذه ليست مواقع سلطوية. ولا
دليل يمنع الفقيه من استشارة المرأة إلا روايات قد يدعى أنها تدل على ذلك، ولكننا
سنبين عند مناقشة ذلك المدعّى في فصل مستقل أنها لا تدل على منع الإستشارة تجاه
مطلق النساء.
البحث الثاني: تحليل ما سبق
هل ما تقدم يعني أن الإسلام لا يرى المرأة أهلاً لموقع القيادة؟ لا مجال للجزم بهذا
الإستنتاج سواء كان نفي تولي المرأة ناشئاً عن دليل أم كان لعدم الدليل على ثبوت
هذا الحق لها. وهذا واضح على التقدير الثاني.
وأما على التقدير الأول فلأن مجرد أن الإسلام لا يرضى بأن تتولى المرأة القضاء أو
الولاية لا يعني أنها ليست أهلاً واقعاً لذلك المقام، إذ لا ملازمة أصلاً بين
الأمرين. والتحليل يقول إن سلب هذا الأمر عن المرأة سيكون لأحد سببين:
إما لأنها ليست أهلاً، وإما لأن الله تعالى أراد منها دوراً ضمن نظرية شاملة عن
الحياة والمجتمع لن تتحقق أهداف هذه النظرية لو تغير دورها حتى وإن كانت أهلاً.
ولا سبيل للجزم بأن السبب هو الأول، بل يمكن ترجيح الثاني، ولنا على ذلك شواهد.
فالقرآن أشار إلى حكاية ملكة سبأ، وأظهر أن لها حكمة في التعاطي مع أمور الحكم أكثر
من كل مستشاريها الرجال.
كما لا ريب في أن سيدة نساء العالمين الزهراء (عليها السلام) كانت أهلا للقيادة وهي
من النساء، ومع ذلك لم تعط هذا الدور ولم تتول قيادة المجتمع. وكذلك الحال بالنسبة
لزينب (عليها السلام). وليس ذلك إلا لتركيز فكرة أنه ليس المطلوب من المرأة هذا
الدور، وإن كانت قادرة عليه لما أشرنا إليه من النظرية المتكاملة من الحياة
والمجتمع. ولذا لم تُكلف بالجهاد مع قدرتها عليه إلا في موارد نادرة، كما لو انحصر
الدفاع بمشاركة المرأة.
وربما كان دورها الذي رسمه الإسلام أهم في عين الله تعالى من دور الرجل، وإن لم
يبلغه بحسب مقاييسنا الدنيوية المعتمدة على المظاهر والشكليات والإعتبارات وهي محنة
المؤمنين في هذا العصر.
ونحن لم نجد مجتمعا قد استقر حاله إذا انصرفت الرجال والنساء نحو دور مشترك بهذه
الأهمية، والمحتاج إلى قدر كبير من الإشتغال بالمقدمات.
حتى أن المجتمعات الغربية، التي قد نقيس أنفسنا بها أحياناً ظلماً لأنفسنا، نجدها
قد بلغت في الإنحلال الإجتماعي والأسري حداً نستطيع أن نقول فيه: (الحمد لله الذي
عافانا مما اُبتلي به غيرنا ولو شاء لفعل). وكان يمكن أن يحصل هذا لو شُرع الدور
للرجل والمرأة معا. لأن السماح للمرأة بهذا الدور يستلزم تشريعات جديدة وصياغة
نظرية أخرى غير النظرية الإسلامية الفعلية. وليس هناك نظرية أخرى أفضل مما قدمه
الإسلام لأن صاحب الطرح هو رب العالمين، فلو كان هناك ما هو أفضل لبيّنه علام
الغيوب الحكيم الغني الكريم سبحانه وتعالى.
كما أن التجربة شاهد على ما نقول، فرغم أن الغرب فتح الباب للمرأة على مصراعيه، على
ما قيل، مع ذلك لم تصل إلى ما تنشده من دور بل ضاعت عليها حياة أسرية مهمة وضاعت
معها المجتمعات كما ضاعت معها شخصية المرأة. وإن أسوأ زمن تعيش فيه المرأة هو هذا
الزمن الذي تستغل فيه أسوأ استغلال، وهو زمن قيل عنه إنه عصر التطور والمساواة، حتى
أنها لا تنال ما تستحقه من أجر على عملها الذي تقوم به.
فالذي نعتقده أن المرأة عليها أن تقوم بالدور الذي تنجح فيه ولا ينجح فيه الرجل،
وهو دور بناء الأسرة وبناء الأولاد ودعم الزوج والإبن والأهل فيما يرضي الله تعالى.
وعلى الرجل أن يقوم بالدور الذي يمكن أن ينجح فيه وهو القيام بالنصف الآخر من الدور
الإجتماعي ودعم الزوجة فيما يرضي الله تعالى. ولولا تكامل هذين الدورين لما استقامت
حياة إجتماعية بين المسلمين.
ومن هنا ندرك لماذا لا يرجح الإسلام للمرأة أن تعمل خارج بيتها إلا عند الضرورة.
ذلك لأنه يريد أن يخفف من العوائق التي تعيق عملها التربوي الأسري.
ومن الواضح أن هذا الذي ذكرناه هو مجرد تحليل وليس بالضرورة هو السر التشريعي وراء
عدم وجود نص يجيز للمرأة أن تتولى الشأن القيادي. وربما نكون مخطئين فيه، لكن الذي
أردناه إبداء احتمال يمنع من الجزم بأن سبب منعها من الولاية هو عدم أهليتها.
والحذر كل الحذر من أن نقع في مطبات هوى النفس والدعاية الإعلامية التي قد تجرنا
إلى ما لا يرضي الله تعالى، والى الوقوع في بعض ما وقع فيه الغرب على المستوى
الإجتماعي. ولنعلم أن الأجر عند الله لكل فرد منا بمقدار قيامه بتكاليفه وليس
بالحجم الظاهري للتكليف. فالرجل الذي يجاهد في ميدان القتال ستشاركه زوجته في الأجر
إن هيأت له سبل الجهاد، والرجل الذي يستشهد في ميدان القتال ستشاركه زوجته وأمه
وأخته في الأجر، ولن ينفرد به إن ربته أمه من أجل ذلك ودعمته زوجته أو أخته في ذلك.
وجعل الإسلام للمرأة أجراً قد لا يصل إليه رجل كأجر الولادة حيث اعتبره أجر نصف
شهيد لو توفيت في هذه الحال. ولها أجر أقل إن لم تتوف ولكن الله أعلم بمقداره.
فللرجل مجالات للثواب تشاركه فيه المرأة إن أرادت، ولكن ربما كان للمرأة مجال
للثواب لن يشاركها فيه الرجل، فأين الظلم الذي يتحدثون عنه. فإن كانوا يتحدثون عن
ظلم بحسب الدور الظاهر في الحياة الدنيا فما هذه هي مقاييس الإسلام. ومن لا يريد
للإسلام أن يحكم ويؤمن بأن الله تعالى لا دخل له في حياة الفرد والمجتمع، فهذا لا
كلام لنا معه في هذا الكتاب. وإن كانوا يتحدثون عن ظلم في الأجر وثواب الآخرة
فالغالب أنها لو قامت بدورها كان أجرها من أجر الرجل.
وهذا الكلام وإن لم يكن مفيداً بالنسبة لمن قصروا همهم على الحياة الدنيا، لكنه
مفيد بالنسبة لمن جعل الآخرة همه.
ثم إننا عندما نقرّ بأهلية المرأة للقيادة لا نعني بذلك إعترافنا بأن الحالة العامة
التي عليها المرأة فعلاً هي حالة هذه الأهلية، بل نعني بذلك أنه يمكن للمرأة أن
تملك أهلية القيام بهذا الدور لو تحققت شروطه النفسية والأخلاقية والعلمية. وينسب
إلى علماء النفس والإجتماع أن الطبع العام للمرأة وما جبلت عليه من صفات وخصائص لا
تسمح عادة بهذا الدور.
البحث الثالث: حق الإنتخاب والمشورة
قد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصيه أمير المؤمنين علي (عليه السلام)
روايات تدل على عدم أهلية المرأة لشيء حتى للإستشارة، وأنك لو استشرتها يستحسن أن
تخالفها. وإليك جملة من هذه الروايات:
منها: ما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أو عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أمير
المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في رسالته إلى الحسن (عليه السلام): (إياك ومشاورة
النساء فإن رأيهن إلى الأفن وعزمهن إلى الوهن)[97].
ومنها: ما رواه الصدوق بغير سند قال: وشكى رجل من أصحاب أمير المؤمنين (عليه
السلام) نساءه. فقام (عليه السلام) خطيباً فقال: (يا معشر الناس لا تطيعوا النساء
على حال)[98].
ومنها: ما رواه الكليني بسند ضعيف عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن أمير المؤمنين
(عليه السلام) قال: (في خلاف النساء البركة)[99].
ومنها: ما رواه الكليني بالسند السابق عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن أمير
المؤمنين (عليه السلام) قال: (كل امرئ تدبره امرأة فهو ملعون)[100].
ومنها: ما رواه الكليني أيضاً بسند ضعيف عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن أمير
المؤمنين (عليه السلام) قال: (اتقوا شرار نساءكم وكونوا من خيارهن على حذر وإن
أمرنكم بالمعروف فخالفوهن كيلا يطمعن منكم في المنكر)[101].
وهذه الروايات بمجملها ضعيفة السند، لكن هناك ما هو صحيح السند:
منها: ما رواه في الوسائل عن الكليني بإسناد معتبر عن أبي عبد الله (عليه السلام)
أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من أطاع إمرأته أكبه الله على وجهه
في النار. قيل وما تلك الطاعة؟ قال: تطلب إليه الذهاب إلى الحمامات والعرسات
والعيدات والنائحات والثياب الرقاق)[102].
وهذه الرواية حددت الجهات التي يمنع فيها الرجل من طاعة زوجته وهي جهات تستلزم
الحرام عادة أو هي من المحرمات أو مخالفة للستر المطلوب.
ومنها: ما رواه في الوسائل عن الكليني أيضاً بإسناد معتبر عن أبي عبد الله (عليه
السلام) أنه قال: ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) النساء فقال: (اعصوهن في
المعروف قبل أن يأمرنكم بالمنكر وتعوذوا بالله من شرارهن وكونوا من خيارهن على
حذر)[103].
إلى غير ذلك من الروايات التي يجدها المتتبع في كتب الحديث والتي ربما يدّعى بشأنها
أنها بلغت حد التواتر بحيث يعلم بصدور بعضها عنهم (عليهم السلام). فيستدل بها على
أنه لا يجوز استشارة المرأة في أي أمر مهم من أمور المجتمع، مما يعني أنه لا يجوز
وضعها في أي موضع تقنيني أو استشاري كعضوية مجلس النيابة ونحوها. بل ربما يترقى من
ذلك فتمنع المرأة من حق إبداء الرأي الذي من أبرز مظاهره حق الإنتخاب.
جواب الإستدلال:
ولكن الذي نعتقده أن هذه الروايات لا تشمل جميع النساء، بل الظاهر أنه حديث يوافق
طبع النساء في تلك الأزمنة حيث كن يمنعن أزواجهن من المشاركة في الجهاد والقتال،
ويشجعنهم على تفضيل مصالحهم الدنيوية على أمورهم الدينية وتكاليفهم الشرعية. وإلا
فإننا نقطع بأن هناك نساء قد بلغن مرتبة من الوعي والإدراك ربما فاقت الرجال، وقد
حكى القرآن الكريم قصصاً عنهن كملكة سبأ وزوجة فرعون ومريم عليهما السلام.
وهناك نساء ثبت تاريخياً علو شأنهن في هذا المقام كالسيدة خديجة (عليها السلام)
وابنتها القديسة الطاهرة الشهيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) والسيد الحوراء زينب
(عليها السلام) التي قامت بدور في كربلاء أهم بكثير من موقع الإستشارة، وكثيرات
غيرهن.
وعصمة السيدة الزهراء وابنتها السيدة زينب عليهما السلام وإن كانت مخرجة لهما عن
تلك العمومات، لكن ليس للعصمة موضوعية بل المخرج لهما عن تلك الروايات كونهما في
مرتبة من الوعي والكمال تنفي معهما الآثار السلبية المترتبة على استشارة النساء.
وهذه المرتبة ليست منحصرة بالعصمة بل تشمل ما دونهما.
كما أننا نجزم بأن هذه الروايات لا تشمل صورة لما لو أمرت زوجها بما فيه طاعة لله
تعالى ورسوله وبما فيه حسن الأخلاق. ومما يؤكد ذلك الروايات التي مدحت المرأة وبينت
قابلياتها.
روايات في مدح النساء:
فقد وردت روايات تمدح بعض أصناف النساء مدحاً عظيماً:
منها: أن رجلاً جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إن لي زوجة إذا دخلت
تلقتني وإذا خرجت شيعتني وإذا رأتني مهموماً قالت لي: ما يهمك إن كنت تهتم لرزقك
فقد تكفل لك به غيرك وإن كنت تهتم لأمر آخرتك فزادك الله هما. فقال رسول الله (صلى
الله عليه وآله): (إنّ لله عمالاً وهذه من عماله لها نصف أجر شهيد)[104].
فانظر إلى رجاحة عقلها وشدة إيمانها وتوكلها على الله تعالى، وهذه صفات يقل وجودها
في الرجال، فهل ترى أن مثل هذه المرأة لا يجوز أن تستشار.
ومنها: ما روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنه قال في حديث عن صفات الزوجة:
(خير الجواري ما كان لك فيها هوى وكان لها عقل وأدب)[105].
وما نفع العقل والأدب إن لم يكن ينتفع بهما.
مقارنة واستنتاج
فالروايات المذكورة تدل على أن المقصود من الروايات الأولى التنبه والحذر من النساء
الشريرات اللاتي يقدن أزواجهن إلى ما لا يحمد عقباه. وهذه الظاهرة نجدها في كل
العصور، حتى هذا العصر الذي يعد من العصور المتقدمة ومن عصور العلم والنور.
وبالتأكيد فإن هذا النوع من النساء لا يجوز طاعتهن إن كن يهدفن إلى ما حرمه الله
وإلى تجاوز حدود شرع الله تعالى. خاصة إذا ما لاحظنا أن الرجل قد يتسرع عادة في
تنفيذ رغبات المرأة ومطالبها، فكان لابد من دعوته إلى التمهل حتى لا يندم ويقع فيما
لا يحمد عقباه دنيوياً وأخروياً.
أما الحذر تجاه الخيار منهن فهو تجاه نوع خاص منهن لا من جميع خيارهن، أي الحذر من
النساء الخيرات اللاتي يمكن أن يطمعن بالمنكر. أما اللاتي علم أنه لا طمع لهن
بالمنكر فهن غير مشمولات بهذه النصوص.
والمستخلص من النصوص أن النساء ثلاثة أصناف:
صنف يعد من الأشرار. وصنف يعد من الأخيار، لكن يمكن أن يطمعن بالمنكر. وصنف يعد من
الأخيار ولا طمع لهن بالمنكر.
ولكل صنف من هذه الأصناف حكمه، فلا يجوز لنا أن نخلط حكم هذا الصنف بحكم صنف آخر
ونظلم صنفاً بصنف آخر.
فالروايات التي نهت عن استشارة النساء ليست في مقام بيان حكم تكليفي بل هي إرشادية
إلى عدم استشارة ذات المواصفات المعينة، كما أنه لا تحسن إستشارة الذي يحمل تلك
المواصفات وإن كان رجلاً.
ثم إن ذلك التقسيم يوجد في الرجال أيضاً، فيجري عليهم ما يجري على النساء. لكن
التركيز في الروايات كان على النساء لأن الرجل محتاج إلى مثل هذا التنبيه ولذا نجد
أن تلك الروايات في أغلبها تتحدث عن المرأة الزوجة لا المرأة الأخت أو المرأة الأم.
ولكن من خلال نظرة واقعية للحياة ولما هو عليه حال المرأة الشرقية والغربية على حد
سواء، نجد أن أغلبهن من الصنفين الأولين مما يفقدهن شرط أهلية القيادة. أما اللواتي
جاهدن أنفسهن وسمت أرواحهن وتلبسن لباس الإسلام وأخلاقه ومفاهيمه، فمثل هذه المرأة
لن تُقبل على هذا المنصب ولن تكون أفكارها كأفكار بعض أخوات عصرنا، إذ يكفي تلك
المرأة حتى لا تهتم بذلك الشأن أن تعلم أن الإسلام لا يرجح لها ذلك، وأنه يدعوها
إلى اجتناب الإختلاط مع الرجال قدر الإمكان إلا مع الضرورة الدنيوية أو الدينية غير
ملتفتة إلى الأوهام والأباطيل.
ولكن ما أقل الرجال المتصفين بالصفات المذكورة والنساء أقل، كما يشهد به واقعنا
الإجتماعي على اختلاف العصور سواء أردنا رؤيته أم تعمدنا إغفاله.
_____________________
[1] الأحزاب: 6.
[2] النساء: 59.
[3] ولعله لأجل هذا قال الإمام الخميني لأعضاء مجلس الشورى الإسلامي (المجلس
النيابي): (لما كان كلام السادة النواب يُبث إلى الناس فقد يحصل سوء فهم لديهم، لذا
رأيت من الواجب علي أن أنبه حول الآيات والروايات المختصة بالمعصومين عليهم السلام
والتي لا تشمل الفقهاء وعلماء الإسلام العظام فضلاً عن عدم شمولها لي. فالفقهاء
الجامعون للشرائط وإن كانوا نواب المعصومين عليهم السلام في جميع الأمور الشرعية
والسياسية والإجتماعية وفي تولي الأمور في زمن الغيبة الكبرى لكن هذا غير الولاية
الكبرى المختصة بالمعصوم عليه السلام. فالذي أريده منكم أن لا يكون في كلامكم ما
يوجب الإبهام وأن يُفصل بين الأمرين). ( صحيفة النور ج11 ص 237).
[4] بعض ما ذكرناه في هذا الفصل مأخوذ من كتاب الحكومة الإسلامية للإمام الخميني
(رحمه الله) ص 25.
[5] في النظرية الإسلامية المستندة إلى المذهب الإمامي الإثني عشري يشترط في الإمام
والخليفة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) العصمة وهي مرتبة أعلى بكثير من مرتبة
العدالة.
[6] عندما نطلق كلمة النص في هذا الكتاب فإننا نريد به آية أو رواية عن الرسول (صلى
الله عليه وآله) أو عن أحد الأئمة عليهم السلام ولا نريد به كلمات العلماء.
وإنما ذكرنا هذا التوضيح لأن الذي يظهر من كلمات بعض الباحثين على ما قيل الخلط بين
الأمرين وجعل الجميع من النصوص، وهو إن صح اصطلاح خاص بهم لا يعنينا كما لا يعني
علماءنا.
[7] يونس:59.
[8] يونس: 36.
[9] وسائل الشيعة للحر العاملي (رحمه الله) ج18 باب 4 ح10 من أبواب صفات القاضي دار
المكتبة الإسلامية.
[10] المصدر السابق الحديث 3. ومعنى تدين تلتزم.
[11] والمتسالم عليه عند علماء الشيعة الإمامية أنه عندما نريد فهم النص القرآني
يجب مراجعة نصوص المعصومين (عليهم السلام) المتعلقة بذلك النص أولاً.
[12] إن أغلب ما ذكر في هذا الفصل مأخوذ من كتاب البيع للمقدس للإمام الخميني (رحمه
الله) ج2 ص 467.
[13] الوسائل الباب 8 من أبواب صفات القاضي الحديث 50 الجزء 18.
[14] المصدر السابق الحديث 53.
[15] يقسم علماء أصول الفقه مدلول الكلام إلى أقسام منها ما هو واضح المعنى ومنها
ما هو مجمل. وواضح المعنى ينقسم إلى قسمين منه ما هو نص في المعنى أي يستهجن
ويستغرب فرض أي معنى آخر له أو يمتنع فرض أي معنى آخر له، ومنه ما هو ظاهر أي يكون
هذا المعنى هو ما يفهمه العرف من الكلام بعد الإلتفات إليه والى القرائن التي تحيط
به، وإن كان لا يمتنع ولا يستهجن أن يراد من الكلام معنى آخر، لكن لا نستطيع حمل
الكلام على هذا المعنى الآخر في هذه الحال إلا بقرينة تدل على إرادة ذلك المعنى
الآخر. فالنص إن وصف به اللفظ باعتبار صدوره فالمراد به القرآن وما يصدر عن
المعصومين عليهم السلام، وإن وصف به باعتبار المعنى فالمراد ما ذكرنا هنا.
[16] صفحة 271 من كتاب الخمس من سلسلة محاضرات في فقه الإمامية للميرزا السيد محمد
هادي الميلاني (رحمه الله).
[17] أصول الكافي للكليني (رحمه الله). جزء 1 ص 29 باب فقد العلماء الحديث 3.
[18] معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج11 ص 226 منشورات مدينة العلم في قم. الطبعة
الثالثة بيروت.
[19] إصطلاح (أصحاب الإجتماع) معنى معروف عند العلماء والمراد منه: أن هناك جماعة
من رواة الحديث قد اتفق العلماء وأجمعوا على أنهم لا يروون إلا عن ثقة وأنهم إذا
رووا رواية يكون سند الرواية من عند هذا الراوي محكوماً بالصحة، وقد اختلف العلماء
في صحة هذه الدعوى وعدمها. والقدر المتيقن منها عند بعض العلماء هو الحكم بوثاقة من
يروي عنه أحد هؤلاء الذين يقرب عددهم من ثمانية عشر رجلاً. وعدد الخمسين المذكور في
المتن هو بلحاظ رواية هؤلاء أو بعضهم مع جملة من الأجلاء غير المعدودين من أصحاب
الإجماع.
[20] معجم رجال الحديث المصدر السابق.
[21] أصول الكافي ج1 باب فقد العلماء ص 29 ح2.
[22] أصول الكافي ج1 ص 37 ح5 باب المستأكل بعلمه.
[23] مستدرك الوسائل للمحدث الشيخ حسين النوري الباب 35 من أبواب ما يكتسب به
الحديث 8 من كتاب التجارة.
[24] وسائل الشيعة للحر العاملي ج18 باب 11 من أبواب صفات القاضي ناقلاً ذلك عن
كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة للشيخ الصدوق وعن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي.راجع
كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص 176 وما بعدها إصدار مكتبة نينوى الحديثة طهران. وقد
ذكر البعض أن إسحق بن يعقوب هو أخو الكليني وهو أمر لم يثبت.
[25] أما الوقائع المرتبطة بالشأن الشخصي فأمر تشخصيها للمكلف نفسه، كما لو شك أن
هذا الماء الذي أمامه طاهر أو نجس وليس شأنها أن يسأل عنها الإمام المعصوم عليه
السلام.
[26] الوسائل الباب 3 من أبواب صفات القاضي الحديث 2.
[27] المصدر السابق الحديث 3.
[28] النساء: 60.
[29] المصدر السابق الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 1.
[30] الوسائل الجزء 18 باب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث السادس.
[31] وإن كان يستفاد من الروايتين أنه لابد من بديل بعد النهي. فالرواية من أدلة
ضرورة تشكيل حكومة إسلامية لا كون الحاكم هو الفقيه.
[32] أصول الكافي ج1 كتاب فضل العلم باب ثواب العالم والمتعلم ح1 ص 26.
[33] الوسائل الباب8 من أبواب صفات القاضي الحديث 2. وأصول الكافي كتاب فضل العلم
باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء ص 24 ح2.
[34] الخطبة الشقشقية من نهج البلاغة ص 48 شرح الشيخ صبحي الصالح وج 1 ص 31 من شرح
الشيخ محمد عبده.
[35] الوسائل الباب7 من أبواب صفات القاضي الحديث 18.
[36] مثل كتاب أصول الكافي الجزء الأول.
[37] نشير هنا إلى أن هذا الحصر إنما هو باعتبار العلماء المفروض أنهم الورثة الذين
تحدث عنهم الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا دخل لهذا الحصر بما إذا كان الورثة من
الأرحام فهذا عنوان آخر. فلو قلت لزيد أنني لن أعطي الطلاب أي مبلغ من المال فهذا
لا يعني أنني لن أعطي أبني أو أحداً من أهلي.
أو يقال بأن الملحوظ من الإرث هنا الجانب العام في شخصية الرسول (صلى الله عليه
وآله) وليس الجانب الشخصي بعنوان أنه أب أو نحو ذلك. فالأمران على التقديرين
مختلفان.
[38] ص338 من الفقه المنسوب للإمام الرضا عليه السلام تحقيق مؤسسة أهل البيت عليهم
السلام لإحياء التراث، نشر المؤتمر العالمي للإمام الرضا عليه السلام الطبعة الأولى
سنة 1406هجري. ص 338.
[39] مستدرك الوسائل باب 11 من أبواب صفات القاضي.
[40] المصدر السابق.
[41] يوصف سند الرواية أحياناً بالمرسل وعرفه الشهيد الثاني في كتاب الدراية بأنه
ما رواه عن المعصوم من لم يسمع الحديث عنه سواء كان الراوي صحابياً أو تابعياً أو
غير ذلك وسواء كان الساقط من السند شخصاً واحداً أو أكثر.
[42] تحف العقول ص 237 نقلاً عن دراسات في ولاية الفقيه للشيخ المنتظري ج1 ص 312.
[43] المائدة: 63.
[44] نهج البلاغة شرح الشيخ صبحي الصالح ص50، وشرح الشيخ محمد عبده ج1 ص 36.
[45] قيل هو موجود في سنن البيهقي ج7ص105. ومثله روى في مستدرك الوسائل عن دعائم
الإسلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (السلطان وصي من لا وصي له والناظر
لمن لا ناظر له). راجع المستدرك ج14 ص 139.
[46] (المصادرة على المطلوب) كلام يطلق حيث يكون من الإستدلال على الشيء بنفسه
مباشرة أو غير مباشرة، كما لو قلت مثلاً الظن دليل لأن الظن قال لنا ذلك.
[47] هذه المناقشات هي عموماً مناقشات ذكرها الفقهاء في كتبهم الفقهية وعالجوها
فراجع مثلاً كتاب البيع للإمام الخميني (رحمه الله).
[48] من ذلك ما رواه الحر العاملي في وسائل الشيعة نقلاً عن الكافي بإسناده عن
المفضل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: أكتب وبث علمك في إخوانك فإن
مت فأورث كتبك بنيك فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه بغير كتبهم. راجع
ج18 الباب 8 من أبواب صفات القاضي.
[49] وسائل الشيعة للحر العاملي ج6 الباب 41 ح1 وغيره من أبواب الصدقة من كتاب
الزكاة. وج11 الباب الأول من أبواب فعل المعروف ح2.
[50] تجد الروايتين في الوسائل الباب 3 من أبواب الأنفال الحديث 2 و6.
[51] الحج: 40 ، 41.
[52] الكهف: 28.
[53] النساء: 141.
[54] آل عمران: 28.
[55] المائدة: 57.
[56] الوسائل الباب 18 باب 3 من أبواب صفات القاضي.
[57] نهج البلاغة شرح الشيخ صبحي الصالح ص 452 وشرح الشيخ محمد عبده ج3 ص 120.
[58] أصول الكافي الجزء1 كتاب الحجة باب ما يجب من حق الإمام على الرعية ح8.
[59] نهج البلاغة شرح الشيخ صبحي الصالح ص 50 وشرح الشيخ محمد عبده ج1 ص 36.
[60] نهج البلاغة شرح الشيخ صبحي الصالح ص 439 وشرح الشيخ محمد عبده ج3 ص 102.
[61] أصول الكافي جزء 1 كتاب الحجة باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته ص 157.
[62] نهج البلاغة شرح الشيخ صبحي الصالح ص 247 وشرح الشيخ محمد عبده ج2 ص 86.
[63] نهج البلاغة شرح الشيخ صبحي الصالح ص 325 وشرح الشيخ محمد عبده ج2 ص 187.
ومعنى يتبيغ أنه يهيج الألم فيهلكه على ما ذكره الشيخ صبحي الصالح.
[64] عهد الأشتر في نهج البلاغة شرح الشيخ صبحي الصالح ص 430 وشرح الشيخ محمد عبده
ج3 ص 87.
[65] نهج البلاغة شرح الشيخ صبحي الصالح ص 488 وشرح الشيخ محمد عبده ج4 ص 26.
[66] نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده ج2 ص 4 شرح الشيخ صبحي الصالح ص 189.
[67] جاء في لسان العرب تحت مادة حسب: (والحسبة مصدر احتسابك الأجر على الله تقول
فعلته حسبة وأحتسب فيه احتساباً والإحتساب طلب الأجر والإسم الحسبة بالكسر وهو
الأجر، وفي الحديث: من مات له ولد فاحتسبه أي إحتسب الأجر بصبره على مصيبته به.
والجمع الحسب. والإحتساب من الحسب كالإعتداد من العد. وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه
الله أحتسبه لأن له حينئذ أن يعتد بعمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به
والحسبة اسم من الإحتساب كالعدة من الإعتداد. والإحتساب في الأعمال الصالحات وعند
المكروهات هو البدار أي طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر أو باستعمال أنواع البر
والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو منها). (لسان العرب المجلد
الثاني ص 866 طباعة دار المعارف بالقاهرة).
وقال الشيخ فخر الدين الطريحي تحت مادة حسب: وفي الحديث: (من صام شهر رمضان إيماناً
واحتساباً) أي طلباً لوجه الله وثوابه. يقال: (احتسب فلان عمله طلباً لوجه الله
وثوابه) ومنه الحسبة بالكسر وهي الأجر والجمع الحسب.. والحسبة الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر (مجمع البحرين الجزء الثاني ص 41).
[68] وقد استدل بهذا الدليل جماعة من العلماء الفقهاء منهم الشيخ الأنصاري في
مكاسبه والسيد محمد آل بحر العلوم في بلغة الفقيه وكثير آخرون.
[69] العروة الوثقى ج1 المسألة رقم 17 من مسائل الإجتهاد والتقليد.
[70] مستمسك العروة الوثقى للسيد محسن الحكيم ج1 ص 36.
[71] التنقيح في شرح العروة الوثقى ج1 ص 203.
[72] أجوبة الاستفتاءات ج1 ص 9 المسألة 15 الطبعة الثالثة طباعة الدار الإسلامية.
[73] وهذا الدليل تارة يصاغ بلحاظ حال المكلف وأخرى يصاغ بلحاظ الرأي الإجتهادي
للفقيه. أي إننا تارة نريد أن نبين ماذا يحكم العقل للمكلف العقل للمكلف غير الملم
بالأدلة وغير الفقيه عند إرادة التقليد وتارة نريد أن نبين ما يفهمه الفقيه وما
يلزمه به العقل في مقام الإفتاء. وباختلاف هذين الأمرين قد نجد بين من يجمع فتويين:
الأولى تقول: يجب على المكلف أن يقلد الأعلم في مسألة تقليد الأعلم. بحيث لو أراد
تقليد غير الأعلم يجب أن تكون فتوى الأعلم. بحيث لو أراد تقليد غير الأعلم يجب أن
تكون فتوى الأعلم هي الرجوع إلى غيره.
والثانية تقول: يجوز تقليد غير الأعلم في الأحكام الشرعية. ولا تناقض بين
المسألتين. والسبب أن الأولى تعبر عن راي شخص المكلف والفقيه يرشده إلى حكم العقل
بحقه والثانية تعبر عن الرأي الفقهي للفقيه المجتهد. ومن المعلوم أن تقليد الأعلم
أمر يجب على المكلف أن يحسمه ولا يقلد فيها ولما لم تكن للمكلف الإمكانية الفقهية
للجواب عن هذا السؤال كان عليه الرجوع إلى أصل عقلي يملكه يدله على ضرورة الرجوع
إلى الأعلم في مسألة من يقلد. وإنما لا يمكن التقليد في هذه المسألة لأنه يلزم
الدور لأننا إن أمرنا المكلف بتقليد الأعلم يحق له أن يسألنا ما هو الملزم لي
بتقليد الأعلم إن قلنا له قول الأعلم بقي السؤال على حاله ولزم الدور. وإن قيل اختر
من تشاء وهنا يحق له أن يسأل هل أنا مخير وما الدليل على التخيير. ولذا أرشده
العلماء إلى ضرورة ان يراجع عقله الذي يجده أمام احتمالين:
إما تقليد الأعلم وإما تقليد من يشاء سواء اختار الأعلم أم اختار غيره. وحيث أن
الأصل في التقليد عدم الجواز إلا من قام الدليل على جواز تقليده فعند دوران الأمر
بين تعين الأعلم للتقليد وبين التخيير فالأصل مع التعيين فعلى المكلف أن يحتاط
لنفسه بأن يقلد الأعلم في مسألة من يقلد لأنه الوحيد الذي يمكن للمكلف أن يحصل
براءة ذمة في أفعاله. ذلك أن تقليد الأعلم جائز على كل حال بينما تقليد غير الأعلم
مشكوك والأصل عدم براءة الذمة بتقليده فيحتاط لزوما بتقليد الأعلم وهذا ما يقوله
العقل للمكلف. وهذا الدليل قد يعتمده الفقهاء أيضاً في أقوالهم وهو عادة دليل كل من
أمر بتقليد الأعلم من باب الإحتياط. وعلى كل حال فمحل كلامنا في المتن ليس حكم
العقل بلحاظ فهم المكلف بل بلحاظ فهم العلماء.. ونحن نوافق على أن حكم العقل بلحاظ
حال المكلف يوجبه بالرجوع إلى الأعلم.
[74] كتاب سليم بن قيس ص 118. نقلاً عن دراسات في ولاية الفقيه ج1 ص 303. وسليم بن
قيس ثقة لكنهم اختلفوا في صحة ما وصلنا من كتابه باعتبار أن رواته ليسوا بالثقاة.
سورة يونس، الآية 35.
[75] المحاسن جزء1 كتاب عقاب الأعمال الحديث 49 ص 93 طباعة دار الكتب الإسلامية.
[76] دراسات في ولاية الفقيه للشيخ المنتظري ج1، ص 304.
[77] بحار الأنوار جزء 90 ص 44 و45و 64 باب ما ورد في أصناف آيات القرآن.
[78] الوسائل الباب 10 من أبواب حد المرتد الحديث 36.
[79] الإختصاص ص 251 منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة.
[80] الوسائل ج11، الباب 13 من أبواب جهاد العدو الحديث 1.
[81] وللسيد الخوئي (في التنقيح ج1 ص 204) محاولة لتطبيق المعنى الذي ذكره للأعلمية
على المفاهيم العقلائية. قال مستدلاً على التعريف الذي نقلناه سابقاً: إن حال
الأعلم في الفقه حال الأعلم في بقية الحرف والعلوم فكما أن الأعلم في الطب الهندسة
والتجارة وغيرها هو الذي يكون أعرف من غيره بتطبيق الكبريات على صغرياتها وأقوى
استنباطاً لها عن قواعدها وهو موقوف على المعرفة بالكبريات وحسن السليقة في تطبيقها
على مصاديقها ولا يكفي في الأعلمية مجرد كون الطبيب أقوى في الكبريات أو أكثر
اطلاعاً على الأمثال والفروع بل لابد مضافاً إلى إحاطته بأقسام المرض وطرق معالجتها
وأدويتها أن يكون أعرف بتطبيق كبرياتها على مصاديقها فكذلك الحال في المقام
(الفقه).. وذلك لأن الحكم بوجوب تقليد الأعلم لم يرد في شيء من الأدلة اللفظية..
وإنما الحكم بوجوب تقليده مستند إلى بناء العقلاء أو العقل من باب قاعدة الإشتغال
ولا شبهة في أن الأعلم الذي يجب تقليده لدى العقلاء أو العقل إنما هو بالمعنى الذي
ذكرناه أي الأعرف بتطبيق الكبريات على مصاديقها).
[82] ومن أغرب ما نراه في هذا المجال أنه إذا أصبح المكلف الذي يقلد فقيها في ضيق
من بعض آرائه فإننا نجد عالما آخر يخالف ذلك الفقيه في الرأي يقترح على المكلف
العدول عن ذلك الفقيه في تلك المسألة لأن العالم الذي خالف ذلك الفقيه يجزم لذلك
المكلف أو يشككه بأن فقيهه ليس هو الأعلم بهذه المسألة. طبعاً نحن لا ننكر إمكانية
أن يكون شخص أعلم من غيره في مسألة أو باب لكن يجب صون هذا الأمر عن أن يظهر بشكل
يعبر عن هوى يلبس ثوب العلم.
[83] النساء: 89.
[84] روى في وسائل الشيعة الباب 30 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه ج14 عن الصدوق
والكليني بإسنادهما أن الحسين بن بشار الواسطي قال كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه
السلام: إن لي قرابة قد خطب إلي وفي خلقه سوء. قال: لا تزوجه إن كان سيء الخلق.
[85] يونس: 59.
[86] قد ذكرنا فيما سبق تعريف الإجماع والذي نريده هنا بيان أقسامه لأن ما ذكرناه
في المتن متوقف عليه. فقد قسموا الإجماع إلى قسمين: المحصل والمنقول. ويراد بالأول
ما يحصّله بنفسه الباحث من آراء للعلماء وتتبع يتضح من خلاله وجود الإتفاق. ويراد
بالثاني أن يُنقل للباحث الإجماع دون أن يحصله بنفسه.
والإجماع الذي يجعل من الأدلة هو الإجماع المحصل لا المنقول الذي اختلفوا في قيمته
شرعاً.
ثم قسموا المحصل إلى أقسام: التعبدي والمدركي ومحتمل المدركية. والأول هو الإتفاق
الذي ليس له وجه ظاهر يمكن أن يكون الفقهاء قد اعتمدوا عليه في إصدار الفتوى.
والثاني هو الذي علمنا أن المجمعين قد اعتمدوا على أدلة محددة اتفقوا على دلالتها
أو علمنا بأدلة المجمعين وإن كان لكل قسم منهم دليل خاص بهم. والثالث أن يكون لدينا
في النصوص والوجوه العقلية ما يمكن أن يكون مستنداً للمجمعين. والإجماع الذي يعتبر
حجة عند العلماء هو التعبدي أما المدركي فقد أخرجوه عن قاعدة الإجماع لأن الإتفاق
لم يأت بجديد غير الدليل أو الأدلة التي استندوا إليها. أما محتمل المدركية فإنه
وإن كان يمكن أن يدخل في التعبدي لكن الجزم به عادة صعب ما دام هناك احتمال أن يكون
المجمعون قد اعتمدوا على ذلك الدليل أو الوجه. ففي المدركي أو محتمل المدركية نناقش
المدرك فإن تم لدينا أخذنا به مثلهم وإلا رفضنا القول الذي قالوه. وهذا الأمر له
شواهد كثيرة في الفقه فقد كانت تمر عصور يكون فيها إتفاق على رأي ثم يظهر للذين
يأتون بعدهم ضعف الأدلة وينقلب الرأي ثم يصبح هذا الرأي الجديد متفقاً عليه بين
العلماء.
[87] الخصال ج3 ص 585 أبواب السبعين وما فوقه ح12.
[88] راجع وسائل الشيعة ج18 الباب الثاني من أبواب صفات القاضي. وج14 باب 23 من
أبواب مقدمات النكاح. كما نُقل عن سنن البيهقي ج10 ص 118.
[89] الخلاف للشيخ الطوسي ج3 ص 311. نقلاً من كتاب دراسات في ولاية الفقيه ج1 ص
354.
[90] صحيح البخاري شرح الشيخ قاسم الرفاعي طباعة دار القلم الجزء السادس كتاب
المغازي باب كتاب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى كسرى وقيصر ص 316 وتمام الحديث
هكذا: حدثنا عثمان بن الهيثم حدثنا عوف عن الحسن عن أبي بكرة قال لقد نفعني الله
بكلمة سمعتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيام الجمل بعدما كدت أن ألحق
بأصحاب الجمل فأقاتل معهم قال لما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أهل فارس
قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.
[91] مسند أحمد ج5 ص 38، نقلاً عن دراسات في ولاية الفقيه ج1 ص 353.
[92] كنز العمال ج6 ص 40الباب 1 من كتاب الإمارة من قسم الأقوال. نقلاً عن دراسات
في ولاية الفقيه ج1 ص 354.
[93] سنن الترمذي ج3 ص 361. نقلاً عن دراسات في ولاية الفقيه ج1 ص 355.
[94] الخصال وقد تقدم.
[95] قاله الشيخ المنتظري في كتابه دراسات في ولاية الفقيه ج1 ص 354. وقد ناقش
علماء الأصول في صحة نظرية رفع ضعف الخبر بعمل المشهور. واعلم أن الشهرة إنما تكون
جابرة لضعف الخبر إن علم إستناد المشهور في فتواهم على الخبر لا مجرد انطباق الفتوى
مع مضمون الخبر.
[96] النساء: 34.
[97] وسائل الشيعة ج14 الباب 24 من أبواب مقدمات وآداب النكاح الحديث الثاني.
[98] وسائل الشيعة ج14 الباب 94 من الأبواب السابقة الحديث السابع.
[99] المصدر السابق الباب 96 الحديث الثالث.
[100] المصدر السابق، الحديث الرابع.
[101] المصدر السابق الباب 94 الحديث الثاني.
[102] المصدر السابق، الباب 95 الحديث الأول.
[103] المصدر السابق الباب 94 الحديث الأول.
[104] وسائل الشيعة ج14 باب 6 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه ح14.
[105] المصدر السابق الباب الخامس.