
الفقرة (1)
في أعداد الصلوات
الصلوات إما واجبةٌ أو مستحبةٌ، والواجبة كلُّها مؤقتة، ولكنها قد تكون يوميةً
كصلاة الصبح وقد لا تكون كصلاة الآيات.
والمستحبة قد تكون مؤقتةً وقد لا تكون، والمؤقتة قد تكون يوميةً وقد لا تكون.
فاليومية كصلاة الليل ونافلة الفجر، وغيرها المؤقت كصلاة أول الشهر ونافلة شهر
رمضان، وأما غير المؤقت فهو لا حساب له، وإنما يندرج تحت قوله : [الصلاة خير
موضوعٍ من شاء أقلَّ ومن شاء أكثر][[274]].
وأهمُّ ما هو ملفتٌ للنظر في هذا الصدد، عدة أمور:
الأمر الأول: إنَّ أغلب النوافل المؤقتة غير اليومية، لم ترد بدليلٍ معتبرٍ فقهياً،
وإنما يأتي بها الفرد رجاء المطلوبية، باعتبار ما ورد من أنَّ [من ورده ثوابٌ على
عملٍ فعمله كان له ذلك الثواب، وإن كان رسول الله 9 لم يقله][[275]]. وهو ما يسمى
فقهياً بالتسامح بأدلَّة السنن.
لا يختلف في ذلك بين ما كان لها سببٌ زمانيٌّ، كصلاة أول الشهر، أو سببٌ غير
زمانيٍّ كصلاة الوالدين.
لكن يستثنى من ذلك بعض الصلوات، مثل نافلة رمضان وصلاة الإستسقاء وصلاة العيدين مع
عدم اجتماع الشرائط للوجوب، فإنها جميعاً ثابتةٌ بدليلٍ معتبر، ولعلَّ ما سواها كله
خارج عن هذا الصدد.
الأمر الثاني: إنه من المعروف أنَّ النوافل اليومية ضعف الفرائض اليومية. فالفرائض
سبع عشرة ركعة، والنوافل أربعٌ وثلاثون ركعة، فيكون المجموع إحدى وخمسين ركعةً،
التي هي من علامات المؤمن حيث ورد: [إنَّ علامات المؤمن خمسٌ: التختم باليمين
وزيارة الأربعين والصلوات الإحدى والخمسين وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن
الرحيم][[276]]. كما أتذكر إنه ورد في علامات المؤمن ثلاث: [إفشاء السلام، وإطعام
الطعام، والقيام بالليل والناس نيام][[277]].
هذا وقد ورد: إنَّ النوافل تسدُّ النقص الحاصل في الفرائض، حيث يقول الإمام ما
مؤداه: [إنَّ للمصلي من صلاته ما حصل فيه الذكر والتوجه، فإن كان نصفاً فله نصفها،
وإن كان ربعاً فله ربعها، وإن لم يكن فيها توجهٌ لُفَّت وضُربت في وجهه. فقيل له:
إذن هلكنا يا ابن رسول الله. قال: إنَّ الله جبر الفرائض بالنوافل][[278]]. أقول: إذ
لعلَّ التوجه الذي نقص من الفريضة يحصل في النافلة.
هذا، فكيف إذا لم تنقص الفرائض من الذكر والتوجه، وكيف إذا لم تنقص النوافل منه،
وإن كان ذلك لا يكون إلا للأوحديِّ من الناس، وقد ورد: [إنَّ من صلى ركعتين لا يذكر
فيها إلا الله سبحانه خرج من ذنوبه كما ولدته أمه][[279]].
الأمر الثالث: إنَّ القاعدة في النوافل أن تكون ركعتين ركعتين كصلاة الصبح، وكلما
ورد منها فهو زوجيُّ العدد، حتى لا يحتاج معه إلى صلاة ركعةٍ أو صلاة ذات ثلاث
ركعات.
لا يستثنى من ذلك: إلا صلاة الوتر، فإنها ركعةٌ واحدة، وقيل بإمكان دمجها مع الشفع
فتكون صلاةً واحدةً ثلاثية. كما يستثنى منه صلاة الوتيرة، وهي ركعتان من جلوس، لو
اعتبرناها ركعةً، باعتبار ما ورد: [من أنَّ كلَّ ركعتين من جلوسٍ تعدُّ ركعةً من
قيام][[280]]. وسيأتي بعض الحديث عن ذلك.
كما يستثنى من ذلك صلاة الأعرابي، فإنها ذات أربع ركعات، إلا أنَّ الدليل الدالَّ
عليها غيرُ تامٍّ سنداً. وإنما تثبت بأدلةِ التسامح بأدلة السنن.
وأما الفرائض ففيها الرباعية والثلاثية والثنائية، كما هو معروفٌ، بل فيها الركعة
الواحدة، وهي صلاة الإحتياط. وفيها عشرة ركعات, وهي صلاة الآيات إذا عددنا كلَّ
ركوعٍ بركعة، وإن كان خلاف المشهور.
الأمر الرابع: ما ورد من أنَّ كلَّ ركعتين من جلوسٍ تعدان بركعةٍ من قيام، وإن كان
ذا سندٍ معتبر, إلا أنه من الصعب فقهياً أن نعتبره قاعدةً عامة، ونتمسك بإطلاقه
لكلِّ الصلوات، ومعه فقد يكون من الأفضل حمله على أنَّ ثواب الركعتين من جلوسٍ
كثواب الركعة. نعم، لو أراد الفرد المزيد من الثواب أو تداركه أمكنه التكرار، فيما
هو قابلٌ للتكرار.
إذ من الواضح: أنَّ الفرائض كلها ليست كذلك، سواءٌ كانت يوميةً أم لم تكن، فلو كان
تكليف الفرد الصلاة جلوساً فيها، لم يجب, بل لم يجز أن يحسب الركعتين بركعة، وهذا
واضحٌ فقهياً بلا جدال.
كما إنَّ الأمر في النوافل ما يقرب من ذلك، إذ من الصعب القول فقهياً: إنَّ
بالإمكان جعل صلاة العيدين حال استحبابها أربع ركعات جلوساً، وصلاة الإستسقاء أربع
ركعات، وصلاة الشفع أربع ركعات، وصلاة الوتر ركعتين.
ولا أقل فقهياً: من أنَّ الفرد حين ينتهي من الركعتين الأوليين، يحتاج إلى دليلٍ
معتبرٍ لمطلوبية الركعتين التاليتين بنفس العنوان [كصلاة الشفع] بصفتها استمراراً
لها. وإذا لم يكن ذلك الدليل موجوداً, كانت الركعتين التاليتين تشريعاً محرَّماً،
ولا مجال لها فقهياً.
فإن قيل: إنَّ ذلك الدليل المعتبر الدالَّ على أنَّ الركعتين من جلوسٍ تعدُّ بركعةٍ
من قيام، كافٍ في ذلك.
قلنا: كلا، إذ من الصعب أن نفهم منه الصلاة بعد إنجازها جلوساً قد انتهى نصفها وبقي
النصف الآخر مطلوباً، فإنها دلالةٌ التزاميةٌ مستبعدةٌ عرفاً.
مضافاً إلى إمكان التساؤل: عما إذا كان الكلام وغيره بين الركعتين الأولى والثانية
ممكناً أم لا، فإن قلنا: إنه غير ممكن، كان ذلك على خلاف الضرورة الفقهية، لأنَّ
الفرد ليس في حال الصلاة، فلماذا يمنع من الكلام.
وإن قلت: إنَّ الكلام جائزٌ، قلنا: كلا، لأنَّ الفرد عندئذٍ يكون قد انتهى من ركعةٍ
من قيام، وبدأ ركعةً أخرى، ومن الواضح أنه ليس بين الركعتين كلامٌ، وإلا بطلت
الصلاة.
وبتعبيرٍ آخر: إنَّ الدلالة الإلتزامية ـ لو كانت ـ لذلك الدليل: بأنَّ صلاة الشفع
مثلاً تستمرُّ إلى أربع ركعات، دلَّ ذلك بالإلتزام: أنَّ الفرد بين الركعة الثانية
والثالثة هو في الصلاة، وإن تشهد وسلم، لأنَّ كلَّ ركعتين تعدان بركعة، فهو الآن
بين ركعتين أو في داخل الصلاة، فلا يجوز أن يتكلم أو يأتي بأيِّ مبطل، وإلا بطلت
صلاته، وهذا غير محتملٍ فقهياً. إذن، فالتمسك بهذا الدليل كقاعدةٍ عامةٍ غير محتملٍ
فقهياً.
الأمر الخامس: إنَّ في الشريعة ما هو واضح الحكمة لنا، ومنه ما هو غامضٌٌ لا ندرك
حكمته.
فإن كان واضح الحكمة، إذن، فالأمر به إنما هو للحصول على تلك الحكمة المطلوبة، ولا
إشكال في ذلك. وكذلك إذا كان فيه درجةٌ من الغموض، إلا أنَّ الأرجح فيه ذلك، أعني
حكمةً معينةً قد تخطر على البال، فإننا إن قبلناها كان ذلك مقنعاً، وإلا أمكن
التسليم بالحكمة الإلهية، وبقصور عقول البشر عن إدراك الواقعيات التي سيقت الشريعة
من أجلها تفصيلاً.
هذا، ولكن قد يكون العمل غامض الحكمة, بحيث لا يمكن إدراكها أصلاً، أو قل: إنَّ
عقولنا تدرك أنَّ مثل هذه الصفة أو تلك قد لا تكون فيها حكمةٌ على الإطلاق، ومن
الصعب أن نتصور فيها وجود أية حكمة.
ومن تطبيقات ذلك: أعداد الركعات، وهو ما نتحدث عنه الآن. فمن الصعب مثلاً أن نتصور:
لماذا كانت صلاة المغرب بثلاث ركعات, وصلاة العشاء بأربع ركعات, بل من الصعب أن
نتصور بإدراكنا أنَّ في ذلك حكمةً على الإطلاق.
إلا أنَّ هذا لا يخلُّ بالحكمة الإلهية المطلقة، وإنما جواب ذلك هو الذي نريد
التنبيه عليه هنا، ويكون ذلك على عدة مستويات.
المستوى الأول: إنَّ ما يكون صعب التصور لنا، قد يكون هو الصحيح في الحكمة الإلهية،
بعد أن نؤمن أنها أزليةٌ وكاملة. ومن هنا فقد تكون هناك مصالحٌ في أعداد الركعات لا
ندرك وجودها, فضلاً عن ماهيتها.
المستوى الثاني: إنَّ هذا ما يسمى فقهياً أو أصولياً بأنَّ المصلحة في الأمر لا في
المأمور به.
وقال الفقهاء: إنَّ ما ثبت في علم الكلام عند العدلية من وجود المصالح والمفاسد، لا
ينحصر ذلك أن يكون في المتعلقات، أعني المأمور به والمنهي عنه، بل قد يكون في نفس
الأمر والنهي، مع إمكان خلوِّ المتعلق من المصلحة, فتكون أعداد الركعات من هذا
القبيل.
المستوى الثالث: إنَّ التربية الإيمانية كما قد تكون على أمورٍ محددةٍ وأهدافٍ
وحِكمٍٍ معلومة. كذلك قد تكون على تربية الفرد على الطاعة العمياء, لو صحَّ
التعبير، أو التعبد المطلق أو التسليم الكامل للشريعة.
وإنه من الضروريِّ للفرد, أن لا يتساءل عن علل الشريعة وحكمها، بل شغله فقط، هو
الإمتثال مع التعبد والتسليم. [فإنَّ دين الله لا يصاب بالعقول][[281]] ،كما قد ورد.
وهذه درجةٌ من الطاعة عاليةٌ تنتج درجةً عاليةً من الثواب المعنويِّ بلا شك.
بل إنَّ العارفين يجردون أعمالهم كلَّها عن مثل هذه المناقشات، ويعتبرون الطاعات
كلَّها من خلال التسليم والتعبد أو الطاعة العمياء، فحتى لو أدرك العقل حكمةً
للتشريع أو أكثر، فلعلَّ الله سبحانه أراد حكمةً أخرى أو هدفاً أعلى غير مدركٍ
لعقولنا، بل لا ينبغي أن يكون لنا أيُّ شغلٍ بالتساؤل عن الحكم والأسباب، بل هو من
سوء الأدب أمام الله سبحانه، بل هو من الشكِّ في الحكمة الإلهية، والعياذُ بالله.
وإنما يلجأ الفرد إلى مثل ذلك في مستوياتٍ دانيةٍ من المعرفة والإيمان، ولعلَّ
محاولة الأعداء لإخراج المسلمين من دينهم وتشكيكهم بعقيدتهم، هي التي أشاعت أمثال
هذه التساؤلات التي هي أقرب للكفر والنفاق منها إلى الإسلام والإيمان.
الفقرة (2)
في أوقات الصلوات
إذا راجعنا المتشرعة واطلعنا على ارتكازهم, لوجدنا بكلِّ تأكيدٍ أنَّ الأوقات تختلف
في درجة الفضل عند الله سبحانه وتعالى, سواءٌ في ذلك أوقاتُ النهار والليل, أو أيام
الاسبوع, أو أيام الشهر, أو أيام[[282]] أشهر السنة.
ولكنَّ ذلك لا يمكن إثباته بالعلم الطبيعي, لوضوح أنَّ الزمان متساوي الأجزاء وجارٍ
على حدٍّ واحدٍ على كلِّ الأشياء.
لكننا بالرغم من ذلك يمكن أن نثبت ذلك على عدَّة مستويات:
المستوى الأول: إنَّ الفضل ليس للزمان نفسه, وإنما شاءت الإرادة الإلهية وجود
التوقيت لكثيرٍ من الواجبات والمستحبات, لمصلحةٍ في الأمر أو في المتعلق كما شرحنا،
باعتبار حرية تلك الإرادة. فالله سبحانه يحبُّ أن يرى عبده متعبداً ومتوجهاً، في
هذا الزمان وذاك، على غير تعيينٍ سوى مجرد الإختيار الإلهيِّ له.
وأما كون هذا المستوى صحيحاً أم لا، فهذا مما لا ينبغي الدخول في تفاصيله، وسيأتي
في المستويات القادمة ما يصلح أن يكون جواباً على ذلك المستوى.
المستوى الثاني: ما دلَّ من القرآن الكريم على اختلاف الأزمان.
وأوضحُ ذلك ما دلَّ على وصف الزمان نفسه بوصفٍ مهمّ، كقوله تعالى: ]مِنْهَا
أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ[[[283]]. وإذا أمكن أن يكون بعض الزمان مهماً, أمكن أن تكون
أجزاءٌ أخرى مهمةً أيضاً, كبرت أو صغرت.
هذا بغضِّ النظر عن قوله تعالى: [أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى
غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرآنَ الْفَجْرِ كَانَ
مَشْهُوداً][[284]]. إذ قد نقول بأنَّ مثل هذه الآية لمجرد التوقيت وليس لوصف الزمن،
فالإستدلال بالآية السابقة أوضح.
المستوى الثالث: ما دلَّ من السنة على أهمية بعض الأزمان بذواتها، فشهر رمضان شهر
الله، وهناك عيد الفطر وعيد الأضحى ويوم عرفة، وليلة القدر، واضحة الأهمية شرعاً
ومتشرعياً بالضرورة في الإسلام.
مضافاً إلى أهمية أيامٍ أخرى بدرجة إثباتٍ أقل، كليلة الجمعة ونصف شهر رجب ونصف شهر
شعبان ويوم التروية ويوم دحو الأرض وغيرها كثير.
المستوى الرابع: إنَّ هذا لا يختلف في معناه عن الأعياد الإجتماعية والمناسبات
القومية لدى الشعوب.
فإذا كان المجتمع العقلائيُّ يدرك أهمية بعض الأجزاء من الزمن، فليس من حقه أن
يستكثر ذلك على الشريعة.
المستوى الخامس: إنَّ إناطة بعض الأمور ببعض الأزمنة طبيعياً، ليس بالقليل ولا
النادر، كإناطة بعض النباتات من الفواكه أو الأزهار، بالربيع أو بالصيف أو بالشتاء،
وإناطة المدِّ والجزر بحركات القمر، ومن أوضح أمثلته: الساعة البايلوجية المربوطة
بساعات الليل والنهار، والتي تختلف حالات الفرد باختلافها، بلا تعرفٍ واضحٍ على سبب
ذلك، ولا حتى بدون أن يعرف الفرد نفسه من نفسه ذلك.
إذن، فالزمان له دخلٌ حتى في العلوم الطبيعية، فلماذا يستكثر ذلك على الشريعة أو
يستشكل منها؟.
الفقرة (3)
أهمية الأزمنة الشرعية
قلنا في بعض كتبنا السابقة[[285]]: إنَّ ما يمكن أن ندركه من حكمٍ وأسبابٍ لأهمية بعض
الأزمنة شرعاً أحد أمور:
الأمر الأول: إنه زمان العبادة نفسها أو عمق الإشتغال بها، كشهر رمضان للصوم ويوم
عرفة للحجّ.
الأمر الثاني: إنه زمانٌ للإنتهاء من العبادة والتصدي للشكر على أدائها، كعيد الفطر
للصوم وعيد الأضحى للحجّ.
الأمر الثالث: إنه زمان وقوع حادثةٍ سعيدةٍ مهمةٍ معينةٍ في التأريخ الإسلاميِّ
السابق, كيوم مولد الرسول وعيد الغدير، وليلة القدر التي نزل فيها القرآن الكريم.
الأمر الرابع: إنه زمان وقوع حادثةٍ محزنةٍ مهمةٍ في التأريخ السابق، كيوم وفاة
الرسول ويوم عاشوراء، وغيرهما.
الأمر الخامس: وجود تسالمٍ سابقٍ على الإسلام على صفةٍ معينةٍ لبعض الزمان، وقد وجد
الإسلام مصلحةً في إقرار تلك الصفة، كالأشهر الحرم, فإنها كان معمولاً بها في
الجاهلية.
ونوكل الجزم بأحد هذه الأمور أو كلها أو غيرها لفطنة القارئ اللبيب.
الفقرة (4)
العبادات المؤقَّتة
لو لاحظنا العبادات المؤقتة الواجبة والمستحبة، لوجدناها بالنسبة إلى أوقاتِها على
ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما كانت العبادة فيه أفضل, إذا وقعت في أوَّل الوقت، ككلِّ الفرائض
اليومية وأغلب النوافل اليومية.
القسم الثاني: ما كانت العبادة فيه أفضل, إذا وقعت في آخر الوقت، ومثاله أمران لم
نعهد غيرهما:
أحدهما: صلاة الليل، فإنها في نهاية وقتها أفضل من أوَّله، وقد صرح كلُّ الفقهاء
أنها كلما كانت أقرب إلى الفجر كانت أفضل.
وثانيهما: غسل الجمعة إذا قلنا بأنَّ وقته ينتهي عند الزوال من يوم الجمعة على ما
هو المشهور[[286]]. فإنه كلما كان أقرب إلى الزوال كان أفضل.
ويشبه ذلك: أفضلية تأخير صلاتي المغرب والعشاء للحاجّ، من عرفة إلى المزدلفة، ولو
مضى ثلث الليل. غير أنَّ هذا ليس هو آخر الوقت بالتحديد.
كذلك يشبهه: ما إذا منعنا صلاة المتيمِّم في أوَّل الوقت، وأوجبنا عليه التأخير إلى
نهايته، مع احتمال ارتفاع العذر. غير أنَّ هذا ثابتٌ بالعنوان الثانويِّ الإحتياطي،
وليس بالحكم الأوَّليِّ الأصلي.
القسم الثالث: العبادات المؤقتة التي لا يختلف حالها أينما وقعت من وقتها، في
أوَّلِهِ أو وسطِهِ أو آخرِه. ككثيرٍ من المستحبات، كصلاة أول الشهر التي لا يختلف
فيها وقوعها في أول النهار أو آخره من اليوم الأوَّل، وكذلك غسل يوم النصف من شعبان
أو يوم النصف من رجب أو يوم المباهلة أو يوم التروية، وغيرها.
وهناك واجباتٌ غير مؤقتة، إلا أنَّ وجوبها فوريٌّ، فإن لم يأتِ بها المكلَّف فوراً
وجبت عليه فوراً أيضاً، وهكذا. وهذا ما يسمى باصطلاحهم: فوراً ففوراً. فوقتها هو
الفور وليس لها وقتٌ آخر، كوجوب مطاوعة الزوجة الناشز، ووجوب دفع النفقة المتأخرة
إلى الزوجة، ووجوب الدخول في الإسلام على الكافر، ووجوب التوبة على المسلم المذنب.
وهناك واجباتٌ غير مؤقتة، إلا أنَّ المبادرة لها أفضل. وهذا يعني: أنَّ وقتها
الإستحبابيَّ هو الفور، ولو من باب استحباب المبادرة إلى الفضل, أو أنَّ: [خير
البرِّ عاجلُه][[287]]، كدفع الزكات بعد حلول وقتها, وكذلك الخمس وسائر الكفارات.
وكذلك الحال في الحقوق المالية الإستحبابية وغيرها، فإنَّ المبادرة لها فوراً أفضل
بلا إشكال، كالصدقة وقضاء حاجة المحتاج وهداية الضالِّ ونشر العلم، وغير ذلك كثير.
الفقرة (5)
مصلحة أوقات الصلاة اليومية
اختار الله سبحانه للصلوات اليومية أفضل الأوقات دنيوياً ودينياً.
أما دنيوياً، فباعتبار أنَّ أوقات الصلوات ليست وقتَ عملٍ عادةً، وخاصةً مع
الإلتزام بالجمع بين الصلاتين، أو القول بجوازه على الأقلّ.
وهذا واضحٌ في كلِّ الفرائض والنوافل اليومية، كصلاة الليل وصلاة الفجر ونافلته، إذ
من الواضح أنَّ تلك الأوقات لا تكون وقتَ عملٍ إلا نادراً جداً.
وكذلك وقت صلاة الظهر وصلاة العصر ونوافلهما، فإنه وقت الراحة وتناول وجبة نصف
النهار. غير أنَّ ذلك يكون أوضح في مجتمعٍ قائمٍ على اتباع مثل هذه التعاليم، لا
على مثل نظام المجتمع الحديث. غير أنَّ ذلك أيضاً لا يمنع من إيجاد الصلاة في أوَّل
وقتها، وخاصةً مع الإقتصار على الفرائض.
ونفس الشيء يقال: بالنسبة إلى وقتِ صلاتي المغرب والعشاء، فإنه وقت هدأةٍ وراحةٍ قد
انتهت به أتعاب النهار، ولم تبدأ به فعاليات الليل، ولا يفوت به شيءٌ من أهداف
الدنيا اقتصادياً ولا اجتماعياً.
هذا لو نظرنا التوقيت من الناحية الدنيوية.
وإذا نظرنا من الناحية الدينية، فالأمر يكون أوضح، لعدة مستويات:
المستوى الأوَّل: إنَّ الفرد في الأوقات التي تخلو من العمل الدنيويّ، يكون فارغ
البال عادةً أو غالباً من هذه الناحية، ومن هنا يكون توفره للعبادة وتوجهه خلالها
أسهل وأكثر.
المستوى الثاني: إنَّ كثيراً من الأعمال الدنيوية هي عبادةٌ أيضاً، وهي لا تتوفر
إلا في الأوقات الطبيعية للعمل. ومن هنا لا ينبغي أن تكون أوقات الصلاة مزاحمةً لها
أو مانعةً عنها، كما إنه لا ينبغي أن تكون الأوقات الأخرى الخارجة عن العمل
الدنيويِّ خاليةً وبالية. إذن، فالأحجى أن تكون الصلوات في الأوقات الخالية من
العمل الدنيوي، لكي يكون الفرد المؤمن في كلا الحالين في عبادة.
المستوى الثالث: إنَّ كثيراً من الأعمال الدنيوية ضروريةٌ للفرد وأسرته، ولا ينبغي
أن تحول الصلوات دونه، كما لا يمكن تحويله إلى الأوقات الشاذَّة اجتماعياً، إلا
أنَّ تحويل أو تعيين أوقات الصلاة بشكلٍ غير مزاحمٍ مع العمل ممكنٌ للشريعة، وهذا
ما أنجز فعلاً.
المستوى الرابع: في الإمكان التأكيد على أنَّ أوقات الصلوات اليومية الواجبة
والمستحبة، وخاصةً مع الإلتزام بالصلاة في أوقات فضيلتها... إنَّ هذه الأوقات هي
الأوقات الأفضل من كلِّ مدار الساعة، وهي الأكثر توجيهاً للفرد إلى الله سبحانه,
وباعثةٌ على الخشوع والخضوع والتضرع، وإذا أراد الله سبحانه لصلاة عبده أن تكون هي
الأفضل ـ وهو مريدٌ لذلك جزماً ـ إذن، فينبغي أن يأمره بإيقاع صلواته في أفضل
أوقات الليل والنهار.
ويكفينا للإستشهاد حول ذلك ببعض الآيات القرآنية، كقوله تعالى:
]وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ[[[287]]. وقوله تعالى: [إِنَّ قرآن الفَجرِ
كَانَ مَشهُوداً][[288]]. وقوله تعالى: [إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ
وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً][[289]]. إلى غير ذلك.
الفقرة (6)
مكان المصلِّي.
قال الفقهاء: من شرائط المكان أنه يجب أن يكون مباحاً غير مغصوب، وأن يكون واسعاً
كافياً للصلاة وليس ضيقاً بحيث لا يساعد على إنجازها، وأن يكون طاهراً إلى حدٍّ ما،
يعني لا بأس بنجاسته إذا كان جافاً، ليس فيه نجاسةٌ ساريةٌ إلى جسم المصلِّي
وثيابه، ما عدا مسجد الجبهة فإنَّ طهارته الواقعية مطلوبة، كما أنَّ المكان مع
النجاسة السارية ممنوع[[290]].
وكثيرٌ من هذه الفقرات لها معانٍ أخلاقية:
فالمكان يمكن أن يكون تعبيراً عن المستوى الذي يكون فيه الفرد ثقافياً أو عقائدياً
أو إيمانياً أو غير ذلك. ومن هنا يكون السير في المكان عبارةً عن الإنتقال من
مستوىً إلى آخر، أو من مكانٍ إلى آخر.
واشتراط عدم الغصبية في المكان يعبِّر عن عدَّة معانٍ، منها: عدم جواز كون المستوى
الذي يكون فيه الفرد مأخوذاً بالضغط أو بالقهر لشخصٍ آخر يتعلم منه أو يرشده إليه
على كرهٍ منه، سواءٌ كان ذاك الفرد أعلى منه أو مثله.
واشتراط أن يكون المكان واسعاً للصلاة، كون مستواهُ أو قل ثقافته العقلية والنفسية،
كافيةً للتدرج والتكامل، وإلا فمع ضيقها وقلَّتها يكون التكامل متعذراً أو متعسراً.
واشتراط أن لا يكون المكان ناقلاً للنجاسة, يحتوي على عدة معانٍ معنوية, منها: أنَّ
المكان قد يكون معبراً عن مستوىً من مستويات النفس الأمارة بالسوء. والسوء هو
النجاسة، فإذا أطاعها الفرد وانقاد لها كان منفعلاً بالنجاسة.
ومنها: أنَّ المضمون العامَّ للمستوى الذي يكون فيه الفرد، أو قل: مستواهُ الثقافي
العقلي أو النفسي، يكون خالياً من الباطل والنقائص المضرَّة التي تعود مردوداتها
بالضررعلى تكامله، وهذا موجودٌ في كثيرٍ من المستويات الواطئة بطبيعة الحال.
وأعتقد أننا ينبغي لنا القناعة بهذا المقدار من التفسير.
الفقرة (7)
فيما يستحبُّ فيه الصلاة من الأماكن، وهي المساجد:
قال الفقهاء: تستحبُّ الصلاة في المساجد والتردُّد إليها. ففي الخبر: [من مشى إلى
مسجدٍ من مساجد الله فله بكلِّ خطوةٍ خطاها حتى يرجع عشر حسنات، ومحي عنه عشر
سيئات، ورفع له عشر درجات][[291]].
ويكره لجار المسجد أن يصلي في غير ذلك المسجد لغير علةٍ كالمطر، وفي الخبر: [لا
صلاة لجار المسجد إلا في مسجده][[292]].
ويكره تعطيل المسجد والإعراض عنه، ففي الخبر: [ثلاثةٌ يشكون إلى الله يوم القيامة:
مسجدٌ خرابٌ لا يصلي فيه أحدٌ، وعالمٌ بين جهال، ومصحفٌ معلَّقٌ قد وقع عليه غبارٌ
لا يقرأ فيه أحد][[294]]. والمشهور من لفظه على الألسن: المسجد المهجور، والعالم
المهجور، والمصحف المهجور.
قالوا: وأفضل المساجد هو المسجد الحرام، والصلاة فيه تعدل ألفَ ألفِ صلاة. ثمَّ
مسجد النبي والصلاة فيه تعدل عشرة آلاف صلاة، ثمَّ مسجد الكوفة والأقصى، والصلاة
فيهما تعدل ألفَ صلاة. ثمَّ المسجد الجامع، والصلاة فيه بمئة صلاة. ثمَّ مسجد
القبيلة والصلاة فيه تعدل خمساً وعشرين، ثمَّ مسجد السوق والصلاة فيه تعدل اثنتي
عشرة صلاة. ومسجد المرأة بيتها[[295]].
والصلاة في مشاهد الأئمة F تعدل الصلاة في المساجد، بل قالوا إنها أفضل. وقد ورد
أنَّ الصلاة عند عليٍّ بمائتي ألف صلاة[[296]].
وهذا كله في الصلاة الإنفرادية، التي ليست مع صلاة جماعة. وقد ذكروا للصلاة جماعةً
ثواباً كثيراً، حتى ما إذا كان المأمومون عشرة لم يعلم مقدار ثوابها الا الله عزَّ
وجل. وسيأتي ذلك في الباب المخصَّص لها. ونعرف من ذلك: أنه إذا اقيمت الجماعة في
المساجد، أمكن ضرب رقم الثواب فيها برقم الثواب في المسجد، فيكون الناتج هو الثواب
الفعلي الكامل للعبد المصلي.
وقال الفقهاء عن المساجد نفسها: إنها يحرم زخرفتها، وهو التزيين بالزخرف وهو الذهب،
ونقشها بالصور وبيع آلاتها، وأن يؤخذ منها في الطرق والأملاك. ولا يجوز هدمها ولا
تنجيسها، فإن تنجست وجبت المبادرة للتطهير. ولا يجوز إخراج الحصى منها وإن فعل
أعاده إليها[[297]].
ويكره تعليتها وأن يعمل لها شُرَفٌ، ويستحبُّ أن تكون الميضاة[[298]] على أبوابها،
وأن تكون المنارة مع الحائط لا في وسطها، وأن يقدم الداخل إليها رجله اليمنى
والخارج منها رجله اليسرى، وأن يتعاهد الداخل إليها نعليه[[299]]، لاحتمال ما يكون قد
علق بها من الأوساخ أو النجاسة[[300]].
ويستحبُّ أن يدعو عند دخوله وعند خروجه، ويكره أن تُجعل طريقاً، وأن يحصل فيها
البيع والشراء، وتمكين المجانين، وإنفاذ الأحكام، وإقامة الحدود، وتعريف الضوالّ،
وإنشاد الشعر، ورفع الصوت، وعمل الصنائع، والنوم في المساجد، وكذلك التنخُّم
والبصاق وقتل القُمَّل، فإن فعل شيئاً من ذلك ستره بالتراب[[301]].
وبالأساس، فإنه يستحبُّ اتخاذ المساجد، والتكثير من عددها استحباباً مؤكداً، حتى
وإن كانت ضيقةً أو صغيرة، وقد ورد في ذلك الفضل الكثير.
وقال الفقهاء أيضاً: الصلاة الفريضة في المساجد أفضل من المنزل، والصلاة النافلة في
المنزل أفضل من المسجد[[302]].
الفقرة (8)
معنى بيت الله
الكعبة الشريفة هي المسجد الحرام وبيت الله الحرام. وقد دلَّ القرآن الكريم على
أنها [بيت الله] قال تعالى: ]وَطَهِّرْ بَيتِيَ للِطّائِفينَ وَالقَائِمينَ
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ[[[303]].
والمشهور لدى المتشرعة أنَّ كلَّ المساجد بيوت الله، فلفظ [بيت الله] يصدق على أيِّ
مسجد، ولم أجد ذلك في الكتاب ولا في السنة.
وسنحاول إعطاء المبررات الكافية لهذه النسبة إلى الله سبحانه، سواءٌ كان صفةً
للكعبة المشرفة وحدها أو لكلِّ مسجد.
فإنَّ السؤال قد يرد عن الوجه الصحيح لهذه النسبة، مع العلم اليقين وقيام البرهان
الصحيح على أنَّ الله غنيٌّ عن العالمين، وأنه لا تحدُّه الأمكنة ولا تحويه الأزمنة
ولا تأخذه نومٌ ولا سِنةٌ، وأنَّ كلَّ شيءٍ غيره فهو محتاجٌ إليه، وهو لا يحتاج إلى
شيء.
مضافاً إلى البرهان على أنَّ نسبة قدرته وسلطانه وعلمه إلى كلِّ الخلق هي نسبةٌ
واحدة، فما هو الوجه في اختصاص المساجد في هذه النسبة؟
إلا[[304]] أنَّ النسبة إلى الله سبحانه يمكن أن تكون على أحد وجوه:
الوجه الأول: الخلق. من حيث كونه خالقاً للكعبة أو المسجد، وقد تحققت النسبة إلى
الخلق في القرآن الكريم، قال الله تعالى: [هذَا خَلقُ الله، فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ
الّذِينَ مِن دُونِهِ][[305]].
الوجه الثاني: التكريم والتعظيم، من قبيل نسبة الروح إليه سبحانه، قال الله تعالى:
[فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي][[306]].
الوجه الثالث: انها قد تكون مسكناً أو معبداً لبعض الملائكة، وقد ورد ذلك فعلاً
بالنسبة إلى بعض المساجد كالمسجد الحرام، وبالنسبة إلى العتبات المقدسة.
الوجه الرابع: انَّ هناك عنايةً إلهيةً خاصةً في طرد الشياطين عن المساجد، ومن هنا
نرى أنه يندر إيقاع المعاصي فيها.
الوجه الخامس: انَّ المساجد ذات تأثيرٍ وضعيٍّ أو موضوعيٍّ في زيادة التقرب
المعنويِّ إلى الله تعالى والخشوع له والتضرُّع إليه.
إلى غير ذلك من الإحتمالات، وهي ليست محتملةً فقط، كما إنها غير متنافية، بل قد
تكون كلُّها صادقةً مجتمعة.
وللمساجد فوائدُ دينيةٌ واجتماعيةٌ كثيرة، ومن ذلك ما ورد من أنَّ: [من اختلف إلى
المسجد أصاب إحدى الثمان: أخاً مستفاداً في الله, أو علماً مستطرفاً, أو آيةً
محكمةً, أو يسمع كلمةً تدلُّ على هدى, أو رحمةً منتظرةً, أو كلمةً تردُّه عن ردى،
أو يترك ذنباً خشيةً أو حياءاً][[307]]. مضافاً إلى تزايد ثواب الصلاة في المساجد
كما عرفنا، بل زيادة ثواب أيَّة طاعةٍ فيها، كقراءة القرآن والصوم وقضاء الحوائج
والصدقات وغيرها.
الفقرة (9)
في صفات المساجد شرعاً
لاحظنا أنَّ الفقهاء ذكروا من صفات المساجد ما يدلُّ على رجحان كونها متواضعة
البناء بسيطة التكوين، فمن ذلك ما سمعناهُ من كراهة تعليتها وزخرفتها ونقشها
بالصور، وإن من بصق فيها ستره بالتراب، وهو دالٌّ على أنَّ أرضيتها من ترابٍ وليست
مرصوفةً، إلى غير ذلك.
وهذا المعنى صحيحٌ كقاعدةٍ عامةٍ لأنَّ المطلوب شرعاً هو التواضع أمام الله سبحانه
في كلِّ شيء، في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمعبد، والإقتصار على القليل من
الدنيا في أيِّ شيء.
غير أنَّ هناك قاعدةً أخرى، قد تكون مقدمةً على تلك القاعدة، بعد ملاحظة أنَّ بعض
المجتمعات في العالم ترى مثل هذا التواضع من قبيل الضعة والذلَّة، ولا ترى الفخر
والعظمة إلا في فخامة الملابس والبناء وغيرهما.
إذن، فإظهار عظمة الدين والإسلام أمام هؤلاء لا يكون إلا ببناء المساجد عاليةً
ومزخرفةً بالصور بالمقدار المحلَّل، وهي أن لا تكون من ذهبٍ ولا من صور ذوات
الأرواح من إنسانٍ أو حيوان، كما لا تكون دالَّةً على البذخ المتزايد كاستعمال
الجواهر الكريمة ونحو ذلك.
وينبغي أن نلتفت إلى أنه ليس للمساجد فقهياً أيُّ تحديدٍ في طريقة البناء أو
[خريطةٍ] معماريةٍ معينةٍ أو تدور في أساليبَ خاصَّة، بل يمكن بناؤها بأيِّ شكل.
وأما المحافظة على الطريقة الإسلامية أو التراثية، فهو يقتضي ـ كما عرفنا ـ بساطتها
وتواضع بنائها، ومن ثمَّ لا يكون لها أيَّة [خريطةٍ]، وإنما هي مجرَّد حائطٍ يحتوي
في داخله على ميضاةٍ ومئذنة.
على أنه لا دليل على أنَّ الشعوب المسلمة السابقة، في مصر أو الأندلس أو العراق أو
تركيا أو غيرها عملت المساجد على ما هو المعهود منها، بصفته مطلوباً شرعاً أو
مستحباً، بل لمجرَّد أنها رأته الأفضل في ذوقها الإجتماعيِّ أو القوميِّ أو
المحلِّي، وبالتالي، فهو [دنيويٌّ] وغير مربوطٍ بالشريعة، ولا دليل على أنَّ
الشريعة رجحت أسلوباً معيناً بعد حفظ الآداب العامَّة التي أمرت بها.
الفقرة (10)
المراقد المقدَّسة
المراقد المقدَّسة أو العتبات المقدَّسة إنما هي [مقابر] وليست [مساجد]. والمسجد
إنما هو البناء الذي شيِّدَ بعنوان المسجد ونحوه، أو تمَّ وقفه بهذه الصفة، ولم
يمرَّ مثل ذلك على هذه المراقد، بلا شك، ولا أقلَّ من الشكِّ في ذلك. الأمر الذي
يبعدها عن معنى المسجدية جزماً.
ومن هنا اختلفت عن المساجد من عدَّة جهات، مع أنها بنيت أمام الفقهاء الذين وصفوا
المساجد بالصفات التي سمعناها، فأصبح بناء هذه المراقد عالياً ومزخرفاً بالذهب، بل
وبالصور أحياناً, وذا جمالٍ وأبَّهة، ويعلو المرقد قبةٌ كبيرة، وهي لا تكون في
المسجد، وإنما تكون على القبر خاصَّة.
نعم، أفتى الفقهاء المتأخرون بنحو الإحتياط الوجوبي، بإلحاق هذه المراقد بالمساجد
بحكمٍ واحد، وهو حرمة دخول الجنب والحائض إليها، واختلفوا فيما يجب أن يكون عليه
الحدُّ المحرَّم هذا.
والدليل على ذلك بعد التجاوز عن مسجديتها أمران:
الأمر الأول: ما ورد من حرمة الدخول على المعصومين F في حالة حياتهم إلا على طهارةٍ
من الحدث الأكبر[[308]]. ومن المعلوم في الشريعة أنَّ حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً.
وكذلك المعصومون F بطبيعة الحال. إذن، فدخول المحدث بالحدث الأكبر إلى مراقدهم
محرَّم.
الأمر الثاني: إنَّ دخول أمثال هؤلاء إلى هذه المراقد المشرفة يكون من قبيل إساءة
الأدب أو درجةٍ من الهتك، وهو محرمٌ هناك بالضرورة. إذن، فدخولهم إليها محرَّمٌ
بهذه الصفة.
إلا أنَّ كلا الأمرين ينتج الفتوى بالحرمة، ولا حاجة إلى الإقتصار على مجرد
الإحتياط، كما فعل الفقهاء. كما لا حاجة إلى عنوان الإلحاق بالمساجد، بل الحرمة
ثابتةٌ لها بصفتها مرقداً للمعصوم سلام الله عليه.
كما إنَّ الحرمة ثابتةٌ لا بصفتها [جنباً] أو [حائضاً], بل كلُّ [حدثٍ أكبر] يجب
فيه الغسل, كالنفساء والمستحاضة ذات الأغسال، إذا لم تؤدِّ أغسالها. وكذلك من مسَّ
الميت على وجهٍ فقهيّ.
أما شمول هذه الحرمة لمراقد غير المعصومين من الشهداء والصالحين وأضرابهم، فقد سكت
عنه الفقهاء ولا شكَّ أنَّ الأمر الأول من الأمرين السابقين غير شاملٍ لها، كما
أنَّ الأمر الثاني نادر التحقق فيها، ومن هنا كان الفقهاء إلى الجواز من هذه
الناحية أميل بلا شكّ، ولا أقلَّ من جريان أصالة البراءة عن مثل هذه الحرمة.
ولكنَّ مقتضى القاعدة التي أعطوها، وهي الإلحاق بالمساجد، الأمر الذي يعني المشابهة
في البناء خاصَّة. فهذا معنىً عامٌّ لكلِّ مراقد المؤمنين إذا تمَّ بناؤها
وتسييجها, سواءٌ كانوا معصومين أم شهداءَ أم علماءَ أم غيرهم، وهذا إن دلَّ على
شيءٍ فإنما يدلُّ على ضعف هذه القاعدة، وقد عرفنا فيما سبق أنها [مراقد] وليست
[مساجد], وأنَّ دليل الحرمة خاصٌّ بها لا بصفتها المسجدية.
الفقرة (11)
بقي من التعرُّض لأحوال المساجد أمران
الأمر الأول: إنَّ المسجد هو المعبد، على أن تكون العبادة المنجَّزة فيه هي السجود
بصفته غاية الخضوع لله سبحانه وتعالى، وهو السجود الحقُّ والسجود لغيره باطلٌ
ومحرَّم.
إذن، ففي كلِّ مكانٍ أو زمانٍ كبر أو صغر، حصل فيه ذلك المعنى من السجود، فهو
مسجدٌ، ومن هنا أمكن أن يكون للمسجد معانٍ ومستوياتٌ عديدةٌ، منها:
أولاً: الكون كلُّه، مع التفكر في خلق الله سبحانه.
ثانياً: النفس، مع التفكر في الآيات الباطنية لها.
ثالثاً: القلب, حين يكون منوراً بنور الحقّ.
رابعاً: العقل, مع إمكان صعوده إلى أعلى الدرجات.
خامساً: كلُّ مكانٍ أو زمانٍ يحصل فيه التوجه التامّ.
سادساً: المسجد بالمعنى الفقهيِّ المتعارف.
الأمر الثاني: قد يحصل التساؤل عن السبب الذي كان من أجله مسجد المرأة بيتها، إذ لا
إشكال من صحة ذلك شرعاً، وإذا تمَّ لنا التسليم والرضا بكلِّ التعاليم الشرعية،
فينبغي لنا السكوت أمام أيِّ سؤالٍ من هذا القبيل، لأننا نعلم أنَّ أيَّ حكمٍ إنما
هو ناتجٌ عن حكمةٍ حقيقية، سواءٌ فهمناها أم لا، وهذا يكفي بلا إشكال.
ولكن في حدود عرض هذا السؤال، وفي حدود فهمنا لجوابه فإنه يمكن السير فيه على عدَّة
مستويات:
المستوى الأول: مستوى الأدب الإسلاميِّ الظاهريِّ الذي اقتضى الفصل [النسبيَّ] بين
الجنسين، وجعل آدابٍ معينةٍ فيما بينهم، تحاشياً من سوء التصرف الجنسيِّ من قبل
أيٍّ من الجنسين. فهذا التعليم الإسلاميُّ مندرجٌ ضمن هذه القائمة من التعليم.
وحيث قد أعطي الشارع والسوق للرجل بصفته هو مصدر الرزق لعائلته، فقد أعطي[[309]]
أيضاً المسجد. وبقي للمرأة بيتها تصلي فيه، كما إنها[[310]] تربي أولادها فيه.
وحيث لا ينبغي أن يفوتها ثواب المسجدية الذي أعطي للرجل، فقد جعلت الشريعة بيت
المرأة مسجداً لها.
المستوى الثاني: [إنَّ الأعمال بالنيات][[311]] كما ورد. [ولكلِّ أمرئٍ ما نوى][[312]].
فإذا أحبت المرأة أن تحضر في المسجد لأجل الحصول على مزيدٍ من الثواب، مع أنها
ممنوعةٌ من ذلك [نسبياً] .. أعطاها الله سبحانه وتعالى ما نوته وعزمت عليه وطمعت به
وهو ثواب العبادة في المسجد.
المستوى الثالث: أنَّ المراد من العبادة المؤدّاة ليست هي الصلاة وحدها، بل تشمل
كثيراً مما تعمله المرأة في البيت، إذا أحسنت تربية أطفالها والعناية بزوجها، وغير
ذلك، فإنَّ ذلك كلَّه يكون من العبادة.
وحيث لا يمكن عادةً جعل هذه الأمور في المسجد، مع طمع المرأة في مزيدٍ من الثواب،
حتى كأنَّ عبادتها في المسجد، أعطاها الله تعالى ذلك حسب نيتها، وحسب طمعها وأملها
من الكريم المطلق الذي لا بخل في ساحته. وقد ورد في الحديث القدسي: إني عند حسن
ظنِّ عبدي[[313]].
المستوى الرابع: أنَّ المرأة إذا حضرت إلى المسجد، فسوف لن يكون خاصاً بالنساء، بل
سيكون مختلطاً. ولا شكَّ أنه مختلطٌ مع الأدب الإسلاميِّ بالحجاب، إلا أنَّ الأمر
مع ذلك سوف ينافي التوجه في العبادات: الصلاة والدعاء وغيرها، مع اختلاط الجنسين.
والله تعالى يريد من عبيده من كلا الجنسين حسن التوجه والإقبال في العبادات، ومن
هنا كان لا بدَّ من جعل الفاصل بينهما خلالها، ولا يكون ذلك إلا بنهي المرأة عن
الحضور إلى المساجد.
إلى غير ذلك من المستويات.
الفقرة (12)
في الستر والساتر
الستر معنىً نسبيٌّ يتقوم بأربعة أطراف: الساتر والمستور والمستور به [وهو الستر
بمعنى اسم المصدر] والمستور عنه.
والمستور به قد يسمى بالساتر أيضاً وبالستر أيضاً، وبالحجاب أيضاً، ولكننا نريد من
الساتر فاعل الستر، أو واضع الحجاب. ومن المستور به الحجاب نفسه، ومن المستور عنه،
الشخص الذي أريد الإخفاء عنه أو جعله في الحجاب. ومن المستور, الأمر الذي جعل تحت
الستر وأخفي به. وهناك شيءٌ خامسٌ, وهو السبب الذي أدّى إلى الستر.
والمستور قد يكون نقصاً وقد يكون كمالاً. والمستور عنه قد يكون هو الفرد نفسه وقد
يكون هو الآخرين. والمستور به قد يكون حجاباً مادياً أو أمراً معنوياً. والساتر قد
يكون هو الله وقد يكون غيره، وسبب الستر قد يكون لقصور المقتضى أو ضعف الإدراك وقد
يكون لوجود المانع.
فقد انقسم كلٌّ من الخمسة أشياء إلى اثنين، فتكون الأقسام اثنين وثلاثين قسماً [2 ×
2 × 2 × 2 × 2 = 2 5= 32]. ونحن فيما يلي ذاكرون بعض الأمثلة:
1ـ ستر العورة خلال الصلاة بأيِّ ساترٍ عن نظر المصلِّي وغيره.
2ـ ستر النقائص والعيوب المركوزة في الفرد عن الآخرين، بلباقة الفرد وحسن تصرفه, أو
بحسن توفيق الله سبحانه وتعالى.
3ـ ستر جمال المرأة، وهو كمالٌ لها وليس نقصاً، بالحجاب الواجب في الشريعة
الإسلامية.
4ـ ستر الأشعَّة فوق الحمراء أو تحت البنفسجية عن العين البشرية.
5ـ ستر الأمواج فوق الصوتية عن الأذن البشرية.
6ـ ستر عالم الجنِّ الذي نطق به القرآن الكريم عن الوعي البشريِّ الإعتيادي.
7ـ ستر العوالم العليا المعنوية أو الروحية أو العقلية عن الوعي البشريِّ
الإعتيادي.
8ـ ستر الرحمة وانقطاعها باستحقاق الفرد أو الأفراد للبلاء.
9ـ ستر الذنوب والعيوب عن الفرد نفسه بالرحمة الإلهية الناتجة من التوبة واستحقاق
المغفرة.
10ـ ستر المستويات العليا للنفوس المرتفعة للأولياء وأضرابهم عمن هو دونهم.
11ـ ستر بعض المحسوسات مع قصور بعض أعضاء الحس، كالأعمى والأصمّ.
12ـ ستر تفاصيل العلوم، مهما كان نوعها عن الطلاب المبتدئين، ما لم يستحقوا الفهم
بوصولهم إلى درجةٍ أعلى في العلم.
إلى غير ذلك من أشكال الستر والساتر.
الفقرة (13)
في شرائط الساتر
يشترط فقهياً في الساتر المستعمل في الصلاة، أن لا يكون:
1ـ شفافاً.
2ـ نجساً.
3ـ مغصوباً.
4ـ ميتةً.
5ـ مما لا يؤكل لحمه.
6ـ حريراً أو ذهباً للرجال[[314]].
ولكلٍّ من هذه الشرائط جهةُ صراحةٍ، وجهة رمزية.
فجهة الصراحة في الساتر الشفاف: أنه ليس ساتراً حقيقةً، بل هو كاشفٌ فعلاً، وإن كان
كشفه ناقصاً.
وجهةُ رمزيته: أنَّ الحجاب قد يكون كثيفاَ كحجب الظلمة، وقد يكون شفافاً كحجب
النور.
وجهة الصراحة في الساتر النجس أو المتنجس: هو لبس اللباس الخالي من الرجس والدرن،
تأدباً أمام الخالق سبحانه، وهو الذي يكون المصلِّي بين يديه.
وجهة الرمز: أنَّ الصلاة معراج المؤمن، فلا ينبغي له أن يعرج بنفسٍ خبيثةٍ وصفاتٍ
دانية، بل لا يمكنه ذلك على الإطلاق.
وجهة الصراحة في الساتر المغصوب: هو أن لا تتضمن صلاته جهةً أو نوعاً من الإعتداء
على الآخرين، بل تكون مخلصة. والغصبُ نوع من الإعتداء طبعاً.
وجهة الرمز فيه: أن لا يعيش الفرد تجاه ربه وتجاه الآخرين متلبساً بصفات غيره،
وخاصةً إذا كان ذلك الغير كارهاً لهذه الجهة.
وهذا قد يحدث كثيراً، منها اندراج الفرد تحت زعامةٍ أعلى منه، فهو يتصف بصفاتها،
ومنها تأثر الفرد بمفكرٍ أو بعالمٍ معينٍ في أسلوب تفكيره أو استنتاجاته أو فهمه
للحياة، فهو يتصف بهذه الصفات منه، وهكذا.
وجهة الصراحة في الساتر الميتة: أنَّ الميتة من أشدِّ أنواع النجاسة في الفهم
الفقهيِّ والمتشرَّعي، فضرورة طهارة الثياب تشملها بالمنع عنها.
وجهة الرمزية فيها: هو أن لا يكون الفرد مصلياً بقلبٍ ميتٍ من الإيمان، أو بصفاتٍ
ميتةٍ من الخير والتضحية من أجل الآخرين وفي سبيل الحقّ.
وجهة الصراحة في الساتر غير المأكول اللحم: وجود تعبدٍ شرعيٍّ عامٍّ في الإبتعاد عن
الحيوان غير مأكول اللحم، من حيث مماسَّته ومؤاكلته وزيادة التقرب منه. ولو باعتبار
أنَّ كلَّ حيوانٍ لا يجوز أكل لحمه، فهو من آكل اللحوم، فهو [سبع] ويشكل خطراً في
إيجاد ضررٍ في الإنسان بقتله أو جرحه أو نقل الأمراض إليه أو غير ذلك.
وجهة الرمزية في ذلك: هو الإنسان الذي لا يجوز أخذ العقائد منه أو التشبه بمستواه
العباديِّ أو الإيماني، أو الإتصاف ببعض صفاته.
وجهة الصراحة في الساتر الحريريِّ أو الذهبي: هو أنه يمثل تخنثاً وتأنثاً للرجل،
بينما يعتبر جمالاً وكمالاً للمرأة. ومن الواضح أنَّ الصلاة ينبغي أن لا تكون مع
الإسفاف والتدنِّي الذي يمثله هذا التخنث في الرجل.
وجهة الرمز في ذلك: عدة أمور، منها: أنَّ لبسه في الصلاة يصدُّ القلب عن التوجه,
والنفس عن الخضوع, والفرد عن التكامل. في حين يريد الله سبحانه وتعالى لعباده
الصلاة النافعة المؤثرة في التوجه والتكامل الحقيقي.
فهذه هي أهمُّ ما يشترط في الساتر فقهياً.
الفقرة (14)
القبلة
وهي جهة الكعبة، في الفهم الفقهيِّ والمتشرعي. غير أننا ينبغي لنا الآن إعطاء فكرةٍ
عن بعض المعطيات المعنوية للكعبة تارةً وللقبلة أخرى.
أما الكعبة المشرفة، فيمكن أن تكون رمزاً عن أمورٍ معنويةٍ عديدةٍ يمكن أن نذكر
منها ما يلي:
أولاً: إنها رمزٌ عن الله سبحانه وتعالى، لأنَّ الناس في الظاهر يحتاجون إلى هذه
الرمزية، لكن حيث أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يشبهه شيءٌ ولا يحدُّه مكانٌ ولا
زمانٌ، فقد اختار الله لخلقه أن يكون هذا الرمز مجرد غرفةٍ مكعبة الشكل بسيطة
التكوين، لا حاجة فيها إلى الزخرفة ولا التلوين، لأنَّ المرموز إليه بسيطٌ، فينبغي
أن يكون الرمز بسيطاً.
ثانياً: إنها رمزٌ عن التوحيد، بصفته الأهمَّ من العقائد الإسلامية، وأحبَّها إلى
الله عزَّ وجل، كما ورد في الحديث[[315]].
وحيث أنَّ معنى التوحيد أمرٌ معنويٌّ وبسيطٌ، إذن فقد اختار الله سبحانه وتعالى له
هذا الشكل البسيط، الخالي من الزخرفة، والمتعالي المستغني عن الحاجة إليها.
ثالثاً: إنَّ الكعبة رمزٌ عن بعض الأهداف الرئيسية التي يجب أن يستهدفها في الحياة،
مما سنذكر من معنى القبلة بعد قليل، ومن هنا صدق عليها معنى القبلة، في هذه المرحلة
من التفكير، بكلِّ تأكيد.
وأما معنى القبلة، فيمكن فيه عدة أمور، نذكر منها:
أولاً: الكعبة المشرفة نفسها، بصفتها التطبيق الوحيد لمعنى القبلة، ولا توجد قبلةٌ
غيرها في الظاهر.
ثانياً: إنَّ القبلة هي الكعبة بصفتها رمزاً عن التوحيد، كما ذكرنا. ومن هنا اكتسبت
أهميتها واعتبرت شرطاً في الصلاة، التي هي عمود الدين.
ثالثاً: إنَّ القبلة هي محلُّ الإستقبال والمقابلة، ومن هنا تقع على معنى ما
يستهدفه الفرد في الحياة، ومن الطبيعيِّ أن يجعل الفرد هدفه أمامه في حياته ويكرس
له الكثير من أعماله, بل كلَّ أعماله، حسب المستطاع.
والهدف الرئيسيُّ هو الكمال اوالتكامل. غير أنَّ ذلك يختلف باختلاف إدراك الأفراد،
إما التكامل النفسي أو العقلي أو العلمي أو الروحي أو غيرها. وهناك بعض السحرة
وأضرابهم, من يستهدفون العالم الأسفل أو عالم الظلام، ويكرسون جهودهم وجهادهم في
سبيله، غير أنَّ الهدف عند الأسوياء من الناس هو التكامل باتجاه الإرتفاع إلى بعض
العوالم العليا الواسعة والمليئة بالنور والإشراق.
الفقرة (15)
تفسير فقرات الأذان
وردت بعض النصوص في تفسير فقرات الآذان، أو إلقاء بعض الضوء عليها، أو إعطاء السبب
من تكرارها، نورد فيما يلي قسماً منها:
فعن أبي عبد الله قال: لما أسري برسول الله 9 وحضرت الصلاة، أذَّن جبريل . فلما
قال: الله أكبر الله أكبر، قالت الملائكة: الله أكبر الله أكبر، فلما قال: أشهد أن
لا إله الا الله، قالت الملائكة: خلع الأنداد، فلما قال: أشهد أنَّ محمداً رسول
الله، قالت الملائكة: نبيٌّ بعث، فلما قال: حيَّ على الصلاة. قالت الملائكة: حثَّ
على عبادة ربه، فلما قال: حيَّ على الفلاح، قالت الملائكة: أفلح من اتبعه[[316]].
وعن الإمام الرضا أنه قال: إنما أمر الناس بالأذان لعللٍ كثيرةٍ، منها: أن يكون
تذكيراً للساهي، وتنبيهاً للغافل، وتعريفاً لمن جهل الوقت واشتغل عنه، ويكون المؤذن
بذلك داعياً إلى عبادة الخالق ومرغباً فيها، مقراً بالتوحيد، مجاهراً بالإيمان،
معلناً بالإسلام، مؤذناً لمن ينساهما.
وإنما يقال له: مؤذنٌ، لأنه يؤذن بالأذان للصلاة. وإنما بدئ فيه بالتكبير وختم
بالتهليل، لأنَّ الله عزَّ وجل أراد أن يكون الإبتداء بذكره واسمه، واسم الله
بالتكبير في أول الحرف، وفي التهليل في آخره.
وإنما جعل مثنىً مثنىً ليكون تكراراً في أذان المستمعين، مؤكداً عليهم، إن سها أحدٌ
عن الأول لم يسهَ عن الثاني. ولأنَّ الصلاة ركعتانِ ركعتان، فلذلك جعل الأذان مثنىً
مثنىً، وجعل التكبير في أول الأذان أربعاً، لأنَّ أول الأذان إنما يبدأ غفلةً، وليس
قبله كلامٌ ينبه المستمع له، فجعل الأول تنبيهاً للمستمعين لما بعد من الأذان. وجعل
بعد التكبير الشهادتان، لأنَّ أوَّل الإيمان هو التوحيد والإقرار لله بالوحدانية،
والثاني الإقرار للرسول بالرسالة، وأنَّ طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان.
ولأنَّ أصل الإيمان إنما هو الشهادتان، فجعل شهادتينِ شهادتين. كما جعل في سائر
الحقوق شاهدان. فإذا أقرَّ العبد لله عزَّ وجلَّ بالوحدانية, وأقرَّ للرسول9
بالرسالة, فقد أقرَّ بجملة الإيمان، لأنَّ أصل الإيمان إنما هو الإقرار بالله
ورسوله.
وإنما جعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة, لأنَّ الأذان إنما وضع لموضع الصلاة،
وإنما هو نداءٌ إلى الصلاة في وسط الأذان، ودعاءٌ فيها إلى الفلاح وإلى خير العمل.
وجعل ختم الكلام باسمه كما فتح باسمه. انتهى الخبر[[317]].
وينبغي فيما يلي إعطاء فكرةٍ عن معاني فقرات الأذان:
الله أكبر
لفظ الجلالة اسمٌ للذات المقدسة الجامعة لكلِّ جهات الكمال. وأكبر: أفعل تفضيل من
الكبر. وهناك اتجاهٌ في اللغة لاستعمال أفعل التفضيل بدون قصد المقارنة مع الآخرين،
ولعلَّ أوضح تطبيقات ذلك هو هذه الصيغة [الله أكبر] لأنَّ الله لا يمكن أن يقاس به
شيءٌ، وإن لم يمكن ذلك في اللغة، فلا أقلَّ إنه قد أريد به ذلك هنا ولو مجازاً، فإن
لم يصحَّ هذا الإتجاه حقيقةً صحَّ مجازاً بلا إشكال.
والكبر ـ بالكسر ثمَّ الفتح ـ وهو مادة هذه الصيغة.. وإن استعملت في اللغة بعدة
معان: منها التقدم في العمر والضخامة في الجسم والسعة في المكان وغيرها، إلا أنها
هنا لا يراد بها شيءٌ من صفات المخلوقين لانتسابها إلى الخالق سبحانه، ومعه يراد
بها هنا: العظمة والرفعة والعزَّة.
والعظمة معلومةٌ، والرفعة بمعنى العلوّ، ويراد به العلوُّ المعنويُّ بالكمال أو
بالخلق أو بالتدبير أو بالعلم أو بكلِّ ذلك، وأما العزة، فهو الغنى والإستغناء عن
الحاجة إلى شيءٍ من المخلوقين أو إلى صفات المخلوقين، أو إلى الغير مهما كان.
وهذا كلُّه يصدق، سواءٌ كان المراد بأفعل التفضيل: فعلية التفضيل، أم مجرد ثبوت
الصفة على أعلى حدّ.
ومعه فيتحصل لهذه الصيغة >الله أكبر< عدة مداليل، منها: الله عظيم, الله أعظم, الله
عزيز, الله أعزّ, الله رفيع, الله أرفع, الله رفيعٌ بكماله, الله رفيعٌ بتدبيره,
الله رفيعٌ بعلمه, الله رفيعٌ بخلقه، يعني بكونه خالقاً، وهكذا.
ومعه فيمكن أن يقال: إنَّ التكرار للتكبير في الآذان، ليس لأجل كونه بمعنى واحد، بل
هو بمعانٍ مختلفةٍ حسب قصد المتكلِّم.
أشهد أن لا إله إلا الله
الشهادة هنا هي الإقرار والإعتراف والإذعان بالتوحيد، ولا أقلَّ من إبراز القناعة
به، كما يبرز الشاهد قناعته بما يشهد به ويعبر عنه، وذلك من أجل صحته وكونه حقاً.
ومن هنا قال سبحانه وتعالى: [شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ][[318]]. بمعنى أنَّ هذه
الصفة هي الحقُّ المطابق للواقع.
وقولنا: لا إله إلا الله, هي صيغة التوحيد المتعارفة، وإن كان يوجد غيرها كقوله
تعالى: [الله أَحَدٌ][[319]]. وقوله: [هُوَ الحَقُّ][[320]]. وغيرها. إلا أنَّ هذه
الصيغة: لا إله إلا الله، تحتوي على نفيٍ وإثبات، فيكون مؤداه نفي الشريك، وهو
معنىً ملازمٌ للتوحيد.
غير أنَّ المنفيَّ هنا يختلف بالحيثية، من زاوية أنَّ [لا] النافية للجنس تحتاج هنا
إلى خبرٍ مقدر، وأيَّ شيءٍ قدرناه فقد قصدناه، وكلُّ التقديرات يمكن أن تكون صحيحة،
وإن كانت ساكتةً أو غير دالَّةٍ على كلِّ الجهات، كقولنا: لا إله موجودٌ إلا الله،
ولا إله واجب الوجود إلا الله، ولا إله خالقٌ إلا الله، ولا إله معبودٌ إلا الله،
ولا إله مستحقٌّ للعبادة بالحقِّ إلا الله، وهكذا.
وحسب فهمي فإنَّ الصيغة الأخرى الدالَّة على التوحيد، كالتي ذكرناها فيما سبق، هي
أفضل من هذه الصيغة، لاحتواء هذه الصيغة على النفي واحتياجها إلى التقدير وإمكان
تقديراتٍ مختلفة، وكلُّ ذلك غير موجودٍ في مثل قوله: الله أحد.
فإن قيل: إنَّ قوله: الله أحد.. لاينفي الشريك، قلنا: بل ينفي الشريك، لأنَّ مقتضى
الأحدية الإلهية هو الوحدانية المطلقة ونفي الشريك، كما ثبت في علم الكلام والفلسفة
والعرفان. كلُّ ما في الأمر أنه غير مبيَّنٍ لفظياً بحيث يفهمه الغافل والجاهل. ومن
هنا احتاجت الشريعة إلى لفظٍ واضحٍ في النفي، لأجل حفظ الظاهر، فقالوا: لا
إله إلا الله. ولأجل ذلك بالذات، كان وجود هذه الصيغة في الأذان أولى من غيرها من
صيغ التوحيد.
واتضح أيضاً وجود عدة معانٍ لها، باعتبار إمكان تعدد التقديرات فيها، إذن، فتكرارها
في الأذان، لا يعني أنها جاءت على معنىً واحدٍ من جميع الجهات, بل المعنى متعدد،
ويمكن أن يختلف باختلاف القصد، كما قلنا في التكبير.
أشهد أنَّ محمداً رسول الله
تكلَّمنا عن معنى الشهادة، وقد جاءت في القرآن بعدة صيغٍ بالنسبة إلى الرسالة، منها
قوله تعالى: [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى
الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ][[321]]. وقوله تعالى: [وَاللَّهُ يَعْلَمُ
إِنَّكَ لَرَسُولُه][[322]]. وقوله: [وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً][[323]].
وغيرها.
و هو نبي الإسلام . وظاهر حياته وسنته الشريفة معلومةٌ تأريخياً، إلا أنَّ
حقيقته مكتومة، وقد ورد عنه : [يا عليُّ ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني
إلا الله وأنت، وما عرفك إلا الله وأنا][[324]].
وهو 9 خير الخلق وأشرفهم وأعلاهم منزلةً وأقربهم عند الله مكانةً. فالحمد لله الذي
جعلنا على دينه وفي هدى رسالته.
والرسالة لها عدة مستويات، كلُّها معنونةٌ بعنوان الإسلام، فالرسالة الظاهرية هي من
أجل الإسلام الظاهريِّ الذي يحقن به الدم، ويصان به المال والفرج، ويتفق فيه
المسلمون بشهادة التوحيد والرسالة والقرآن الكريم.
والرسالة الأخرى هي دعوةٌ إلى الله سبحانه من أجل الإسلام الحقيقي، ومن درجات هذا
الإسلام: التسليم والرضا بكلِّ ما قضى الله وقدر، ومن درجاته إيكال التدبير والفعل
في الخلق كلِّه لله عزَّ وجل. قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ][[325]].
وقال: [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ
بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ][[236]]. وقال:
[وممَنْ خَلَقنَا أُمّةٌ يَهدُونَ بالحَقِّ وَبهِ يَعدِلُونَ][[327]]. إلى غير ذلك
من الآيات الكريمات.
حيَّ على الصلاة
والمشهور تحريك [حيَّ] بفتحتين، ولها عندئذٍ في اللغة معنيان: أولاً: أنها فعل ماضٍ
من الحياة.
ثانياً: أنها اسم فعل أمرٍ، بمعنى أقبل أو بمعنى الزم.
وكلُّ ذلك له معنىً في هذه الجملة، فإما بمعنى: أقبل إلى الصلاة أو بمعنى الزم
الصلاة أو لازمها، أو معنى حصول الحياة من الصلاة، ويراد بها الحياة الحقيقية
المعنوية أو حصول الثواب في الآخرة.
وإذا قرأناها بكسر الياء كانت فعل أمرٍ هنا للتحية، أو بمعنى الفعل المتعدِّي من
الحياة يعني: إحْيَ. وكلاهما له معنىً في هذه الصيغة أيضاً، فتكون بمعنى إرسال
التحية إلى الصلاة، أو بمعنى الأمر بإحياء الآخرين وهبتهم الحياة عن طريق الصلاة،
أو أمر الفرد نفسه بالحصول على الحياة عن طريق الصلاة.
وكذلك الحال في كلِّ هذه المعاني بالنسبة إلى الصيغتين: حيَّ على الفلاح، وحيَِّ
على خير العمل.
والصلاة، هي الأعمال الإسلامية. و[هي عمود الدين إذا قبلت قبل ما سواها، وإن رُدَّت
رُدَّ ما سواها][[238]] فليس للفرد عملٌ صالحٌ إن ترك الصلاة أو بطلت صلاته.
وتعبر بعض الأخبار عن حقيقة الصلاة، كقوله: [الصلاة معراج المؤمن][[239]]. [والصلاة
قربان كلِّ تقيّ][[330]]. [وإنَّ من صلّى ركعتينِ لا يذكر فيهما غير الله عزَّ وجل
خرج من ذنوبه كما ولدته أمه][[11]]. [وإنها خيرٌ للفرد من الدنيا وما فيها][[332]].
وإنها حبيبةُ رسول الله 9 وقرَّةُ عينه. فقد ورد: [حبِّب إليَّ من دنياكم ثلاثٌ:
الطيبُ والنساءُ وقرَّةُ عيني الصلاة][[333]]. [وإنها موجبةٌ لمحو الذنوب التي تقع
بينها][[334]]. [وإنها إذا قبلت لم يسأل الله عما سواها][[335]]. إلى غير ذلك من
المضامين.
حيَّ على الفلاح
الفلاح لايكون إلا بالهدى والولاية، ويراد به الفلاح في الآخرة بما فيه التكامل
المعنويّ.
حيَّ على خير العمل
والخير هنا، إما بمعنى الصفة أو أفعل التفضيل، لأنها من الصيغ التي لا تصاغ على
التفضيل، وعلى أيِّ حالٍ فيراد بخير العمل: العمل الصالح، أو أفضل أشكاله.
والإقامة لا تختلف عن الأذان بالعبارات إلا بزيادة: قد قامت الصلاة. وفيها إشعارٌ
بعدة أمورٍ، منها:
أولاً: إنها شكلٌ من أشكال النية، على الصلاة التي يعزم الفرد القيامَ بها.
ثانياً: إنها نحوٌ من الإستبشار بحصول هذا الحادث الجيِّد السعيد.
ثالثاً: إنها طلبٌ من النفس، أو من الآخرين بالإستعداد للصلاة، أو التوجه لها.
رابعاً: إنها إخبارٌ بحصول الصلاة المعنوية التي سبق أن أعطينا عنها فكرةً،
امتثالاً لقوله تعالى: [وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ][[336]].
وقد ورد: [إنك حين تكون في الإقامة فكأنك في الصلاة][[337]]. ولم يحملها الفقهاء
على الوجوب بل على الإستحباب. ومعناها: أنه يقطع الإقامة كلُّ ما يقطع الصلاة,
كالإلتفات والكلام والفعل الكثير، وأنه ينبغي التأدب والتوجه إلى القبلة والتوجه
القلبيُّ حين الإقامة كالصلاة[[338]].
الفقرة (16)
من مستحبات التوجه إلى الصلاة ما يلي
قل إذا أردت أن تصلي هذا الدعاء: اللهمَّ إني أقدم إليك محمداً 9 بين يدي حاجتي،
وأتوجه به إليك. فاجعلني به وجيهاً عندك في الدنيا والآخرة ومن المقربين، واجعل
صلاتي به مقبولةً، وذنبي به مغفورا،ً ودعائي به مستجاباً، إنك أنت الغفور
الرحيم[[339]].
ثمَّ تؤذن للصلاة وتقيم، وتفصل بينهما بجلسةٍ أو خطوةٍ أو سجدة، وتقول عندئذٍ:
اللهمَّ اجعل قلبي بارّاً، وعيشي قارّاً، ورزقي دارّاً، واجعل لي عند قبر رسولك9
مستقراً وقراراً[[340]].
ثمَّ تدعو بما شئت، فإنه ورد: [إنَّ للفرد دعاءاً مستجاباً بين الأذان
والإقامة][[341]].
وتقول بعد الإقامة: [اللهمَّ إليك توجهتُ، ومرضاتَك طلبتُ، وثوابَك ابتغيتُ، وبك
آمنتُ، وعليك توكلت. اللهمَّ صلَّ على محمدٍ وآل محمد، وافتح مسامعَ قلبي لذكرك،
وثبتني على دينك ودين نبيك، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمةً، إنك
أنت الوهاب][[342]].
ثمَّ أقبل على الصلاة بقلبك، واعطف انتباهك إلى عظمة مولاك الذي تناجيه وذُلُّك بين
يديه، وكن كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فهو يراك، واستحِ من أن تكلمه بلسانك وأنت
تتجه بقلبك إلى غيره.
ثمَّ قف بوقارٍ وخشوعٍ واضعاً يديك على فخذيك، وألقِ بنظرك إلى موضع سجودك، ثمَّ
انو الصلاة بقلبك. وأما التكلم بالنية فهو مرجوحٌ شرعاً, لأنه يكون من الكلام
الزائد بعد الإقامة التي عرفنا أنها بمنزلة الصلاة.
ثمَّ يأتي دور تكبيرة الإحرام، وهي تكون بتكبيرةٍ واحدةٍ عادة، ويمكن أن تكون بسبع,
بمعنى أنه يمكن الإقتصار على واحدة، كما يمكن قصد الواجب بواحدةٍ ويكون الباقي
مستحباً، كما يمكن جعل الجميع مصداقاً للواجب. وفي بعض الأخبار ما يدلُّ على جواز
الدخول في الصلاة بثلاثٍ أو خمس, بل وغيرها مما دون السبع.
ويمكن جعل التكبيرات السبع متواليةً، كما يمكن فصلها ببعض الأذكار, كما يلي:
وذلك بأن تكبر ثلاث تكبيرات, ثمَّ تقول: [اللهمَّ أنت الملك الحقُّ المبين، لا إله
إلا أنت سبحانك, إني ظلمت نفسي, فاغفر لي ذنبي, إنه لا يغفر الذنوب إلا
أنت][[343]].
ثمَّ تكبر مرتين، وتقول عندئذٍ: [لبيك وسعديك والخير في يديك، والشرُّ ليس إليك،
والمهديُّ من هديت. عبدك وابن عبديك، ذليلٌ بين يديك. منك وبك ولك وإليك، لا ملجأ
ولا منجىً ولا مفرَّ منك إلا اليك, سبحانك وحنانيك, تباركت وتعاليت, سبحانك ربَّ
البيت الحرام][[344]].
ثمَّ تكبِّر مرتين، وتكون الأخيرة هي السابعة، وتقول بعدها: [وجهت وجهي للذي فطر
السماواتِ والأرض, عالم الغيب والشهادة, حنيفاً وما أنا من المشركين. إنَّ صلاتي
ونسكي ومحيايَ ومماتي للهِ ربِّ العالمين، لا شريك له وبذلك أمرتُ وأنا من
المسلمين][[345]].
وظاهر هذا التسلسل هو جعل هذا الدعاء داخل الصلاة، ولا بأس بذلك مادام ذكراً لله
عزَّ وجل.
وإذا أراد المصلّي جعل التكبير الواحد واجباً والباقي مستحباً، فلا بدَّ من نيةٍ
واحدةٍ معينةٍ منها كتكبيرةٍ للإحرام، وهي إما الأولى أو الأخيرة، أو أية واحدةٍ من
السبع.
ثمَّ يأتي دور الإستعاذة من الشيطان قبل قراءة الفاتحة، لأنها من القرآن الكريم،
طبقاً لقوله تعالى: [فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ
الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ][[346]]. وهي تشمل بمدلولها داخل الصلاة أيضاً.
فتكون الإستعاذة بقولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو أستعيذ بالله، أو بدون
وصف [الرجيم] وكلُّه مجزئ.
وعاذ بمعنى لاذ، فيكون المعنى أنَّ الفرد يلوذ بالله ويستجير به من كيد الشيطان
ووسواسه ومكره.
ومنهم من ينطق العبارة هكذا: أعوذ بالله السميع العليم من شرِّ الشيطان اللعين
الرجيم. وهو ممكنٌ مادام مجموعه ذكراً لله عزَّ وجل. ووصفه [السميع العليم] هنا
مأخوذةٌ من آيةٍ أخرى هي قوله تعالى: [وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ
نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ][[347]]. وأما الإضافات
الأخرى فلها مبرراتها أيضاً، وهي لا تخفى على القارئ اللبيب.
وينبغي التدبر والتفكر عند القراءة والإنتباه إلى معانيها، مضافاً إلى الحالة
العامَّة من الخشوع.
وقل بعد سورة التوحيد: كذلك اللهُ ربي. لأنَّ أول السورة يتضمن الأمر بشهادة
التوحيد، فتكون هذه الفقرة التزاماً بها وشهادةً عليها.
ومن أساليب ذلك ما ورد عن الإمام الرضا : [أنه كان حين يقرأ آية: قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدٌ. يقول بصوتٍ خافتٍ: اللهُ أحد][[348]]، يعني يكون ذلك امتثالاً لقوله: [قل]
والتزاماً بمضمونه. وحسب فهمي فإنَّ أحد الأمرين مجزئٌ ومغنٍ عن الآخر, بل لا معنى
للجمع بينهما، كما لا يخفى، وإن كان لا يخلو من وجهٍ ضعيف.
الفقرة (17)
مستحبات الركوع
قالوا: يستحبُّ التكبير للركوع قبله, ورفع اليدين حالة التكبير, ووضع الكفين على
الركبتين, وردُّ الركبتين إلى الخلف، وتسوية الظهر، ومدُّ العنق موازياً للظهر, وأن
يكون نظر الفرد بين قدميه، وأن يجنح بمرفقيه، وأن يضع يده اليمنى على الركبة قبل
اليسرى, وأن تضع المرأة كفيها على فخذيها، وتكرار التسبيح ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً
أو أكثر, وأن يكون الذكر وتراً, وأن يقول قبل التسبيح: [اللهمَّ لك ركعت، ولك
أسلمت، وعليك توكلت، وأنت ربي. خشع لك قلبي وسمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي
ومخي وعصبي وعظامي وما أقلته قدماي، غير مستنكفٍ ولا مستكبرٍ ولا مستحسر][[349]],
ثمَّ يسبح ويصلي على النبيِّ وآله.
ويستحبُّ أن يقول للإنتصاب بعد الركوع: [الله أكبر], وأن يقول: [سمع الله لمن
حمده], وأن يضمَّ إليه: [الحمد لله ربِّ العالمين], وأن يضمَّ إليه: [أهل الجبروت
والكبرياء والعظمة، والحمد لله ربِّ العالمين][[350]].
ويكره أن يطأطيء رأسه، أو أن يرفعه إلى فوق, وأن يضمَّ يديه إلى جنبه, وأن يضع إحدى
الكفين على الأخرى ويدخلها بين ركبتيه, وأن يقرأ القرآن في الركوع, وأن يجعل يديه
تحت ثيابه ملاصقةً لجسده[[351]].
الفقرة (18)
مستحبات السُّجُود
وقالوا في مستحبات السجود: إنه يستحبُّ في السجود التكبيرُ حال الإنتصاب بعد
الركوع, وقد سبق أن ذكرناه, ويستحبُّ رفع اليدين حاله, والسبق باليدين إلى الأرض,
واستيعاب الجبهة في السجود عليها, والإرغام بالأنف, وبسط اليدين مضمومتي الأصابع
حتى الإبهام حذاء الأذنين متوجهاً بهما إلى القبلة, وشغل النظر إلى طرف الأنف حال
السجود.
والدعاء قبل الشروع في الذكر، فيقول: [اللهمَّ لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك
توكلت، وأنت ربي. سجد وجهي للذي خلقه، وشقَّ سمعه وبصره. الحمد لله ربِّ العالمين.
تبارك الله أحسن الخالقين][[352]].
ويستحبُّ تكرار الذكر، والختمُ على الوتر, واختيار التسبيحة الكبرى وتثليثها،
والأفضل الخمس والسبع فأكثر, وأن يسجد على الأرض بل التراب, ومساواة موضع الجبهة
للموقف, بل مساواة المساجد لهما أيضاً، والدعاء في السجود بما يريد من حوائج الدنيا
والآخرة, خصوصاً الرزق فيقول: [ياخير المسؤولين، وياخير المعطين، ارزقني وارزق
عيالي من فضلك، فإنك ذو الفضل العظيم][[353]]. أقول: العطاء المادِّيُّ والمعنويُّ,
الدنيويُّ والأخرويُّ كلُّه من الرزق، ويمكن قصده بمثل هذا الدعاء.
ويستحبُّ التورك في الجلوس بين السجدتين وبعدهما، بأن يجلس على فخذ اليسرى جاعلاً
ظهر قدمه اليمنى على باطن اليسرى, وأن يقول في الجلوس بين السجدتين: [أستغفر الله
وأتوب إليه][[354]].
أقول: إنما يكون الإستغفار لكون الرفع من السجود عاجلاً مرجوحاً والإطالة مطلوبة،
والسجود هو غاية الخضوع لله سبحانه، والمفروض الدوامُ على هذه الحالة، وعدم
انقطاعها، فإذا انقطع بشيءٍ من شغل الدنيا، كان الإستغفار مستحقاً.
هذا، ويستحبُّ أن يكبر بعد الرفع من السجدة الأولى بعد الجلوس مطمئناً، ويكبر
للسجدة الثانية وهو جالس, ويكبر بعد الرفع من الثانية أيضاً, ويرفع اليدين حال
التكبيرات, ووضع اليدين على الفخذين حال الجلوس، اليمنى على اليمنى واليسرى على
اليسرى, وتوجيه النظر إلى حجره، والتجافي حال السجود على الأرض, والتجنح بمعنى أن
يباعد عضديه عن جنبيه ويرفع ساعديه عن الأرض ويؤخر كفيه عن رأسه, وأن يصلي على
النبيِّ وآله في السجدتين[[355]].
ثمَّ يقوم للركعة الثانية أو الرابعة، رافعاً ركبتيه قبل يديه، وأن يقول بين
السجدتين: [اللهمَّ اغفر لي وارحمني وادفع عني. إني لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقير.
تبارك الله ربُّ العالمين][[356]].
وأن يقول عند النهوض: [بحول الله وقوته][[357]]. وأن يضيف إليها: [أقوم وأقعد]، وأن
يضيف إليها: [وأركع وأسجد]. ويجب أن يكون ذلك بتتابعٍ بالكلام، وإلا بطلت صلاته
لكون العبارات الأخيرة ليست ذكراً، فتبطل الصلاة بالكلام الزائد، ما لم يكن ملتحقاً
بالذكر السابق بالتتابع.
ويستحبُّ للمرأة وضع اليدين بعد الركبتين عند الهويِّ إلى السجود, وعدم تجافيهما،
بل تفرش ذراعيها وتلصق بطنها، وتضمُّ أعضاءها ولا ترفع عجيزتها حال النهوض للقيام،
بل تنهض معتدلة[[358]].
ويكره الإقعاء في الجلوس بين السجدتين، وبعدهما أيضاً، وهو أن يعتمد بصدر قدميه على
الأرض ويجلس على عقبيه. ويكره نفخ موضع السجود إذا لم يتولد منه حرفان وإلا لم يجز,
وأن لا يرفع يديه عن الأرض بين السجدتين, وأن يقرأ القرآن في السجود [[359]].
الفقرة (19)
من أنواع السُّجُود: (سجود الشكر)
ويستحبُّ عند تجدد كلِّ نعمة، ودفع كلِّ نقمة، وعند تذكر ذلك، والتوفيق لأداء كلِّ
فريضةٍ ونافلة، بل كلِّ فعل خير، ومنه إصلاح ذات البين وقضاء حوائج الآخرين.
ويكفي فيه سجدةٌ واحدة، والأفضل السجدتان، فيفصل بينهما بتعفير الخدين أو الجبين أو
الجميع، مقدماً الأيمن على الأيسر, ثمَّ وضع الجبهة ثانياً.
ويستحبُّ فيه افتراش الذراعين، وإلصاق الصدر والبطن في الأرض، وأن يمسح موضع سجوده
بيده, ثمَّ يمرها على وجهه ومقاديم بدنه، وأن يقول في السجود: [شكراً لله] مرةً أو
ثلاثاً أو سبعاً أو مائة مرة، أو مائة مرة عفواً عفوا،ً أو مئة مرة: [الحمد لله
شكراً لله], ثمَّ يقول: [يا ذا المنِّ الذي لا ينقطع أبداً ولا يحصيه غيره عدداً,
ويا ذا المعروف الذي لا ينفد أبداً, يا كريمُ يا كريمُ يا كريم][[360]].
ثمَّ يدعو ويتضرع ويذكر حاجته. وقد ورد في بعض الروايات غير ذلك، والظاهر أنَّ
الذكر موكولٌ إلى المكلف الساجد, يقول فيه كلَّ ما يكون دالاً على الشكر والتعظيم
والإستغفار، فإنها جميعاً مصاديقُ للشكر مع قصده.
ويمكن أن يكون الشكر بأساليبَ أخرى لا حدَّ لها، فكلُّ عبادةٍ مستحبةٍ يمكن فيها
ذلك، كركعتين أو أكثر من الصلاة, وصوم يومٍ أو أكثر, وكذلك دفع الصدقة أو الذهاب
إلى الحجّ، أو قراءة القرآن, أو التفكر في خلق الله سبحانه.
كما أنَّ كلَّ طريقةٍ عرفيةٍ للشكر للآخرين، يمكن تطبيقها أمام الله عزَّ وجلَّ مع
إمكانها، كرفع العين إلى الأعلى, أو رفع اليدين إلى الأعلى على شكل القنوت, أو
تقبيل يد نفسه اليمنى أو كلتا اليدين, أو الإنحناء قليلاً او إلى حدِّ الركوع, أو
وضع اليد على الصدر أو على الرأس, إلى غير ذلك كثير.
وقد ورد[[361]]: [إنَّ العبد إذا علم أنَّ النعمة من الله سبحانه كتب في الشاكرين
قبل أن يشكر، وإذا علم أنَّ الذنب أمام الله سبحانه كتب من المستغفرين قبل أن
يستغفر].
أقول: وهذا معناه أنَّ العلم بمصدر النعمة من مصاديق الشكر، كما أنَّ العلم بجوهر
الذنب من مصاديق الإستغفار، وهذه من المصاديق القلبية أو الباطنية للشكر
والإستغفار.
الهوامش
_________