مؤلفات الإمام الشهيد السيد محمد صادق الصدر ( قدس سره)

كتاب فقه الأخلاق لسماحة السيد الشهيد محمد صادق الصدر

الفقرة (20)

التشهُّد
 
يجب في التشهُّد ثلاث فقرات لا أكثر، هو الشهادة بالتوحيد، والشهادة بالرسالة، والصلاة على النبيِّ وآله. ويمكن ذلك على أشكالٍ مختلفةٍ منها ما يؤدي الواجب، كالصيغة المتعارفة[[362]]، وهي واردةٌ في أدلةٍ معتبرة، إلا أنَّ حملها على التعين والنصوصية بلا موجب.
ومنها: ما يضاف إلى ذلك استحباباً، من الزيادة في التحميد لله والتمجيد له والتأكيد في مضمون الشهادتين والتوسيع لهما، والزيادة في الصلاة على الأنبياء والأولياء وغير ذلك. وقد ذكرت لذلك نصوصٌ لا حاجةَ إلى سردها، والظاهر أنها موكولةٌ إلى معرفة المصلي إن كان قادراً على أدائها باللغة الفصيحة المتكاملة.
وقالوا في مستحبات التشهُّد الإعتيادي: أن يقول قبل الشروع به: [الحمد لله]. أو يقول: [بسم الله وبالله وخير الأسماء لله] أو:[والأسماء الحسنى كلُّها لله]، ثمَّ يقول: [الحمد لله] ويبدأ بالتشهُّد[[363]]، وأن يقول بعد الصلاة على النبيِّ وآله: [وتقبَّلْ شفاعته وارفع درجته][[3643]]، وأن يضيف: [واعطه المقام المحمود الذي وعدته]، وأن يضيف: [إنك لا تخلف الميعاد][[365]].
ويستحبُّ أن يقول بعد التشهُّد الأول: [سبحان الله] سبع مرات، ثمَّ يقوم ويقول حال النهوض: [بحول الله]، أو يضيف: [وقوته], أو يضيف: [أقوم وأقعد]. وأن تضمَّ المرأة فخذيها إلى نفسها، وترفع ركبتيها عن الأرض حال تلاوة التشهُّد والتسليم[[366]].
ويكره الإقعاء فيه، بل يستحبُّ التورك خلاله، وقد سبق تفسيرهما، ويستمر الحكم والحال نفسه في التسليم أيضاً[[367]].

الفقرة (21)

القنوت
 
وهو مستحبٌّ في جميع الصلوات، مستحبةً كانت أو واجبة، وعليه سيرة المتشرِّعة، حتى حصل هناك من الفقهاء من استشكل في تركه، وأوجب لتركه سهواً سجدتي السهو.
ويتأكَّد استحبابه في الفرائض الجهرية، خصوصاً في الصبح والجمعة والمغرب وفي الوتر من النوافل. بل يمكن القول إنَّ الوتر بدونه لا تكون وتراً، فلو كان عازماً على تركه كانت نيته لعنوان الوتر تشريعاً محرَّماً.
ومنهم من أسقطه في الشفع، والظاهر ثبوته فيها إن جاء بها المصلّي مستقلةً عن الوتر، وإن كان الأحوط الإتيان به برجاء المطلوبية، وأما مع إلحاق الوتر بالشفع في صلاةٍ واحدة, فيكفي القنوت في الركعة الثالثة التي هي الوتر، ولا يجب في هذه الصلاة قنوتانِ جزماً، غير أنَّ الإتيان بالشفع والوتر بهذه الصورة يحتاج إلى نية رجاء المطلوبية.والمستحبُّ منه مرةً بعد القراءة قبل الركوع في الركعة الثانية، وإن نسيه قيل: أتى به بعد الركوع من نفس الركعة[[368]].
أما صلاة الجمعة ففيها قنوتانِ مستحبان، الأول: قبل الركوع في الأولى، والثاني: بعده في الثانية. ويستحبُّ في صلاة العيدين خمسة قنوتات في الركعة الأولى، وأربعةٌ في الثانية.
أما صلاة الآيات فيمكن أن يكون فيها قنوتان: قبل الركوع الخامس في الركعة الأولى، وقبل العاشر في الثانية. ويمكن أن يكون فيها خمسة قنوتات، قبل كلِّ ركوعٍ زوجي. وبأيِّهما أتى فقد أدى الوظيفة الإستحبابية. وكلما زاد زاد خيراً، أعني أنَّ الخمس قنوتات أولى من الإثنين.
بل يمكن الإقتصار على قنوتٍ واحدٍ في الركوع العاشر خاصة[[369]].
وأما أدعية القنوت، فليس فيها ما هو معيَّنٌ على الإطلاق، بل يدعو المصلي في قنوته بما شاء حتى ولو باللغة الدارجة أو غير العربية أو بالشعر، ولكنَّ تلاوته للأدعية الواردة أولى وأفضل. ولا ينبغي أن ينسى الصلاة على محمدٍ وآله في أول القنوت، بل في آخره أيضاً.
وأقلُّ ما يقال فيه: [اللهمَّ اغفر لي، أو ربِّ اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم] أو يضيف: [إنك أنت الأعزُّ الأجلُّ الأكرم][[370]]. كما له أن يكتفي بنصِّ الصلاة على محمدٍ وآله .
ومن أشهر أدعية القنوت ما يسمى بكلمات الفرج، أو دعاء الفرج، وهي قوله: [لا إله إلا الله الحليم الكريم, لا إله الا الله العليُّ العظيم، سبحان الله ربِّ السَّماواتِ السبع وربِّ الأرضين السبع وما فيهنَّ وما بينهنَّ وربِّ العرش العظيم، والحمد لله ربِّ العالمين][[371]].
ويمكن للمصلي أن يختار أدعيةً أو أبعاضاً من أدعيةٍ واردةٍ في أيِّ مناسبةٍ ليس فيها ما ينافي حاله، فيقرأها في القنوت. بل قالوا: إنه يكفي فيه ما يتيسر من ذكرٍ أو دعاءٍ أو حمدٍ أو ثناء, ويجزي سبحان الله خمساً أو ثلاثاً أو مرةً واحدة.
ولقنوت ركعة الوتر تفاصيلُ مستحبةٌ أكثر، كزيادة التضرع بالقول، والإقرار بالذنب والعزم على التوبة وعدم العود إليه، والعفو ثلاثمائة مرةٍ والإستغفار له سبعين مرة، ولأربعين مؤمناً بأسمائهم, أو أسمائهم وأسماء آبائهم، أو كلِّ ما يشير إلى فردٍ معينٍ مقصودٍ منهم، ولو بوصفٍ من أوصافه، والإستغفار للمؤمنين والمؤمنات عموماً، والدعاء للأولياء والصالحين خصوصاً.
ويستحبُّ التكبير قبل القنوت، وكذلك بعده للركوع، ويستحبُّ رفع اليدين حال التكبير، ثمَّ إسبالهما، ثمَّ رفعهما حيال الوجه، جاعلاً باطنهما إلى السماء، وإذا ناسب حاله وضعٌ آخر فعله, كالتفريق بين اليدين, أو جعل رؤوس الأصابع إلى السماء أو غير ذلك، ويستحبُّ أن يكون نظره حال القنوت إلى باطن كفيه[[372]].
 

الفقرة (22)

التعقيب
 
وهو الإشتغال بعد الفراغ من الصلاة بالذكر والدعاء والقرآن، وينبغي مع الإمكان أن يبقى بدون كلامٍ خارجي، وعلى وضع الصلاة في التشهد خلال الأدعية كلها، أو إلى حدِّ إمكانه.
ويبدأ ذلك بالتكبير ثلاثاً بعد التسليم، رافعاً يديه فيها إلى أذنيه.
وأفضل التعقيب: تسبيح الزهراء سلام الله عليها، وهو التكبير أربعاً وثلاثين مرة, ثمَّ الحمد ثلاثاً وثلاثين, مرةً, ثمَّ التسبيح ثلاثاً وثلاثين, وكذلك آية الكرسي, وكذلك آية شهد الله[[373]] وآية الملك[[374]].
واعلم أنَّ الوارد من الأدعية في التعقيب كثيرٌُ جداً، حتى أنَّ المنصوح به في الشريعة استحباباً، أن لا يغادر المصلي مصلاه بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، والمفروض أنه قد صلاها في أول وقتها، فيكون الوقت حوالي الساعة والنصف، وقد ورد فيها من الأذكار والأدعية ما يفي بذلك ويزيد.
والتعقيبات إما عامةٌ لكلِّ الصلوات، أعني الفرائض، ولا تعقيب للنوافل. وإما خاصةٌ ببعضها، وإن كان لا حرج في تجاوز هذا التحديد مع عدم منافاة المعنى والحال.
ونحن ذاكرون فيما يلي أهمَّ النصوص المختصرة والمشهورة.
ومن ألطفها أنَّ هناك عدة نصوص تتكفل بشرح التسبيحة الرباعية: سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله والله أكبر. يمكن قراءتها أو أيٌّ منها بعد أيِّ فريضة.
منها: سبحان الله كلما سبح الله شيءٌ وكما يحب الله أن يسبح وكما هو أهله، وينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله. والحمد لله كلما حمد لله شيءٌ, وكما يحب الله أن يحمد, وكما هو أهله, وكما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله. ولا إله الا الله كلما هلل لله شيءٌ, وكما يحب الله أن يهلل, وكما هو أهله, وكما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله. والله أكبر كلما كبر لله شيءٌ, وكما يحب الله أن يكبر, وكما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله. سبحان الله والحمد لله ولا إله الا الله والله أكبر على كلِّ نعمةٍ أنعم الله بها عليَّ وعلى كلِّ أحدٍ من خلقه, ممن كان أو يكون إلى يوم القيامة. اللهمَّ إني أسألك أن تصلي على محمدٍ وآل محمد, وأسألك من خير ما أرجو وخير ما لا أرجو، وأعوذ بك من شرِّ ما أحذر ومن شرِّ ما لا أحذر[[375]].
ومنها: سبحان الله ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وزنة العرش وسعة الكرسي. الحمد لله ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وزنة العرش وسعة الكرسي. لا إله الا الله ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وزنة العرش وسعة الكرسي. الله أكبر ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وزنة العرش وسعة الكرسي[[376]].
وقد ورد تكرارها ثلاثاً أو تكرار كلِّ فقرةٍ منها ثلاثاً قبل البدء بالأخرى.
ومنها: سبحان الله قبل كلِّ أحد, وسبحان الله بعد كلِّ أحد, وسبحان الله مع كلِّ أحد, وسبحان الله يبقى ربنا ويفنى كلُّ أحد, وسبحان الله تسبيحاً يفضل تسبيح المسبحين فضلاً كثيراً قبل كلِّ أحد, وسبحان الله تسبيحاً يفضل تسبيح المسبحين فضلاً كثيراً بعد كلِّ أحد, وسبحان الله تسبيحاً يفضل تسبيح المسبحين فضلاً كثيراً
مع كلِّ أحد. وسبحان الله تسبيحاً يفضل تسبيح المسبحين فضلاً كثيراً لربنا الباقي ويفنى كلُّ أحد. سبحان الله تسبيحاً لا يحصى ولا يدرى ولا ينسى ولا يبلى ولا يفنى وليس له منتهى. وسبحان الله تسبيحاً يدوم بدوامه ويبقى ببقائه, في سنيَّ العالمين وشهور الدهور وأيام الدنيا وساعات الليل والنهار. سبحان الله أبد الأبد ومع الأبد مما لا يحصيه العدد ولا يفنيه الأمد ولا يقطعه الأبد. وتبارك الله أحسن الخالقين[[377]].
ثمَّ قل: [والحمد لله قبل كلِّ أحد، والحمد لله بعد كلِّ أحد]. إلى آخره. ثمَِّ قل: [لا إله إلا الله قبل كلِّ أحد]. إلى آخره. ثمَّ قل: [الله أكبر قبل كلِّ أحد، إلى آخره][[378]].
ويقع في ضمن ذلك: [والحمد لله حمداً يفضل حمد الحامدين فضلاً كثيراً]. وكذلك: [ولا إله إلا الله تهليلاً يفضل به تهليل المهللين فضلاً كثيراً]. وكذلك: [والله أكبر تكبيراً يفضل تكبير المكبرين فضلاً كثيراً][[379]].
ومما يصلح للتعقيب بعد كلِّ صلاة, الأدعية الجامعة للمحاسن والمستوعبة للمطالب، مطولةً كانت أو مختصرة.
فمن المطولات مناجاة شعبان عن الإمام أمير المؤمنين ، والتي تبدأ بقوله: [اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وآل محمد، واسمع دعائي إذا دعوتك، واسمع ندائي إذا ناديتك، وأقبل عليَّ إذا ناجيتك][[380]]. إلى آخر الدعاء ولا مجال لسرده كلِّه، وهو دعاءٌ شريفٌ غير خاصٍّ بوقت، وإن كان في شهر شعبان أفضل.
ومن هذه الأدعية الجامعة: دعاء العشرات الذي يبدأ بقوله: [سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم، سبحان الله آناء الليل وأطراف النهار][[381]]. . إلى آخر الدعاء. ويحتوي على شكلٍ من الحمد لله عزَّ وجلَّ قلما يحويه دعاءٌ آخر.
ومن ذلك: دعاء كميل الذي يبدأ بقوله: [اللهمَّ إني أسألك برحمتك التي وسعت كلَّ شيءٍ وبقوتك التي قهرت بها كلَّ شيء، وخضع لها كلُّ شيءٍ وذلَّ لها كلُّ شيء]. إلى آخر الدعاء[[382]].
ومن ذلك: دعاء الإفتتاح الذي يبدأ بقوله: [اللهمَّ إني أفتتح الثناء بحمدك، وأنت مسدِّدٌ للصواب بمنك, وأيقنت أنك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة][[383]. إلى آخر الدعاء.
ومن الأدعية الصغيرة الجامعة: [اللهمَّ إني أسألك صبر الشاكرين لك، وعمل الخائفين منك، ويقين العابدين لك. اللهمَّ أنت العليُّ العظيم، وأنا عبدك البائس الفقير, أنت الغنيُّ الحميد، وأنا العبد الذليل. اللهم صلِّ على محمدٍ وآله، وامنن بغناك على فقري، وبحلمك على جهلي، وبقوتك على ضعفي، يا قويُّ يا عزيز. اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وآل محمدٍ الأوصياء المرضيين, واكفني ما أهمني من أمر الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين][[384]].
ومن الأدعية الصغيرة الجامعة أيضاً: [اللهمَّ أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك, ومن طاعتك ما تبلغنا به رضوانك، ومن اليقين ما يهون علينا به مصيبات الدنيا. اللهمَّ أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا, وانصرنا على من عادانا, ولا تجعل مصيبتنا في ديننا, ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا, ولاتسلط علينا من لا يرحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين][[385]].
وبعض هذه الأدعية، موقَّتٌ بأوقاتٍ معينةٍ, إلا أنه لا ينافي إمكان قراءتها في أيِّ وقت.
ويبدأ التعقيب عادةً بالتهليل بعد التكبيرات الثلاث، فيقول: [لا إله إلا الله إلهاً واحداً ونحن له مسلمون, لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره المشركون. لا إله إلا الله ربنا وربُّ آبائنا الأولين. لا إله إلا الله وحده وحده, أنجز وعده, ونصر عبده, وأعزَّ جنده, وهزم الأحزاب وحده، فله الملك وله الحمد, يحيي ويميت ويميت ويحيي, وهو حيٌّ لا يموت, بيده الخير وهو على كلِّ شيءٍ قدير][[386]].
ثمَّ قل: [أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيوم وأتوب إليه][[387]]
ثمَّ قل: [اللهمَّ اهدني من عندك, وأفض عليَّ من فضلك, وانشر عليَّ من رحمتك, وأنزل عليَّ من بركاتك, سبحانك لا إله إلا أنت اغفر لي ذنوبي كلها جميعاً، فإنه لا يغفر الذنوب كلَّها جميعاً إلا أنت. اللهمَّ إني أسألك من كلِّ خيرٍ أحاط به علمُك, وأعوذ بك من كلِّ شرٍّ أحاط به علمك. اللهمَّ إني أسألك عافيتك في أموري كلِّها, وأعوذ بك من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وأعوذ بوجهك الكريم, وعزتك التي لا ترام, وقدرتك التي لا يمتنع منها شيءٌ, من شرِّ الدنيا والآخرة, ومن شرِّ الأوجاع كلِّها, ومن شرِّ كلِّ دابَّةٍ أنت آخذٌ بناصيتها إنََّ ربي على صراطٍ مستقيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم. توكلت على الحيِّ الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك ولم يكن له وليٌّ من الذلِّ وكبره تكبيراً][[388]].
ثمَّ تسبح تسبيح الزهراء, وتقول عشر مراتٍ قبل أن تتحرك من موضعك: [أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً][[389]].
ومن التعقيبات المختصرة: [يا من لا يشغله سمعٌ عن سمع, ويا من لا يغلطه السائلون, ويا من لا يبرمه إلحاح الملحين، أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك ومغفرتك][[390]].
وتقول أيضاً: [إلهي هذه صلاتي صليتها, لا لحاجةٍ منك إليها, ولا رغبةً منك فيها إلا تعظيماً وطاعةً وإجابةً لك لما أمرتني به. إلهي إن كان فيها خللٌ أو نقصٌ من ركوعها أو سجودها فلا تؤاخذني, وتفضل عليَّ بالقبول والغفران][[391]].
وتقول: [سبحان من لا يعتدي على أهل مملكته. سبحان من لا يأخذ أهل الأرض بألوان العذاب, سبحان الرؤوف الرحيم. اللهمَّ اجعل لي في قلبي نوراً وبصراً وفهماً وعلماً إنك على كلِّ شيءٍ قدير][[392]].
وتقول: [اللهمَّ إنَّ مغفرتك أرجى من عملي, وإنَّ رحمتك أوسع من ذنبي. اللهمَّ إن كان ذنبي عندك عظيما فعفوك أعظم من ذنبي. اللهمَّ إن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك فرحمتك أهلٌ أن تبلغني وتسعني، لأنها وسعت كلَّ شيءٍ برحمتك يا أرحم الراحمين][[393]].
وتقول: [أعيذ نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي وإخواني في ديني وما رزقني ربي وخواتيم عملي, ومن يعنيني أمره بالله الواحد الأحد الصمد, الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد، وبربِّ الفلق من شرِّ ما خلق, ومن شرِّ غاسقٍ إذا وقب, ومن شرِّ النفاثات في العقد, ومن شرِّ حاسدٍ إذا حسد، وبربِّ الناس ملك الناس إله الناس, من شرِّ الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس][[394]].
ويمكن أن يقرأ في التعقيب ما شاء من القرآن الكريم، وخاصةً بعض السور الوارد استحبابها, كسورة ياسين والواقعة وق وص والذاريات والدخان.
كما يمكن أن يقرأ في التعقيب أدعية العوذات والتوسل وقضاء الحاجاتـ، وهي كثيرةٌ ومنها ذات مداليلَ عالية، ومنها الطويلُ والقصير.
ومن الأدعية الصغيرة قوله: [يا عماد من لا عماد له, ويا ذخر من لا ذخر له, ويا سند من لا سند له, ويا حرز من لا حرز له، ويا غياث من لا غياث له, ويا كنز من لا كنز له, ويا عزَّ من لا عزَّ له. يا كريم العفو, يا حسن التجاوز, يا عون الضعفاء, يا كنز الفقراء, يا عظيم الرجاء, يا منجي الهلكى, يا محسن يا مجمل يا منعم يا مفضل. أنت الذي سجد لك سواد الليل ونور النهار وضوء القمر وشعاع الشمس وحفيف
الشجر ودويُّ الماء. يا ألله يا ألله يا ألله لا إله الا أنت وحدك لا شريك لك. يا رباه يا ألله صلَّ على محمدٍ وآل محمد, وافعل بي ما أنت أهله]. وسل حاجتك[[395]].
ومنها: قوله: [اللهمَّ بحقِّ العرش ومن علاه, وبحقِّ الوحي ومن أوحاه, وبحقِّ النبيِّ ومن نباه, وبحقِّ البيت ومن بناه، يا سامع كلِّ صوت, يا جامع كلِّ فوت, يا بارئ النفوس بعد الموت, صلَّ على محمدٍ وأهل بيته, وآتنا وجميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها فرجاً من عندك عاجلاً بشهادة أن لا إله إلا الله, وأنَّ محمداً عبدك ورسولك صلى الله عليه وآله, وعلى ذريته الطيبين الطاهرين وسلَّم تسليماً كثيراً][[396]].
ومنها: [إلهي كيف أدعوك وأنا أنا، وكيف أقطع رجائي منك وأنت أنت. إلهي إذا لم أسألك فتعطيني فمن ذا الذي أسأله فيعطيني. إلهي إذا لم أدعُك فتستجيب لي فمن ذا الذي أدعوه فيستجيب لي. إلهي إذا لم أتضرع اليك فترحمني فمن ذا الذي أتضرع إليه فيرحمني. إلهي فكما فلقت البحر لموسى  ونجيته, أسألك أن تصلِّي على محمدٍ وآله وأن تنجيني مما أنا فيه, وتفرج عني فرجاً عاجلاً غير آجلٍ بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين][[397]].
ومنها: قوله: [اللهمَّ إنك ترى ولا تُرى, وأنت بالمنظر الأعلى, وإنَّ إليك المنتهى والرجعى, وإنَّ إليك الآخرة والأولى, وإنَّ لك المماتَ والمحيا، ربِّ أعوذ بك أن أذلَّ وأخزى][[398]].
ويمكن أن يقرأ المصلي في التعقيب أدعية التضرع والتوبة، وهي عديدةٌ، تجدها في الصحيفة السجادية وغيرها من مصادر الأدعية.
ونختم فصلنا هذا، من أجل أن لا يملَّ القارئ الكريم، ويقتصر على استيعاب التضرع والفهم الإلهيِّ الموجود في الأدعية والثقافة الدينية الإسلامية التي تستوعبها، فنختم ذلك بالتسبيحات التي تختصُّ بصلاة الصبح، بحسب ورودها وأثرها، وإن كان يمكن جعلها في أيِّ وقت.
تقول مائة مرة: أستغفر الله وأتوب إليه.
ومائة مرة: أسأل الله التوبة.
ومائة مرة: أسأل الله العافية.
ومائة مرة: أستجير بالله من النار وأسأله الجنة.
ومائة مرة: أسأل الله الحور العين.
ومائة مرة: لا إله إلا الله الملك الحقُّ المبين.
ومائة مرة: سورة التوحيد.
ومائة مرة: صلى الله على محمدٍ وآل محمد.
ومائة مرة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر, ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم[[399]].
ومائة مرة: ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم[[400]].
ثمَّ تقرأ الأدعية التي تقرأ صباحاً ومساءاً. منها: قوله: [أصبحت اللهمَّ معتصماً بذمامك المنيع الذي لا يحاول ولا يطاول]. إلى آخر الدعاء[[401]].
ومنها: دعاء الصحيفة السجادية: [الحمد لله الذي خلق الليل والنهار بقوته, وميز بينهما بقدرته]. إلى آخر الدعاء[[402]].
وغير ذلك كثير.

الفقرة (23)

الخلل الواقع في الصلاة
 
والخلل فيها إما عن شكٍّ أو سهو، والفرق بين هذين وجدانيّ.
وحاصله: وجود اليقين وعدمه. فإن حصل اليقين بالترك، ومثله إن قامت على الترك حجةٌ شرعيةٌ كالإطمئنان أو شهادة البينة، فذلك اسمه السهو, وإن لم يحصل اليقين بالترك ولا قامت عليه حجةٌ شرعيةٌ مع فرض الإلتفات إليه، فهو شكٌّ. وقد يوسم السهو بالغفلة أو النسيان.
غير أنَّ هذين قد يسببان الشكَّ كما قد يسببان السهو، حسب وجدان المصلِّي.
والفقهاء أخذوا في جانب السهوِ الواقعَ. يعني أن يكون الترك حاصلاً فعلاً وواقعاً، لكي يصدق أنه قد سها عنه.
 وهذا يرد عليه أحد أمرين:
الأمر الأول: أنَّ الواقع بما هو واقعٌ غير معلومٍ بنفسه, وإنما يصل إلى الفرد عن طريق اليقين ونحوه. فغاية قدرة الفرد هو أن يشعر بوجدانه، وهو كونه على يقينٍ أو ظنّ. أما أن يشعر بالواقع المستقلِّ عن ذاته فهذا متعذر.
لكنَّ اليقين بدوره يكشف له الواقع، فإن كان صادقاً، كان الواقع هو الترك، وعلى أيِّ حالٍ فتكليفه منحصرٌ بملاحظة يقينه.
الأمر الثاني: إنَّ بين السهو والشكِّ جهة تقابل. وهذا ما أسقطه الفقهاء, فأخذوا في جانب السهو الواقعَ, وأخذوا في جانب الشكِّ الوجدان، في حين لو أخذنا في كلا الجانبين جانب الوجدان كان أفضل، بحيث يحفظ ذلك التقابل.
والسهو كما يشمل النقيصة يشمل الزيادة أيضاً، وذلك فيما إذا تعلق بها اليقين، يعني أصبح على يقينٍ بأنه قد زاد شيئاً واجباً أو ركناً سهواً.
والشكُّ قد يشمل الزيادة، إلا أنه لاحكم له، ومن هنا لم يتعرض له الفقهاء، بخلاف السهو، فمثلاً لو تيقن بزيادة ركنٍ سهواً، بطلت صلاته. وأما لو شكَّ بزيادته، كان الأصل عدمه، ويمكن أن تصحَّ صلاته ولاشيء عليه.
وكلٌّ من الشكِّ والسهو يتعلقان بالماضي غالباً, إلا إذا كان مما لم يتجاوز محله, ولم يعمل بعده أيَّ عملٍ على تقدير تركه, بحيث لو فعله فوراً لكان في محله تماماً، فهنا قد يقال إنه شكٌّ أو سهوٌ في الحاضر، ولا مشاحَّة في الإصطلاح، وليس وراءه أثرٌ فقهيّ.
كما إنَّ كلتا الصفتين، كما تتعلقان بالواجبات، تتعلقان بالمستحبات, إلا أنَّ الفقه التقليديَّ كله مكرسٌ لما هو إلزاميٌّ في الشريعة واجبٌ أو محرم. وقد أسقط الفقهاء ما سواهما عن الإعتبار الحقيقيّ، مع أنه قد يكون دخله في التكامل والتربية أهمَّ وأشدَّ وأسرع.
غير أنَّ عذرهم هنا، في الباب الذي نتحدث عنه، أنَّ زيادة ونقيصة المستحبِّ غير مبطلةٍ للصلاة، سواءٌ تيقنها أو شكَّ فيها. وإن كان هناك مسلكٌ لبعض الفقهاء بلزوم سجدتي السهو, ولو احتياطاً وجوبياً، فيما إذا ترك الفرد ـ سهواً ـ مستحباً كان عازماً على فعله, أو ترك مستحباً يلتزم به المتشرعة دائماً أو غالباً جداً، كالقنوت ونحوه. غير أنَّ الصحيح لدى المشهور المنصور، خلاف ذلك.
 نعود إلى الجانب الأخلاقيِّ لهذا الباب، وذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: إنَّ الخلل في الصلاة، سواءٌ كان عن شكٍّ أو سهوٍ، ينشأ دائماً من كون الذهن سارحاً شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً في المشاكل والمطامح الدنيوية, تاركاً للتوجه والخشوع في الصلاة، فيتسبب ذلك إلى أن ينسى أو يغفل عن صلاته أو بعضها، فينشأ لديه الشكُّ أو السهو أو كلاهما.
وأما في صورة التوجه، فلا شكَّ أنَّ الخلل يكون منتفياً, والصلاة تكون متكاملة.
المستوى الثاني: إنَّ عدم التوجه في الصلاة، بنفسه خللٌ معنويٌّ في الصلاة، ومسببٌ بدوره لخللٍ آخر كما عرفنا وهو الشكُّ والسهو، وهو قوله تعالى: [الّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ] [[403]].
وعدم التوجه هذا ينشأ من عدة مناشئ، أهمها:
المنشأ الأول: الإهمال: بمعنى عدم اهتمام المصلِّي بالتوجه والخشوع، وإنما المهمُّ لديه فقط إيجاد حركات الصلاة من قيامٍ وقعود.
المنشأ الثاني: اهتمام الفرد بأمور الدنيا، الإقتصادية أو الإجتماعية أو غيرها، فهي لا تزال تلحُّ على ذهنه.
المنشأ الثالث: وجود مشكلةٍ تقلقه وتخرجه عن طبعه، وعندئذٍ فمن الطبيعيِّ أن تلحَّ على ذهنه وتشغله.
المنشأ الرابع: إنَّ التوجه والخشوع من نعم الله عزَّ وجلّ، ومن حسن التوفيق للمصلي. وقد يحرم الفرد من هذا التوفيق فيما إذا كان المقصود عقوبته على بعض ذنوبه, أو غير ذلك.
والمفروض بالفرد المؤمن عدم وجود شيءٍ من هذه المناشئ لديه، ولكنَّ ذلك يختلف باختلاف الأفراد، ومقدار إدراكهم واهتمامهم وصبرهم وتربياتهم.
وقد علم الله سبحانه صعوبة ذلك، فإنَّ التركيز الذهنيَّ المستمرَّ ليس باليسير، ومن هنا ورد: [إنَّ من صلى ركعتين لا يذكر فيهما إلا الله عزَّ وجلّ، خرج من ذنوبه كما ولدته أمه][[404]].
هذا، ولو كان الفرد معتاداً على التوجه والخشوع، لم يحتج في هذا الإستمرار إلى التركيز الذهنيّ، وإنما يكون الإستمرار تلقائياً, وحسب اصطلاحهم: فإنَّ الذكر يكون قلبياً لا ذهنياً، فيكون أقلَّ كلفةً وأعمق فهماً.
المستوى الثالث: إنَّ السهو كما قد يتعلق بواجبٍ قد يتعلق بركنٍ في الصلاة, كالركوع والسجود. كما قد يتعلق بمستحبٍّ, كما أشرنا.
والصلاة المعنوية، التي يمثلها الخشوع والتوجه نفسه خلال الصلاة، فيها أيضاً ما هو واجبٌ في صحتها واستمرارها, وما هو ركنٌ وما هو مستحبٌّ. وتفويت أيِّ جزءٍ من هذا القبيل في الصلاة، قد يوجب تفويت جزءٍ مقابلٍ له في الصلاة المعنوية.
فما تبطل الصلاة به، وهو السهو عن الركن بعد تجاوز المحلّ، تبطل به الصلاة المعنوية. وما لا تبطل به تلك لا تبطل به هذه, كترك الواجب غير الركنيِّ سهواً. وما تنقص به تلك تنقص به هذه، وهو الجزء الواجب غير الركنيِّ نفسه والجزء المستحبّ. وما تزيد تلك به فضلاً واستحباباً تزيد به هذه أيضاً، وهو الجزء المستحبُّ نفسه.
وما تبطل به تلك بتركه عمداً, تبطل به هذه بتركه عمداً، ولو عن عذرٍ دنيويٍّ غير مشروع. وما تخسر به تلك فضلاً من نقصه عمداً، تخسر به هذه. والخاسر على أيِّ حالٍ هو المصلِّي.
المستوى الرابع: الصيانة الكلية أو الجزئية من الشكِّ والسهو يحتاج إلى حسن التوفيق، إذ من الواضح أنَّ كليهما ليس اختيارياً ولا عمدياً, وإنما يقع على غرةٍ من الفرد.
وحسب فهمي، فإنَّ هذه الصيانة مقترنةٌ ـ عادةً ـ مع درجةٍ معينةٍ يعلمها الله عزَّ وجلّ، من التوجه أو التكامل أو التوكل أو الصفاء أو الرحمة، ما شئت فعبر. وعطاء الله عزَّ وجلَّ موجودٌ للمستحقين لا محالة، فإنه كريم لا بخل في ساحته، فيعطي عطاءه ما لم يكن هناك مانعٌ من جانب العبد نفسه.
لاحظ معي - للتنظير - قوله تعالى: [مَا سَلَكَكُمْ فيِ سَقَرَ][[405]]. ولم يقل أحدهم: ما أدخلكم الجنة, لأنَّ الأصل في الإنسان هو دخول الجنة ولا عجب من دخولها، بعد سعة الرحمة وعدم المانع من قبل العبد. وإنما العجب والتساؤل يكون في ما إذا دخل الفرد سقر، ولم تقتض الرحمة على سعتها أن يدخل الجنة. فأيُّ جنايةٍ على النفس وأيُّ ظلم؟
المستوى الخامس: إنَّ الشكَّ في الصلاة، كما قد يتعلق بإنجاز فعلٍ وعدمه, قد يتعلق بحكم فعلٍ وعدمه. بمعنى أنه واجبٌ أم لا, مبطلٌ أم لا, ونحو ذلك.
والشكُّ بإنجاز الفعل، هو الذي ذكره الفقهاء في هذا الباب. وأما الشكُّ بالنحو الآخر، فليس هذا الباب محله. ولكنَّ الفقهاء يجرون عنه أصالة البراءة. فما شككنا بوجوبه، قلنا بعدم الوجوب. وما شككنا بكونه مبطلاً، قلنا بعدم إبطاله, وهكذا. وهذا في الفقه صحيح.
إلا أنه ليس صحيحاً دائماً على المستوى الأخلاقيّ, بل الغالب تخلفه بحيث يكون الأفضل للفرد سلوك جانب الإحتياط في عباداته الظاهرية والقلبية، فما احتمل وجوبه أو استحبابه أتى به مع الإمكان، وما احتمل حرمته أو مبطليته أو مانعيته تركه مع الإمكان، ليكون سلوكه أصوب وتكامله أسرع.
المستوى السادس: أما الشكُّ الواقع في القلب في مراتب أخرى ، فهو لا أثر له ما دام لم يحدث في الفرد قولاً أو عملاً أو قناعةً، ومن هنا ورد بمضمون: [إنَّ الصلاة إن افتتحتها بالتكبير خالصةً لله لم يضرك ما يحصل بعد ذلك][[406]]. وورد عن النبيِّ  [رفع عن أمتي الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بلسان][[407]]. والوسوسة في الخلق هي الشكُّ الذي نتحدث عنه.
 وهذا الشكُّ من الناحية الأخلاقية مشطوبٌ عليه, ولا حكم له لعدة أسباب:
أولاً: إنه غير اختياريٍّ للمكلف.
ثانياً: إنه غير مُرضٍ للمكلف.
ثالثاً: إنه لا يقدر المكلف على إزالته.
رابعاً: إنَّ الفرد مقتنعٌ بفساده وشاهدٌ على صحة خلافه.
ولكنَّ الذي لا يحصل له مثل هذا الوسواس، فهو أفضل مقاماً عند الله لا محالة. وكلما يحصل أقلّ فهو أفضل من الذي يحصل عنده الأكثر.
وتأثير الفرد في إزالة مثل هذا الوسواس متعذر, وإنما يتناسب مع التكامل المعنويِّ تناسباً عكسياً، فهو يقلُّ كلما ازداد التكامل وابتعد الشيطان، حتى يصل الفرد إلى درجةٍ من الكمال، يستحقُّ فيها الطهارة الكاملة من هذه الأدران[[408]]. والله تعالى كريمٌ لا بخل في ساحته، فيضفي عليه برحمته هذا العطاء.
المستوى السابع: إنَّ التداركات المشروعة فقهياً للشكّ، وهي عديدةٌ، وأعني بها هنا: سجدتي السهو وصلاة الإحتياط, تعتبر في بابها تداركاً معنوياً لما فات خلال الصلاة ونقص منها, نقصاً عملياً أو معنوياً.
فسجدتا السهو إرغامٌ للشيطان الذي سبب هذا السهو، كما يمكن أن تعتبر استغفاراً عن النقص الحاصل وتضرعاً للغفران.
ونفس ذلك، يمكن أن ينطبق على صلاة الإحتياط, مع شيءٍ آخر وهو الأهمُّ فيها، وهو تدارك ما نقص خلال الصلاة تداركاً كاملاً، فلئن نقصت الركعات، كانت هذه الصلاة بدلها، وإن نقص التوجه، كان هذا التوجه بدله، وإن نقص التفكر، كان هذا التفكر بدله، وهكذا.
وأما النقص الحاصل في الصلاة، من التوجه وغيره، مما لا يبطلها، ولكن لا يمكن تداركه بسجود السهو وصلوات الإحتياط فهذا يمكن تداركه بعدة أمور، منها:
أولاً: النوافل. وهذا ما نصت عليه الأخبار, من أنها تسدُّ ما نقص من التوجه الحاصل خلال الصلاة قال: [إنَّ الله جبر ذلك بالنوافل][[409]].
ثانياً: التعقيب، وهو الدعاء خلف الصلاة مباشرةً كما عرفنا، فإنه مع حصول التوجه فيه، تكون المدة الزمانية والمعنوية المطلوبة للتوجه قد استوفيت.
ثالثاً: الإنابة والإستغفار، من فقد التوجه خلال الصلاة والإشتغال بأفكار الدنيا.
المستوى الثامن: حصل من بعض الفقهاء أنه قال: إنَّ اشتغال الذهن بأمورٍ كثيرةٍ خلال الصلاة مما لابدَّ منه. فليكن الأفضل للفرد أن يشغل ذهنه بالأمور العلمية الدينية من الفقه أو الفلسفة أو الأصول أو علم الرجال أو التفسير أو نحو ذلك.
وهذا يصدق تماماً، في مستوى معينٍ من الإدراك والتكامل، إذ لا شكَّ أنَّ التفكير بالأمور الدينية أو النافعة للنفس والآخرين، خيرٌ من التفكير بالأمور الدنيوية التي لا طائل تحتها. كما لا شكَّ أنَّ القدرة على حصر الذهن والسلطة على تحريكه، خيرٌ من أن يفلت زمامه من يد صاحبه إلى أمورٍ متدنيةٍ لا تسمن ولا تغني من جوع.
إلا أنَّ الفرد لو تكامل أكثر من ذلك، لوجد أنَّ من الضروريِّ ترك كلَّ فكرةٍ خارجةٍ عما هو المطلوب في الصلاة من الخشوع أولاً، ومن معرفة معاني كلامه من القرآن والذكر ثانياً. وكلُّ فكرةٍ تمنع عن ذلك، فهي في الحقيقة تمنع عن تكامل الصلاة وحسن أدائها وتأثيرها، وخاصةً مع وجود فرصةٍ للفرد خارج الصلاة بالتفكير في ذلك وغيره، كما هو الأعمُّ الأغلب.
كما إنَّ من الواضح , أنَّ الصلاة التي لا يذكر فيها إلا الله عزَّ وجلّ، تنفي وجود مثل هذه الصلاة التي يقترحها هذا الفقيه.
أما القول: بأنَّ اشتغال الذهن مما لابدَّ منه، فهذا ما سبق أن بحثناه، وقلنا بأنه يمكن تقليله تدريجياً، مع كثرة التكامل والصعود التدريجيِّ في رفيع الدرجات, بل إنَّ هذا الخبر لا شكَّ يشير إليه، إذ لو كان ذلك متعذراً أو مستحيلاً، لما أصبح مطلوباً, ولو على وجه الإستحباب من المؤمن، وحيث نسمع الخبر قد طلبه، إذن نعرف إمكانه بطبيعة الحال.
أحسب أنه يكفينا هذا المقدار من الحديث عن الخلل في الصلاة.
 

الفقرة (24)

في ردِّ التحية في الصلاة وغيرها
 
التحية وردها يزيدان المحبة عن سابق عهدها ويوجدانها مع عدمها، ويذهبان بسخائم القلوب والأحقاد، ما عدا مراتب العناد وشدة البغضاء.
وحيث أراد الله سبحانه وتعالى لأفراد المجتمع المسلم، الإتفاق والتوادُّ والمحبة، شرع لهم التحية، فيما شرع من مكارم الأخلاق، والتي أتمها نبيُّ الإسلام، قال: [إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق][[410]].
وقد قال الفقهاء طبقاً لما ورد في الأخبار، [من أنَّ البدء بالتحية مستحبٌّ إلا أنَّ ردَّها واجب][[411]]. والبدء أفضل من الردّ، بالرغم من وجوبه، لأنه يتضمن المبادرة إلى الخير، وإيجاد ما ليس بلازمٍ شرعاً، والتسبب للتحبب بين المسلمين وغير ذلك، ولذلك يكون القسط الأهمُّ من الخير للبادئ منهما.
نعم، إذا كان الفرد ناوياً للبدء بالتحية فبدره الآخر بها, كان حائزاً ثواب المبادرة، لا بالعمل بل بالنية, لأنَّ [نية المؤمن خيرٌ من عمله][[412]]، [ولكلِّ امرئٍ ما نوى][[413]].
والتحية يمكن أن تكون على أشكالٍ مختلفةٍ قوليةٍ وفعلية. وبالتأكيد، فإنَّ بعض أشكالها مرجوحٌ بل محرم، لأنه يتضمن نقصاً شديداً في أسبابه أو مسبباته. أما في أسبابه: كما لو كان قائماً على اعتقادٍ فاسد، أو متضمناً لمضمونٍ فاسدٍ من الفحشاء وغيرها، كما عليه عادةُ بعض المتسيبين. وأما في مسبباته فلأنه قد ينتج شراً أو محرماً، كاحترام الظالم أو الحثِّ على المعصية أو الدلالة على الجريمة.
ومن هنا اختار الشارع المقدس الإسلاميُّ لنا صيغاً معينةً، تكون هي الأرجح والأولى من غيرها، مما يسوغ مأخذه ومورده، وتصحُّ مبادئه ونتائجه, ويتضمن مضافاً إلى احترام المخاطب والتحبب إليه ذكر الله عزَّ وجلّ ودعاءه، فلا يكون الفرد منصرفاً عن الذكر والدعاء حتى في علاقاته مع الآخرين أياً كانوا.
وقد ذكرنا في كتابنا [ماوراء الفقه][[414]]. طبقاً لما ورد في الأخبار بأنَّ [السلام] اسمٌ من أسماء الله تعالى، وهذا هو نصُّ القرآن الكريم أيضاً: ]السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ[[[415]]. مضافاً إلى أنَّ صيغة: السلام عليكم أو عليكم السلام، ليست إخباراً محضاً، بل دعاءٌ للمخاطب بأن يكون مشمولاً لرحمة الربِّ الكريم وجميل عطائه, حتى كأنه يكون في غشاءٍ كاملٍ من الرحمة [عليه].
ومن هنا كانت مثل هذه الصيغة من أذكار الله سبحانه، فلا تبطل الصلاة بها، وهذا أحد مبررات وجوب الردِّ حتى في الصلاة، لأنه من موارد: [إذا جاز وجب][[416]].
كما أنَّ وجوبه في الصلاة يمثل لنا مدى اهتمام الشارع المقدس، بالأهداف العليا التي جعل السلام والتحية بين المسلمين من أجلها، بحيث لا ينبغي أن يكون أيُّ شيءٍ مهما كان مهماً، أن يكون عائقاً عن أداء تلك الرسالة، حتى ولو كان هو الصلاة التي هي عمود الدين، وما فيها من توجهٍ وخشوع.
هذا, ولا يخفى أنَّ البدء بالتحية، قد يكون واجباً أحياناً، وإن كان في القاعدة العامة كونه مستحباً، وذلك فيما إذا أصبح مصداقاً للواجب، كما لو أصبح تطبيقاً لصلة الرحم، أو لإطاعة من تجب طاعته, أو لاحترام من يجب احترامه. وفيما إذا ترتبت عليه مصلحةٌ مهمةٌ عامةٌ أو خاصةٌ، أو اندفعت به مفسدةٌ مهمةٌ عامةٌ أو خاصة.
والردُّ، وإن كانت قاعدته العامة هي الوجوب، إلا أنه قد يسقط وجوبه، كما لو كان البادئ كافراً أو منافقاً، بحيث يسقط وجوب احترامه، بل قد يجب احتقاره وإبعاده, وفي مثل ذلك يستطيع الإنسان أن يسكت ولا يجيب، وفي بعض الأخبار أنه يمكن الجواب بقوله: [عليك][[417]]. لكن لا يريد بها (عليكم السلام)، وإن كان يتظاهر بذلك دفعاً للمضاعفات، وإنما يريد بها عليك اللعنة والعذاب، طبقاً لاستحقاق مخاطبه.
نعم، ليس هذا الإسلوب واجباً، أو متعيناً في الشريعة, وإن أمرت به بعض الأخبار, لأنها غير نقية السند، فلا تكون حجةً, فلا يجب التزامه وخاصةً في ظروفٍ قد تقتضي لزوم التحبب إلى الآخرين مهما كانوا, أو التقية منهم بشكلٍ وآخر.
 

الفقرة (25)

التحية للخالق سبحانه
 
التحية كما لها ارتباطٌ بين المخلوقين، لها ارتباطٌ بالخالق أيضاً، في أكثر من مستوى:
المستوى الأول: إنَّ السلام الإعتياديَّ بين الناس، وإن بدا صادراً من أحدهم إلى الآخر، إلا أنه في الحقيقة صادرٌ عن الله عزَّ وجلّ, أو بالأصحّ: إنه دعاءٌ ليصدر السلام من الله لعبده، فقولنا: سلامٌ عليكم يعني سلام الله عليكم، وهذا ما نصرح به ـ عادةً ـ  اتجاه الأنبياء والمعصومين ونحوهم, ولولا استجابة الدعاء منه جلَّ جلاله، لما كان هناك سلام.
المستوى الثاني: إنَّ السلام قد يصدر من الله على عبده، إذا كان رفيع المستوى في الإيمان، كالأنبياء ونحوهم. ففي عددٍ من الأخبار يوجد قول بعض الملائكة: [العليُّ الأعلى يقرؤك السلام ويخصُّك بالتحية والإكرام][[418]]. وقد عرفنا أنَّ معنى السلام منه هو درجةٌ من الرحمة بالمقدار الذي يعلمه جلَّ جلاله.
وهذا السلام لا يجاب بالجواب الإعتياديّ، باعتبار السبب الذي سنقوله في المستوى الآتي. وإنما يقول العبد في جوابه: [اللهمَّ أنت السلام, ومنك السلام, وإليك يعود السلام. ويشكر ربه على مثل هذا الإكرام].
ومن أمثلة صدور السلام منه سبحانه قوله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ][[419]]. بعد العلم بأنَّ الصلاة والسلام معاً، ذواتا معنىً متقارب، بصفتهما يستعملان للتحية.
المستوى الثالث: إنَّ السلام لا يصدر ولا يمكن أن يصدر من العبد إلى ربه, لأنَّ الله سبحانه غنيٌّ عن العالمين، لا تنفعه طاعات عباده ولا تضره معاصيهم، ولايمكن أن يناله مخلوقٌ بخيرٍ أو شرّ. والسلام هو شكلٌ من أشكال الخير، وهو غنيٌّ عن كلِّ خير، فلا يمكن أن يصل إليه السلام.
ولو سلم العبد جهلاً على ربه, أو رجاء المطلوبية, أو رجاء الوصول، لم يجب على الله رده، إذ لا يشمله سبحانه أيُّ وجوبٍ تشريعيٍّ من أيِّ نوع.
ولكن ذلك لا يعني أنَّ الله سبحانه لا يجيب على ذلك إن رأى من مصلحة عبده ذلك، ويكون جوابه درجةً من رحمته، قد يعرفها العبد، وقد تبقى مستورةً عليه.
 

الفقرة (26)

سجود القرآن الكريم
 
مما يأتي الحديث عنه في أعقاب الحديث عن أجزاء الصلاة وشرائطها سجود القرآن. والمراد به السجدات الواجبة أو المستحبة عند نهايات آياتٍ معينةٍ من القرآن الكريم.
والمعروف أنَّ الواجب منها أربعة، وهي السجدات الموجودة في سورة السجدة وفصلت والنجم والعلق[[420]]. وتجب عند قراءتها أو الإستماع إليها، دون السماع غير المتعمد. فإنَّ احتمال الوجوب فيه مدفوعٌ بأصالة البراءة. كما إنَّ احتمال الوجوب في غير هذه الأربعة أيضاً مدفوعٌ به.
وقال الفقهاء: إنه لا يجوز قراءتها في الصلاة[[421]]، لأنَّ الوجوب فوريٌّ، فيقع في غير محله فتبطل الصلاة.
 
وهذا الوجه عليه عدة مناقشات:
أولاً: النقض بالإستماع إلى السجدة الواجبة، فإنهم لم يقولوا بحرمته في الصلاة. إذن فإيجاد سبب السجدة الواجبة أو إيجاد موضوعها لا دليل على حرمته، بما فيها قراءة السورة نفسها.
ثانياً: إنهم قالوا: إنَّ المصلي إذا استمع للسجدة، أومأ للسجود, ثمَّ يسجد بعد الصلاة. وهذا معناه أنَّ سجود القرآن لا يفسد الصلاة، بما فيها السجود الناتج عن القراءة.
ثالثاً: إنَّ السجود لو تمَّ حقيقةً، لا يكون مبطلاً للصلاة, لأنَّ المبطل هو زيادة الواجب الصلاتيِّ عمداً, وهذا ليس منوياً أنه جزءٌ من الصلاة, وإنما منويٌّ أنه سجود القرآن, فهو واجبٌ منجَّزٌ خلال الصلاة، كجواب التحية.
وليس فعله من الفعل الزائد المبطل للصلاة كالقفزة ونحوها.
أولاً: لأنه ليس بهذه المثابة من الكثرة.
وثانياً: لأنه يحتوي على ذكرٍ وخشوع، وليس فعلاً دنيوياً.
بل إنَّ إجزاء الإيماء بدل السجود الكامل، مع إمكانه، محلُّ إشكالٍ بل منع. والفرد متمكنٌ وجداناً من السجود الكامل حتى في الصلاة, بل ومتمكنٌ شرعاً أيضاً إذ لا دليل على المنع منه.
وقد احتاط بعضهم احتياطاً استحبابياً بل أفتى بالإستحباب للسجود في كلِّ موردٍ  يرد فيه الأمر به في القرآن الكريم.
ونحن إذا تجاوزنا السجدات الواجبة والمستحبة، لوضوح أنَّ المراد غيرها، بقي لنا من الأمر بالسجود أمران: أمرٌ خاصٌّ وأمرٌ عامّ. فالأمر الخاصُّ هو المتوجه إلى جماعة محددين أو في زمانٍ معين، غير شاملٍ للمكلف القارئ للقرآن, كالأمر للملائكة بالسجود لآدم  في أكثر من آية, ولا أحسب أنَّ الفقيه يلتزم باستحباب السجود عنده.
وكذلك مثل قوله تعالى: [وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً][[422]]. فإنها لا تدلُّ على مطلوبية السجود في غير مواردها.
نعم، يبقى عندنا القسم الآخر من الأمر وهو العامّ، وليس له في القرآن الكريم إلا مواردُ قليلةٌ لعلها لا تزيد على اثنين.
أولاً: قوله تعالى: [لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ][[423]]. إذا فهمنا منها الحثَّ على السجود مطلقاً.
ثانياً: قوله تعالى: [أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ][[424]]  إذا فهمنا منها ذلك أيضاً.
وأما إذا فهمنا من هاتين الآيتين الحثَّ على السجود بشكلٍ محدد، كوقت الليل في الأولى أو أهل الكتاب فيها. وكذلك مملكة بلقيس في الثانية، بإزاء ما كانوا يعملون من عبادة الشمس. فإن فهمنا ذلك، لا يبقى لهذا الأمر موردٌ أصلاً في الفقه.
 

الفقرة (27)

 في الفهم الأخلاقيِّ للسجود القرآنيّ
 
القرآن الكريم كله ذكرٌ لله عزَّ وجلّ. والمفروض بالمؤمن أنه كلما سمع الذكر سجد. فإن لم يسجد جسمه سجد قلبه وعقله.
وما قد يخطر في البال: من أنَّ القرآن يحتوي على مطالبَ كثيرةٍ ليست من ذكر الله, كذكر الأنبياء والكفار وفرعون وإبليس وآيات التشريع وغيرها, فلا يكون كله ذكراً.
فجوابه: أنَّ احتواء القرآن الكريم على ذلك مسلَّمٌ وواضح, إلا أنه مع ذلك، هو ذكرٌ لله عزَّ وجلّ، أو لا أقلّ أنه مذكرٌ بالله عزَّ وجلّ. وذلك لعدة وجوه, منها:
أولاً: لأنَّ الفرد حين يقرأ القرآن ينبغي أن يتذكر بوضوحٍ كونه نازلاً عن الله عزَّ وجلّ. وهذا سببٌُ كافٍِ للذكر لا محالة.
ثانياً: إنَّ كلَّ ما ذكره الكتاب الكريم إنما هو من زاويةٍ إلهية, فالكفار هم كذلك أمام الله، وفرعون طاغيةٌ تجاهه, والأنبياء مرسلون من الله, والتشريع مجعولٌ منه سبحانه, وهكذا. وهذا أيضاً سببٌ كافٍ لجعل تلك الأمور كلها من قبيل الذكر أو سبباً للذكر.
إذن، فالقرآن الكريم كله ذكر، والسجود مناسبٌ مع الذكر لا محالة. كلُّ ما في الأمر أنه كما يمكن أن يراد به السجود الظاهريُّ يمكن أن يراد به السجود الواقعيّ، وهو غاية الخضوع لله عزَّ وجلّ, فمن المناسب أن لا يقرأ القرآن إلا في مثل هذه الحال، أو يحاول الفرد إيجادها لدى القراءة.
وقد يخطر في البال: أنه ورد في الأخبار: أنَّ هناك عدة أماكن لا يقرأ فيها القرآن[[425]]. وعدَّ منها الركوع والسجود، وهذا ينفي أو ينافي ما قلناه.
وجوابه: إنه يمكن حمل السجود هنا على السجود الظاهريِّ الإعتياديّ. أو حمله على السجود في الصلاة، فيرتفع التنافي بين الأمرين.
وإذا كان السجود في كلِّ القرآن مطلوباً، فأحرى به أن يكون في بعض القرآن مطلوباً، أو بتعبيرٍ آخر: إنَّ أبعاض القرآن الكريم وآياته تختلف في أولوية السجود فيها. فقد تبلغ الأهمية درجةً كافيةً، بحيث يكون من المصلحة أن تأمر الشريعة عامة الناس القارئين للقرآن بالسجود في تلك المواضع، وعندئذٍ يكون [السجود القرآني]. وهذه الأهمية قد تكون بدرجة الإستحباب، كما هو الحال في أغلب الآيات، وقد تكون بدرجة الوجوب.
وهنا، أعني الوجوب، قد يعني فيما يعني، أنَّ الله سبحانه لا يريد من العبد أن يكمل القرآن كله، وهو غير ساجدٍ على الإطلاق، بل يريد أن يرى عبده ساجداً ولو في البعض القليل من القرآن الكريم.
وقد يخطر في الذهن: أنَّ ما مشينا عليه ورمزنا إليه إلى الآن، هو أن يقرأ الفرد وهو ساجد، إما بالسجود الظاهريِّ أو السجود المعنويّ. في حين نرى أنَّ [السجود القرآنيّ] لا يجب فيه بل لا يشرع فيه قراءة القرآن، وإنما يقطع الفرد قراءته ويسجد، ثمَّ يستمرُّ بها إن أراد. إذن، فالسجود القرآنيّ، ليس هو الذي قصدناه.
 وهذا له عدة أجوبة: منها:
أولاً: إنَّ هذا السجود المأمور به هو رمزٌ عن ذلك السجود, فإنَّ الفرد الإعتياديَّ قد لا يفهم السجود بالمعنى الذي قلناه أو لا يستسيغه. ومن هنا أمر بالسجود خارج قراءة القرآن.
ثانياً: إنَّ الفرد الإعتياديَّ الذي لم يكن ساجداً خلال قراءة القرآن, لا سجوداً معنوياً ولا ظاهرياً، يمكنه أن يعوض عن ذلك بالسجود خارج القراءة كردِّ فعلٍ أو خشوعٍ ناتجٍ من القراءة نفسها, كما لو سجد بعد نهاية كلِّ سورةٍ أو بعد كلِّ مقطعٍ قرآنيّ، فتكون فكرته هي فكرة السجود القرآنيِّ نفسه. هذا، مضافاً إلى ما ورد من استحباب أنَّ الفرد كلما مرَّ على آية رحمةٍ طلبها, وكلما مرَّ على آية عذابٍ استعاذ منه[[426]]. فمن الحريِّ به أن يطلب ويستعيذ ساجداً سجوداً ظاهرياً أو معنوياً، مضافاً إلى مشاركة الساجدين في سجودهم, كسجود الملائكة أو غيرهم مما هو مرويٌّ في القرآن الكريم.
ولا يخطر في البال: أننا في الفقرة السابقة نفينا إمكان السجود، فيما إذا كان الأمر متوجهاً إلى الغير، كالملائكة. فكيف أثبتناه هنا.
وجواب ذلك: إننا في الفقرة السابقة نفينا أن يكون الأمر بالسجود متوجهاً إلى القارئ، مادام منصوصاً في الآيات على أنه متوجهٌ إلى غيره، وإذا لم يتوجه إليه الأمر بالسجود فلا مورد لامتثال الأمر القرآنيّ.
إلا أنَّ امتثال الأمر شيءٌ, ومشاركة الساجدين في سجودهم والتعاطف معهم شيءٌُ آخر، فهو يسجد تعاطفاً وإن لم يكن مأموراً, فيكون سجوده أكثر ثواباً وأعلى مقاماً.
 

الفقرة (28)

في صلاة الجماعة
 
تحتوي صلاة الجماعة على عدة عناصر، مأخوذةٍ بنظر الإعتبار شرعياً وفقهياً، بالرغم من أنَّ المؤدى اللغويَّ لها لا يتضمن أكثر من أنَّ جماعةً لا على التعيين يؤدون الصلاة في زمنٍ واحدٍ ومكانٍ مشترك.
العنصر الأول: الإمامة في الصلاة، فلا توجد صلاة جماعةٍ بلا إمام.
العنصر الثاني: وجوب متابعة المأموم أو المأمومين لأفعال الإمام في صلاته.
العنصر الثالث: إيمان الإمام وعدالته.
العنصر الرابع: عدم الفاصل الكثير بين الإمام والمأمومين، أو بين المأمومين أنفسهم, وإلا بطلت صلاة المتأخر وصحت صلاة الملتحق.
العنصر الخامس: اشتراكهم الزمانيّ في الصلاة. فإنَّ هذا ثابتٌ بالضرورة لغوياً وفقهياً.
العنصر السادس: اشتراط الذكورة مع كون المأمومين رجالاً أو فيهم الرجال، بخلاف ما لو كانوا نساءاً متمحضين.
العنصر السابع: اشتراط أن لا تكون صلاة الإمام أدنى من صلاة المأموم في بعض الصفات، فلا يجوز إمامة المتيمم بالمتوضئ أو القاعد بالقائم, أو المضطجع بالقاعد، أو الألثغ ونحوه[[427]] بالفصيح[[428]].
ولكلٍّ من هذه العناصر رمزيته الخاصة أو المشتركة بينه وبين غيره.
فالعنصر الأول: وهو الإمامة في الصلاة, ترمز إلى التقدم في كثيرٍ من الأشياء تقدماً يرتبط بالآخرين, وليس أنَّ مجرد الآخر أثرى منه, أو أكثر مؤلفاتٍ, أو أوفر في فرصة العمل.
بل هو تقدمٌ يرتبط بالآخرين، كتقدم المربِّي على من يربيه، والمرشد على من يرشده, والموجه على من يوجهه، والمعلم على من يعلمه, والقائد على من يقوده، والهادي على من يهديه, والناصح على من ينصحه، إلى غير ذلك كثير.
والإمامة كذلك هي العنصر المركزيُّ الذي ترتبط به العناصر الأخرى، كشرائط الإمام ووجوب متابعته ونحوها، ولا معنى لتابعٍ من دون متبوع, أو مأمومٍ بدون إمام.
 
وللإمامة في الإسلام عدة معانٍ:
الأول: القدوة في الأمور الإلهية ذات الأهمية في تعميق الإيمان والوصول إلى مدارج الكمال. ومنه قوله تعالى مخاطباً إبراهيم الخليل على نبينا وآله وعليه السلام : [إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً][[429]]. وقد ورد أنه جعله إماماً بعد أن كان نبياً مرسلاً[[430]]. فالإمامة بهذا المعنى أعلى من تلك المراتب.
الثاني: العصمة من الذنوب والعيوب أو ما يسمى بالعصمة الواجبة, وهو ما يتصف به في معتقدنا سائر الأنبياء, مضافاً إلى المعصومين الأربعة عشر، عليهم الصلاة والسلام أجمعين.
وكلهم بهذا المعنى يكونون قدوةً لغيرهم في تطبيق العدل على أنفسهم قبل الآخرين. ومنه قوله تعالى على لسان أحدهم: [وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ][[431]].
الثالث: تبليغ الشريعة العادلة عن الله عزَّ وجلّ. والتي جاء بها هو بنفسه, كموسى  أو نبيِّ الإسلام 9, أو جاء بها غيره ككثيرٍ من الأنبياء، وأئمتنا المعصومين .
الرابع: تبليغ الشريعة العادلة التي جاء بها نبيُّ الإسلام خاصةً، وهذا يخصُّ المعصومين الأربعة عشر، بعد الإسلام.
الخامس: الوصاية عن النبيِّ  بعد وفاته، بالإشارة إليه على أنه هو الوصيّ, وهذا: يخصُّ الأئمة الإثنى عشر الذين نعتقد بإمامتهم. وفرقه عن الوجه السابق أنَّ النبيَّ  نفسه وابنته الزهراء  كانت مندرجة هناك دون هذا الوجه.
السادس: النيابة العامة عن المعصومين . وهي صفةٌ للفقيه العارف المنصوب من قبلهم سلام الله عليهم، للولاية على الناس.
السابع: القدوة في الأمور الصالحة والعادلة, بل كل قدوةٍ حتى ولو كان في الباطل. ومنه قوله تعالى: [يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ][[432]]. وقوله تعالى: [وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً][[433]]. وقوله عزَّ من قائلٍ في القدوة الباطلة: [وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ][[434]].
الثامن: التقدم في الأمور الدينية بشكلٍ محددٍ، كإمامة الحجّ, وقيادة الجيش المجاهد, وسدانة المراقد والمساجد، ونحو ذلك، ومنه إمامة الجماعة في الصلاة.
التاسع: المرجعية في التقليد. حيث يكون الفرد فقيهاً فيجوز للعوامِّ أن يقلدوه في تفاصيل أحكام دينهم.
العاشر: إمامة الجماعة في الصلاة خاصة.
إلى معانٍ أخرى للإمامة لا حاجة إلى استعراضها. وكلها تتضمن معنى التقدم من ناحية, والقدوة من ناحيةٍ أخرى كما قلنا.
 

الفقرة (29)

وجوب المتابعة
 
كان العنصر الثاني لإمامة الجماعة في الصلاة هو وجوب المتابعة، يركع فيركعون، ويسجد فيسجدون، ويقوم فيقومون. ولايجوز لأحدٍ من المأمومين أن يسبق الإمام بأيِّ عملٍ رئيسيٍّ في الصلاة، بحيث يمثل جزءاً واجباً منها.
والمتابعة في الأمور المعنوية تعني أموراً عديدةً, بل إنَّ لكلِّ معنىً من المعاني السابقة للإمامة شكلاً من أشكال المتابعة لا محالة. غير أنه يمكن[[435]] تلخيص المعاني الرئيسية لها في عدة نقاط:
أولاً: الإتجاه أو قل: الإشتراك في الإتجاه أو قل: المتابعة في الإتجاه نحو الهدف المعنويّ, الذي قد يكون إلهياً إذا كان حقاً. وقد يكون غيره.
ثانياً: الطاعة، بمعنى الإلتزام بتنفيذ التعاليم والأحكام الصادرة من الإمام، بأيِّ معنىً من المعاني السابقة.
ثالثاً: الإشتراك بعملٍ معيَّن، طبقاً لهدفٍ يستهدفه الإمام, وطاعته باعتبار أمره بهذا العمل.
والصلاة يمكن أن تكون مصداقاً أو تطبيقاًٍ لكلِّ هذه المعاني الثلاثة، فهي تحتوي على اتجاهٍ مشتركٍ نحو الكمال بمتابعة الإمام في الصلاة. باعتبار أنَّ الصلاة تؤثر في ذلك لا محالة، فهي [معراج المؤمن][[436]]. و[تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ][[437]]. وهي [قربان كلِّ تقيّ][[438]]. وهذا هو المعنى الأول فيها.
وهي أيضاً عملٌ متناسقٌ بين الإمام والمأمومين وبين المأمومين أنفسهم إذا كانوا متعددين. وهذا هو  المعنى الثالث.
وإذا كان الإمام قد أمر بحضور الجماعة, أو له أية رغبةٍ في ذلك، فيكون حضورها مستحباً أحياناً, وواجباً أحياناً، طبقاً لهذا الأمر، فيكون مطابقاً للمعنى الثاني.
 

الفقرة (30)

عدالة الإمام
 
كان العنصر الثالث الذي عرفناه لشرائط الجماعة, هو كون الإمام مؤمناً عادلاً.
وهذا مضافاً إلى الجهة الفقهية أو التشريعية فيه، فإنه من أعظم الضرورات منطقياً وأخلاقياً، باعتبار أنَّ الإمام هو القدوة والمربِّي والمرشد والقائد والمحرك والآمر. فإذا أردنا أن نستهدف هدفاً حقيقياً كاملاً، كان من الخطل أن يكون المربي نحوه، الآمر به والمرشد إليه، شخصاً ضعيف الإيمان أو عديم العدالة، بل لا بدَّ أن يكون حائزاً منهما على قسطٍ عظيمٍ ليكون أهلاً لمثل هذه المناصب أو المهامّ.
ونحن إذ استعرضنا معاني الإمام التي سمعناها، قبل فقرتين من هذا الحديث، وجدنا جميعها تنسجم بل تتعين في هاتين الصفتين، ماعدا واحداً وهو الإمامة الباطلة التي قال الله سبحانه وتعالى عنها: [وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ][[439]]. ولا يمكن أن نتصور إماماً حقاً إلا بذلك.
وبتعبيرٍ آخر: إنَّ الإمام بصفته مربياً للإيمان والعدالة في الأفراد بالتدريج، يجب أن يكون متصفاً بهما، لأنه إذا كان فاقداً لهما أو لأحدهما تعذرت عليه هذه التربية، لأنَّ فاقد الشيء لا يعطيه.
كما أننا لو لاحظنا معنى المتابعة الذي سمعناه، أمكننا أن نلاحظ أنه لا يمكن متابعة أيِّ إمامٍ لا يتصف بالإيمان والعدالة،إلا إذا وافقنا أن يكون من الأئمة الذين يهدون إلى النار، لا إلى الحقِّ والهدى والتقوى. 

الفقرة (31)

طهارة المولد
 
من الشرائط التي يذكرها الفقهاء وتدعمها النصوص، هو أن لا يكون الإمام ابن زنا.
وهذا ثابت، كما هو معلومٌ للقارئ الفطن، في كلِّ معاني الإمام الحقّ، وفي كلِّ معاني متابعته.
ونحن إذا لاحظنا معنى ابن الزنا أو ولد الزنا، أمكننا أن نفهم منه أحد معنيين: المعنى المادِّيّ ـــ لو صحَّ التعبير ـــ وهو الولد الناتج عن العلاقة غير المشروعة بين شخصين، والمعنى المعنويّ، وهو الفرد الناتج من تربيةٍ فاسدة.
وتقريب الفهم المعنويِّ كما يلي: إنَّ هناك فرقاً بين الأب والوالد، وبين الأمِّ والوالدة, وبين الإبن والولد. فاصطلاح الوالد والوالدة والولد، إنما هو متعرضٌ للولادة المعروفة. فلابدَّ أن نفهم منه المعنى الذي قلناه، بغضِّ النظر عما سنقوله فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وإذا لاحظنا مجموعة الألفاظ: الأب والأمّ والإبن, لم يتعين حملها على الولادة, بل يمكن أن نفهم منها عدة جهاتٍ معنويةٍ وغير معنوية. فالأب والإبن يمكن أن يكونا كذلك بالتربية أو التعليم أو الهداية أو بالـتجارة أو بالشهرة أو بالسلطة أو بأمورٍ أخرى قد تخطر على البال. فالمربي أبٌ لمن يربيه, والمعلم أبٌ لمن يعلمه, والهادي أبٌ لمن يهديه, والتاجر أبٌ للعامل المستمرِّ عنده, وهكذا.
وإذا تمَّ ذلك، أمكننا أن نتصور [ابن زنا] معنويٍّ في مثل هذه الأبوة المعنوية. وكذلك فيما إذا كان هناك نقصٌ كبيرٌ أو أساسيٌّ, إما في [الأب] أو فيما هو واسطةٌ لهذه [الأبوة], كما لو كان العامل يعمل عند تاجرٍ يشغل الأموال الحرام المغصوبة أو المجهولة المالك, أو كان التلميذ يتلقى العلم من شخصٍ غير مؤهلٍ له، أو يسمع منه أموراً باطلةً وشبهاتٍ مضللةً، تبعده عن الحقّ, وقس على ذلك سائر أشكال الأبوة والأمومة.
وإذا تمَّ ذلك كان المنع الشرعيُّ عن ممارسة ابن الزنا للإمامة, بأيِّ معانيها الحقة، أمراً منطقياً وصحيحاً تماماً, بل ضرورياً حقيقةً. لوضوح أنَّ من ساءت تربيته وفسدت ثقافته، لا يصلح لأن يكون هو المربي والمرشد والآمر والمطاع بطبيعة الحال, بما في ذلك معنى إمامة الجماعة في الصلاة.
فهذا هو الحال في [ابن الزنا]. بل يمكن أن يكون كذلك الحال في [ولد الزنا] لو كان هو المستعمل في كلمات الفقهاء ونصوص الأدلة هو ذلك, لأكثر من مستوىً واحد:
المستوى الأول: إنَّ العرف لا يفرق بين اللفظين: ابن الزنا وولد الزنا. فإذا فهمنا من أحدهما المعنى المعنويّ, أمكن أن نفهمه من اللفظ الآخر. وإذا كان أحدهما مسوقاً في الأدلة الفقهية, أمكن أن نفهم منه الآخر. ومن ثمَّ يمكننا أن نفهم منه المعنى المعنويّ.
المستوى الثاني: إننا يمكن أن نقول: إنَّ الولادة ولادتان: ولادةٌ ماديةٌ أو حقيقيةٌ أو جسديةٌ وهي المنظورة أو المتعارفة. وولادةٌ معنويةٌ, وهو ما يحصل مع الأبوة والأمومة المعنوية تجاه الطالب والمتربِّي والعامل والمهتدي والمأموم وأضرابهم.
وحاصل مفهوم ذلك: أنَّ الفرد قد يتبع شخصاً بعينه أو مذهباً بعينه, دينياً أو فلسفياً أو اجتماعياً أو أيَّ شيءٍ آخر، فيشدد التركيز عليه والإنتهال من معينه، حتى يصبح وكأنه صار شخصاً آخر، وتتغير بذلك نظرته إلى الناس ومعاملته معهم، كما تتغير نظرته إلى نفسه ومعاملته معها، وهكذا الحال في أكثر الأشياء أو كلها، وبذلك يكون قد ولد ولادةً جديدةً من رحمٍ معنويٍّ جديد. فإذا كان هذا [الرحم] قد حمله بدون مشروعيةٍ مسبقةٍ كان هذا الوليد الجديد [ولد زنا]. وكان مشمولاً للحكم بتعذر كونه إماماً بأيِّ معنىً من المعاني السابقة، وهو مستحقٌّ لذلك لأنه إنما حصل على هذه النتيجة باختياره ورغبته، وليس رغماً عليه كما في [ابن الزنا] الحقيقيِّ أو الجسديّ.
وإذ لم يكن الأمر باختياره، من بعض الجهات، فإنَّ الحاصل أنَّ تربيته فاسدةٌ وعقائده مختلةٌ، فهو فاقدٌ لشرطيِّ الإيمان والعدالة، فلا يصلح للإمامة.
بل الأمر نفسه أو ما يشابهه يمكن أن يقال بالنسبة إلى ولد الزنا الحقيقيِّ أو الجسديّ, لعدة مستويات:
المستوى الأول: إنَّ ولد الزنا يكون مكروهاً في المجتمع ومنظوراً إليه بازدراء, ومعه لا يمكن أن يكون صالحاً للإمامة, لأنَّ المفروض بالإمام أن يكون محبوباً للناس، ولا أقلَّ من أنهم يتابعونه ويطيعونه بقناعةٍ وإخلاص.
المستوى الثاني: إنَّ ولد الزنا حين يعلم من نفسه هذه الصفة, ويرى ازدراء المجتمع له, يصبح معقداً نفسياً, وشاذاً شعورياً, بالشكل الذي يسقط معه بكلِّ تأكيدٍ عن إمكانية الإمامة بأيِّ معنىً من معانيها.
المستوى الثالث: إنَّ ولد الزنا، لا يتربى ولا يمكن أن يتربى في أسرةٍ وتعاطفٍ وحنان، بل يعيش لا محالة بدون أبوين متشرداً في أحضان الآخرين الذين تغلب عليهم الخسة والسفالة، فمن أين تكون له صفةٌ محمودةٌ إلا نادراً؟!.
المستوى الرابع: إنَّ الزانيين لا يكونان ـ عادةً ـ من طبقاتٍ مهذبةٍ ولا متدينةٍ ولا إنسانية، وأدلُّ دليلٍ على ذلك هو ممارستهما لهذه الجريمة المنكرة لمجرد الشهوة الجنسية؟!.
فإذا واجه الطفل من أول نشأته مربين متسافلين ومائعين، فكيف سوف تصلح نفسه ويهتدي عقله وقلبه ليكون صالحاً للإمامة بأيِّ معنىً من معانيها.
المستوى الخامس: يمكن أن يقال: بناءاً على المسلك الفلسفيِّ والعرفانيِّ القائل بوجود الأرواح البشرية قبل الأجساد، والذي يعبر عنه الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا في عينيته المشهورة: نزلت إليك من المحلِّ الأرفعِ[[440]].يعني الروح.
إنه بناءاً على ذلك يمكن أن يقال: إنَّ الله سبحانه وتعالى بقدرته الواسعة وعدله الأكبر، يختار لكلِّ جسدٍ من الأجساد ما يناسبه من الأرواح. فإذا كان الجسد ناتجاً عن أسلوبٍ مشروعٍ وصحيح، أنزل إليه روحاً صالحة. وإذا كان الجسد ناتجاً عن أسلوبٍ غير مشروعٍ أنزل إليه روحاً فاسدةً ومتمردةً، أو قل: إنه سبحانه وتعالى ينزل للطريق المشروع روحاً من عالم النور، وينزل للطريق غير المشروع روحاً من عالم الظلام, ما شئت فعبر. والمهمُّ هو المطابقة العادلة بين الجسد والروح، إن خيراً فخيرٌ، وإن شراً فشرّ.
ومعه لا بدَّ أن يكون ابن الزنا دائماً، أو في الأعمِّ الأغلب جداً, شخصاً فاسد النفس مظلم القلب، فلا يمكن أن يكون صالحاً للإمامة الصالحة.
وأما الحديث عن انقسام الأرواح هناك وسببه فهو ما لا مجال له في هذه العجالة.
وعلى أيِّ حال، فابن الزنا بكلِّ معانيه لا يمكن أن يكون صالحاً للإمامة، ولا يمكن للشريعة العادلة والخالدة أن تجيز له هذه الصفة العظيمة بأيِّ معنىً من معانيها.
 

الفقرة (32)

عدم الفصل الزائد في الجماعة
 
كان العنصر الرابع الذي عرفناه لصحة الإئتمام لأيِّ فرد, أو لأية مجموعة: أن لا يكون هناك فاصلٌ كبيرٌ بين الإمام والمأمومين أنفسهم، فإن حصل مثل هذا الفاصل بطلت صلاة البعيد وصحت صلاة القريب.
 
والمعنى المعنويُّ من هذا الحكم، يتحقق بأحد مستويين:
المستوى الأول: إنَّ بُعد المأموم عن الإمام يعني بعده عنه فكرياً أو عقلياً أو نفسياً أو حضارياً ونحو ذلك. الأمر الذي قد يعني عدم الإيمان بجدارته وولايته وهدايته، وإن كان الفرد مؤمناً به في الجملة، فهو ليس على استعدادٍ أن يدخل معه في التفاصيل, أو يتلقى منه الحقائق والدقائق, ومن ثمَّ فهو بعيدٌ عنه فكرياً واجتماعياً كما يكون بعيداً عنه في الصلاة.
ومثل هذا الفرد قد يؤدي به الحال إلى مخالفة توجيهات ذلك الإمام أو عصيان أوامره, وفي ذلك ما فيه من البعد الحقيقيِّ عنه, بل ومن المشاكل الشرعية والإجتماعية.
المستوى الثاني: في بعد الفرد عن المأمومين أنفسهم، وهذا يقتضي بنفسه بعده عن الإمام أيضاً، فتترتب نفس النتائج السيئة السابقة, وبالنتيجة تبطل صلاته لعدم الإلتحاق بطريق الحقِّ والهداية, فلا ينال منها شيئاً.
يضاف إلى ذلك، إنَّ بعده عن المأمومين يعني أنه ليس من جماعتهم, لا في الصلاة ولا في غيرها، وإنما يسير منفرداً عنهم أو مع مجموعةٍ أخرى. فإن فرضنا أنَّ إمام هذه الجماعة هو صاحب الهداية الحقة، كان مثل هذا الفرد ضالاً لا محالة.
نعم، إذا كان المربون والموجهون عديدين في المجتمع, بحيث يكونون كلهم على حقٍّ، وهذا ممكنٌ بطبيعة الحال, إذن، فالإلتحاق أو الإنضمام إلى أيٍّ منهم يكون سبباً للتكامل، ولكن يكون الإبتعاد والإنفراد عن كلِّ المربين سبباً غالبياً جداً للضلال والإنزواء عن الهداية الحقيقية.
ومن ثمَّ قيل: [من لا شيخ له فشيخه الشيطان][[441]] ولم أجد ذلك في روايةٍ في أيِّ مصدر. ولكنه معنىً تقريبيٌّ غالبيٌّ صحيح.

الفقرة (33)

وحدة الزمان في الصلاة
 
كان العنصر الآخر الذي عرفناه لصلاة الجماعة اشتراكهم الزمانيّ في الصلاة، كما كان العنصر السابق يعود إلى اشتراكهم المكانيّ، وكلاهما ثابتٌ بالضرورة,  إذ لو كانوا متفرقين في المكان أو الزمان، بطلت صلاة المتخلفين والمبتعدين عن الإمام لا محالة.
واشتراكهما الزمانيُّ في الصلاة، يعني أنهم يتعبدون لله عزَّ وجلَّ سويةً، ويشتركون جميعاً في عبادةٍ متكاملةٍ مستمرةٍ إلى نهايتها.
وهذا يعطي رمزيةً عن عددٍ من الأشياء, لأنَّ العبادة قد تكون فرديةً وقد تكون اجتماعيةً، كما قد تكون ظاهريةً وقد تكون قلبيةً, كما قد تكون فرديةً وقد تكون جماعية.
والفرق بين الإجتماعية والجماعية، في قصدنا هذا, أنَّ الإجتماعية ما يعود أثرها إلى الآخرين، والجماعية هي ما يكون العمل مشتركاً فيها مع الآخرين.
وبهذه التقسيمات يتصاعد بنا الحساب إلى عدة صور، يمكن أن نذكر بعضاً من الأهمِّ منها:
فمن ذلك: الإشتراك في عبادةٍ جماعيةٍ اجتماعيةٍ واحدة, كالإشتراك في مجالس الذكر المعتاد عليه أهل التصوف، والإشتراك في مجالس العزاء في ذكرى وفيات الأئمة المعصومين . وكذلك الإشتراك في قضاء حاجةٍ اجتماعيةٍ أو دفع ضرورةٍ اجتماعيةٍ، ونحو ذلك.
ومن ذلك: الإشتراك أو التجاوب القلبيُّ أو النفسيُّ في التكامل, ومن الأمثلة البسيطة لذلك, أنَّ الفرد قد يسمع شخصاً يقول: لا إله إلا الله، فيميل نفسياً جداً إلى أن يقول هو أيضاً: لا إله إلاالله.

الفقرة (34)

ذكورة إمام الجماعة
 
كان العنصر الآخر الضروريُّ توفرُه في إمام الجماعة للصلاة, أن يكون الإمام ذكراً، فيما إذا كان المأمومون ذكوراً, ولا يجوز أن يكون أنثى إلا بجماعة النساء. فالرجل يؤمُّ النساء, إلا أنَّ المرأة لا تؤمُّ الرجل. أو قل: إنَّ الرجل يؤمُّ الرجال والنساء, في حين أنَّ المرأة لا تؤم إلا النساء.
وهذا يرمز لا محالة إلى أنَّ المرأة غير مخولةٍ في قيادة الرجال، في أيِّ نوعٍ من أنواع القيادة كانت، لا في الظاهر ولا في الباطن، ولا يجوز لها, بل لا يمكن لها ذلك. وإنما فقط تستطيع أن تقود أو توجه أمثالها من النساء أحياناً.
وهذا الحكم يقودنا إلى التساؤل عن سببه وحكمته من تشريعه وجعله، لا محالة. وهذا التساؤل يقودنا إلى الحديث عن عدة مستويات:
المستوى الأول: انه من المعلوم للمتشرعة أنه لا يستطيع أحد أن يحيط بالحِكَم الواقعية من الأحكام ]وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ[[[442]] وإنما قد يلتفت العقل البشريُّ إلى شيءٍ من ذلك, وقد لا يلتفت. فإن التفت كان اللازم الحمد على هذه النعمة. وإن عجز كان ذلك قصوراً في إدراكه، لأجل محدوديته الذاتية لا محالة.
ولعلَّ ما يدركه العقل من ذلك إنما هو مجرد تقريباتٌ لأجل تلطيف الجوّ وتقريب الفهم. بمعنى أنه من المحتمل أنَّ ما قد يدركه كله ليس هو الحكمة الواقعية، بل هي وراء ذلك كله.
على أننا من الناحية التشريعية والأخلاقية بكلِّ تأكيد، ليس من حقنا التساؤل عن الحكم على الإطلاق. وإنما شغل العبد المؤمن هو التعبد بالتعاليم الشرعية على واقعها، ثقةً بعدالة مشرعها، ذي العدل اللانهائيِّ جلَّ جلاله, وعدم إساءة الأدب بالإستفهام عن المصالح والحكم فيها, ولا شكَّ أنَّ مثل هذا الإستفهام من الناحيتين الأخلاقية والعرفانية ذنبٌ كبير، يستحق عليه الفرد ما يشاء الله سبحانه وتعالى من العقوبة.
وإنما انبثقت أمثال هذه التساؤلات، نتيجةً للجهل المتفشي في المجتمع. وأجّج أُوارها التشكيك الوارد من قبل الإستعمار والإستعماريين ضدَّ الدين والمتدينين.
المستوى الثاني: إنَّ ما نستطيع أن نفهمه من الحكمة من ذلك، يتلخص بهذا المستوى وما بعده.
ففي هذا المستوى نقول: إنَّ الظاهر من مجموعة ضخمة من الأدلة, سواءٌ في الكتاب الكريم أو السنة الشريفة، كما انه المفهوم لدى المتشرعة من دينهم والمتسالم عليه بين المذاهب الإسلامية, أنَّ الدين الإسلامي كرّس الرجل لعملٍ معين وكرّس المرأة لعملٍ معين، أو قل: إنَّ للمجتمع نوعين من العمل لكي يتمَّ فيه التكامل وسدّ جميع الثغرات وقضاء جميع الحاجات. وقد أعطت الشريعة وجوباً أو استحباباً أحد النوعين للمرأة, وأعطت النوع الآخر للرجل. وهذا لا يعني أنهما لا يشتركان في كثير من الأعمال أيضاً بدورهما.
فقد أعطيت الأسرة للمرأة, والخارج للرجل بشكلٍ تقريبيّ, ولكنه واضح، وإن كان هذا لا يعني الفصل التامّ بينهما.
 
وما يمكن إدراكه من الحكمة لهذا الفصل التطبيقي بين الجنسين، عدة أمور ممكنة، نذكر منها أمرين:
الأمر الأول: إنَّ الخلقة التكوينية للرجل والمرأة تقتضي ذلك, من حيث أنَّ المرأة مكرسةٌ خَلقياً للحمل والطمث والولادة والإرضاع والشفقة المتزايدة على الذرية، ونحوها من الصفات التي يتعذر على الرجل القيام بها بأيِّ حال.
وهذه الصفات التكوينية أقرب بكلِّ وضوحٍ إلى مسألة تكوين الأسرة وتربية الذرية والإشراف على [الداخل]. في حين عندما أصبح الرجل خُلواً من تلك العوارض، أوكلت الشريعة له الإشراف على [خارج] الأسرة، بما فيها العلاقات الإقتصادية والإجتماعية, وخصّتها بشريحة الرجال من المجتمع.
الأمر الثاني: منع الإختلاط بين الجنسين بشكلٍ يؤدي إلى مضاعفاتٍ غير محمودة لدى العقل والعقلاء والشرع والمتشرعين، مما لايخفى على القارئ، حتى في اختلاط الأنساب والمواريث, وغيرها كثير.
المستوى الثالث: إنَّ اختلاف الخلقة الجسدية بين الجنسين يدل على اختلاف الخلقة النفسية لا محالة. وهذا الإختلاف أنتج كون المرأة غير قابلة لقيادة الرجال وإنما تستطيع قيادة أمثالها من النساء. وأعني بالقيادة: التوجيه الظاهريّ والباطنيّ معاً.
 
ونستطيع القول:
أولاً: إنَّ الله عزَّ وجلَّ كما هيأ المرأة والرجل جسدياً لمهامِّ الداخل والخارج، كلاً بحسبه، كذلك هيأهما نفسياً لذلك، أعني من حيث التكوين الباطنيّ والعقليّ والنفسيّ والعاطفيّ وغير ذلك.
وإذا كانت المرأة مهيئةً لداخل الأسرة جسدياً ونفسياً، إذن، فهي غير مهيئةٍ لقيادة الخارج.
ثانياً: إنه بغضِّ النظر عن ذلك، فإنَّ لقيادة المجتمع بأيِّ شكلٍ من الأشكال قابلياتٍ نفسيةً وعقليةً معينة، لايمكن بدونها ممارسة القيادة بأيِّ حال. وقد عرفنا أنَّ نوع الرجل حاوٍ على هذه الميزات، بدليل حصول الرجال خلال الأجيال على أنواعٍ من القيادات الإجتماعية.
كما عرفنا اختلاف المرأة عن الرجل إجمالاً من النواحي العقلية والشعورية والنفسية، إذن ينتج عن ذلك عجز المرأة عن هذه القيادة, وأنها غير حاويةٍ للمؤهلات التي تجعلها قابلةً لتولي أمثال هذه المسؤوليات.
المستوى الرابع: يمكن القول بوضوح: إنَّ أيَّ جنسٍ من الرجل والمرأة يكون أخبر بالواقع النفسيّ والعقليّ والشعوريّ لجنسه من الجنس الآخر، ومن ثم يكون أخبر بحاجاته وطرق التأثير عليه, سواءٌ كان بالحقّ أو الباطل، من الجنس الآخر. ولا ينبغي أن يكون ذلك أمراً قابلاً للتشكيك.
وهذا هو الذي يفسر لنا بوضوح عدم إمكان قيادة المرأة للرجل, لأنها لا تدرك تكوينه النفسي, ولا حاجاته الحقيقية, ولا طرق التأثير عليه. وليس المراد أنها لا تدرك ذلك بالمرة, وإنما المراد أنَّ الجنس الواحد أكثر اطلاعاً على جنسه من الآخر, فيبقى هذا الفرق من الإطلاع بين الرجل والمرأة مهماً، في معنى التوجيه والقيادة إلى ما فيه المصلحة.
يبقى أنه قد يخطر في البال، أنَّ هذا المستوى من الحديث عاجزٌ عن تفسير إمكان قيادة الرجل للمرأة. لأنه أيضاً ـ طبقاً لهذا المستوى ـ غير مطلعٍ حقيقةً على مستوياتها النفسية وحاجاتها الحقيقية, فينبغي أن لا يكون قابلاً لقيادتها وتوجيهها.
إلا أنَّ لذلك بعض الوجوه المحتملة في الجواب، نذكر بعضها بصفته أطروحةً كافية.
أولاً: إنه في الإمكان القول: إنَّ المرأة غير مطلعة على حقيقة الرجل، غير أنَّ الرجل مطلعٌ على حقيقة المرأة. ولا أقلَّ من اطلاعه على المقدار الكافي لقيادتها وتوجيهها, ولا حاجة إلى الإطلاع على أكثر من ذلك.
ثانياً: ان توجيه المرأة وقيادتها يتمّ بتوجيه المجتمع ككلّ، أو قل بتوجيه مجموعةٍ من الرجال فيه. إذ يستلزم من ذلك تعاليم معينة وردود فعل معينة بالنسبة إلى النساء، وهذا يكفي في القيادة، حتى لو كان الرجل جاهلاً بالطبيعة الحقيقية للمرأة، كما فرضنا في هذا المستوى الرابع أصلاً.
المستوى الخامس: إنَّ الأفراد, بل والأنواع, بل والمخلوقات عموماً، لا تتفق بل لا يمكن أن تتفق في الصفات عامة, وفي درجات الصبر والتحمل خاصة، وأخصُّ بالذكر درجات التحمل في استهداف الأهداف والوصول إلى النتائج، وخاصةً إذا كان الهدف مهماً جداً, ومعمقاً جداً, وبعيداً جداً. وكلما كان الهدف أقرب كانت دائرة الحصول عليه، أعني عدد الأفراد المستهدفين له والحاصلين عليه بل المدركين له أكثر، وكلما كان الهدف أبعد، كانت دائرة الحصول عليه أقلَّ بطبيعة الحال.
فإذا كان الهدف هو الهدف الأصليّ من الخلقة كما في قوله تعالى: ]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ[[[443]]. بمعنى العبادة الحقيقية التي تشمل الفرد كله، كان نيل مثل هذا الهدف مختلفاً أيضاً بنفس تلك الفلسفة. حتى إنه ورد عن جبرائيل  حين دعاه  النبي في المعراج إلى التقدم في أنوار العظمة الإلهية، أنه قال: [لو تقدمت أنملةً لاحترقت][[444]]. فتقدم نبي الإسلام  وحده.
وهذا يدلنا على الإختلاف الشديد في نيل الأهداف لا بين الأفراد فقط، بل بين كلِّ المخلوقين. حتى أنَّ جبريل  على عظمة خلقته، وكونه من أكابر الملائكة، لم يستطع أن يتقدَّم في تلك الدرجات العلى.
ومعه، فمن الممكن القول، ولو بنحو الأطروحة المحتملة، ريثما يرزق الفرد الإطمئنان إليها والوثوق بها. من الممكن أن تكون المرأة أقلَّ تحملاً من الرجل لنيل الأهداف العليا, سواءٌ قصدنا الصبر على مقدماتها, أو على نتائجها والوصول إليها.
ومن هنا ورد: [ما زكا من النساء إلا أربعة, ولقد زكا من الرجال خلقٌ كثير][[445]].
وهؤلاء أربعة النساء هنَّ: خديجة بنت خويلد زوجة  النبي, وفاطمة الزهراء بنت  النبي, ومريم بنت عمران أم المسيح، وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون موسى, سلام الله عليهنَّ أجمعين.
 
بقي أن نشير إلى أمرين:
الأمر الأول: إنَّ المراد من الزكاة والتكامل في هذا الحديث، التكامل الحقيقيّ والوصول الكامل. لأننا لو نظرنا إلى النساء الصالحات في الإسلام وما قبل الإسلام وجدناهنَّ كثيرات, وإن لم يكنَّ بنسبةٍ عاليةٍ بين النساء, فمن الضروريِّ أن نحمل معنى الحديث على ذلك. فإن حملناه على هدفٍ أدنى أو أقلّ في الدرجات العلى، يكون عندئذٍ قد زكى من النساء خلقٌ كثير. وإن كُنَّ عموماً أقلَّ عدداً من الرجال بكثير، إذ يندرج في الرجال جميع الأنبياء والرسل والأولياء والمعصومين والصديقين والمقربين والأبرار, وأضرابهم كثير.
الأمر الثاني: إنَّ القاعدة العامة ـ كما قلنا في الأطروحة ـ أنَّ المرأة أدنى هدفاً وأبطأ وصولاً من الرجل، لأنها أقلُّ صبراً وتحملاً لمقدمات الأهداف ونتائجها, بل أغلبهنَّ أقلُّ إدراكاً وتعقلاً لتلك الأهداف أيضاً, فكيف تستهدف ما لا تتعقله.
إنَّ القاعدة العامَّة في المرأة, وإن كانت هي تلك، إلا أنه مع ذلك فقد [زكا] منهنَّ هؤلاء الأربعة. فما من عامٍّ إلا وقد خصَّ، كما في المثل. لأنهنَّ وهبن كلَّ وجودهنَّ لتلك الأهداف وتحملن المقدمات والنتائج بجلدٍ كاملٍ وصبرٍ متواصل، ليكون في الحكمة الإلهية وجودهن ووصولهن حجة على النساء الأخريات اللاتي قد يحصل منهنَّ التقصير في هذا الطريق. أليس مريم وآسية امرأتين مثلهن؟
ووصولهنَّ يشبه نهراً سريع الجريان متدفق الأمواج, يراهن على السباحة فيه جماعة من الناس كمئة فرد مثلاً، فيغرق الجميع أو يفشلون, ولا يصل منهم إلا واحدٌ أو اثنان، ممن تصاعدت همته وقوى جسمه وصحَّ صبره. ولله في خلقه شؤون.
هذا، ولو توسعنا في فهم هذا المستوى الرابع[[446]] لاستطعنا أن نفسر به جميع الظواهر التي سلفت في المستويات الثلاثة السابقة، غير أنَّ الإفاضة في ذلك تخرج عن الإختصار، فنوكله إلى فطنة القارئ.
 

الفقرة (35)

 أفضلية إمام الجماعة
 
كان العنصر السابع والأخير, الذي ذكرناه لصحَّة صلاة الجماعة هو أن لا يكون الإمام أدنى من المأموم في عددٍ من الصفات المربوطة بالصلاة، كما لو كان متيمماً بالمتوضئ أو قاعداً بالقائم, أو ألثغ بالفصيح ونحو ذلك.
والعطاء من هذا الشرط في الجانب المعنويّ، ينبغي أن يكون واضحاً كالشمس الطالعة، إذ لا معنى لتقدم المتأخر وإمامة المتدني. ولو حصل التقدم ظاهراً لم يحصل واقعاً، وكان في نفس الوقت ظلماً للمتبوع وجناية عليه، وبالتالي فهو شكلٌ من أشكال الإعاقة عن التكامل والوصول إلى الهدف.
والسيرة البشرية في كلِّ الحقول والأديان والعلوم، هو أن يكون الفرد الأكمل هو الموجه والقائد والمدبر، والفرد الأقل منه هو الطالب والمتعلم، ولم يصادف العكس إلا تحت ظروفٍ استثنائيةٍ باطلة.

الفقرة (36)

مستحبّات صلاة الجماعة
 
ذكر الفقهاء: إنه يستحبُّ للإمام أن يقف محاذياً لوسط الصفِّ الأول, وأن يصلي بصلاة أضعف المأمومين، فلا يطيل إلا مع رغبة المأمومين بذلك, وأن يسمع من خلفه القراءة والأذكار فيما لا يجب الإخفات فيه, وأن يطيل الركوع إذا أحسَّ بداخلٍ في الصلاة بمقدارٍ مثلَي ركوعه المعتاد, وأن لا يقوم من مقامه إذا أتمَّ الصلاة حتى يتمَّ من خلفه الصلاة.
ويستحبُّ أن يقف أهل الفضل في الصف الأول، وأفضلهم في يمين الصف، وميامين الصفوف أفضل من مياسرها، والأقرب إلى الإمام أفضل. وفي صلوات الأموات يكون الصفُّ الأخير أفضل.
ويستحبُّ تسوية الصفوف وسدُّ الفرج والمحاذاة بين المناكب، واتصال مساجد الصفِّ اللاحق بمواقف السابق. والقيام عند قول المؤذن[قد قامت الصلاة]. ويقول خلال ذلك: اللهمَّ أقمها وأدمها واجعلنا من صالحي أهلها. وأن يقول عند فراغ الإمام من الفاتحة: الحمد لله ربِّ العالمين. والصلاة إماماً أفضل من الصلاة مأموماً[[447]].
ويكره للمأموم الوقوف في صفٍّ وحده إذا وجد موضعاً في الصفوف، ويكره التنفل بعد الشروع في الإقامة، وتشتدُّ الكراهة عند قول المقيم: قد قامت الصلاة، والتكلم بعدها إلا إذا كان لإقامة الجماعة كتقديم إمام، ونحو ذلك، ويكره إسماع الإمام ما يقوله المأموم من أذكار، وأن يأتمَّ المؤتمُّ بالمقصر وبالعكس[[448]].
 

الهوامش

الفهرس || السابق || التالي

السيرة الذاتية || الصور || المؤلفات || ما كتب حوله